للقانون الطبيعي ونظامه، وفسروا أخبار المعجزات بأنها من نتاج أسباب طبيعية إنسانية كالسذاجة والخيال والخرافة، ثم إن التفسيرات الجيولوجية والبيولوجية لماضي العالم قد أدت بالطبع إلى إهمال أي اعتقاد حرفي بالحوادث الواردة في الفصول الأولى من سفر التكوين.
وأخيراً: أهمل القرن التاسع بشكل أكيد الاعتقاد بأن الله مبدأ علمي، فقد اختفى الخالق صانع الساعة الذي تصوره عصر التنوير مع تقدم التفسيرات العقلية والعلمية عن كيفية تشكل الكون.
وإذا كان المتدينون من الناس مازالوا يعتقدون بوجود خالق وراء هذه العمليات الطويلة، فهم يفعلون ذلك على أسس دينية أكثر منها علمية) " (1).
وكما ابتهج الماديون بالنصر الحاسم - ظاهراً - الذي ظفر به العلم على الكنيسة في معركة (أصل الإنسان)، والانسحاب النهائي لها من حلبة الصراع؛ فقد كان الفلاسفة النظريون أيضاً لا يقلون عنهم، رغم الخلاف في وجهات نظر الفريقين الذي بلغ مداه في الصراع بين الواقعية والمثالية.
وإلى ذلك يشير (هنتر ميد) في كتابه عن الفلسفة: "في الجزء الأكبر من القرون الوسطى -مثلاً- كانت العلاقة الرسمية بين الفلسفة والدين، تتلخص في أن للفيلسوف الحرية في الوصول إلى أية نتائج قد يوحي بها تفكيره، شريطة ألا تكون هذه النتائج متعارضة مع نتائج الوحي واللاهوت المقدس، والواقع أن الفلسفة لم تتمكن من التحرر من هذه القيود إلا منذ أقل من قرنين من الزمان، حتى في البلاد الديمقراطية الليبرالية ذاتها، بل إن هذه الحرية قد اكتسبت في مجالات معينة منذ وقت يذكره أناس--------------------------------------------
(1) راندال: (2/ 225، 243).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
مازالوا أحياء، ولما كان هذا الاستقلال قد اكتسب بعد كفاح مرير فمن المنطقي أن تنظر إليه جماعة المشتغلين بالفلسفة على أنه أهم الحريات المدنية، وأن تعده جديراً بأن يحفظ بأي ثمن" (1).
نعم ذاك هو الحال وتلك هي النتيجة.
انفلات من قيود الكنيسة وانعتاق من أغلالها، وفرحة غامرة بالفكاك من قبضتها، والتملص من وصايتها، فماذا يتوقع من عبدٍ أحس بنشوة الظفر لأنه أبق عن سيده، أو أسير شم نسيم الحرية بالفرار من معتقله؟
لقد اندفع تيار أهوج في كل القنوات الفكرية والعلمية في أوروبا، تيار يريد أن يجرف كل شيء اسمه دين أو له علاقة بهذا الاسم، ويطمس كل موحى من موحياته، ويمحو كل أثر من آثاره، وكانت غاية من يسمون (أحرار الفكر!) هو الدفع بهذا التيار إلى الأمام ما أمكن وبسرعة أقصى.
لا لأن ذلك ما يمليه (المنهج العلمى) (وحرية الفكر)، ولا لأنه مقتضى النظر الموضوعي المتسم بالتعقل والتروي، بل لأنه نتيجة رد الفعل المتهور ضد الكنيسة الذي لا تكاد حدته تخف حتى تلهبها آثار سياط الكنيسة في ظهورهم.
وكما عرف الناس ورأوا واقع ما قاله: (كويت) من (أن كل خطوة إلى الأمام في البحث عن المعرفة قد حوربت باسم الدين) (2) فقد بدا لهم مصداق ما قاله (الفرد وايتيهد): "ما من مسألة ناقض العلم فيها الدين إلا وكان الصواب بجانب العلم والخطأ حليف الدين" (3).--------------------------------------------
(1) الفلسفة أنواعها ومشكلاتها: (33).
(2) تاريخ البشرية. اليونسكو: (6/ 2/1).
(3) الجفوة المفتعلة بين العلم والدين: (12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وما لهم لا يصدقون بذلك وقد رأوا بأم أعينهم سلسلة الهزائم المتلاحقة التي منيت بها الكنيسة أمام العلم، يضاف إلى ذلك طغيانها البغيض الذي يقابل المنجزات العلمية، والتيسيرات المذهلة التي حققها العلم في وسائل الحياة:
قالت الكنيسة: إن الأرض مسطحة وهى مركز الكون - لأجل عملية الخلاص - وقال كوبرنيق إنها كروية وتدور حول الشمس، وثبت لهم أن الكنيسة كاذبة والعلم مصيب! وقالت الكنيسة: إن الكون والإنسان خلقا في ستة أيام عادية سنة (4004ق. م) وقال (ليل وداروين) إن عمر الكون يقدر بمئات الملايين من السنين، والإنسان بالملايين، وثبت أنهما على حق وأن الكنيسة مبطلة.
وقالت الكنيسة إن (1+1+1=1) وأثبتت بديهيات الرياضة أن مجموع ذلك =3" وقالت الكنيسة -تبعاً لأرسطو: إن الكون مكون من أربعة عناصر" وقال العلم: إن عناصره تزيد على التسعين (1)، وصدق العلم وكذبت الكنيسة.
وقالت الكنيسة: إن التوراة والأناجيل والرسائل كتب موحاة من الله، وقال النقاد التاريخيون: إنها من صنع مؤلفين غير موضوعيين، وظهر أنهم على صواب فيما قالوا … وقالت الكنيسة: إن الخبز والخمر في العشاء الرباني يتحولان إلى دم وجسد المسيح حقيقة. وقال العلم والعقل البديهة ذلك أبعد المحال.
وقالت الكنيسة: إن الرهبانية وسيلة للطهر، وفضيلة سامية، وقالت علوم النفس والاجتماع: إنها تصادم الطبيعة، وتفضي بالجنس البشري إلى الهلاك المحقق.--------------------------------------------
(1) وصلت الآن إلى حوالى (104) عنصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وقالت الكنيسة: إن المرض من الشياطين يمكن مداواته بإقامة القداس، والتمسح بالصلبان، وقال الطب: إن سبب المرض كائنات بالغة الدقة يمكن إفناؤها بالمستحضرات الكيماوية، وأخفقت الكنيسة في حين نجح العلم وأثبت جدواه.
وهكذا سلسلة طويلة محزنة، في مقدور الرجل العادى أن يستعرضها ليخرج بنتيجة حاسمة هي أن العلم دائماً على صواب، وأن الدين على خطأ باستمرار، لاسيما وأن الكنيسة قد علمته أن ليس ثمة شيء يستحق أن يسمى ديناً إلا تعاليمها المقدسة، وإزاء ذلك بدا من المنطقي جداً أن تتعالى أصوات الناقمين من العلماء وسواهم: ليتحرر العلم من قيود الدين، ولتذهب تعاليم الدين إلى الجحيم.
العلم هو وحده الحق والحكم وهو مصدر النور، كما أنه منبع الرفاهية، أما الدين فجمود ورجعية وخرافات وأساطير.
وإذا عرضت مسألة فليخرس الدين ولينطق العلم!
ليبحث العلماء، ويستخرجوا قوانين الطبيعة وأسرار الكون في الهواء الطلق بعيداً عن الدين!
الدين شيء، والعلم شيء آخر، لا علاقة بينهما إلا التضاد، وإذا كان لابد من إخضاع أحدهما للآخر فليخضع الدين، ولتطبق كل حقائق الدين كالوحي والمعجزات والروح والخلود داخل المعامل والمختبرات، وإلا فلتسقط إلى الأبد!
والحذر الحذر أن يخطئ رجل العلم؛ فيضمن أبحاثه وتجاربه شيئاً من مصطلحات رجل الدين، أو يقحم شيئاً من تفسيرات الدين في صلب تفسيراته لمظاهر الطبيعة؛ لأن ذلك إفساد للروح العلمية وأي إفساد!
وإذا جاز لرجل العلم أن يعتقد شيئاً من الدين بدافع شخصي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
فإن عليه -كما عبر بوترو- حين يدخل المعمل أن يترك بالباب معتقداته الدينية ويستعيدها عند خروجه) (1).
ومن خلال هذا نتبين أن موقف الكنيسة كان العامل الأكبر الذي أفضى إلى العداوة الشرسة للدين من قبل العلم، والتحلل الكامل من كل قضاياه ومؤثراته.
على أن هناك عاملاً آخر يرفد هذا العامل ويؤازره، وهو عامل داخلي نابع من طبيعة النفسية الجاهلية الأوروبية ذاتها، ومستقر في شعورها أو لا شعورها، وبإمكانه أن يقوم بأثر واضح حتى وإن لم يوجد العامل الخارجي المتمثل في موقف الكنيسة.
ذلك أن الإرث الدينى والوثنى في النفسية الأوروبية يصور العلاقة بين الإله والمخلوقين - فيما يتعلق بالعلم والمعرفة -على أنها صراع محتدم وتنافس ضار، الإله يفرض الجهل على الإنسان، ويتعمد تجهيله إلى الأبد بأية وسيلة خشية أن ينافسه على مقام الألوهية، لو وقع فى يده شيء من نور العلم والإنسان يسلك وسائل شتى، ويستعين بوسائط عديدة لكي يستغفل الإله، ويختطف من وراء أسواره شيئاً من العلم يمكنه من التحرر والانطلاق.
أما الإرث الديني فتمثله (قصة آدم عليه السلام كما رواها سفر التكوين من العهد العتيق: "وأخذ الرب الإله الإنسان، وجعله في جنة عدن ليفلحها ويغرسها، وأمر الرب الإله الإنسان قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل، أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً). (وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية الذي صنعه الرب الإله، فقالت للمرأة: أيقيناً قال الله لا تأكلا من جميع شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله لا تأكلا منها--------------------------------------------
(1) العلم والدين في الفلسفة المعاصرة: اميل بوترو: (32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
ولا تمساه كيلا تموتا، فقالت الحية للمرأة: لن تموتا!! إنما الله عالم أنكما في يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشر ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل وشهية للعيون، وأن الشجرة منية العقل فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت بعلها أيضاً معها، فأكل فانفتحت أعينهما! فعلما أنهما عريانان فخاطا من ورق التين وصنعا لهما مآزر. وقال الرب الإله: هوذا آدم قد صار كواحد منا، يعرف الخير والشر، والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل فيحيا إلى الدهر؛ فأخرجه الرب الإله من جنة عدن".
وأما الإرث الوثني، فخير نموذج له الأسطورة الإغريقية الشهيرة: زيوس هو رب الآلهة والناس جميعاً، وكانت الصراعات بينه وبين الآلهة تنشب باستمرار، وكان بينه وبين الإله (بروميتوس) عداوة أيضاً، فخلق بروميتوس الإنسان من الطين، وعندما انتهى من تشكيله نفخت فيه الروح الإلهة (أثينا)، وحقد (زيوس) على الجنس البشري، وقصد حرمانهم من كل خير في الدنيا، وابتلاهم بحرمانهم من النار التي هي ضرورية جداً للإنسان، ولكن (بروميتوس) سرق النار، من السماء أو من مصنع (هيفايستوس) إله النار والحرف وبخاصة الحدادة، كما علم البشر الفنون والحرف متحدياً الإله الأكبر، فلما تعلم الإنسان ذلك يئس (زيوس) من مقدرته على إهلاكه، لكنه ظل على الدوام يتحين الفرصة للانتقام منه وتقليل فرص المعرفة أمامه، كيلا يتجاوز حدوده فيصبح إلهاً" (1).
هذا ولا يحط من قيمة هذا العامل أن علماء الغرب قد نبذوا الإيمان بالدين والأساطير إيماناً اعتقادياً، وأصبحت قضايا تاريخية وأدبية (فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً أساطير الإغريق، (ج5)، سلسلة تراث الإنسانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
الدينية التي تلقنها أثناء طفولته، بينما تظل بعض الخرافات الخاصة في قوتها تتحدى كل تعليل عقلى في جميع أدوار ذلك الإنسان) (1).
هكذا رسخ في النفسية الأوروبية شعور متأصل بأن كل طفر للإنسان فى مجال العلم والمعرفة إنما هو هزيمة لإرادة الإله، وكل كشف يعرض له إنما هو سرقة واغتصاب من كنزه المحظور؛ ولذلك أصبح أعز أمانيها ليس أن تتحرر من قيود الإله فحسب، بل أن (تقهره قهراً) حسب الاستعمال الشائع لدى العلماء! عند إحراز أي تقدم في أي ميدان، وحتى بعد أن تخلت أوروبا عن عبادة زيوس وجوبيتر، ورفضت عبادة إله الكنيسة معتنقة عبادة (الطبيعة) ظلت هذه الأمنية (قهر الطبيعة) أعظم أحلامها.
يقول كتاب تاريخ البشرية الذي أصدرته اليونسكو: "كانت الفكرة العامة في معظم المجتمعات في الماضي أن الطبيعة موجودة ببساطة تؤثر في حياة الإنسان على نحو لا يتغير، وإزاء قوتها العارمة لم يحاول أن يطوعها كثيراً لاحتياجاته، بل كان عليه أن يكيف نفسه وفق ما يلائمها، ولكن إنسان القرن العشرين قد أخذ بخناق الطبيعة مصمماً على أن يستخرج أسرارها، وأن يستعمل مواردها وأن يقهر آثارها الخطرة" (2).
ويقول نخبة من العلماء السوفيت في كتاب أصدروه: "الطبيعة كتوم لا تبوح بأسرارها، فهى تكتب قوانينها بنظام شفري غامض ثم تحكم غلقها وإخفاءها بعيداً في خزانات متينة،--------------------------------------------
(1) محمد أسد الإسلام على مفترق طرق: (61).
(2) (6/ 2:1)، (ص:21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
وهي لا تكشف عن أسرارها إلا قسراً، فلا تعطي الباحثين من هذه الأسرار في كثير من الأحيان إلا بدائل للحقيقة فقط" (1).
وهذا يذكرنا بقول (داروين) -أيضاً- أن الطبيعة كانت تكذب عليه مراراً خلال مشاهداته (2).
وإذا كانت هذه هي نظرة العلماء إلى الطبيعة، أي الإله الجميل الذي فروا إلى أحضانه هرباً من سطوة إله الكنيسة، فما بالك بنظرتهم إلى الله تعالى، الذي لا يتبادر إلى أذهانهم عند إطلاقه إلا أنه إله الكنيسة الطاغي الحقود، الذي يتعمد تجهيل الجنس البشري وحرمه من المعرفة؟، لقد ذهب بهم الغلو إلى حد أنهم يرفضون ذكر اسم الله على أي بحث علمي أو فيه، حتى لو كان للتبرك فقط.
ولنفرض أن عالماً لا دينياً قاده عقله ونظره إلى استنتاج حقائق رائعة وأسرار مذهلة؛ لم تملك فطرته حيالها إلا أن تستيقظ قائلة: إن الله هو الذي صنع هذا، وغير سائغ أن ننسبه إلى أي مسمى أعمى غامض كالطبيعة والمصادفة … إلخ، فماذا يكون موقف (أحرار الفكر العلميين) منه؟
يقول (ليكونت دي نوي): "لا يشعر اللاأدريون والملحدون بشيء من القلق لكون عالمنا المعضي (العضوي) الحي، لا يمكن فهمه بدون افتراض الله، (ويظهر إيمانهم ببعض العناصر الطبيعية التي لا يعرفون عنها إلا النزر اليسير بمظهر إيمان لا عقلي، وهم يشعرون بذلك، وقد ظل بعضهم عبيداً للفظية ساذجة، وقد بدا لي البرهان على ذلك في رسالة تلقيتها بعد نشر أحد مؤلفاتي يوجه إلي صاحبها أشد اللوم، لأنني استعضت عن كلمة--------------------------------------------
(1) الفضاء الخارجي والإنسان: (25).
(2) فن البحث العلمي و. أ. ب. بفردج: (49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
(مضاد للمصادفة)، وهى مرضية في نظره بكلمة (الله) التي يجب أن تنسخ من المعاجم ويمنع استعمالها)، (ويدل الاعتراض الوارد في الرسالة المذكورة على أن عدم التسامح المنتشر في القرون الوسطى لم يمت، مع أنه انتقل إلى المعسكر الثاني، ولحسن الطالع لا يتمتع مراسلي بالسلطة الكافية لفرض اعتقاداته الصبيانية على مواطنيه باسم العقل، ويمكن التثبت أيضاً من أن بعض (أحرار الفكر) ينظرون إلى الحرية نظرة تشبه نظرة الديكتاتوريين" (1).
وحين رأى أنصار المنهج العلمي أن الذي يدعو الباحثين إلى الإيمان بالله، ونسبة الأفعال الكونية، هو ما يرونه في الكون من دقة وحكمة وإتقان تدل بوضوح على أن له غاية محددة، وهدفاً مقصوداً، مما يدعم الإيمان بالله، لما رأوا ذلك بحثوا عن أجدى السبل للحيلولة دون الوصول إلى هذه النتيجة، فلم يجدوا إلا القول المتعصب المتحكم بأن الوجود ليس له غاية أصلاً، وأن القول بذلك ينافي فن البحث العلمي، وقد عبر بعضهم عن ذلك قائلاً: "إن العلماء يجب أن يتساءلوا عن الكيفية لا عن السبب. إن السؤال عن السبب، يعني أن هناك غرضاً عاقلاً وراء تصميم الأشياء، وأن عوامل فوق طبيعية توجه الأفعال نحو غايات معينة، وهذه هي وجهة النظر (الغائية)، وهى وجهة نظر يرفضها العلم الحالي الذي يجاهد في فهم طريقة عمل جميع الظواهر الطبيعية، وقد أشار فون بروكه إلى ذلك ذات مرة قائلاً: إن الغائية سيدة لا يقدر أي عالم بيولوجي أن يحيا بدونها، ومع ذلك فهو يخجل أن يظهر بصحبتها أمام الناس".
إلى هذا الحد بلغت مصادمة الفطرة، وبلغ إرهاب أعداء الدين--------------------------------------------
(1) مصير الإنسان: (275/ 277).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
لمن يسايرها، وهو إرهاب معنوى يقوم بالدور نفسه الذي كانت السلطة الكهنوتية تمارسه، كما أن لأحرار الفكر طغيانهم الفكري الذي يضارع طغيان الكنيسة، وكيف لا يكون كذلك وهو إنما نشأ رد فعل له؟ فحين تفرض الكنيسة بالقوة أن يؤمن الإنسان بالثالوث رغم أنفه، كذلك يوجب هؤلاء أن يكون الإنسان ملحداً رغم أنفه، والفرق بينهما هو مصدر الإرغام فقط.
يقول وليم جيمس: "لا يزال بعض رجال المذهب الوضعي ينادي اليوم قائلاً: هناك إله واحد مقدس يقف في جلاله وعظمته بين أنقاض كل إله غيره وكل وثن، وهو الحقيقة العلمية، وليس له إلا أمر واحد وقول واحد وهو: أن ليس لكم أن تؤمنوا بإله" (1).
وعندما يحرج الباحث العلمي في مأزق لا يستطيع معه إلا أن يقول: (الله) كما في مسألة نشأة الحياة، وأصل الكون وأمثالها، فماذا يصنع؟ أيساير العقل والفطرة فيصرح بذلك، ويعد نفسه مخلاً بأسلوب البحث العلمي، ومقصراً في متابعة المنهج العلمي السليم، أم يتوقف عن المسألة نهائياً؟
إن رواد الفكر الحر! قد سبقوا إلى حل المعضلة، ووضعوا أمام الباحث خياراً بين أساليب أحلاها مر، معتقدين أنها تؤدي إلى المقصود دون إخلال بالمنهج العلمي منها:
1 - استعمال صيغة الفعل اللازم وإسناده إلى ما حقه أن يكون مفعولاً في الأصل، ويظهر ذلك جلياً
في أسلوب (جيمس جينز) عند حديثه عن نشأة الحياة الأولى، فهو يقول: "الأرض مغطاة بالسحب بشكل يسمح بنفاذ ضوء الشمس ويجعل درجة الحرارة ثابتة رغم شدة البرد ليلاً …--------------------------------------------
(1) العقل والدين: (98).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
اتحد ثانى أكسيد الكربون الموجود في الهواء مع بخار الماء الذي انبعث من أحد الينابيع الحارة بواسطة الشمس …
نشأ من ذلك هلام يتكون من مواد كربوايدراتية، أمتصت هذه المادة النيتروجين من بعض مركبات النشادر …
نشأ أول كائن مفترض وهو (البيرثبيون)، وصادف أن زحف فوقع على جزيء من الطعام فامتصه.
تحول هذا الكائن إلى (البروتوزون)، وهو أدنى الحيوانات الموجودة" (1).
وكقول (أوبارين): "نشأت الحياة على الأرض من تطور المادة غير العضوية نتيجة لسلسلة من التفاعلات الكيميائية" (2).
2 - استعمال كلمة (الطبيعة) ذلك المعبود الذي أشرنا إلى ظروف تأليهه سابقاً. وذلك كالعبارة المشهورة عن داروين (الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق).
وكقول هيكل (صاحب نظرية الأثير): "الطبيعة تحتوي في ذاتها على كل القوى المطلوبة لإحداث جميع صور الوجود فيها، والأنواع ينشأ بعضها من بعض بالتحول طبقاً لقوانين، وتبعاً لترتيب في الإمكان منذ الآن تحديده … ، فلا شيء في الطبيعة لا يفسر بالطبيعة ولا شيء تقدم على الطبيعة ولا شيء يسمو عليها، فالطبيعة عند من يعرف قوانينها، وبخاصة الانتخاب الطبيعي والتطور هي ذاتها التي خلقت نفسها" (3).--------------------------------------------
(1) تاريخ العالم (1/ 94 - 95).
(2) سلسلة تراث الإنسانية: (2/ 174).
(3) العلم والدين في الفلسفة المعاصرة: (أميل بوترو): (105 - 106).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
وهذا الأسلوب أكثر الأساليب استعمالاً، وهو الذي امتلأت به الكتب (العلمية)، وتؤثره المناهج الدراسية على كافة المستويات.
3 - استعمال صيغة الفعل المبنى للمجهول للتخلص من نسبة الفعل إلى فاعل ما، وذلك كما في قول (جوليان هكسلي): "توجد مجموعات لا حصر لها من الظروف المختلفة، والتي يمكن أن تتلاءم معها الحياة)، وقوله: (الطريقة المتقنة التي خلق بها الإنسان وتركيبه الطبيعي يمكن أن تدرك فقط بوضوح بالنسبة لبيئته" (1).
4 - استعمالات أخرى هي أشبه ما تكون بصفات غير صحيحة لله تعالى؛ مثل الاصطلاح الذي أطلقه (أدنكتون): (مضاد للمصادفة)! (2) ومعلوم أن المضاد لها هو الحكمة والتدبير.
هذا وليست معضلة أصل الحياة هي المشكلة الوحيدة التي تواجه (المفكرين الأحرار)، ولكنها من أكثر المشاكل إثارة للتخبط والاضطراب بينهم، وهى تصلح نموذجاً للمنهج اللاديني الذي يأبى التسليم بأية قوة غير مادية لا تنتظم مع آليته الجامدة.
فقد كانت النظرية السائدة في القرن التاسع عشر هي نظرية (التولد الذاتي) التي اشتهر بها (أغاسيز) ومؤيدوه، وظل الماديون متشبثين بها بإصرار وعناد في مقابل القائلين بالخلق الإلهي، حتى انهارت وتقوضت دعائمها على يد (باستور) بعد سلسلة من المشادات والتجارب تؤلف قصة رائعة (3).
حينئذ لم يجد الملاحدة ما يسترون به عورتهم إلا نسيجاً مهلهلاً--------------------------------------------
(1) العلم أسراره وخفاياه (570 - 578).
(2) مصير الإنسان: (71).
(3) انظر فصل (باستور) مواقف حاسمة في تاريخ العلم: جيمس. ب. كونانت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
أسموه (نظرية المصادفة)، وكان أشهر أبطال النظرية من إنجلترا أمثال (جيمس جينز) و (برترداند رسل) ولا تزال -حالياً- أوسع النظريات انتشاراً بين علماء الأحياء المعاصرين لاسيما في أمريكا.
ولكن هذه النظرية أثارت من علامات الاستفهام مما جعلها عرضة للنقد والتشهير، وتوالت البحوث المضادة لها حتى استطاع العالم السويسرى الشهير (شارل أوجين جي) أن يسدد إليها ضربة قاضية في منتصف هذا القرن، فقد أثبت بالأساليب الرياضية التي لا مراء فيها أن هذه النظرية غير علمية على الإطلاق، وأن حجم الكون الذي يمكن أن تنشأ فيه أدنى درجة من الحياة بطريق المصادفة هو أكبر من حجم كوننا حسب تقدير (ألبرت آينشتاين) بأرقام لا يمكن التعبير عنها بالألفاظ.
(كرة نصف قطرها = 10 أس 82سنة ضوئية) (1).
وبذلك وقع الماديون في مأزق جديد أشد حرجاً، وكان المفروض أن ينتقلوا إلى الاحتمال الحقيقي، وهو الخلق الإلهي، لكن الغرور والتعصب جعلهم ينتكسون مرة ثانية إلى القول بنظرية التوالد الذاتي، مع محاولات يائسة وتفسيرات جديدة للخروج من التناقض، الذي يقعون فيه نتيجة إيمانهم اليوم بما ثبت بطلانه بالأمس.
ولنأخذ -مثلاً- لهذا التفكير المنتكس رجلين أحدهما من كبار علماء الحياة في الغرب، والآخر رئيس الأكاديمية العلمية السوفيتية.
أما الأول فهو (جورج والد) وقد أسهب في الحديث عن نظرية التولد الذاتي، وفصل القول في قصة تهافتها وانهيارها، لكنه عاد ليقول:--------------------------------------------
(1) أي: (10) أمامها (82) صفراً. انظر مصير الإنسان: (65 - 66) وانظر كذلك العلم يدعو للإيمان، كريس موريسون، والله يتجلى في عصر العلم، مجموعة من العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
"ونحن ننقل إلى المبتدئين في علم الأحياء هذه القصة لتمثل انتصار العقل على الاعتقاد، وهي تمثل في الحقيقة عكس ذلك تقريباً، فالنظرة الصائبة هي الاعتقاد في التولد الذاتي، والبديل الآخر الوحيد لها هو الاعتقاد في الخلق الخارق للطبيعة الذي يعد حدثاً فريداً وأساسياً، ولا يوجد بديل ثالث لهما؛ ولهذا السبب فقد اعتبر كثيرون من المشتغلين بالعلوم منذ قرن مضى عقيدة التولد الذاتي كضرورة فلسفية. وإن من أعراض عجزنا الفلسفى حالياً أن هذه الضرورة فقدت تقديرها.
(وبرغم أن أحدث المشتغلين بعلم الأحياء قد أثلج صدورهم انهيار عقيدة التوالد الذاتي، فإنهم ليسوا على استعداد لتقبل العقيدة البديلة لها وهي الخلق الخاص، ومن ثم فقد فقدوا جميع الاحتمالات!.).
(وإنى لأعتقد أن ليس ثمة اعتقاد بأنه اختيار أمام المشتغل بالعلوم سوى أن يتفهم أصل الحياة عن طريق فرض التولد الذاتى، ويبدو التعارض -فيما أبديناه سابقاً فقط- في الاعتقاد أن المعضيات الحية تبعث تلقائياً في الظروف الحالية، ومن ثم فلابد لنا من مواجهة مشكلة مختلفة نوعاً ما؛ وهي كيف يمكن أن تبعث الكائنات تلقائياً في الظروف المختلفة في فترة غابرة وتعجز بعد ذلك عن إبداء هذه المقدرة) " (1).
ورأى والد: (أنه لو استطاع العلم أن ينتج في المعمل مادة حية من أبسط المواد تركيباً وهي مادة ( D.N.A) فإن معضلة النشوء الذاتي ستحل، وسترتقي الفرضية إلى درجة الحقيقة العلمية).
وأخيراً … وبعد أن أجهد نفسه في بحوث عقيمة حول ذلك اعترف بعجزه بمرارة، ولكنه لم يثب إلى رشده، بل أخذ يمني نفسه، ويعلل--------------------------------------------
(1) العلم أسراره وخفاياه: (304).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
المتطلعين إلى نتائج هذه التجارب بأن النشوء الذاتى ممكن علمياً، ولكن للأجيال القادمة، وبشرط واحد فقط: هو أن تكون التجربة على غير هذا الكوكب فهو يقول: "إذا عجزنا عن تحقيق ما نتمناه فليس معناه أننا فقدنا كل شيء، فسلالتنا البشرية سوف تحاول مرة أخرى في غير هذا المكان" (1).
والنتيجة نفسها تكررت مع الشاهد الآخر (أوبارين)، فقد كلفه (استالين) أن يثبت علمياً بأن الحياة نشأت تلقائياً من المادة ليدعم بذلك العقيدة الرسمية للدولة.
وفعلاً أمضى أوبارين وأعضاء أكاديميته (20) عاماً في محاولات دائبة غير مجدية، إلا أنه في سنة 1955م قال: "إن النجاح الذي حققته علوم البيولوجيا السوفييتية حديثاً يؤيد (الوعد) بأن مسألة خلق كائنات حية بسيطة بطرق صناعية ليس ممكناً فحسب، بل سيتحقق عما قريب".
وظل الناس يترقبون هذا الوعد، ومات استالين قبل أن تقر عينه بتحقيقه، وفي سنة 1959م في المؤتمر الدولي للبحار بنيويورك لم يفاجئ أوبارين العلماء بقوله: "إن جميع المحاولات التي أجريت لتوليد الحياة من مواد غير عضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو في المعمل قد باءت بالفشل" (2).
وبالرغم من هذه الخيبة فلم يرعو عن غيه، ويؤمن بالخلق الإلهى، بل وعد وعداً آخر بأن في الإمكان توليد الحياة بشرط أن تكون المحاولة--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (318).
(2) سلسلة تراث الإنسانية: (2/ 180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
على كوكب غير الأرض، وذلك نظراً لأن ظروف المجتمع الحالية لم تعد مهيأة لذلك) (1).
ومعنى كلام هذين العالمين: (إن على المرء أن يؤمن بنظرية التولد الذاتي رغم أنفه، فإذا ساوره الشك في صحتها، ورغب التأكد من ذلك، فما عليه إلا أن يحزم أمتعته، ويستعد للقيام برحلة فضاء في أعماق الكون حتى يصادف كوكباً تشابه ظروف الأرض عند نشوء الحياة الأولى عليها، أو ينتظر حتى تأتى الأجيال القادمة وتقوم بهذه الرحلة، وحينئذٍ سيتأكد لديه تماماً أن نظرية الخلق الإلهي نظرية رجعية، وأن نظرية التولد الذاتي نظرية علمية صحيحة (100%)!!
على أن هناك حقيقة كبرى غابت عن ذهن العالمين العبقريين، وهى أنهما لو استطاعا -فرضاً- تحضير مادة حية في المعمل من المواد غير العضوية لما قالا: إن شيئاً من المصادفة أو النشوء الذاتي أو الطبيعة هو الذي أنشأها، بل سيقولان بتبجح: إن ذلك نتيجة جهودنا وثمرة بحوثنا الدائبة.
ولعل مسألة أصل الحياة تلقي الضوء على الأسلوب الذي ينتهجه الماديون، والمنهج الذي يطبقه الباحثون اللادينيون في ميدان التعليم والبحث، وهو المنهج الذي يفرض على أتباعه الانسلاخ والتجرد عن كل موحى من موحيات الدين مهما أيدها العلم، وهتفت لها الفطرة، ويلجئهم إلى الهروب من الإيمان بالله، وإن أدى بهم ذلك إلى ارتكاب حماقات لا تليق بألقابهم العلمية العريضة.
وإذا كان علم القرن العشرين في أوروبا عامة يرفض التحالف مع الدين، فإن للعمل داخل الستار الحديدى وضعاً أشد تطرفاً وأسوأ--------------------------------------------
(1) انظر: الله جل جلاله-سعيد حوى: (57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
استخداماً … ففي الوقت الذي يرفع فيه علماء الغرب الديمقراطي شعار (العلم للعلم) نجد العلماء السوفيت يرفعون شعار (العلم للعقيدة)، وفي أوقات أكثر صراحة يقولون: (العلم للحزب)، وقد صرح أحد علماء روسيا قائلاً: "العلم السوفييتي إنما هو علم حزبي، علم طبقي)، وأخذ يندد بما عدا ذلك من الشعارات معلناً أن ما يقال عن دولية العلم وكليته كلام فارغ، تستخدمه الطبقة البرجوازية ومن يصغون لها مذاهبها".
ويقول رئيس أكاديمية العلوم السوفيتية سنة 1929:
(إن الفيزياء السوفييتية كالعلم السوفييتى دخلا في حياة الدولة منذ زمن بعيد، ووجها كل قواهما إلى خدمة بلدنا هذا لاستيفاء كل الحاجات اللازمة لبناء مجتمع شيوعي).
(والفيزياء الشيوعية تبني عملها على ما اعتنق العالم من المادية المنطقية، تلك التي رفع من أمرها تآليف لينين واستالين، وهي تآليف أمدتهما العبقرية فيها بروح منها) (1).
والعجيب في أمر علماء الشيوعية -وكل أمرها عجب- أن نتائج بحوثهم معروفة لهم سلفاً، فمن المحال أن يخرج أي كشف من كشوفهم عن الدائرة التي رسمها لهم الحزب الشيوعي، أو يصادم أي رأي من آراء ماركس وإنجلز العلمية بالرغم من أن أقصى ما وصل إليه عصرهما من علوم لا يساوي شيئاً إذا قورن بالمستوى الحالي في كل الميادين، ولا يستثنى من ذلك إلا التنقيحات والتعديلات التي أجريت رسمياً على يد لينين واستالين.
ولذلك فإن هذا الجمود الأعمى كان ولا يزال محط نقد وتشهير--------------------------------------------
(1) هو وما قبله: مواقف حاسمة في تاريخ العلم: (489 - 490).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
كثير من المفكرين الشيوعيين، لا سيما من كانوا خارج الستار الحديدى.
وقد سمى روجيه غارودي هذا النوع من العبودية الفكرية مرة (المعتقدية)، ومرة (الأفكار اللاهوتية) يقول غارودي:
(وهكذا قبلنا في حماس -حتى دون أن تفرض علينا- بالمعتقدية الستالينية، وكانت هذه الستالينية مركزة كلها في عشرين صفحة خاطفة يفترض أنها تضم خلاصة كتب الحكمة الفلسفية، وكما كانت هناك كتب تعلمك (اللاتينية بلا دموع)، وأخرى تعلمك (اليونانية وأنت تضحك)، كانت هذه الصفحات تضع الفلسفة في متناول الجميع وفي ثلاثة دروس:
الدرس الأول: في الأمور العامة (الأنطولوجيا) مبادئ المادية الثلاثة.
الدرس الثانى: في المنطق: قوانين الجدلية الأربعة.
الدرس الثالث: في فلسفة التاريخ: المراحل الخمسة لصراع الطبقات.
وطوال العهد الذي سيطر عليه هذا الأسلوب من التفكير لم يكن هناك من فلسفة ماركسية.
بل هذا مدرسوي (1) يزعم أن عنده الجواب على كل الأمور دون أن يعرف طبيعتها من علم الحياة إلى فلسفة الجمال مروراً بالزراعة والكيمياء (2).
وكان استالين يفرض على العلماء نتائج معينة يجب عليهم الكدح الدائب لإثباتها علمياً -كما سبق في مسألة أصل الحياة- كما أن موضوع قوانين الوراثة يعتبر مما يثير السخرية البالغة، فالعقيدة الماركسية تنكر بشدة أن يكون للعوامل الوراثية من الأثر ما يزعمه علماء الوراثة--------------------------------------------
(1) الفلسفة المدرسية هي فلسفة القرون الوسطى الأوربية.
(2) ماركسية القرن العشرين (34 - 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
البورجوازيون في الغرب، لأن ذلك يضعف قيمة العامل الاقتصادي البيئي الذي هو كل شيء في نظرها، لذلك فإن استالين حسب تعبير رسل قد تمادى حتى أصدر قراراً بأن قوانين الوراثة الطبيعية يجب أن تصير -من الآن فصاعداً- مغايرة لما كانت عليه، وإن على الخلايا ناقلات الوراثة أن تنصاع للقرارات السوفييتية لا لذلك القس الرجعي مندل (1).
وقد أوضح - آرثر كستلر- العضو السابق للحزب الشيوعي - المآسي التي يتعرض لها العلماء السوفييت الذين تقودهم تجاربهم إلى نتائج مغايرة لسياسة الحزب الرسمية، مهما كان مجال عملهم علمياً بحتاً كالكيمياء والفيزياء، فما بالك بمن يوصله بحثه إلى شيء من الإيمان بالله أو الدين؟!
إن مثل هذا الشقي سيتلقى جزاءً رادعاً، ولا يشفع له ما أمضاه من سني عمره في خدمة الحزب الشيوعي (2).
ونستطيع أن نقول: إن طبيعة المنهج اللاديني في العلم والبحث تفرضها في الغرب الرأسمالي دوافع نفسية وعوامل تاريخية موروثة بينما تفرضها في الشرق - بالإضافة إلى ذلك - القوة الإرهابية للبوليس السري.--------------------------------------------
(1) العقل والمادة: (305 - 306) ? ومندل هو مكتشف قانون الوراثة في القرن الماضي.
(2) انظر: االصنم لذي هوي (76)، وكذلك مواقف حاسمة في تاريخ العلم (49) فصاعداً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
أثر الفصل بين العلم والدين في المجتمع المعاصر:
عندما انتصر العلم الحديث على خرافات الكنيسة وأساطير القرون الوسطى الأوروبية وهدم أساليب البحث وطرق الاستنباط المدرسية التقليدية كان ذلك بلا ريب نصراً كبيراً للإنسانية في كل مكان، وفتحاً جديداً في عالم المعرفة والنور.
لكن هذا النصر والفتح اختفيا تحت ركام الاستغلال البشع لما أنجزه الإنسان من تقدم في المعرفة، استخدم للقضاء على الدين ذاته ودك أسسه باسم العلم.
لقد صورت المعركة التاريخية بين العلم وبين الخرافة على أنها معركة حقيقية بين الدين والعلم، ونتيجة لذلك افتعلت عداوة أبدية بين خصمين لم ينشب بينهما شجار على الإطلاق، ولا يمكن أن يكون بينهما خصام في وضع سوي على الإطلاق.
وأياً ما كان الأمر فقد نجح المغرضون والهدامون - من الموتورين بطغيان الكنيسة وأعداء الجنس البشري المتربصين - في اختلاق هذا الخصام النكد، وزحزحت حقائق وقيم الدين من ميدان العلم والبحث، وظل العلم يمارس عمله متخبطاً في دائرة مغلقة لا علاقة لها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)