الدرس: 17 تابع: الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
تابع: الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن
القواعد الدالة على عناية المحدثين بالمتن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطِّيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فقاعدة: "لا تلازمَ بين صحة المتن وصحة الإسناد" تدل على أن للمتن ضوابط كما للإسناد ضوابط، وأنّ الدارس المحقق للعالم الدقيق يتأكد من وجود الضوابط الخاصة بالمتن؛ كوجود الضوابط الخاصة بالإسناد، حتى يَسْلَم له الإسناد والمتن معًا، وإلّا اقْتَصَر حُكْمُه على الإسناد دون المتن.
الآن نتكلم عن القواعد التي أصبحت جزءًا من الأمور أو المسائل المتفق عليها عند أهل العلم: والتي ندرسها للطلاب في مواد السنة المختلفة في المصطلح وفي الريجان وفي مناهج المحدثين؛ لنبين لهم أن هناك عدة قواعد تبين أن عناية المحدثين بالمتن لا تقل عن عنايتهم بالإسناد، وها أنا ذا أواصل الكلام عن بعض هذه القواعد التي بدأتها بإذن الله تبارك وتعالى.
أيضًا كثير من أنواع علوم الحديث تتعلق بالمتن كما تتعلق بالإسناد؛ فمثلًا: الدراسات المُتعلقة بالمُدْرَج، بالمُصَحّف، بالمضطرب، بالمقلوب. كلها تتعلقُ بالإسناد، قد يكون هناك إدراج في السند، وفي المتن، وتصحيفٌ في السند وتصحيف في المتن، واضطراب في السند واضطراب في المتن، وقلب في السند وقلب في المتن.
وفي كل الأحوال قد يصح أحدهما دون الآخر، فمثلًا قد يكون الإسناد صحيحًا لكن هناك قلبًا في المتن؛ مثلًا روى الإمام مسلم: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) فجعل الإنفاق للشمال مع أن المعلوم من كل الأدلة أنّ الإنفاق إنما هو باليمين وليس بالشمال؛ والرِّوَايات الأُخرى للحديث التي تملأ دواوين السنة بينت ذلك، بالإضافة إلى أننا نعلم أن اليمين تستعمل للمكرومات، ومنها الإنفاق في سبيل الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
إذن، هذا نوع من القلب يتعلق بالمتن؛ الحديث ورد بأسانيد صحيحة، وهذه الأسانيد الصحيحة لم تجعل المحدثين يقبلون المتن بدون نظر وبدون دراسة.
أيضًا مثلًا الراوي ينبغي أن يكون -كما ذكرنا قبلًا- عَدْلًا، ضابطًا، إذا اجتمع الأمران العَدْلُ والضّبْطُ أصبح ثقة، وكما ذكرتُ إذَا اخْتَلّ ضَبْطُه أصبح صدوقًا.
العِلَل التِي وَضَعَها العُلَماء بِمَا يُمكن أن نُسمِّيه بعلل الضبط كلها أو معظمها على الأقل تتعلق بالمتن، مثل: "الخطأ" كيف يَخْتَلُّ ضَبْطُ الرّاوي؟ وما هي المصطلحات التي وضعها العلماء للإشارة إلى خلل الضبط عند الراوي، ونستعملها في الحكم على الرواة، وتصبح علة ترد حديثه؟ كُلُّها أو مُعظمها يتعلق بالمتن؛ حينَ مثلًا يقولون: صدوق يخطئ مثلًا، أو سيئ الحفظ، أو مغفل، أو له مخالفات للثقات، أو عنده إدراج.
لو نظرنا إلى فحوى هذه العيوب المتعلقة بالضبط سنجدها مُتَعِلّقة بالمتن في المقام الأول، هذه قواعد تدل على العناية بالمتن كما تدل على العناية بالإسناد تمامًا.
"سوء الحفظ" مُتعلق بالمتن، "الغفلة" تتعلق بالمتن، "إدخال حديث هذا في حديث ذاك" تتعلق بالمتن، كان يُلقَّنُ فيَتَلَقّن، تتعلق بالمتن، مُخَالفته للثقات تتعلق بالمَتْن، عيوبٌ كثيرة تتعلق بالضبط وبها يُحكم على ضبطه إن كان قد اختل كثيرًا، أو لم يختل إلخ. أو نزل قليلًا حسب اتساع حفظه وكثرة روايته، يَحْكُمون عليه.
إذن هذه الضوابط التي وضعوها للحكم على الضبط متعلقة بالمتن، وهي أيضًا من الأمور التي تدل على عنايتهم بالمتن، كما اعتنوا تمامًا بالإسناد، بل أقول أمرًا جديدًا: إنّ العِنَايَة بالإسناد الذي يَتّهم الخُصُوم به المُحدثين، إنّما كان لأجل توثيق المتن، ما سَبب عنايتهم بالإسناد؟ يَشهد الله إنه كان ذلك لتوثيق المتن، أي: للتأكد من صدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: علوم الإسناد كلها كانت في خدمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
المتن ليصل إلينا النّصُّ النبوي سليمًا صحيحًا؛ فقد تأكدنا تمامًا من صدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم.
فالرِّوَايَةُ تقوم على جناحين: الرِّجَالُ الذين نقلوا لنا، والنَّصُّ أو المتن الذي نُقل لنا، لا بد من دراسة الأمرين معًا؛ إذا جاءنا الخبر عن الصدوق أو الثِّقة، الذي نطمئن إليه، إذًا نطمئن إلى صدق خبره؛ فمعرفة أحوال الرُّواة التي نسميها بمصطلح الحديث "دراسة الإسناد" هي لخدمة المتن؛ لو أنّنا مثلًا أخبرنا ثقة أنه قد رأى هلال رمضان. رؤيته لهلال رمضان هذا خبر، سنصبح ملزمين بالصيام، والذي لا يصوم غدًا حين يُخبرنا المُخبر بذلك يكون آثمًا.
نَحْنُ تأكدنا من صدق المخبر، لماذا؟ لنَطمئن إلى سلامة الخبر الذي نقله لنا، وهو روايته رؤية الهلال، فمتى أطمأننا إلى صدقه أصبحنا ملزمين بالصيام غدًا، هذا الإلزامُ جاء نتيجة اعتقادنا صدق المخبر الذي نقل لنا الرواية، ولو لم نعتقد صدقه لَمَا أصبحنا ملزمين بخبره؛ فلماذا تُصبح الأمة كلها آثمة؟ أو يصبح بعضها آثمًا إذا لم يصم؟ لأنه قد خالف خبر الثقة الذي عليه أن يصدقه أو يعمل بمقتضاه.
إذن، هذا مجرد توضيح ليُبين أن دراسة الإسناد كانت في المقام الأول لخدمة المتن، لذلك قَسّم المحدثون دراسة الحديث إلى: "علم الحديث دراية"، وإلى "علم الحديث رواية". علم الحديث دراية: يتعلق بدراسة الإسناد بالرِّجال بأحوال الرجال، وعلم الرواية يتعلق بالمتن ودراسته وشرحه ودفع التعارض عنه، واستنباط الأحكام منه، وبيان فصاحته وبلاغته إلى آخر ما يتعلق بدراسة المتن.
إذن، نَسْتَطِيعُ أنْ نَقُول: إنّ عِنَايةَ المُحَدّثين بالإسناد إنما كانت في المقام الأول لخدمة المتن، ولتَوثيقه، وكما قلت: وللتأكد من صدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك مثلًا نجدهم يقولون: "الذي كذَب ولو مرة واحدة لا نقبل حديثه ما لم يتُب".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
وهناك كلام في علم المصطلح حول قبول رواية التائب من الكذب، وفرقوا بين التائب من الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وبين التائب من الكذب في حديث الناس، والتفصيلات يرجع إليها في علم المصطلح.
لكن الذي يَسْمَعُ الكلام لأول مرة أن الذي كذب لا يُقبل حديثه، ولا تُقبل روايته هذا يتعلق بالرجال، أيضًا هو في خدمة المَتن في المقام الأول؛ ما دام كذب سينقل لنا خبرًا مكذوبًا فلن نقبله، المُبتدع الذي يدعو لبدعته لن نرده، وإنّما سنتوقف في قبول حديثه، نحن هنا توقفنا في قبول المتن بناءً على حالة الإسناد؛ ليتضح جليًّا أنّ حَالة الإسناد ترتبط بالمتن، وأنّ عُلوم الإسناد كانت في خدمة المتن.
مثلًا: مُبتدع ينقل حديثًا يتعلق ببدعته، ما الذي يجب علينا؟ سنتوقف في قبول الرواية حتى نتأكد من صدقه؛ لكن شيعي مثلًا ويروي حديثًا في فضل علي رضي الله عنه أو في ذم مُعاوية؛ لماذا لم نقل: نرد حديثه؟ قد يكون حديثه صحيحًا، لكننا على الأقل توقفنا حتى نتأكد من ورود الحديث من طُرق أخرى.
لكن الذي أُريد أن أقوله: هذا الذي نوضحه الآن أن دراسة الإسناد كانت للعناية بالمتن، هذا أمر لم يفقهه المستشرقون ومن دار في فلكهم، وتصورا أن هناك فصلًا كاملًا بين دراسة الإسناد وبين دراسة المتن، وأنّ المحدثين عنوا الأول دون الثاني، لا إنّما كانت العناية بالأول في خدمة الثاني؛ لأنّنا في النهاية -كما قلت- نَبْحَثُ عن صدق نسبة الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه متى صحت نسبته صلى الله عليه وسلم أصبح حديثًا صحيحًا، وأصبحنا مُلزمين بالعمل به، ولا يسع أي مسلم أبدًا أن يصح الحديث عنده، ولا يَعمل به، هذا غير وارد عند أمة الإسلام أبدًا.
إذًا كانت العناية بالإسناد لخدمة المتن، وهذا يرد على الفرية من أساسها بل يهدمها عند أي عقل رشيد، لو كان هناك بحث عن الحق، واستجابة له متى ظهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
أيضًا كثير من "أنواع الضعيف" الضعيف أكثر من تسعة وأربعين نوعًا، والحديث يُقَسِّمُونه -كما نعلم جميعًا- إلى: "صحيح، وحسن، وضعيف" ويُعَرِّفُون الضعيف فيقولون: هو ما فَقَدَ شَرْطًا من شروط الصِّحّة أو من شروط الحسن.
فمثلًا: المَقْلُوب الذي أشرنا إليه قبله، والمُضّطرب هو من أنواع الضعيف؛ الاضطراب قد يكون في المتن، وقد يكون في الإسناد. القصة مشهورة، ذلك الامتحان الذي قُدِّمَ للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عند قدومه لأول مرة إلى بغداد، حينما اجتمع إليه المحدثون وحاولوا أن يختبروه؛ لأن صيته وسمعته كانا قد سبقاه إلى بغداد، فأرادوا أن يستوثقوا من أحواله، وهل فعلًا هو جدير بتلك المكانة والمنزلة التي سبقته قبل أن يصل إلى بغداد؛ فاختبروه في مائة حديث، فقلبوا أسانيدها ومتونها؛ يعني: أدخلوا حديث هذا على ذاك الإسناد، وهذا المتن إلخ. وبفضل من الله تبارك وتعالى رَدّها جميعًا إلى الصواب، ويقولون: العجب ليس مِن رَدِّها إلى الصواب فقط بإلحاق كل متن بإسناد معروف عند المحدثين، إنما العجب أنه رتبها لهم على نفس الترتيب الذي ذكروه، يعني: هو استوعبها عنهم من أول مرة ذكروها.
والمهم أنّ كثيرًا من أنواع الضعيف تتعلق بالمتن: "المضطرب، المقلوب، المصحف، الموضوع أيضًا" وكثيرٌ من علامات الوضع تتعلق بالمتن.
أيضًا: قد يكون الراوي الذي نقل الخبر لم يُتّهم بالكذب، ومع ذلك؛ فإن الناقد الفاحص الخبير في الحديث يرى أنه غلط، وأدخل حديثًا على حديث، ولهذا يرد الرواية، مع أن الراوي من أهل الفضل ومن أهل العلم.
أبو حاتم مثلًا: أعَلّ حديثًا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري؛ مع أن الليث جبل، ولكنّهم تصوروا أنّ الحديث أدخل على الشيخ، (لسان الميزان) في ترجمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
الفضل من الحباب يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: روى ابن عبد البر في (الاستذكار) من طريقه حديثًا منكرًا جدًّا، ما أدري مَن للآفة فيه؟ قال: حدثني فضل بن حباب، حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، حدثنا شعبة، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه يقول: سمعتُ الرّسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته".
الحافظ يقول: الظَّاهِرُ أنّ الغلط فيه من أبي خليفة، ولعله ابن الأحمر سمعه بعد احتراق كتبه، لماذا أعلوه؟ لأنّ المتن منكر، ولم يرد من طرق أخرى صحيحة؛ فلذلك توقفوا فيه، وجَعَلُوا يفحصون سبب الوقوع في الخطأ، من أي الرواة وقع، الأمثلة في كتب الحديث، ولو رجعنا إلى كتب العلل وكتب الموضوعات سنجد أمثلة لهذا كثيرة جدًّا.
ابن أبي حاتم في كتابه (العلل): هذا خبر باطل متعلق بالمتن. لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم كذا، وإنما قال كذا، هذا متعلق بالمتن.
من القواعد التي وضعوها لدراسة المتن: قانون الاعتبار
أيضًا من القواعد التي وضعوها في دراسة المتن قانون الاعتبار، الاعتبار حالة من حالات الدراسة؛ الناقد الدقيق الكبير من علماء الحديث يعتبر الحديث بكل طرقه، يدرسه بكل طرقه بأساليبه ومتونه وشواهده، ويُقارن بينها، ويَنْظُر بعد هذه الدراسة وهذا الاعتبار أنّ المتن يُقبل أو لا يُقبل، مثلًا حماد بن سلمة يروي حديثًا لم يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فينظر هل روى ذلك ثقة غير أبوب عن ابن سيرين؛ فإن وجد علم أن للخبر أصلًا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فهل هناك ثقة آخر رواه عن أبي هريرة عن ابن سيرين، أو هناك صحابي آخر؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
هذه الدراسة التي يسمونها الاعتبار في كثير من الأحوال تتعلق بدراسة المتن؛ كتَعُلّقها بدراسة الإسناد؛ إن لم تزد عن الاهتمام بدراسة الإسناد.
إذا نظرنا إلى أنواع العلل التي يدرسها المحدثون سنجد كثيرًا منها تتعلق بالمتن، ولذلك ونحن ندرِّس مادة العلم لطلابنا، نقول لهم: إن هناك عللًا متعلقة بالإسناد، وهناك عللًا متعلقة بالمتن وهناك عللًا متعلقة بهما معًا. لكن أن يضعوا القواعد يُعرف بها المتن الجيد من غيره، هذا دليل عن عنايتهم بالمتن.
بل إن الميدان الأول لعلم العلل هو أحاديث الثقات، أحاديث الثقات المفترض كما نقول في دراستنا المصطلح أنشروط الحديث الصحيح اتصال السند وعدالة الرواة وضبط الرواة، وخلو الحديث من الشذوذ، وخلو الحديث من العلة القادحة، اطمأننا إلى خلو الحديث من عدالة الرواة وضبط الرواة، وإلى بقية الشروط، نقول: هذا إسناد صحيح كما مر بنا، ولا نقول: هذا حديث صحيح. كون العلماء يجمعون على أن أحاديث الثقات في المقام الأول هي مَيدان علم العلل هذا من أقوى الأدلة على العناية بالمتن.
إذن، كونه ثقة لم يغلق الباب أمام النظر في حديثه مرة ثانية، وهذا النظر لن يكون إلا في ضوء المتن؛ لأنّ الإسناد سَلِم من رواية الثقات، بل إن من أسباب صعوبة علم العلل هو هذا الأمر، يعني صعوبة علم العلل له أسباب كثيرة منها أنه يحتاج إلى جمع الروايات، وإلى جمع الطرق وإلى المقارنة بينها وإلخ.
أيضًا الضُّعفاء أحاديثهم مَعْلُولة لكنها لا تَحْتَاجُ إلى نَظر دقيق، يعني المبتدئ في دراسة الحديث يستطيع أن يعل الحديث بالضعفاء، يقول: هذا إسناد مثلًا فيه كذاب، فيه وضاع، فيه متروك؛ فهو إسناد ضعيف. لكن أن ينظر في أحاديث الثقات، فالنظر في هذه الحالة إنما هو في المتن؛ ليُقارن بينها وبين روايات غيره من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
الثقات، وهل وافقهم وهل خالفهم، ولماذا كانت المخالفة، وهل هذه المخالفة تضر بالمتن؟ وهل وافقه أحد عليها، وهو انفرد بها؟ نقاط كثيرة يدرسونها لتبين أن هذا الثقة لم يخطئ في هذا الحديث.
ولذلك نَتَعَجّب مثلًا حين نفتح كتب الرجال نجدُ بعض الأحكام على بعض الرجال الكبار مثلًا، يقولون: ثقة له أوهام. لماذا ثقة وله أوهام؟ ثقة له أفراد، ثقة له غرائب، نعم، جرب عليه الوهم، سجلوه لم يخافوا من كونه ثقة، وهذا الوهم أيضًا لم يقدح في توثيقه؛ لأنّه نسبة قليلة فنحينا أحاديثه التي وهم فيها، وقَبِلْنَا ما عداها؛ لكنّ الذي أعلق عليه، أو أركز عليه أن هذه الدراسة المتعلقة بالمتن، فكيف يقال: إن المحدثين لم يعتنوا بالمتن؟ هذا كلام غير الخبير الذي لم يتصل لا من قريب ولا من بعيد بجهد المحدثين في دراسة السنة ككل.
وها أنا ذا أقول: إن المحدثين حين يعيدون النظر في أحاديث الثقات مرةً ثانيةً؛ ليفحصوها، فإن ذلك في الغالب يتجه نحو المتن، وإلا فإنه من ناحية سلامة السند قد سلم السند؛ لأنّ الرُّواة ثقاة ومع ذلك نحن لم نكتفِ بهذا، وإنما أعدنا النظر في أحاديث الثقات، وهذه القواعد التي وضعوها وساروا عليها، وأصروا عليها، واصطلحوا عليها، وأجمعوا عليها، إنما كلها كانت لدراسة الإسناد ولدراسة المتن؛ ليصل إلينا في النهاية متن صحيح متى اطمأننا إلى صحته وجب علينا العمل به.
فإذن، حين يضع المحدثون أحاديث الثقات تحت المِجهر فإنما ذلك لكي يفحصوا المتن.
أيضًا كل أنواع العلل تحتاج إلى جمع الطرق، وإلى جمع الروايات لا يستطيع أحد أن يتكلم في العلة إذا جمع الأسانيد ولم يجمع المتون، والعكس أيضًا صحيح؛ لكي تتكلم في العلل لا بد من جمع الأسانيد والمتون معًا؛ حتى يسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
لك الإسناد، فتنتهي في النهاية إلى أنّ الحديث صحيح -كما ذكرنا قبلًا- لكن كون الحديث لكي نتكلم في علله، لا بد من جمع الطرق وجمع الروايات الاثنان معًا، والعلماء يقولون: الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه. ويقولون: كنا نجمع الحديث من ستين طريقًا، ومن ثلاثين طريقًا.
وهذه الأرقام الكبيرة التي نسمعها عن حفظ علمائنا الكبار مثل الإمام أحمد والبخاري ومسلم، ومَن على شاكلتهم من تلك الألوف المؤلفة للأحاديث، إنّما هي حفظ للأحاديث بطرقها بأسانيدها ومتونها، المتن ورد من عدة طرق سواء عن صحابي واحد، أو من عدة طرق عن كل صحابي، كل ذلك لا بُدّ أن يُجمع لكي أتكلم في علة الحديث، بل أيضًا يقولون: "الذي يقول إنه لا يخطئ فإنه كذاب".
هذه من القواعد المقررة عند المحدثين، يعني: لا أحد يكابر في الخطأ أبدًا؛ لأنه لا يوجد بشر الذي لم يخطئ، ولذلك أعادوا النظر مرة ثانية في أحاديث الثقات ليفتشوا فيها؛ حتى نطمئن تمامًا إلى سلامة الإسناد، وسلامة المتن معه.
هناك بالإضافة إلى ذلك بعض القواعد التي وضعها المحدثون لدراسة المتن، مثلًا عرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض، هذا من القواعد التي وضعها العلماء، نجمع الحديث الواحد بكل طرقه وبكل ألفاظه؛ لنقف هل هناك إضراب في المتن؟ هل هناك قلب أو اضطراب أو تصحيف أو تحريف؟ هل هناك زيادة؟ يعني: زادها بعض الثقات، وهل هي صحيحة ولا وهن فيها؟ كل نوع من الذي أقوله الآن المحدثون خصصه لهم مبحثًا من المباحث الخاصة به في مصطلح الحديث.
أيضًا هناك مؤلفات عني أصحابها مثل ابن قتيبة والطحاوي وغيرهم في الجمع بين الأحاديث التي يبدو في ظاهرها التعارض، وإذ هي في معظمها متعلقة بالمتون، متن يتعارض مع متن؛ مثل قول: ((لا عدوى ولا طيرة)) ومثل قوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
((فِر من المجذوم فرارك من الأسد)) هذا نظر في المتن الأحاديث صحيحة هل هذه أحاديث متعارضة، أو يُمكن دَفْعُ التّعَارُض بَيْنَها؟ المثال الذي ذكرته دفع التعارض واضح فيه: ((لا عدوى)) أي: لا عدوى مؤثرة بذاتها. نفَي العدوى هنا؛ ليُبين نفي إنها مؤثرة بذاتها، إنما الفاعل لكل شيء على حقيقة هو الله تعالى.
وفي نفس الوقت خذ بالأسباب، ولا تختلط بالمريض؛ حتى لا تتأثر عقيدتك في نهاية الأمر، وتقول: إن اخْتِلاطك كان سبب نقل المرض، ولذلك لما اشتكى الصحابي من الإبل التي أصابها الجرب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فمَن أعدى الأول؟)) يعني: إذا قلنا: إن العدوى هي السبب، فمن أين الناقة الأولى أو الجمل الأول من أين أتاه المرض؟
إذًا هذا أيضًا من القواعد التي وضعوها، أن يَنْظُروا في الأحاديث التي يبدو في ظاهرها التعارض؛ ليَجْمَعُوا بينها أولًا، ولهم مناهج فيها، القَولُ بالجمع أولًا، أو بالنسخ أو بالترجيح تفصيلات كثيرة؛ لكن القاعدة هنا أننا نجمع الأحاديث المتعارضة، ثم نحاول أن نجمع بينها أو نوفق لكن كلامنا هنا بسبب أن هذا من النظر في المتن.
أيضًا هناك عرض متن الحديث على ما يتعلق به من الوقائع والحقائق التاريخية، المتفق على ثبوتها؛ قصة مشهورة وقعت في زمن الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- الذي توفي سنة أربعمائة ثلاثة وستون هجريًا: اليهود جاءوا بكتاب قالوا فيه: "إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رفع الجزية عن يهود خيبر" وجواب مختومٌ بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: ومكتوب فيه كتبه معاوية بن أبي سفيان وشهد عليه سعد بن معاذ.
ماذا يفعل وهذا حكم شرعي، هل نرفع الجزية عنهم أو لا نرفع، فمن الذي يفصل في الأمر؟ أحدُ كِبَار عُلماء الحديث جاء الخطيب البغدادي نظر في الخِطاب؛ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا كتاب مزور. -هذا محل للشاهد نظر في المتن في ضوء القواعد التاريخية والوقائع المتصلة به، قال: يهود خيبر خيبر فتحت في صفر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
سنة سبعة من الهجرة، لم تكن الجزية قد فرضت بعد. إذًا هو تاريخيًّا علم أن الجزية لم تفرض إلا بعد غزة مؤتة سنة تسعة في آيات التوبة وهي من آخر ما نزل: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29).
ثم دليل آخر: أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يكن قد أسلم أيام خيبر، أيام خيبر سنة سبعة وهو أسلم في سنة ثمانية، هذا دليل آخر على البطلان.
أيضًا سعد بن معاذ الذين قالوا: إنه شهد على الكتاب مات بعد الأحزاب هو جرح في غزوة الأحزاب، وعاش بعدها بأيام قلائل وهو الذي حكم على يهود بني قريضة بالحُكم الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات يا سعد)).
إذن هذه وقائع نظر في المتن من خلالها وبالاستناد إليها؛ فثبت تزوير الكتاب وسعد به جدًّا الخليفة أمير المؤمنين بهذا التوفيق الذي حباه الله به.
أيضًا مُخالفة الحديث للأصول والقواعد الشرعية المقررة؛ هذا من القواعد التي وضوعها للنظر بالمتن. ومما يعرف به الحديث الموضوع ركاكة اللفظ أو ركاكة المعنى.
الضوابط التي وضعها ابن القيم لمعرفة كون الحديث موضوعًا
والآن ننتقل إلى ابن القيم -رحمه الله تعالى- وله كتاب في هذا اسمه (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) وحققه فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله وكان قد طُرح على ابن القيم سؤال: هل يمكن النظر في الحديث والحكم عليه بدون الرجوع لإسناده، وبدون معرفة أحوال الإسناد؟ نلاحظ أن هذا السؤال يتعلق بالمتن، ابن القيم قال: هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
وهديه فيما يأمر به وينهي عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه.
روى جعفر بن جسر عن أبيه، عن ثابت، عن أنس يرفعه: "من قال: سبحان الله وبحمده غرس الله له ألف ألف نخلة في الجنة، أصلها من ذهب". قال: وجعفر هذا هو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري، قال ابن علي: أحاديثه مناكير. وقال الأزدي: يتكلمون فيه إلى آخر ما ذكر نبين العلة.
الضوابط التي وضعها ابن القيم:
يقول: ونحن ننبه على أمور كلية، يُعرف بها كون الحديث موضوعًا، منها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة جدًّا كقولهم: في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان؛ لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له". إلخ
يقول: وأمثال هذه المجازفات البالغة، التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحُمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول صلى الله عليه وسلم بإضافة مثل هذه الكلمات إليه، كلمات تكتب بماء الذهب، الذي يقع في هذا إما إنه في غاية الجهل، لا يعرف بلاغة الكلم وفصاحته وقدره ومنزلته، وإما أن يكون زنديقًا يقصد الإساءة لمن سبق.
أيضًا: تكذيب الحس له: الحس والواقع مثل: "الباذنجان لما أكل له"، "الباذنجان شفاء من كل داء". يقول ابن القيم: قَبّحَ اللهُ وضاعوها؛ فإن هذا لو قاله يحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه، ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزيدها إلى شدة. ولو أكله فقير ليستغني يعني لن يغتني بأكل الباذنجان، ولو أكله جاهل ليتعلم لن يفيده العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
"إذا عطس الرجل عند الحديث فهو غير صدق" إلخ. "عليكم بالعدس".
منها: "سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه" ويذكر أدلة: "لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا، لو أكله جائع لأشبعه" فهذا من السمج البارد الذي يُصان عنه كلام العقلاء فضلًا عن كلام سيد الأنبياء، وحديث: "الجود دواء والجبن داء" إلخ. "لو يعلم الناس ما في الحوت لاشتروا ما بوزنها ذهبًا" إلى آخر ما يضربه أمثلة. يسميها: "سماجة الحديث".
أيضًا من القواعد: "مناقضة الحديث بما جاءت به السنة الصريحة مناقضةً بينةً" مثل حديث: "مَن اسمه أحمد أو محمد، وأن كل من يتسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار" أو يُسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار". يقول ابن القيم: هذا مناقض لما هو معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم أن النّار لا يُجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالأعمال الصالحة وبالإيمان.
أيضًا من العلامات: أن يُدّعَى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه. كما يزعم أكذب الطوائف: "أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع؛ فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: "هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوه". ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته. فلعنة الله على الكاذبين.
وكرواية: "أنّ الشمس رُدّت لعلي بعد العصر" لكنّ القاعدة هنا أن يدعى صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر الصحابة.
ومنها أيضًا: "أن يكون الحديث باطلًا في نفسه" فيدلُّ بُطلَانُه أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مثل المِجَرّة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش". و: "إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية" إلخ هذه كلها كلمات سمجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
أيضًا منها: "أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء" يعني: ركيك في المعنى أو ركيك في اللفظ، فضلًا عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي من يوحى مثلًا: "ثلاثة تزيد في البصر النظر إلى الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن". وهذا الكلام مما ينزه عنه أبو هريرة وابن عباس؛ لأنهم ينسبون الوقت إليهم، بل سعيد بن المسيب والحسن، وأحمد ومالك رحمهم الله يعني: هؤلاء لا يقولون هذا الكلام. هل يجوز النظر إلى الوجه الحسن؟! خصوصًا إذا كان امرأة، يعني لكي تزيد في البصر هل النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام؟!
وحديث: "النظر إلى الوجه الحسن يجلي البصر"، و"عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود، فإن الله يستحي أن يعذب مليحًا بالنار". يقول: فلعنة الله على واضعه الخبيث.
وحديث: "النظر إلى الوجه الجميل عبادة". "إن الله طهر قوم من الذنوب بالصلعة في رءوسهم، وإن علي لأولهم". يعني: هذا كلام لا يجوز أبدًا،
من العلامات الضابطة لنقد المتن: "أنْ يَكُون في الحديث تاريخ" مثل قوله: "إذا وقعت سنة كذا كذا إلى آخره هذا أيضًا؛ "إذا انكسف القمر في محرم كان الغلاء، والقتال وشغل السلطان كذا كذا" كلها كذب مفترى كما يقول ابن القيم.
منها: "أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأنيق" كحديث: "الهريسة تشد الظهر" أن "أكل السمك يوهن الجسد". إلى آخره.
منها أيضًا: أحاديث العقل كلها كذب "لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل" ثم إلى آخره. الأحاديث التي يُذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب وأنّ الخَضِر حيٌّ الآن، ولا يصح في حياته حديث واحد، مثل حديث: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد؛ فسمع كلامًا من ورائه فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر". وساق ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
القيم أدلة كثيرة على تعارض هذا الحديث مع القرآن الكريم ومع السنة المطهرة، وحتى مع المعقول بين أن هذا الحديث يُصادم العقول من وجوه عشرة.
كلامه طيب جدًّا في هذا.
أيضًا يقول: أن يكون الحديث مما تكون الشواهد الصحيحة على بطلانه.
يقول أيضًا: مُخالفة الحديث بصريح القرآن؛ كحديث: "مقدار الدُّنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة". إلى آخره كل ذلك الذي يهمنا هنا أن هذه كلها ضوابط للمتن، تضحد دحضًا شديدًا مُهلكًا فِرية أن المحدثين لم يعتنوا بالمتن، بل اعتنوا بالمتن، ووضعوا هذه القواعد.
أختم بالذي قاله ابن الجوزي: "إذا وجدت الحديث يُباين المنقول، ويُخالف المعقول، ويُصادم الأصول؛ فاعلم أنه موضوع". هذه الضوابط الثلاثة تكتب بماء الذهب إذا وجدت الحديث يباين المنقول يعني: المنقول من القرآن والسنة يُباينه مباينة تامة، بحيث لا يمكن الجمع، ويُصادم العُقول: العقول السليمة والفِطر النّقية، التي لم تتلوث بالمستشرقين ولا بغيرهم.
و"يصادم الأصول" أي: يصادم قواعد الشرع العامة، حديث يدعو إلى الشدة، ليخالف فرائض الإسلام … إلى آخره. كل هذه دلالة على وضع الحديث، غايةُ ما في الأمر أن الذي ينظر في المتن ليقول: إن هذا حديث مخالف للأصول، أو مباين للعقول أو مصادم لكذا، إنما هو عقل مسلم حريص مخلص، حريص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر عقل لم يقرأ في الإسلام شيئًا، وإنما كل ما قرأه إنما قرأه على يد أعداء الإسلام، ثم يأتي لينظر في الحديث، ويقول: هذا يصادم كذا أو هذا يصادم كذا، هذا لا يجوز أبدًا.
لكن الغرض كان هو إثبات أن المتن لقي عناية فائقة جدًّا من المحدثين كعنايتهم بالإسناد، بل إن العناية بالإسناد كانت لخدمة المتن.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
الدرس: 18 الاستشراق ومنهجه وموقفه من السنة المطهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
الاستشراق ومنهجه وموقفه من السنة المطهرة
تعريف الاستشراق ومنطلقه، وأغراضه الأساسية في الدراسة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فبعون من الله تبارك وتعالى وتوفيقه نتكلم عن الاستشراق وموقفه من السنة المطهرة، وعن المنهج الذي اتبعه المستشرقون في الدراسة، كمقدمة لدراسة شبهاتهم التي أثاروها حول السنة.
معنى الاستشراق:
الاستشراق كما نقول في لغتنا العربية: الألف والسين والتاء للطلب، إذا قلتُ: أستغفر الله، يعني: أطلب من الله تعالى المغفرة، إذن المادة فيها معنى الطلب.
"شرق" جاءت من شرقت الشمس؛ أي: طلعت، والمقصود بها أيضًا الجهة الشرق، فنقول مثلًا: شتان ما بين مشرق ومغرب، فمادة شرق إذا أطلقت تُطلق على الجهة التي تُشرق منها الشمس، عندي جهة وهي الشرق وعندي ألف وسين والتاء للطلب، فالاستشراق يعني: معناها طلب دراسة ما يتعلق بالشرق، بِناءً على أن الألف والسين والتاء للطلب، فيكون "المستشرِق" بكسر الراء: اسم فاعل مِن استشرق، أي: الذي طلب دراسة ما يتصل بالشرق، هذه مناقشة لُغوية ندخل منها إلى معنى الاستشراق اصطلاحًا كما عرّفته كثير من المصادر: هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي.
الغربيون انكبوا على دراسة العالَم الشرقي بكل تفاصيله، دراسة الشعوب وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم، وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحضارتهم، وكل ما يتعلق بهم.
العالم الغربي يدرس العالم الشرقي، أين يقع العالم الإسلامي؟ العالم الإسلامي يقع في شرق الكرة الأرضية، والعالم الغربي يقع في غربها. إذًا علماء الغرب اتجهوا لدراسة الشرق بكل التفاصيل التي أشرت إليها؛ التاري،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
خ العادات، اللغات، الأديان، الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية، السياسة، الحضارة، إذًا أهل الغرب يدرسون أهل الشرق، ثم حُصر معنى الاستشراق في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية.
العالم الشرقي جغرافيًّا يشمل حتى اليابان والصين شرق الكرة الأرضية، في الغرب، إذن الدراسة تشمل كل هذا، لكنها في النهاية انحصرت لدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، لماذا؟
ما دام الاستشراق في النهاية استقر على دراسة أحوال المسلمين فقط ودراسة الإسلام ذاته كدين بكل تفاصيله، كان ذلك لخدمة أمرين: لخدمة أغراض التبشير، ولخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين، فالاستشراق قام بإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام، وتحطيم الأمة الإسلامية، يعني: هذه الدراسة الاستشراقية لم تكن للعلم أو لمعرفة أحوال هذه الشعوب؛ لكي يتفاعلوا معها أو يتعاونوا معها ويستفيدوا بطيبها ويتوقوا خبيثها مثلًا، ويتبادلوا المنافع فيما بينهم، إنما كانت لغرضين؛ أغراض التبشير التي تعني ردّ المسلمين عن دينهم، وأغراض الاستعمار الذي يعني السيطرة على بلاد ومُقدّرات المسلمين؛ الاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي كما نعلم جميعًا.
هذا الكلام الذي أقوله لم آتِ به من عند نفسي، كل الذين تكلموا في الاستشراق مثلًا كِتاب (أجنحة المكر الثلاثة) للأستاذ عبد الرحمن الميداني (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) للدكتور محمود زقزوق، (المستشرقون والتاريخ الإسلامي)، (رؤية إسلامية للاستشراق) للدكتور أحمد غراب، كثير من الكتب قالت هذا الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
هذا الاصطلاح الذي اصطلح عليه في تعريف الاستشراق استقر عليه القول عند أهل العلم والمتخصصين في هذا الأمر، وهو بعد أن كان الأمر يقوم على دراسة الشرق كله، حُصر الأمر في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، وكما قلنا الغرض من هذه الدراسة:
1 - خدمة أغراض التبشير.
2 - خدمة أغراض الاستعمار.
3 - إعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام.
هذه الدراسات كانت ليقدموها إلى العسكريين وإلى السياسيين، كيف تتوغلون في الأمة الإسلامية؟ يدرسون عادات الشعوب وأخلاقها وتقاليدها .. إلخ لكي يجدوا سبلًا ينفذون من خلالها للسيطرة بمعنى الاستعمار، وللتبشير الذي يعني محاولة إخراج المسلمين عن دينهم.
الدراسات التي قام بها المستشرقون بهذا الهدف، يدرسون المنافذ التي تؤدي بهم إلى ذلك.
إذن، عرفنا الاستشراق وأغراضه والهدف من دراسته، مَن هو المستشرق إذن؟
المستشرقون هم الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، المستشرقون جهة علمية في المقام الأول، يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، يعني هم من أبناء الغرب، ويقدمون هذه الدراسات -كما قلنا- للمبشرين وللقائمين على قيادة الدوائر الاستعمارية؛ لكي يستفيدوا بتلك الدراسات في تحقيق أغراضهم، التي يبحثون عنها للأمة الإسلامية، من الاستيلاء على المصادر الاقتصادية والسياسية، من محاولة توهين عقيدة الأمة الدينية، من صرف الأمة عن الجهاد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)