هذا نص الحديث عند الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- مع تفاوتٍ بين الروايات في بعض الألفاظ اليسيرة مثل: ((فليطرحه كله، أو يغمسه كله)) وردت في بعض الروايات ولم ترد في بعض الروايات الأخرى.
الحديث مشكلته -كما يقولون- عقلية، أنه مخالف للعقل، وسبب مخالفته للعقل لما هو معروف طبيًّا من أن الذباب ناقل للعدوى، فكيف يكون فيه شفاء؟! إلى آخر ما أثاروه من شبهات حول هذا الموضوع.
وما نتكلم به عن حديث الذباب نتكلم به عن أحاديث كثيرة ردوها، في الصحيحين، حديث فقأ موسى لعين ملك الموت، حديث السحر، المنهج لا يتسع للرد على كل هذه الأحاديث حديثًا حديثًا، وهناك كتب عَنيت بذلك، وما نتناوله في دروسنا إنما يفتح الباب لأبنائنا المتلقين؛ لكي يتابعوا القراءات مع الكتب التي عُنيت بالموضوع، عندنا عشرات الكتب عنيت بالرد على الشبه حول السنة من الدكتور مصطفى السباعي والدكتور محمد أبو شهبه والدكتور محمد زهرة، وكثيرين من المحدثين، وهناك مواد الآن في الكليات حول الشبهات التي أثيرت حول السنة، فيما يتعلق بكل فروعها وتفصيلاتها من الصحابة ومن الرواة ومن الكتب … إلى آخره. فما نذكره يكون أنموذجًا لآخرَ.
إذن، حديث الذباب معناه: أن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا، فماذا عليه أن يفعل؟ أن يغمسه كله، يعني: يضع الذبابة كلها في السائل الذي في الإناء، يُغرق الذباب في السائل الذي في الإناء، ثم بعد ذلك يقذف بالذباب إلى خارج الإناء؛ أي: ليطرحه أي: ليلقيه بعيدًا عن الإناء، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلل يقول: ((إن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخرى شفاء)).
أعداء السنة -قديمًا وحديثًا- يتكلمون عن هذا الحديث، والذين تطاولوا على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
أبي هريرة، قالوا: إن هذا الحديث من رواية أبي هريرة، وقالوا: إنه حديث آحاد يفيد الظن، نفس القضايا التي أثيرت حول السنة تثار من خلال هذا الحديث وغيره مما قلناه.
قضية أنه حديث آحاد يفيد الظن، هذه رددنا عليها في الدروس المتعلقة بالمتواتر والآحاد، وبيّنا أن حديث الآحاد عند كثير من العلماء يفيد القطع؛ أي: نقطع بنسبته للنبي صلى الله عليه وسلم وحتى مع القول بإفادته بالظن، بمعنى: أن نسبته إلى صلى الله عليه وسلم مظنونة- فهذا لا يمنع العمل به؛ فإن العلماء قد أجمعوا على أنه يجب على الأمة أن تعمل بما غلب على ظنها، وقد أشرنا إلى هذه المسألة -كما قلت- في الدروس المتعلقة بالمتواتر والآحاد.
بقية الشبهات: أنه مخالف للعقل، مخالف للشرع، كيف هو مخالف للشرع؟ يقولون: إن الشرع قد حدثنا على اجتناب الضار، واجتناب النجاسة، والعلم يقطع بمضار الذباب، يعني: النصوص التي تمنع المسلمين من أن يقعوا في الضرر كثيرة جدًّا: بل إن كثيرًا من المحرمات حرمت لضررها، مثل الخمر وما إلى ذلك على الصحة، ومثل التدخين إلى آخر ما نعرفه. الشرع الحنيف حرص من خلال الأدلة المتعددة على الحفاظ على صحة الإنسان، والحفاظ على الصحة هي إحدى الكليات التي حافظ الإسلام عليها، فكيف نأتي بحديث نقول: إنه من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إن الذباب فيه داء وشفاء، فليفعل كذا -يعني: الذي قلناه من غرس الذبابة- ثم طردها إلى خارج الإناء.
أيضًا، يقولون: إن هذه ليست عقيدة، وهذا أمر ليس من عبادات الإسلام ولا من شرائعه حتى ندافع عنه، وحتى نستمسك به، وهم يريدون أن يفتحوا الباب لأنفسهم أنه إذا اعترضوا على هذا الحديث فلا غبار عليهم؛ لأنهم لم يتجرءوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
على قواعد الشرع ولا على عقائده ولا على عبادته، بل إن بعضهم يتصور أنه يدافع عن الإسلام ويطهره -هكذا يقولون- مما قد يثار حوله أنه يخالف العلم أو يأخذ بالمضرات إلخ، بل يقولون: إن هذا الحديث وغيره إن الاشتغال به إنما هو صرف للناس عن أمور هامة في مجال الاختراعات والمكتشفات، والوقوف عند مثل هذه الأحاديث التي تعطل الناس على الانطلاق في هذه المجالات لا يجوز أن نأخذ بها.
هذه بعض الشبه، وآثارها خصوم الإسلام، ومنذ يومين فقط قرأت في إحدى الصحف لمن يدافع بشدة عن رفض الحديث، وهم أصحاب جرأة على أهل العلم الذين يرفضون ذلك، ويتهمونهم بالتخلف وبالظلام، ولعل الأبناء الذين يتابعون شيئًا من هذا ويقفون على صنعهم، وكأن جزءًا من منهجهم أن يخيفوا العلماء المخلصين بالاتهامات وبالسب وبكذا، حتى يتوقفوا عن الدفاع عن السنة المطهرة.
على كل حال، نحن ذكرنا الشبهات التي أثاروها، رددنا على أنه حديث آحاد، وبينا بإيجاز أن العمل بالآحاد واجب حتى مع القول بأن نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم مظنونة، حتى الفريق الذي قال: بأن خبر الآحاد يفيد الظن ولا يفيد القطع، لم ينازع أبدًا في وجوب العمل بها، بل إننا هناك قلنا: إن الأثر الوحيد لهذه القضية هو عند الترجيح، بمعنى أنه: إذا تعارض حديث متواتر مع حديث آحاد، ولم يمكن الجمع بينهما بحال وانتقلنا إلى الترجيح، فإن المتواتر يتقدم؛ لكونه أقوى ثبوتًا من حديث الآحاد، لكن أقوى ثبوتًا لا تعني أن حديث الآحاد غير ثابت، ولا تعني أنه ضعيف، فمتى ثبتت صحته وجب العمل به على العين والرأس، وهذه من القواعد التي قررها العلماء وانتهوا منها والعودة إليها لا تجوز، إذن هذه الشبهة مردود عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
الحديث ثابت في أصح مصادرنا، الحديث رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عبيد، وأبو يعلى، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، البزار، ابن قتيبة، الطبراني، البيهقي، الطحاوي، الحاكم، ابن السكن، النجار، ابن أبي خيثمة، ابن عبد البر، كل هؤلاء وغيرهم من أصحاب كتب السنة قد خرّجوا الحديث بطرق متعددة، يعني الحديث ليس في كتاب واحد ولا هو عند البخاري فحسب، والذي ذكرناه بإيجاز، والأستاذ الدكتور الشيخ ملا خاطر -حفظه الله- له كتاب طيب في حديث الذبابة بالذات نحيل عليه، اسمه (الإصابة في صحة حديث الذبابة) يتكلم عن حديث الذبابة كما ذكر هو في عنوانه من النواحي الفقهية والطبية والحديثية، الحديثية بمعنى ثبوته.
إذن، الحديث نستطيع أن نقول: يملأ دواوين السنة، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى لم ينفرد أبو هريرة رضي الله عنه بروايته، ولو انفرد أبو هريرة بروايته فعلى عيننا وعلى رأسنا، وأبو هريرة راوية الإسلام، وعالم السنة الفحل، وأحفظ هذه الأمة للسنة كما وصفه الإمام الشافعي، لن يخيفنا كلام أحدهم عن اعتقاد هذه الحقائق اليقينية، جزى الله أبا هريرة خيرًا عن الإسلام وعن سنة النبي صلى الله عليه وسلم لكن نحن نتكلم بشكل علمي.
لقد تتبع الدكتور ملا خاطر طرقه بوضوح في كتابه، فهو قد ورد من رواية أبي هريرة ومن رواية أبي سعيد الخدري ومن رواية أنس بن مالك ومن رواية عدي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين- إذن ورد عن طريق جملة من الصحابة وليس صحابيًّا واحدًا، ولو ورد من طريق صحابي واحد -كما قلت- من هؤلاء فضلًا أن يكون هو أبا هريرة، فعلى عيننا وعلى رأسنا، وفي قلوبنا وفي عيوننا، ونقول: سمعنا وأطعنا.
لكن هذا اتباع للأساليب العلمية في الرد على الشبهة، وهو أن نجمع طرق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
الحديث؛ لنبين أن من بين الرد على شبهاتهم أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته، إذا كنت ستشكك في أبي هريرة -ولن نقبل- لكن هب أنك ستجترئ عليه، فماذا تقول في رواية أبي سعيد ورواية علي بن أبي طالب ورواية أنس بن مالك؟ وكل ذلك قد جمع طرقه العلامة شيخ ملا خاطر أحيل عليه حتى لا أطيل، لكنها كلها طرق صحيحة تؤكد صحة الحديث، ولو لم يرد إلا في البخاري لحسبنا هذا.
لكن هذا يفيد في قضية أخرى، أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول وملأ دواوينها، كنا في انتظار أحد حتى هذا العصر حتى يأتي ليبين لنا أن هذا الحديث لا تقبله قواعد الشرع، ولا تقبله القواعد الطبية ولا ما يقولون! هذا كيف مر على عقول الأمة وقلوبها، وقبلته وساغته وروته، وحفظته وعملت به، ثم بعد ذلك يأتي من يدحض ذلك كله؟!
على كل حال، يقول الشيخ ملا خاطر في ختام كلامه عن دراسته لطرقه وأسانيده وأنه في أعلى درجات الصحة: ومن الغريب جدًّا أن هذا الحديث بعينه -وهو حديث الذبابة- لم يكن مما قد استدركه أحد من أئمة الحديث على الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه، وفي أعلى درجات الصحة، ولم يتكلم فيه إلا من لا خَلاق له في العصور المتأخرة، كما قال الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى- تكلم عن هذا الحديث من لا خلاق له.
إذن، هذا الحديث الصحيح، أجمع العلماء على تلقيه بالقبول، العلماء الذين انتقدوا بعض الأحاديث في الصحيحين، لم يجعلوا هذا الحديث من بين الأحاديث التي انتقدوها، لا من ناحية الإسناد ولا من ناحية المتن.
لكن دعنا نفرغ الآن من تأكيد هذه الحقيقة، وهو أن الحديث صحيح إسنادًا ومتنًا، وأنه في أعلى درجات الصحة، بل نقول: إن أمتنا كلها قد تلقت هذا الحديث بالقبول، وأجمعت على أنه صحيح بنسبة مائة بالمائة أو كما يقال في لغتنا المعاصرة كتأكيد: مليون في المائة، لا يخالف الواقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
ولا العقل ولا الطب في شيء مما سنذكره فيما بعد، لكن نحن أشرنا إلى المسألة الأولى وهي أنه قد ورد في دواوين السنة وبطرق صحيحة، ومن طرق الصحابة الأربعة وأن أبا هريرة رضي الله عنه لم ينفرد بروايته.
الشيخ الألباني أيضًا في دراسته لهذا الحديث في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، تكلم عن هذا الحديث، وذكر له ثلاثة طرق، وهي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وأنس رضي الله عنهم ولم يشر لحديث علي بن أبي طالب، الذي أضافه الشيخ ملا خاطر -رحمه الله تعالى-.
وفي بعض روايات الحديث عن الزيادات: ((وإنه ليتقي بجناحيه الذي فيه الداء، فليغمسه كله)) ماذا يتقي؟ يعني: هو حين ينزل في السائل ينزل بجناحه الذي فيه الداء، ثم عليك أن تغمسه؛ لتَحدث المعادلة.
إذن الحديث في أعلى درجات الصحة، ونفعل ذلك لأنه -كما قلت- ينزل بالجناح الذي فيه الداء، فإذا غمستَه كله في الإناء قوبل الداء بالدواء أو بالترياق، فتحققت المعادلة، وتحقق الغرض الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
المعجزة النبوية في حديث الذباب، ودفع شبهة تعارضه مع الطب
يقول الشيخ محمد أبو شهبة رحمه الله في كتابه الطيب (الدفاع عن السنة) وضع له عنوانًا من ضمن العناوين في دراسة الكتاب، بين أنه معجزة نبوية ليس حديثًا عاديًّا فقط، وإنما هو معجزة نبوية.
يشير الشيخ ملا خاطر إلى قضية جميلة طريفة كأسلوب من أساليب الرد على الشبه، هناك أمر مستغرب وهناك أمر مستحيل؛ المستحيل هو الذي يستحيل وقوعُه، أما المستغرب فيعود إلى ضعف المتصور نفسه وعدم إدراكه؛ يعني:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
الأمر مستغرب بالنسبة لي، أنا لا أستطيع أن أفهمه، كثير من الناس يخلطون بين المستحيل وبين المستغرب، وحتى في غير التشريعات، لو أن أحدنا جاءنا يحدثنا عن أمر مستغرب؛ كنا نستغرب الطائرات في أول الأمر، كنا نستغرب النزول على سطح القمر، كنا نستغرب أمور كثيرة، كنا نستغرب أن ينتقل البث التلفازي في أي مكان في الأرض إلى كل أرجاء الأرض في وقت واحد، كل ذلك لو تحدثتَ به منذ خمسين سنة أو منذ مائة سنة أو مائتي عام لكان ضربًا من الجنون. الآن أصبح أمرًا واقعًا يعيشه الناس، ويدركونه، فهناك أمر مستغرب لكنه مستحيل.
يوضح الشيخ المثل يقول: لو جئت مثلًا برجل عامي وكلمته عن الأوزون، وعن اختراقه، وعن هبوط الإنسان على سطح القمر، ربما استبعد ذلك جدًّا، بل في استبعاده ربما رأى أنه مستحيل، لكن الذين تمرّسوا في المسائل العلمية لا يستبعدون هذا، فهناك فرقٌ بين أن تستبعد وتقول له: مستحيل، وبين الاستغراب.
الإسلام -بفضل من الله تعالى- ليس فيه أبدًا ما يخالف العقلَ، ولا ما يرفضه الواقع، ولا يحكم باستحالته، إسلامنا -بفضل الله عز وجل بريء من كل هذا، بل أنا دائمًا أقول في مناسبات كثيرة: إننا نفخر بإسلامنا، ليس في إسلامنا ما نخجل منه، ولا نحاول أن نداريه ولا نتمنى أنه لو لم يكن، لا، كل ذلك غير وارد بالنسبة للإسلام.
إسلامنا نأخذه من المصادر الصحيحة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
إذن، قد يُقبل استغراب البعض لهذا الحديث لكنه لا يقبل منه أبدًا أن ينكره، أو أن يحكم باستحالته، وعلاج الاستغراب واضح، الاستحالة نوع من العناد إنما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
الاستغراب المعالجة له بمزيد من العلم، الأمر الذي تستغربه أدرسه علميًّا وشاور فيه أهل الاختصاص، وانظر مدى إمكانية وقوعه، أو هل العلم يؤيده؟ هل الواقع يؤيده أو هل العقول تقبله؟ أما أن تبني رفضك له على استغرابك له، فهذا ما لم يقل به أحد من قبل.
ولذلك ننتهي إلى أن الحديث صحيح، وأن الأمة قد أجمعت عليه، وأن أحدًا من علمائنا الأثبات القدامى الذين نظروا في السنة ومَنحوا الإجماع لـ (صحيح البخاري) و (مسلم) لم يتوقفوا مع هذا الحديث، بل تلقوه بالقبول، ولا تجد رواية واحدة أعلت هذا الحديث بأي نوع من أنواع العلل.
يقولون: كيف ألهم الله الذباب من وجوه قولهم: أنه يتعارض مع العقل، كيف الهم الله الذباب أن ينزل بالجناح الذي فيه الداء؟! هل له إدراك وأنه يحمل في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء؟! وكيف ينزل بالجناح الذي فيه الداء؟ وهل الذباب عاقل حتى يدرك ذلك كله؟!
نقول: ما دام الكلام بالعقل -كما يقولون-: هناك مخلوقات كثيرة فيها نفس القضية أو غيرها، مثلًا الحية مليئة بالسم وفيها الترياق أيضًا، النحل فيه السم وفيه العسل، كل ذلك يعرفه أهل العلم، النملة تحمل الحَبّة وهي تحملها تخرقها، لكي لا تنبت؛ حتى تستطيع أن تحتفظ بها، يعني: عشرات المخلوقات التي ليست من أصحاب العقول بالمستوى الذي نتصوره في العقل تصدرُ عنها أفعال عاقلة، بل في قمة النضج، بل مليئة بالحكمة.
فهذا كله ثابت بالأدلة، ثابت بالواقع العملي الذي نراه، كل الحيوانات التي تتقي الخطر عن نفسها؛ لأن هناك فطرة فطر الله المخلوقات كلها عليها، ليس شرطًا أن يدرس المخلوق من الحيوانات في جامعة علمية، أو أن يدخل إلى المعامل التجريبية، إنما هناك فطرة فطَر الله تعالى الخلق جميعًا عليها، ومن هؤلاء الخلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
كل المخلوقات، وكل صنف من المخلوقات أمة من الأمم: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام: 38).
النحلة تخرج العسل والسم، الحية فيها السم وفيها الترياق، ويستفيد أهل الصيدلة جدًّا من سمها ومن ترياقها أيضًا، الهدهد الذي تكلم في: {أَلَاّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (النمل: 25) النملة التي قالت: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} (النمل: 18) كل هذه المخلوقات التي تبحث لنفسها عن مأوى عن مهرب، بمجرد أن ترى الخطر أو حتى تلمحه ولو من بعيد، حين يرى حيوانٌ ضعيف حيوانًا مفترسًا فإنه يهرع بالفرار وبالهروب حتى لا يتعرض لأذاه، ما الذي حرك كل ذلك؟ هذه المخلوقات بالفطرة، فاستبعاد أن يدرك الذباب أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، رددنا عليها بالمخلوقات نفسها، ولم نذكر عشرات، وأعتقد أن كل واحدًا يعني يرى ذلك جيدًا جدًّا في كل الحيوانات المحيطة به.
ائتِ أي حيوان مثلًا وألقي به في النار، واترك له الحرية في أن يبتعد عنها، قطعًا لن يدخل، كيف عرف هذا؟ هل هناك عقل كما يقولون؟ هذا أمر فطري فطره الله عليه، لماذا يفر الفأر حين يرى القط مثلًا؟ ولماذا يهرب القط حين يرى الكلب؟ أسئلة تبين في وضوح وجلاء أن الفطرة عرفت الذباب هذا الأمر، ثم إن الذي خلق فيه الدواء والداء هو الذي ألهمه بذلك، لماذا نستبعد هذا: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا مما في بطونه من بين فرث ودمًا لبنًا خالصًا} (النحل: 66)، سبحان الله! استبعدت أن يلتقي الترياق مع الداء في كائن واحد ها هو القرآن يتحدث: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِين} (النحل: 66) دم وفرث وكلاهما متعب يخرج من بينهم شراب خالص سائغ للشاربين، وهو اللبن الطيب الذي نشربه بفضل الله عز وجل نعلمه جميعًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
إذن، أي عقل يستبعد أن يدرك الذباب هذا الأمر، وقد ضربنا له أمثلة كثيرة.
إذن، هذا ليس مخالفًا للعقل، إنما الأدلة عليه أتكلم من ناحية إدراك الذباب لما فيه من أمور الخلق، وأنه ينزل بالجناح الذي فيه الداء ليتقيَ ثم علينا أن نغمسه.
ننتقل إلى رد آخر: الحديث هل فيه أمر بضرورة فعل ذلك؟
لم يفهم أحدٌ من العلماء أبدًا بالقول بوجوب ذلك، وهم يشرحون الحديث، وأنا هنا أحيل على شرّاح الحديث من كتب السنة، في (فتح الباري) وفي غيره من كتب شروح البخاري وشروح السنة كلها، ومن كتب الطب التي تعرضت له ومن غيرها -غيرها كثير- أحيل عليها؛ لأبين أن أحدًا من علماء الأمة لم يقل بالوجوب، ماذا يعني هذا الكلام في الرد عليهم؟ يعني: إذا طابت نفسك بالاستفادة من هذا المشروب أو السائل الذي في الإناء، إذا وقع فيه الذباب فافعل ذلك، وإن لم تفعل فاطرحه، إذا لم تقبل، فاطرحه، لكن لا تعترض على الحديث، لمجرد أنك تستبعده أو تستغربه.
وقد ضربنا له الصلة بما يشابهه وبما هو أقوى، بما لا يقل عنه في الغرابة إذا أردت أن نستغرب، لكن في ليس في الاستحالة، واستدللنا بالقرآن، هم في السنة يجترءون ويقولون: هذا حديث آحاد وربما أخطأ الراوي، وما إلى ذلك، فماذا سيقولون في القرآن: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِين}، وحينما أثبت الإدراك للهدهد وللنملة وللسماء والأرض: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين} (فصلت: 11).
هذه أدلة كثيرة تدل على الإدراك عند هذه المخلوقات، الإدراك الذي خلقه الله تعالى بما يريد وكيف يريد بالفطرة، وليس شرطًا أن تكون لها عقول كما يتوهم الواهمون، حتى تدرك هذه الأشياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
أقول في الاستدلال الآخر: ما الذي في الحديث من غريب؟
إذا لم تطب نفسك باستعماله فأرِقْه، لكن -كما قلت- لا تعترض على الحديث، بل إني سأنتقل إلى النقطة الأخرى، وأقول: إن في هذا الحديث سبقًا اقتصاديًّا عظيمًا؛ إنه سبق اقتصادي يتناسب مع المجتمعات المتوسطة والفقيرة.
لو أن الذباب وقع مثلًا في إناء من العسل فيه جملة من الكيلوات، لو وقع في إناء من اللبن، لو وقع في إناء من السمن، أنلقي ذلك كله ونرميه؟ نقابل ربنا بأي وجه، وهب أنك ستقول: إنك رجل غني تستطيع أن تعوض ما ألقيته من هذا، فماذا يفعل الفقراء؟
دائمًا أقول: هاتِ أي سيدة من سيداتنا الحريصات على البيوت وعلى المعاش كما نعرفها جميعًا، واطلب إليها إذا وقعت ذبابة في إناء من العسل أو من اللبن أو من السمن أو من غير ذلك مما له قيمة وقل لها: ألقيه في اليم أو في الأرض ولا تستعمليه! ستستغرب ذلك جدًا، وستحاول بفطرتها أيضًا وبعقلها أن تتغلب على ما قد يقال: إنه من الضرر، مثل: أن تدخله النار مثلًا، أن تغليه في النار أو أن تقدحه في السمن حتى تموت الميكروبات، حتى من غير أن ترى أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، لكنها بفطرتها بحرصها سيشق عليها جدًّا أن تهدر هذا الأمر الذي يتكلف مع غلاء الزمان الذي نعيش فيه.
أقول: إن هذا الحديث سبق اقتصادي، وتفوق في التجاوب مع الظروف الاقتصادية التي تطرأ، وتصبح هذه الأشياء غالية، مع أننا يمكننا أن نستفيد بها من غير ضرر -بإذن الله رب العالمين-.
وقد لا يروق للبعض هذا الرد -التفوق أو السبق الاقتصادي- أقول: ليس في الحديث إجبار على أن تستعمله، لكن لا تنكر عن الذين تستعملونه، الآفة أنهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
لا يقبلون غير رأيهم، حتى لو قلنا: المسألة اجتهادية، هي ليست اجتهادية؛ لأنه حديث، لكن ليست واردة بأدلة غير الحديث حتى نجتهد فيها، إنما نجتهد في فهمها، والعجب أنهم لا يكتفون بجرأتهم على الحديث، بل الشيطان يسول لهم ويملي لهم ويزين لهم أنهم يدافعون عن إسلامهم، وأننا الذين نتمسك بهذه الأحاديث نحن الذين نأتي بالاتهام للسنة المطهرة.
إذن، فيه سبق اقتصادي، ليس فيه أمر بضرورة الاستفادة بهذا الأمر، بل كما قلت خلاصته: أنك إذا طابت نفسك باستعماله فعلى الرحب والسعة، وإذا لم تطب من الممكن أن تريقه، لكن في كل الأحوال ليس من المسموح لك أن تعترض على الحديث الذي أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول.
أيضًا، قضية أن الحديث يتعارض مع الطب في أن الذباب يحمل الجراثيم، اقرءوا الحديث جيدًا، وليأتِ أحدنا بأي نص أو بأي جملة في الحديث تقول: إن الذباب لا يحمل الجراثيم، هم يحمّلون للحديث؛ لأنهم أصلًا لم ينظروا فيه وفي دراسته، ولم يقرءوا أقوال العلماء، إنما يسارعون بالهجوم من غير تبدر وتأمل وتفكير ورويّة. بل بالعكس، هو يقرّ إن في أحد جناحيه داء، هذا هو الضرر، وهو يدلنا على كيفية اتقاء هذا الضرر بأن نغمسه فيه.
إذن، ليس في نص الحديث أبدًا ما يجعلهم يقولون: إن هذا يتعارض مع الطب؛ لأن الذبابة حاملٌ للجرثومات أو للأمراض، بل أقول: إن هذا الحديث يؤكد هذه الحقيقة؛ لأنه بين لنا أنه يحمل في أحد جناحيه داء، والله عز وجل بفضله وبمنه وبكرمه وضع ترياقًا مقابلًا لهذا الداء في الجناح الآخر، وكل المطلوب منك إذا أردت أن تستفيد من هذه المادة التي وقع فيها الذباب، أن تغمسه فيه، ثم تنزعه وتطرحه بعيدًا عن الإناء، ثم استفِدْ بهذا الذي في الإناء إن قبلت وإن أردت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
إذن، الحديث لم يُنكر أن في الذباب جراثيم وبلاء، بل هو يدلنا على اتقاء هذه البلاءات التي في الذباب نفسه، ثم -في فهمي- الحديث يحمل رحمةً من الله تعالى للناس جميعًا، وليس للمسلمين فحسب، كيف؟ الذباب لا نستطيع أن نتقيه، هو يملأ حياتنا، صحيح نقاومه بوسائل متعددة، لكننا لا نقضي عليه تمامًا، يعني هو في حياتنا إن شئنا أو أَبينا، يدخل علينا حجرات نومنا، ويلقي بنفسه على طعامنا ونحن نتناوله، رغم أخذنا بالأسباب الاحتياطية، فالله تعالى من رحمته ومن كرمه ومن فضله ومن إحسانه على هذه الأمة، أنه يعلم بعلمه الكشفي الإحاطي، أنهم لن يستطيعوا أن يدرءوا الذباب عن أنفسهم مهما حاولوا، فأوجد لهم هذه الطريقة التي تدفع ضرر الذباب عنهم.
بما أنك لن تستطيع أن تدفع الذباب فاستعمل هذه الفائدة الإلهية، بأن تطرحه في الإناء إذا وقع فيه، إذا لم يقع فيه فلا مشكلة، أين المشكلة! أما إذا وقع فيه وأردت أن تستفيد به فافعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث سبق أيضًا، وفضل، وكيف يخفى ذلك.
يقول الشيخ ناصر الألباني رحمه الله: والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك -أي: في أن الذباب يحوي الجراثيم- بل هو يؤيده؛ إذ أخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم -أي: على أهل الطب- وفي الآخر شفاء، فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقفُ إذا كانوا من غير المسلمين إن كانوا عقلاء؛ لأن العلم الصحيح يشهد بأن عدم العلم بالشيء لا يستلزم عدمه، يعني: أنا لا أعلم أن محمدًا قد سافر، فهذا لا ينفي أنه قد سافر، فالذي ينفي الشيء؛ لأنه لا يعلم به -يقول: هو غير موجود- هو يتصادم مع بدهيات العقول، هو رتّب نتيجةً على مقدمة لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
تُؤيده في ذلك، أنا لا أعلم بهذا الشيء يكون غير موجود، هذا ما لم يقل به أحد من العقلاء ولا من العلماء.
وننتقل الآن إلى جانب آخر من جوانب الرد على الشبهات وهو أخطر مشكلة من المشاكل التي أثاروها، وهو أن الطب الحديث أثبت أن الذباب ضار وليس في أحد جناحيه وفي الآخر دواء:
هذه الفرية يرد عليها أيضًا العلماء الذين تكلموا في هذا، الشيخ ناصر الألباني يقول: وقد قرأت قديمًا -يشير إلى مجلةٍ علمية قرأها قبل ذلك-: لا مانع من أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث، فيقول هذا الطبيب: يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه ويأكل بعضها، ويتكون في جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب مبعد البكتيريا، وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حيةً أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حالة وجود مبعد البكتيريا هذا، وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب هو أنه يحول البكتيريا إلى ناحيته.
وعلى هذا، فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقَى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واقٍ منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغَمْس الذباب كله وطرحه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقةً، وكافٍ في إبطال عملها.
هذا كلام الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- نقلًا عن أحد الأطباء.
ويتكلم أيضًا الشيخ محمد أبو شهبة -رحمه الله تعالى- في كتابه (الدفاع عن السنة): وقد شاء ربك العالم بما كان وبما يكون أن يظهر سر هذا الحديث، وأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
يتوصل الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب، فيغمسه في الإناء، تكون هذه المادة سببًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم، التي ربما تكون عالقةً به.
وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون تجويزًا حقيقةً مقررةً.
وينقل الشيخ أبو شبهة نقلًا آخرَ، يقول: وفي "مجلة التجارب الطبية" الإنجليزية، عدد 1307 - 1927 ما ترجمته: لقد أُطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حينٍ من الزمن ماتت تلك الجراثيم، واختفَى أثرها، وتكون في الذباب مادة سامة تسمى بـ"كتريوفاج"، ولو عُملت خلاصة من الذباب لمحلول الملح لاحتوت على هذه المادة التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض.
على كلٍّ، النقول الطبية في هذا الأمر كثيرة، وهناك طبيبان أشار إليهما الشيخ محمد أبو شهبة كتب في "مجلة الأزهر" في عدد رجب سنة 1378: أشار إلى كثير من البحوث التي قام بها كثير من علماء البلاد الغربية، هذه البحوث في بلادهم، وأشار أيضًا الطبيبان اللذان كتبا هذا المقال إلى المصادر التي ذكرت تلك المعلومات، ذكروا العلماء بالاسم، وذكروا بحوثهم والمجلات التي نشرتها في آخر هذا البحث، يعني: استعملوا أساليب التوثيق العلمي الدقيقة؛ ليردوا على هذه الفرية.
والخلاصة:
أن هذا الحديث من الناحية الحديثية ثابت وفي أعلى درجات الصحة، في عدم مخالفته للفطرة، وضربنا نظائر لهذا، حتى أكبر شبهة أثاروها وهي مخالفته للطب فيما يزعمون، كثيرٌ من أبحاث الطب تُثبت صدقه، وحتى ولو لم تثبت فيكفينا أنه كلام سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
ويشير الشيخ مُلا خاطر رحمه الله إلى أشياء أخرى، أفادها الحديث غير ما ذكرناه، أفاد أن الحديث ناقل للأمراض ونحترز منه ما أمكن، أفاد أنه يقدم سمه ويؤخر الشفاء، وقال العلماء بعضهم: وجدناه يتقي بجناحه الأيسر فعُلم أن الأيمن الذي فيه الشفاء، وأيضًا علم أن الجناح الذي فيه الشفاء يقضي على المرض الذي في جناحه الممرض -والعياذ بالله-.
وهذا الحديث من دلائل نبوته، الذي يخبر بذلك في زمن لم تكن فيه معامل ولا أبحاث … إلى آخره، كل ذلك ذكره العلماء، ولو لم يكن في هذا الحديث إلا أنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم فعلى عيننا ورأسنا، بل إن الشيخ ملا خاطر يقول: إن هذا الحديث فيه معجزات: معجزة إثبات الداء والمرض في الذباب قبل أن يتوصل العلم إلى ذلك بقرون، معجزة إثبات الشفاء في الذباب، أو قل إثبات عنصر الشفاء والدواء والمضاد له؛ يعني: الداء والدواء في كيان واحد، والعقل والفطرة والأدلة العلمية والأدلة الحديثية، كل ذلك يُثبت صحة الحديث.
وفي النهاية فإن الذي لا تطيب نفسه به فلا يعترض على الحديث، ولكن إذا أراد أن لا يستفيد به فإنه ليس في الحديث ما يفيد الإجبار.
وهذا الحديث أُنموذج -كما قلت- لافتراءاتهم في الأحاديث الأخرى، ولنرجع إلى علمائنا المتخصصين، الذين دافعوا عن السنة قديمًا وحديثًا لنستفيد من علمهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
الدرس: 21 الرد على كتاب (الأضواء القرآنية) للشيخ سيد صالح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
الرد على كتاب (الأضواء القرآنية) للشيخ سيد صالح
التعريف بكتاب (الأضواء القرآنية)، وبيان شُبهه ومصادره
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم بعون من الله تبارك وتعالى وتوفيقه- على أحد الكتب التي اجترأت على السنة وعلى مصادرها الصحيحة، وحاولت أن تتهم أو تثير الشبهات حول الأحاديث النبوية.
والساحة الآن تمتلئ بكثير من هذه الكتب، التي تملأ الساحة، يعني: أمر يوجع القلب، لكن على كل حال، الحمد الله رب العالمين أهل العلم: يدافعون عن سنتهم، ويثبتونها بالأدلة القاطعة الصريحة.
هذا الكتاب اسمه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهير البخاري منها) يعني: هذا الكتاب يكتسح الأحاديث الإسرائيلية، ويطهر البخاري منها، (صحيح البخاري) الذي أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول، كان في انتظار من يأتي من أهل العصور المتأخرة، الشيخ سيد صالح أبو بكر صاحب هذا الكتاب؛ ليطهر البخاري منه، هو يضع لنفسه أسسًا؛ ليسير عليها، هو كتب عدة مقدمات. يعني: ما الغاية من هذا الكتاب؟
يقول: في أمرين، ألا نصدق بكلام يخالف كلام الله وهدي رسوله، فنقع في خطيئة الشرك العلمي، سماه هكذا شركًا علميًّا؛ وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع.
وأنا أهدف إلى أن أبين خطورة هذا الكلام، هذه الجملة: "وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع"، يريد من خلالها أن يقول: إن السنة لا تُشرع، من أجل أن تتضح هدفهم، هم: تختلط كلماتهم حتى يموه علينا، هذا في أول صفحات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
الكتاب، انظر: "ألا نصدق بكلام يخالف كلام الله، وهدي رسوله" صلى الله عليه وسلم هو لم يقل صلى الله عليه وسلم وفي كل كتاب يضع "صاد".
لكن على كل حال قد يخدع البعض بكلمة: "وهدي رسوله" فيتصور هو لم يقل: وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي رسوله أحيانًا يقول في أثناء الكلام: السنة العملية المتواترة يعني: يعني: أنت إذا قلت له مثلًا: إن الصلاة أحاديث آحادية يقول: لا، هي سنة عملية تواترت بنقل الأمة كلها، فهو لا يريد أن يقبل من السنة إلا هذا الهدي المتواتر على حد جمع الهدي العملي، يعني: هو يؤلف الكتاب من أجل ألا ينازع أحد الله عز وجل في حق الكلمة والتشريع، يعني: لا نقول: إن السنة تشرع.
ثم بعد هذا، الكتاب قسمان: قسم أول يتعرض فيه لبعض القضايا، يقول: العرض الكامل لقضية الحديث، وأقوال العلماء فيها، تقدير حصيلة للفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله ورسوله، والتي جمعناها في (صحيح البخاري) باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال، وعددها مائة وعشرون حديثًا، والتعقيب القرآني على كل منها، بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
ويسوق عشرة أهداف لا أدري ماذا أسميها، نسميها أسسًا يقيم عليها كتابه، يعني: هو يهدف إلى العرض الكامل لقضية الحديث، والدعوة العملية إلى تقسيم الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: حديث يوافق القرآن في المضمون أو في معناه.
والنوع الثاني: هو حديث يأتينا بفضائل الأعمال، ولا يعارض القرآن. وهذان النوعان يفرض الله تبارك وتعالى الإيمان بهما كجزء من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
ونوع ثالث: يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص يقرر القرآن في مضمونه أو في معناه، وهذا النوع يجب رفضه، وتبرئة النبي صلى الله عليه وسلم منه.
أنا أوضح الأهم أن نرد على الأسس التي أقام عليها الكتابة، أنا أشرت أنه يريد أن يبعد السنة عن كونها تشريعًا، هنا قضية أخرى. هو يقسم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام، ليس التقسيم المعروف عند أهل العلم، صحيح وحسن وضعيف، إنما يقسمه إلى حديث يوافق القرآن في مضمونه أو في معناه، وحديث يأتينا بفضائل الأعمال ولا يعارضه القرآن، لم يأتِ في القرآن ما يعارضه، هذان نوعان مقبولان بالنسبة له، ونوع ثالث يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص يخالف القرآن في مضمونه، أو في معناه، وهذا النوع يجب رفضه، وتبرئة النبي صلى الله عليه وسلم منه.
وذلك -انظر إلى كلامه- عمل على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي؛ حتى يعود إليه الرونق الجميل، الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه.
تقديم حصيلة للفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله، والتي جمعناها من (صحيح البخاري).
المحور الذي يدور عليه: الحديث الذي يوافق القرآن قبلناه، والحديث الذي لا يوافق القرآن لم نقبله، ضم هذه إلى تلك. الأولى: أن السنة ليست مشرعة. الثانية: أن المعيار في قبول الأحاديث أو رفضها هو موافقتها للقرآن، أو عدم موافقتها للقرآن.
إلى أن يقول: إلى إثبات أن دين الله هو القرآن بدايةً ونهايةً، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ ذروة الأمانة وقمة الوفاء في بلاغه للناس نصًّا كاملًا، بالنسبة للقرآن، وفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)