يعني: يكفي عند الإمام الترمذي في سننه وحسنه: ((إذا كذب العبد ابتعد الملك عنه ميلًا من نتن ما جاء به)) والعياذ بالله، يعني: كأن الكذب تنتج عنه رائحة كريهة، تخرج من فم الكاذب، فيتأذى بها الملك الموكل به، فيبتعد عنه بمسافة ميل، والمسافة هنا ليس المراد منها التقدير الدقيق بالمسافة، وإنما المراد أن الملك يشمئز منه، فيبتعد عنه مسافة كبيرة، قد لا يكون التحديد بالميل مقصودًا لذاته، إنما المقصود أنه يشمئز ويتقزز فينصرف بعيدًا عنه؛ لنتن ما جاء به من الكذب.
هذه الأحاديث والأدلة تبين خطورة الكذب، وكما قلت يشتد الأمر إذا كان الكذب متعلقًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك كان الاهتمام البالغ بتصحيح الأخبار وتصديقها ومطابقتها إلى الواقع.
أيضًا من خصائص الرواية في الإسلام: البحث عن مطابقتها للواقع من عدمه حتى يتبين صدقها من كذبها، ونحن نعلم أن آفة الأخبار هي رواتها، يعني: الخبر في حد ذاته قولٌ يحتمل الصدق والكذب، محمد سافر هذا خبر، أنت تخبر بأنه قد سافر، فمجرد مضمون الخبر مسائلة عادية، لكن ما يترتب على الصدق والكذب أبني حساباتي على أنه مسافر أو على أنه غير مسافر إلى آخره، وأيضًا هل كلامك هذا مطابق للواقع وللاعتقاد، أو ليس مطابقًا للواقع والاعتقاد؟
إذًا لا بد من مطابقة الرواية مع الواقع حتى نتأكد من صدقها أو من كذبها.
أيضًا عندنا الاهتمام بأحوال النقلة، وهذا أمر هام في الإسلام لم يوجد وأظنه لن يوجد عند أمة من الأمم، أحوال النقلة الذين نقلوا لنا الأخبار، وخصوصًا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الاهتمام الذي بذلته الأمة في معرفة أحوالهم لنتأكد من صدقهم في نقل ما أخبرونا به من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا جهد أكاد أقول بلا مبالغة فوق طاقة البشر، وإنما هيأ الله الطائفة الجليلة العظيمة من العلماء الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
قاموا به؛ لأن الله أراد أن ينصر دينه، وأن يعلي رايته، وأن يصون سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من أي تحريف، أو تغيير، أو تبديل؛ فهيأ هؤلاء العظام ليقوموا بتمحيص الرواية، ومن بينها الاهتمام الشديد بأحوال النقلة.
وهذا الاهتمام إنما هو أمر شرعي، الله تعالى في القرآن الكريم طلب منا أن نتثبت في الرواية وفي قبولها؛ فقال -عز من قائل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحُجُرات: 6) في قراءة: "فتثبتوا"، فاسق ماذا ننتظر من خبره؟ ربما ترتب على هذا الخبر حرب تقوم، يعني: يصل الأمر بالنسبة للأخبار إلى خطورة شديدة جدًّا كما في هذه الآية وفي سبب نزولها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} فالآية دلت على أننا نتوقف في قبول خبر الفاسق لفسقه.
وهذا فتح الباب أمام العلماء ليبحثوا عن شروط الراوي الذي تقبل روايته بتفصيلات لا يتسع المقام لذكرها، غير أننا نسجل هنا ما نحن بصدده من أن الاهتمام بأحوال النقلة سَبْق إسلامي لم ولن -لم لنفي الماضي، ولن لنفي المستقبل- لم تسبق الأمة إليه ولن تلحق فيه؛ لأن الباعث أصلًا إليه كان تدينًا، كان الغرض من الجهد الفائق هذا هو صيانة الشرع والحفاظ على السنة؛ لأن السنة أحد مصادر التشريع، أو ثاني مصادر التشريع، ثم إنها تبين القرآن الكريم.
أيضًا العلماء وضعوا قواعدَ مقررة اصطلحوا عليها لدراسة السند والمتن، فهذا جعل تمحيص الروايات خصيصة من خصائص الرواية في الإسلام، يعني: حين نقول هذه الرواية صادقة، أو هذه الرواية كاذبة، أو هذه الرواية مطابقة للواقع، أو مخالفة للواقع؛ فإن ذلك يتم ليس بهوى أنفسنا، وليس بما نتذوقه من الأخبار فنقبل ما يريحنا ونرفض -مثلًا- ما يؤلمنا، أو نقبل ما يوافق هوانا إلى آخره كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
ذلك لا، إنما هناك قواعد مقررة هي أيضًا مستنبطة من أدلتها الشرعية، يعني: هذه القواعد حين وضعها العلماء استدلوا على كل قاعدة بالأدلة الشرعية، وفي النهاية أصبح لدينا منهج ضم مجموعة من القواعد لدراسة المتن ولدراسة الإسناد، فإذا سلم لنا الإسناد وسلم لنا المتن، نستطيع أن نقول: إن الرواية صحيحة بإذن الله.
أيضًا من خصائص الرواية: أنها تعلم أن مرجع الأحكام الشرعية في الإسلام هي إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة، فاشتدت العناية بهما اشتدادًا -كما قلت- لم يسبقوا به ولم يُلحقوا فيه؛ فهي جهد، وأكرر السبب في ذلك أنه نبع من حب للدين وحرص عليه وصيانة له، وهو حرص متصل إلى أن أدوا لنا الأمانة ناقية خالصة بإذن الله رب العالمين.
إذًا معرفة الأمة بأن مرجع الأحكام هي إلى القرآن وإلى السنة، جعل الأمة تشتد في العناية بهما، وفي الإسناد المتصل بهما الموصل إليهما حتى يصل الأمر لنا نقيًّا.
أيضًا الإسناد المتصل من أول الراوي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا من خصائص أمة الإسلام، لا يوجد عند أمة غيرنا، بل أنا أقول في كثير من الأحيان بعد أن شرفني الله بالتعمق في دراسة السنة وما يتصل بها في كثير من الأحيان، أتصور أن الهجوم على الصحابة -رضوان الله عليهم- إنما هو نوع من الحسد لهذه الأمة، فلم يوجد عند نبي من الأنبياء جيل اهتم بنقل ما تحمله عن هذا النبي، كما اجتهد الصحابة في ذلك؛ لذلك حسدونا على نعمة الصحابة من بين ما حسدونا عليه، وكان التعبير عن هذا الحدث هو أن يهاجموا الصحابة وأن يشككوا فيهم -بكل أسف- وهيهات أن يصلوا إلى غرضهم، وأمة الإسلام تعرف قدر الصحابة.
لكن على كل حال هذه مسألة استطردت إليها؛ لأبين أن اتصال السند من النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى إلى رواة الحديث الآخرين الذين وضعوها في الكتب، هذا من خصائص هذه الأمة انفردت بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
يقول ابن حزم -رحمه الله تعالى-: نَقْل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال. ولننتبه لكلام ابن حزم "مع الاتصال" لأننا ممكن نقول: قال صلى الله عليه وسلم يعني: نحن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أقف على المنبر أو في أي مناسبة أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا هنا رفعت الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن أين إسنادي إليه؟ ولذلك هذا أمر آخر يتعلق بكيفية رواية الحديث الآن، وهذا يدرس أيضًا في مادة المصطلح، أنا فقط أنبه، يعني: نقل الثقة عن الثقة، يعني: الذين يقولون لنا لا بد أن يكونوا ثقات، يصل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم متصلًا من غير انقطاع في السند خص الله به المسلمين دون سائر الملل.
وأما مع الإرسال والإعضال والطرق المشتملة على كذاب أو مجهول الحال، فكثير في نقل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل الأخرى وأهل البدع والأهواء.
هذا نقل بتصرف من كتاب (الفصل في الملل والنحل) لابن حزم، وقول ابن حزم قول مشهور ونقله كثير من العلماء الذين يعرفون أن الرواية بالإسناد المتصل الذي لا خلل فيه ولا انقطاع بأي صورة من صور الانقطاع لا إرسال ولا أداء ولا انقطاع إلى آخره ولا تعليق، كل ذلك لا يوجد إلا عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي تتمة قول ابن حزم تكاد تكون هناك أجيال منقطعة ليس جيلًا واحدًا ما بين كثير من الأنبياء وما بين أتباعهم الذين نقلوا لنا أخبارهم بعد ذلك.
وفي هذا الصدد نتحدى أن يأتي الآخرون بحديث متصل الإسناد في كتاب من كتبهم إلى نبيهم الذي يؤمنون به، بدون استثناء لأهل الملل والأديان جميعًا أن يأتوا بأسانيد متصلة من أول صاحب الكتاب الذي بين أيديهم الآن إلى نبيهم الذي يؤمنون به، وينقلون عنه ما ينقلون، هذا لا يوجد إلا في شريعة الإسلام ولنبينا صلى الله عليه وسلم ولديننا ولسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
إذن، هذه بعض خصائص الرواية في الإسلام الاهتمام بتصحيح الأخبار، وتحريم الكذب تدينًا، التأكد من مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد الاثنين معًا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
يعني: مثلًا الله تعالى في أول آيات سورة "المنافقون": {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون} (المنافقون: 1) هم كاذبون رغم قولهم المطابق للواقع وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رسول: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} هذا قول حقيقي، ولذلك قال الله تعالى في جملة اعتراضية للاحتراس: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ}، ثم عقب فقال: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون} لماذا هم كاذبون مع اتفاق خبرهم مع الواقع؟ لأنه مخالف لما يعتقدونه، ومعلوم أن أهل النفاق يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر -والعياذ بالله-.
إذن، الاهتمام بتصحيح الأخبار، تحريم الكذب، بيان مدى مطابقتها للواقع من عدمه، الاهتمام بأحوال النقلة، وضع القواعد المقررة لتمحيص الروايات سواء لدارسة الإسناد أو المتن، أيضًا يعلمون أن مرجع الأحكام الشرعية هي إلى القرآن وإلى السنة المطهرة؛ فلذلك اشتدت العناية جدًّا بهما وبكل الطرق الموصلة إليهما من إسناد وغيره.
وقلنا: إن اتصال السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير انقطاع ولا إعضال ولا أي نوع من أنواع الخلل، إنما هو من خصائص هذه الأمة التي تميزت به على غيرها من الأمم.
الأصل في الرواية هو الرواية باللفظ
إن الأصل في الرواية هو الرواية باللفظ:
أرجو أن ننتبه إلى هذه المسألة، يعني: حين ننقل خبرًا من الأخبار فإن الأصل هو أننا ننقلها بلفظها، ضرورة التمسك باللفظ هذه مسألة متفق عليها، وأرجو ألا يخدعنا أحد عن أنفسنا، يعني: حتى الذين أجازوا الرواية بالمعنى -وهي مبحثنا في هذا الدرس- متفقون على أن الأصل هو أن يروي الحديث بلفظه كما هو من غير زيادة ولا نقصان، هذا منهج علمنا إياه الصحابة -رضوان الله عليهم- ووعته الأمة جيدًا وتعاقبت عليه الأجيال في التطبيق العملي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
سأضرب بعض الأمثلة من حرص الصحابة على تحري اللفظ بدقته كما هو، رغم أن التغيير قد لا يؤدي إلى خلل في المعنى، لكنهم يحرصون على أن الأداء في الأصل هو باللفظ كما سمعه، وأنا أرجو أن ننتبه إلى أهمية هذه المسألة، هي تدحض الفرية من أساسها، وهناك من تجاوز، وقال: لا يوجد حديث مروي بلفظه، هذه مبالغة ممقوتة، وسيثبت بالأدلة بطلانها وزيفها، لكن دعنا الآن نقرر أن الأمة كلها متفقة على أن الأصل في الرواية أولًا هو الأداء باللفظ كلما أمكن ذلك، يعني: لا يسع أي واحد من المؤمنين أن يتمكن من أداء اللفظ المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم إن كان من الصحابة، ثم يترخص في أن يرويه بالمعنى مع تمكنه من أدائه باللفظ، هذه لم يقل بها أحد من علماء الأمة.
أقول: أضرب بعض الأمثلة، عندي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيحين: ((بني الإسلام على خمس)) هذا مثلًا موجود في (صحيح البخاري) كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، وموجود عند الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه النظام، ونص الشاهد الذي أستشهد به الآن هو ورد في رواية مسلم، ابن عمر رضي الله عنه ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمسة -يعني: على خمسة أركان- على أن وحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)) فقال رجل: "الحج وصيام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
رمضان" يعني ابن عمر ينقل الحديث بتقديم الصيام على الحج؛ فقال الرجل يعقب أو كأنه يعيد الحديث حتى يتأكد من حفظه فقال: "الحج وصيام رمضان" فقال له ابن عمر: لا "صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هنا لا يوجد تغيير في الكلمة مجرد الترتيب، هل ذكر الحج أولًا، أو ذكر الصيام أولًا؟ فرواية ابن عمر: ((صيام رمضان والحج)) فقال الرجل: "الحج وصيام رمضان" يعني: عكس المسألة قدم الحج على الصيام، هناك تغيير في المعنى ومع ذلك لم يقبل ابن عمر وقال: لا ((صيام رمضان والحج)) هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا موقف ابن عمر، هل انفرد به ابن عمر من بين الصحابة؟ لا.
مثال آخر: حديث البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنهما-: ((إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)) هذا رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب فضل مَن بات على الوضوء، ورواه في أماكن أخرى من صحيحه، محل الشاهد في الجملة الأخيرة: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)) البراء يقول: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت: ((اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت)) قلت: "ورسولك الذي أرسلت" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) يعني: البراء وهو يراجعها مرة ثانية مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تأكد من حفظها قال: "ورسولك الذي أرسلت" فأبدل لفظ "النبي" وجاء بلفظ "الرسول"، النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)).
النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم التمسك باللفظ، وحتى شراح الحديث التفتوا إلى فائدة جليلة جدًّا في: ((ونبيك الذي أرسلت)) هذه العبارة جمعت له بين النبوة والرسالة: ((ونبيك الذي أرسلت)) فكلمة: ((أرسلت)) أفادت الرسالة، ((ونبيك)) أفادة النبوة، بعكس العبارة الأولى "ورسولك الذي أرسلت"، ربما اقتصرت على الرسالة فقط. هذا مثال آخر، والأستاذ فيه هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعلم الصحابة الحرص على أداء اللفظ كما هو.
مثال ثالث: حديث الاستخارة، وهو حديث مشهور: ((إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين)) الأول هو من رواية مجموعة من الصحابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
رواية جابر: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير فريضة، ثم ليقل … )) إلخ، يصل إلى جملة -يعني: محل الشاهد-: ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه)).
في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود جاء بلفظ واحد: ((عاقبة أمري))، حديث ابن مسعود عند الطبراني: ((في ديني ودنياي)) من غير شك، هنا في الرواية لما شك الراوي أي اللفظين قال صلى الله عليه وسلم أتى بالوجهين معًا، هذا الحديث رواه البخاري في مواطن كثيرة ومن بينها في كتاب الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة، انظروا حين شك الراوي في اللفظ الذي سمعه أتى باللفظين معًا، مع أن أحدهم كان يكفي، ومع أنه قد وردت روايات بالجزم في اللفظ المستعمل، إنما قال: يقل: ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وعاجله فاقدره لي)) كل ذلك يدل على ضرورة التمسك باللفظ.
إذن، نحن نقرر هذه القاعدة ونحن مطمئنون، وهذا ليس كلامي وإنما هو كلام أهل العلم، الكل مجمع على ضرورة الأداء باللفظ أولًا كلما أمكن ذلك، ولذلك هم يقولون عن حكم الرواية بالمعنى أنها رخصة -ليست عزيمة- عند الضرورة -عند الاحتياج- انظروا إلى هذه الدقة حين أعطوا لها حكمًا شرعيًّا، قالوا: إنها رخصة، كلمة "رخصة" يعني: ليست هي الأصل، ليست هي العزيمة المطلوبة شرعًا، إنما الأصل هو الأداء باللفظ وإذا تعذر أو تعثر لأي سبب لنسيان، أو لشك، أو لبعد عن المصادر إلى آخره، فيستعمل المعنى، ووضعوا لها شروطًا سنشير إليها بعد قليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
هناك أدلة شرعية حثت على ضرورة الحفاظ على اللفظ، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بروايات متعددة عن ابن مسعود وعن زيد بن ثابت وغيرهم -رضي الله عن الجميع- وقال الترمذي عن رواية ابن مسعود: إنها حسنة صحيح، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: ((نضر الله امرأً سمع مقالتي، فأداها كما سمعها)) هذا محل الشاهد: ((فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)) وفي رواية: ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) إلى آخره.
أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم حين يقول الصحابي: "كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعملنا السورة من القرآن" وكذلك من حديث ابن مسعود في التشهد: "يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، ومر بنا حديث البراء بن عازب: لا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: "ورسولك الذي أرسلت" وإنما قال: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت)) صلى الله عليه وسلم هذه أدلة على ضرورة الأداء باللفظ كلما أمكن ذلك.
وفي التمسك باللفظ وردت روايات متعددة، الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) عدة أبواب متوالية تبين أن منهج الأمة هو الحفاظ على اللفظ عند إمكان ذلك، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي جعفر محمد بن علي -رحمه الله تعالى- قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد فيه ولا ينقص". يعني: هنا ينقل لنا قاعدة عن الصحابة، هو منهج، لم ينفرد به البعض حتى نقول: إنها أمثلة قليلة مثلًا، أو مواقف شخصية، أو تحوط زائد من بعض الصحابة، لا، إنما كان هذا منهجًا عامًّا عند جميع الصحابة، ما دام يمكن الأداء باللفظ كما هو.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
وعندنا روايات وأنا أحس المستمع الكريم الآن وهو يقرأ في مصادرنا في السنة -يعني: في البخاري، في مسلم، في غيرهما، من كتب السنة- ويجمع الأحاديث التي وردت بروايات متعددة عن جملة من الصحابة، سيجد كثيرًا منها قد اتفق في اللفظ، وحتى لو اختلف سيختلف في حرف أو اثنين، لا يؤثر، يعني: نستطيع أن نجزم معه بأن أيضًا الرواية باللفظ كما هي، حتى يرد على الشبهة من أساسها أن الرواية بالمعنى أفسدت أو كذا أبدًا، يعني: كثير من روايات الحديث المتعددة التي نُقلت لنا عن جملة من الصحابة إنما وردت بروايات متعددة واللفظ فيها واحد.
أيضًا روى الخطيب -رحمه الله تعالى- بسنده إلى محمد بن علي أيضًا رضي الله عنه قال: "كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سمع الحديث لم يزد فيه ولم ينقص منه ولم يجاوزه ولم يقصر عنه". وأورد الخطيب في هذا المعنى روايات كثيرة عن عمر وابن مسعود وأبي أمامة وزيد بن أرقم، وأورد قول عمر رضي الله عنه: "من سمع حديثًا فحدث به كما سمع، فقد سلِمَ".
بل إن الخطيب -رحمه الله تعالى- وضع عناوينَ لجملة من الأبواب تؤكد مثل هذا الأمر، مثلًا يقول: باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجبًا، يعني: هذا الواجب، باب ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة على كلمة، باب ذكر الرواية عمن لم يجد زيادة حرف واحد ولا حذفه وإن كان لا يغير المعنى، ساق كمثال لهذا الأمر -زيادة حرف واحد- حديث أنس بن مالك رواه بسنده: ((نَهَى رسول الله عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيه)) فقيل لسفيان: "أن ينبذَ فيه" يعني: يعصر فيه، نهى عن آنية الدباء والمزفت التي فيها نوع من القاري مزفتة، والدباء آنية تُصنَع من اليقطين، يعني: كانت الفواكه الجامدة، أو كذا، أو آنية يصنعونها يشربون فيها، فالدباء والمزفت نوع من أنواع الأواني فنهى صلى الله عليه وسلم أن ينتبذ فيه، فالذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
سمع من سفيان يقول: "أن ينبذ فيه" يعني: يعصر فيه، يعني: بدل "ينتبذ" "ينبذ فيه" فقال سفيان: لا، هكذا قاله لنا الزهري ((أن ينتبذ فيه)).
وأيضًا من أبواب عند الخطيب باب ذكر الرواية عمن لم يجز إبدال حرف بحرف وإن كانت صورتهما واحدة، وباب الرواية عمن لم يجز تقديم حرف على حرف إلى آخره. بل إن بعضهم من شدة التمسك بالرواية باللفظ كان يروي الرواية بلحنها -بخطئها- وهو يعلم أنها فيها خطأ، لكن لم يجز لنفسه أن يغير هذه الرواية، ينبه على الخطأ لكنه يترك الرواية كما هي، فمثلًا كان يروي "حوث" بدل "حيث"، أو "لغيت" بدل "لغوت"، أو "عوثاء السفر" بدل و"عثاء"، وكتب المصطلح ضربت أمثلة لهذا.
وكل هذه الأمور تبين أن الأمة متفقة على أن الأصل في الرواية إنما هو الرواية باللفظ، لكن الرواية بالمعنى رخصة ينتقل إليها إذا احتجنا لذلك.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
الدرس: 15 الرواية بالمعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
الرواية بالمعنى
تعريف الرواية بالمعنى، وبيان شروط ها وما يُستثني من جوازها
الرواية بالمعنى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
تعريفها: هي أن يؤدي الراوي الحديث بألفاظ من عنده، كلًّا أو بعضًا، مع المحافظة على المعنى بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، ولا يحرِّف ولا يبدل ولا يغير.
إذا نظرنا إلى هذا التعريف نجده قد احتوى على مجموعة من الأمور جدير بنا أن نعرفها:
1 - أن يؤدي الراوي الحديث بألفاظ من عنده.
2 - إما بعض الحديث إما كل الحديث.
3 - مع المحافظة على المعنى. وهذا أمر مهم جدًّا.
4 - بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، قد لا تحدث الزيادة ولا يحدث النقصان، لكن يحدث تغيير وتبديل، ولذلك يأتي أيضًا "ولا يحرف ولا يبدل ولا يغير".
هذا تعريفها، وقد تضمنت التعريف جملةً من الأمور التي ينبغي على الراوي بالمعنى أن يلاحظها، وسنبحثها في نقاط مستقلة بإذن الله.
أقوله إن هذه المناقشة للرواية بالمعنى كانت قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فقد انتهت الحاجة إليها؛ لأن الرواية قبل التدوين كانت تعتمد على المشافهة بنسبة كبيرة في الأخذ والرد والتلقي والتحمل والأداء بين الرواة من شيوخ وتلاميذ في كل مكان وفي كل زمان، أما بعد تدوين السنة وأصبحت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
السنة الآن معروفة بمصادرها الصحيحة، وعلى درجات متفاوتة في الصحة وفي غيرها، هذا أمر مقرر عند العلماء، لكن السنة الآن مدونة في بطون الكتب بفضل الله عز وجل.
فلا يجوز لأحد أن يروي الآن بالمعنى ما دام يمكن الرجوع إلى المصدر الذي تأخذ منه فلا بد من العودة إليه.
وهذا يجرني إلى أن أسمح لنفسي بأن أقول رأيًا في حكم الرواية بالمعنى الآن، أنا حين ذكرت آراء العلماء في الرواية بالمعنى لم أشأ أن أضع لنفسي رأيًا ولا يجوز، فأنا طالب علم وأنقل عن المشايخ العلم، إنما بالنسبة لهذه النقطة بالذات بدأت الكلام حتى أصل إليها؛ لأن هذا النقاش فعلًا في الرواية بالمعنى كان قبل التدوين، الآن هل يجوز لنا أن نروي بالمعنى؟
أقول: لا، هذه القضية الآن لا ينبغي أن تكون مثارة، إنما هي أثيرت لأن جزءًا من السنة نقل لنا بالمعنى، ولكنها دونت وأصبحت موجودة في بطون الكتب، لماذا لا ينبغي أن تكون مثارة؟ لأن السنة قد دُونت، مثلًا: أنا خطيب أخطب الجمعة، أو أنا أؤلف كتابًا، أو أكتب مقالًا، أو أي شيء يقتضي أن أستدل بأحاديث، ما هي الصعوبة في أن أعود إلى المصادر لأنقل منها الحديث بنصه وفصه ولفظه بدون زيادة أو نقصان؟ كان من الممكن أن نناقش قضية الرواية بالمعنى -كما قلنا- لو كنا في عصر المشافهة قبل عصر التدوين التام، أما الآن فالذي يريد حديثًا يرجع إلى بطون الكتب ويأخذ الحديث.
وما أيسر الحصول الآن على الأحاديث، يعني: التذييلات والاسطوانات والفهارس، يعني: في محاضرات سابقة ودروس سابقة قلنا: إن الحافظ من علماء أمتنا القدامى رحمهم الله حين كان يقول مثلًا عن حديث رواه البخاري لا بد أن يكون حافظًا للبخاري، رواه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
الإمام أحمد يكون حافظًا لـ (مسند الإمام أحمد) وهكذا، وإلا فكيف يحصل عليه لم تكن هناك اسطوانات للحاسب الآلي كما هي موجودة الآن، لم تكن هناك فهارس للكتب إلى آخره، كان الحافظ يعتمد على ذاكرته.
أما الآن -الحمد لله- يسر الله على أبناء العصر بتيسيرات لا حصر لها، كل المطلوب بعض الهمة اليسيرة في البحث عن الحديث بلفظه؛ حتى لا تقع تحت طائلة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنا أرجو أن أنقل هذا الإحساس لإخواني وأبنائي من أهل الدعوة ومن أهل العلم حين نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا دين يجب اتباعه، وما حاجتك الآن إلى الرواية بالمعنى، كما قلت الكتب في مصادرها الآن.
أيضًا هناك شرط اشترطوه وهي: البراعة في النحو، وفي البلاغة، وفي الفصاحة، وهذا يكاد يكون مفقودًا عند كثير من أبناء العصر، فأنا لا أبيح الرواية بالمعنى لقوم لم يتقووا جيدًا ولم يدرسوا اللغة جيدًا بفصاحتها وبلاغتها وتركيباتها ومفرداتها إلى آخره، ولم يدرسوا النحو لكي يضبطوا الكلمات من ناحية الإعراب ضبطًا دقيقًا، فلا أفتح الباب خصوصًا مع سهولة الحصول على الأحاديث بنصها.
كانت هذه استطرادة.
لكن نرجع لنلخص الشروط التي وضعوها للرواية بالمعنى للجمهور الذي أجازها: أن لا تجوز إلا لعالم بالألفاظ ومقاصدها، أن يكون بارعًا في النحو والصرف والأدب والبلاغة، أن يكون قادرًا على أن يؤدي الحديث خاليًا من اللحن ومن الركاكة ومن الضعف، أن يكون خبيرًا بما يحيل المعاني، وأن يكون بصيرًا بمقدار التفاوت بينها، وأن يوضح ما يدل على أنه قد روى الحديث بالمعنى، حتى لا يخدع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
السامع، وحتى لا يظن السامع أنه قد أداه بلفظه فيأخذ من ورائه بدون تردد خصوصًا إذا كان الذي ألقى الحديث أحد الشيوخ، أو عالمًا كبيرًا، أو كذا، يعني ربما يخدع في البعض.
أيضًا قلنا: إن هذا الأمر كان قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فقد انتهى الأمر، أو أغلق الباب.
مسألة جديدة الذين أجازوا الرواية بالمعنى استثنوا منها أمورًا وأحوالًا:
أولًا: الأحاديث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته لا تجوز روايتها بالمعنى؛ لأنها توقيفية، ولا يجوز التغيير فيها ولا التبديل، يعني: مثلًا بعض الكتاب حتى لو لم نشق عن قلب صادق ومخلص ويحب ربه ويحب نبيه صلى الله عليه وسلم ويحب الدين ويدافع عنه في بعض كتاباتهم مثلًا وهو يتكلم عن إتقان الله الصانع في كونه كله يقول: المهندس الأعظم، المخطط البارع، لا، هذا لا يجوز إطلاق هذا على الله عز وجل فما بالك لو استعملتها في أحاديث بالمعنى وغيرت أو استعملت وأنت تظن أنك على حق لا، هذه أسماء وصفات توقيفية لا يجوز لنا أن نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه في القرآن الكريم أو في أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
أيضًا من الأحاديث المستثناة من جواز الرواية بالمعنى أحاديث العبادات كأحاديث التشهد مثلًا، وكأحاديث الأذكار، وكأحاديث الآداب، يعني: مثلًا أذكار الصباح، أذكار المساء، آداب الطعام، آداب اللباس، آداب النوم، الأذكار التي تقال عند كل هذه المواقف والمناسبات، التشهد في العبادة، هل يجوز لي أن آتي بتشهد من عندي مثلًا، حتى لو احتوى على أصدق الألفاظ وأقواها في الثناء على الله تعالى وعلى النبي صلى الله عليه وسلم لا؛ لأنها عبادات قصدت بذاتها وبألفاظها، فلا يجوز لنا أن نغير فيها أو أن نبدل، وإنما نأتي بها على ألفاظها.
أيضًا من الأحاديث التي لم يسمح العلماء بأن تروَى بالمعنى: أحاديث جوامع الكلمة منه صلى الله عليه وسلم أي: التي وصفت بأنها من جوامع كلمه، وهذه أشار إليها كثير من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
العلماء وضربوا لنا أمثلةً مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة))، ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد))، ((كل شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل))، ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) عبارات تكتب بماء الذهب احتوت على فوائد جميلة ودروس عظيمة، وهي مقصودة بذاتها وبحروفها وبألفاظها، فلا يجوز لنا أن نغير أو أن نبدل، ولنفترض أن أحدنا إذا نسي صيغة من الصيغ التي يتعبد بها فليتوقف عن استعمال النص، لكن لا تجوز له الرواية بالمعنى.
أيضًا الأحاديث المتواترة المشهورة: ((مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، ((بشِر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) إلى آخره، هذه أيضًا أحاديث فيها تواتر، وفيها جوامع كلم ولا تروَى إلا بألفاظها.
أيضًا كُتُب النبي صلى الله عليه وسلم التي أرسلها إلى أي جهة إلى الملوك إلى الرؤساء إلى غيرهم يدعوهم إلى الإسلام، لا يجوز لأحد أبدًا أن يروي بالمعنى؛ لأن هذه الألفاظ مقصودة فيه العبادات، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا في الصدقات وأرسله اليمن، لو أحدنا غير بعض الألفاظ ربما غير المعنى، ربما غير المقادير، حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم رسائل إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإسلام، فلا يجوز لنا أن نغير من هذه الكتب التي أرسلها، حين وقع النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات مع اليهود الذين كانوا يساكنونه في المدينة، يعني: وضع فيها القواعد المنظمة لأمر المجتمع هل يجوز لنا أن نغير أو نبدل؛ لأن هذا التغيير وهذا التبديل قد يؤدي إلى فساد المعنى، أو اختلال الشروط، أو تطبيقها بطريقة خطأ أو فهمها بطريقة خطأ، كل ذلك لا بد من أدائه باللفظ.
أيضًا الأحاديث التي فيها مخاطبة كل قوم بلغتهم، مثل الحديث الذي عند مسلم مثلًا: ((ليس امبر امصيام في سفر)) هل يجوز لي وأنا أرويه أن أقول: ((ليس من البر الصيام في السفر)) لا، لماذا؟ لأن من ضمن الدروس المستفادة من الحديث أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
النبي صلى الله عليه وسلم استعمل هذه اللغة؛ فهي جائزة وأنها من الفوائد الدعوية أنه يجوز لنا أن نخاطب بعض الناس الذي يجهلون العربية، أو الذين يدخلونها، أو حتى من أرباب العربية لكنهم ليسوا على اللغة الأم لغة قريش، لأوضح لهم المعنى، فالخطاب بهذه اللغة مقصود، فلا يجوز تغييره حتى لو أتينا بالمعنى كاملًا.
إذن، الذين تكلموا على أن الرواية بالمعنى جائزة قالوا: إنها رخصة، وقالوا: إن ذلك كان قبل عصر التدوين، واستثنوا روايات، لا يجوز لنا أن نرويها إلا باللفظ، ولا تجوز روايتها بالمعنى.
الشبهات التي أثيرت حول الرواية بالمعنى
الشبهات التي أثارها البعض حول الرواية بالمعنى:
لقد أثاروا شبهًا كثيرةً رد عليها العلماء، من هذه الشبه قولهم: أن الأحاديث كلها رويت بالمعنى، ولا نكاد نطمئن إلى حديث واحد قد ورد بلفظه كما هو عن النبي صلى الله عليه وسلم. الحقيقة مشايخنا الكرام جزاهم الله خيرًا ردوا على هذه الفِرية بأدلة كثيرة؛ فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة رحمه الله في رده على كتاب (أضواء على السنة النبوية)، والدكتور صبحي الصالح في (علوم الحديث)، وكثير من العلماء، والدكتور مسفر الدميني في كتابه عن (مقاييس النقد عند المحدثين)، والدكتور مصطفى الأعظمي في (منهج النقد عند المحدثين) ردوا على هذه الفرية وعلى غيرها من الفريات التي أثاروها.
وخلاصة أقوالهم مثلًا قضية أن "لا يوجد حديث روي باللفظ" نقول: هذا زعم يرده اتفاق الروايات على ألفاظ أحاديث كثيرة جدًّا، مما يؤكد أن النقلة جميعًا قد نقلوه بلفظه، ورووه بكلماته كما هي، يعني: مجرد بعض الأمثلة نضربها مثلًا: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار))، ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق))،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … )) وإن كان هناك بعض الألفاظ اليسيرة في هذا الحديث: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت)).
مستعد أن أذكر عشرات الأحاديث حيثما قلبت روايتها المتعددة، فأنت أمام لفظ واحد قد اجتمع الرواة جميعًا عليه، مما يدحض هذه الفرية من أساسها وهي أن الأحاديث قد رويت كلها بالمعنى بدون اللفظ، وهو يقول هذه الكلمة ليشكك فيها، فأي لفظ أعتمد، وأي كذا، وأي حكم آخذ، يعني: كما يريدون أن يثيروا الشبهات حول السنة من رواء هذا الكلام.
وأنا كما قلت أنتهج الفرصة لأنبه الآن أبنائي السامعين وأطلب منهم حسن المعايشة للسنة واتساع هذه المعايشة، نقرأ في مصادرنا، الحمد لله التي اجتهد العلماء جزاهم الله خيرًا في تركها لنا ستجد لن أقول حديثًا واحدًا ولا عشرات الأحاديث، ولا أبالغ إذا قلت مئات الأحاديث قد اشتركت في اللفظ، وحين اختلفت اختلفت اختلافًا يسيرًا لا يكاد يُذكر، ولا نستطيع مع هذا الخلاف اليسير أن نقول: إن هناك خللًا في الأداء باللفظ، ولذلك نجد علماءَنا قد اصطلحوا على ألفاظ تؤدي هذه الأغراض حين نقارن بين الروايات، هل رواه بمثله؟ هل رواه بمعناه؟ هل رواه بنحوه؟ هل رواه مختصرًا؟ هل رواه جزءًا من حديث؟ كل هذه عبارات اصطلح عليها العلماء ووضعوها للمقارنة بين الروايات؛ ليميزوا بين الراوي الذي أورد الحديث بلفظه، أو الذي لم يورد الحديث بلفظه.
إذن، الأدلة من خلال السنة نفسها ترد على هذه الفرية.
أيضًا كثير من الروايات الطويلة تكاد تكون رويت بألفاظها مع طولها، وخير مثال لهذا حديث بَدْء الوحي الذي روته أمنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- وذكرت فيها قصة بدء الوحي حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء، وأول الحديث: ((أول ما بدئ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
رسول الله من الوحي الرؤية الصادقة -أو الصالحة- فكان لا يرى رؤيًا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) إلى آخر الحديث، وهو في الصحيحين وفي غيرهما، ويكاد يجمع الرواة على لفظه.
إذن، الإتيان بالأحاديث بألفاظها لم يقتصر فقط على الأحاديث القصيرة التي يسهل حفظها أو استيعابها، ومنها العشرات بل المئات، وإنما أيضًا وجد اتحاد الألفاظ أو مع تفاوت يسير جدًّا لا يخل برأس القضية من أنها رويت باللفظ ولم ترو بالمعنى في أحاديث طويلة كثيرة جدًّا، والذي يراجع أحاديث الشفاعة وصفة الجنة والنار وما إلى ذلك يجد الأمثلة التطبيقية على هذا كثيرة.
أيضًا مما يثيرونه من شبه: أن الرواية بالمعنى تتعارض مع الحث على الأداء باللفظ، كما في الحديث الذي أشرنا إليه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فأداها كما سمعها … )) إلى آخر الحديث، الرد نحن ذكرناه أثناء تعرضنا لهذه المسألة، ونحن نتكلم عن الأمور المتعددة المتعلقة بالرواية، لكننا نشير إليه على كل حال، نقول: لا ننسى ما ذكرناه من أمور هامة تتعلق بهذه القضية مثل أن أهل العلم جميعًا متفقون على أن الأصل في الرواية إنما هو الرواية باللفظ، حتى الذين أجازوا الرواية بالمعنى بشروط مع هذا الرأي، ونستطيع أن نقول: لا يسع عالم أن يتمكن من أداء الحديث بلفظه، ثم ينتقل إلى الرواية بمعناه، لا يقبلون منه ذلك. هذه نقطة ترد على هذه الفرية.
أيضًا مما يرد عليها: أنهم قالوا: إن الرواية بالمعنى رخصة وليست عزيمة، كما في العبادات بشكل عام، الرخص يلجأ إليها عند الضرورة، فمثلًا المسافر يجوز له أن يقصر الظهر والعصر مثلًا، وأن يجمع بينهما، على تعدد في آراء المذاهب في ذلك، فهل يجوز لغير المسافر أن يفعل ذلك؟ لا، مثلًا المسافر يفطر في رمضان إذا أراد، لكن المقيم بدون عذر لا يفطر، وهكذا. إذًا هذه رخصة تستعمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)