(وعلى هذا النحو نجد في النظام الإقطاعي سمات سيكلوجية مشتركة بين السيد النبيل وبين الفلاح مثل: التعلق بالأشياء القديمة والروتين والتقاليد والخضوع للسلطة والخوف من الله والركود الفكري والكراهية لكل جديد … إلخ. وهذا يعود في الوقت نفسه إلى سمة الركود في المجتمع، وإلى أن الفلاح كان تحت النظام الأبوي سيداً وأباً في أسرته كما أن السيد كان سيداً وأباً في ضيعته) (1).
ذلك هو تطبيق قول ماركس: "إن وجود الناس هو الذي يعين مشاعرهم) وليس العكس، فالمجتمع الإقطاعي ذو البيئة الزراعية مجتمع متدين له تقاليد وفيه أسرة، والمحافظة على العرض فيه خلق أصيل، فإذا تطور المجتمع وأصبح صناعياً واستقلت المرأة اقتصادياً فإن ذلك يستوجب تغيراً حتمياً يساير التغير الاقتصادى والبيئي الحتمي هو الآخر، ومعنى ذلك ألا يظل المجتمع الصناعي محتفظاً بشيء من الدين والأخلاق والتقاليد الزراعية الرجعية، بل يجب أن يستحدث ديناً جديداً وإن كان الإلحاد وأخلاقاً جديدة وإن كانت (النفعية أو المكيافيللية) وتقاليد جديدة وإن كانت (الدياثة والاختلاط"
ولما كانت الأخلاق مستمدة من الواقع الاقتصادي أساساً أو البيئي على سبيل التعميم، فإن الشيوعية ترى كما أن لكل مرحلة أخلاقها الخاصة فإن لكل بيئة بل لكل طائفة أخلاقها الخاصة أيضاً، وليس هناك من معنى مشترك بين بني الإنسان.
(بأية أخلاق يعظوننا اليوم؟ إنها أولاً الأخلاق الإقطاعية المسيحية الموروثة من إيمان القرون الماضية، وهى بدورها تنقسم أساسياً إلى أخلاق كاثوليكية وأخلاق بروتستانتية، الأمر الذي لا يمنع انقسامها ثانية إلى أقسام فرعية تذهب من الأخلاق الكاثوليكية--------------------------------------------
(1) مقدمة في علم الاجتماع: أرمان كوفيليه: (117).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
واليسوعية ومن الأخلاق البروتستانتية والأرثوذكسية حتى الأخلاق الإنفلاتية، وإلى جانب هذا تقوم الأخلاق البرجوازية الحديثة، ثم من جديد إلى جانب هذه أخلاق المستقبل أخلاق البروليتاريا).
وإجابة على تساؤل: (ما الصحيح إذن من هذه الأخلاق ولا واحد منها بمعنى مطلق نهائي؟) تجيب الشيوعية: "لكن الأخلاق التي تحتوي على النصيب الأوفى من العناصر الواعدة بالبقاء هي بالتأكيد الأخلاق التي تمثل في الحاضر، انقلاب الحاضر، تمثل المستقبل، إنها إذن الأخلاق البروليتارية" ثم لكي تصل الشيوعية إلى هدفها المقصود لا مانع من أن تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها: "منذ نرى لكل من طبقات المجتمع الحديث الثلاث: الارستقراطية الإقطاعية، والبرجوازية والبروليتارية أخلاقها الخاصة، فليس يمكن إلا أن نستنتج من هذا أن الناس -عن وعي أو لا وعي- يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية في التحليل الأخير من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي، أي: من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها".
ثم تمثل الفلسفة الشيوعية لذلك: (منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة، كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق فهل يعني هذا أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية؟
كلاً أبداً، ففي مجتمع أزيلت فيه دوافع السرقة، حيث السرقات بالتالي لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقى أن يعلن على رءوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
ولهذا فإننا نرفض بكل اطمئنان أن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم، بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية) (1).
ومن هذا المنطلق تبنت الشيوعية المذهب المكيافيللي نظرياً وعملياً -كما مر في فصل السياسة- وقد أتى (أكناز يوسيلوني) بمثال على ذلك له مغزاه العميق: كان سيلوني باعتباره عضواً بارزاً في الحزب الشيوعي الإيطالى يشارك في جلسات الشيوعية الدولية، وهو يحدثنا: أنه في أحد الاجتماعات نشب خلاف حول تطبيق قرار أصدرته اللجنة المركزية، وقد أبدى بعض الأعضاء وجة نظر مخالفة تجاه القرار ظهر أنها معقولة، فما كان من المندوب الروسي إلا أن قال: (على جميع الفروع أن تعلن أنها تخضع للقرار الذي صدر ثم تتصرف على عكس ذلك تماماً)، فقام المندوب الإنكليزى مقاطعاً (ولكن هذا يعتبر كذباً) يقول سيلوني: (وقد قوبل ذلك الاعتراض النزيه بعاصفة من الضحك الصادق الصادر من القلب والذى لا أحسب مكاتب الشيوعية الدولية الكئيبة قد سمعت مثله من قبل، وقد ذاعت هذه (النكتة) سريعاً في طول موسكو وعرضها، إذ أن إجابة الإنكليزي التي لا تصدق لم تلبث أن نقلت بالهاتف إلى استالين وكبار الموظفين في روسيا، وكانت تثير في كل مكان عاصفة من الانبساط والضحك) (2) ..
هذا وسنرى -إن شاء الله- بعض الواقع الأخلاقي الشيوعي إن كان لدى الشيوعية شيء اسمه أخلاق.--------------------------------------------
(1) نصوص من أنجلز: (159 - 160).
(2) الصنم الذي هوى: (126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
خامساً: النظرية العضوية والنفعيون:
من بين النظريات الاجتماعية الكبرى تبرز النظرية العضوية التي يعد (هربرت سبنسر) ألمع ممثليها (1) ومن بين النظريات الأخلاقية (النظرية النفعية) التي حمل لواءها (بنتام) و (آدم سمث) و (جون. ستيوارت مل) ويمثلها في هذا القرن (برتراند رسل).
ويصح لنا أن ننظر إلى هاتين النظريتين ونعالجهما على أساس أنهما يمثلان اتجاهاً واحداً، فبالإضافة إلى اتفاقهما في البيئة (إنجلترا) فهما تتقاربان أو تتحدان في النظر إلى الدين والأخلاق وهي الزاوية التي نعالج موضوعنا من خلالها، كما أنهما يستمدان مفهوماتهما عن الإنسان والمجتمع من نظرية التطور، لا سيما النظرية الأولى التي يبدو هذا الاستمداد واضحاً في مسماها نفسه.
أما هربرت سبنسر فيرى أن (الأديان تخضع لقانون التطور كما تخضع جميع الظواهر الأخرى) ويأتي بتفسير خاص لنشأة الدين يتحدث عنه (بوترو) قائلاً: "إن نقطة البداية في الأديان تبعاً للترتيب التاريخي هي الواقعة الأولية التي تتعدد فينتج عنها صور مختلفة لا نهاية لها، ليست شيئاً آخر سوى ما يسميه سبنسر بالقرين ( Double) فالإنسان يرى في صفحة الماء صورته أو قرينه، وكذلك يرى نفسه في الرؤيا كما يرى فيها صورة غيره من الناس … وفي الإنسان نزعة طبيعية تميل به إلى الاعتقاد أن القرين لا يتلاشى، كل ما في الأمر أنه ينصرف ولعله يظهر مرة أخرى في حلم مستقبل حتى إذا حانت منية المرء سهل عليه الاعتقاد بأن هذه الأنا الغامضة لا تزال باقية، وأنها تظل كثيراً وقليلاً شبيهة بنفسه، فهي إذن--------------------------------------------
(1) انظر علم الاجتماع ومدارسه: مصطفى الخشاب (ج:3).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
تشبه شبهاً بعيداً أو قريباً ذلك الكائن المرئي الذي كان قرينه، ومن هنا نشأ الاعتقاد في الأرواح والكائنات الفائقة على الطبيعة وفي قوتها وتأثيرها في حياة الإنسان.
وهذا هو الأصل التاريخي للأديان في نظر هربرت سبنسر، والذي يلتقي فيه مع الأبيقورية ثم تفرع عن هذا الاعتقاد المعتقدات والطقوس والنظم الكهنوتية"
(ولكل كائن واقعي قرينه الذي يمكن أن يعتبر روحاً وقد احتشدت الأرواح الدنيا على مر الزمن تحت سلطان الأرواح العليا التي سميت بالآلهة ثم انتهت هذه الآلهة ذاتها إلى الخضوع لإله واحد، وقد سعى الإنسان إلى تمثيل هذه القوى الفائقة على الطبيعة وإلى جعلها قريبة ومحبوبة منه فنشأت من هذه الرغبة الخرافات الدينية أو (الميثولوجيا) الرقى والعبادات والنظم التي نمت حسب قانون التطور ذاته إلى الحد الذي لم تعد تحتفظ فيه لنفسها أحياناً إلا بآثار ضعيفة جداً من أصلها.
(وإذ فقدت هذه النظم بعد التطور الشديد لاعتقادات الناس اعتمادها على هدفها الأول، فقد ظلت قائمة كرابطة اجتماعية وهى صفة بالغة الأهمية خلعها التطور على هذه النظم وأصبحت الأديان من الآن فصاعداً تمثل استمرار الجماعات، ولذلك كان للأفراد مصلحة عظمى في احترامها (1).
هكذا أجهد سبنسر خياله في اختلاق جذور بعيدة وأصول وهمية للدين، كما فعل كونت ودور كايم وماركس ليصل إلى النتيجة الأخيرة وهي أن الأديان رابطة اجتماعية مصلحية، وعلى هذه النتيجة مدار المذهب الأخلاقى النفعي، فالواقع أنه لم يزد على أنه أعطى هذا المذهب--------------------------------------------
(1) العلم والدين: (78 - 79).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
قوة جديدة، ولنأخذ (برتراند رسل) نموذجاً لهذا المذهب لأنه لا يعبر عن المدرسة النفعية التي ابتدأها بنتام فحسب بل يتحدث عن الواقع العملي لهذا المذهب الذي يسيطر على الحياة الغربية.
يقول رسل: "فصل الأخلاق عن اللاهوت أصعب من الفصل المماثل الذي حدث في حالة العلم … فالعديد من المفاهيم الأخلاقية التقليدية يصعب تفسيره بل وكثير منها يصعب تبريره إلا على أساس من افتراض وجود إله أو روح عالمي (أو على الأقل هدف كوني ثابت)، (وأنا لا أقول: إن هذه التفسيرات والتبريرات مستحيلة دون أساس ديني، ولكن أقول: بأنها بدون مثل هذا الأساس تفقد قدرتها على الإقناع وقوة الإرغام السيكولوجي، وقد كانت إحدى الحجج التي يفضلها المتمسكون بالدين دائماً أنه بدون الدين يصير الناس أشراراً، وقد أنكر مفكرو القرن التاسع عشر الأحرار في بريطانيا من بنتام إلى هنري سيد جوبك هذه الحجة إنكاراً شديداً"
(إن موضوع إمكان استقلال الأخلاق على أية صورة اجتماعية مناسبة عن الدين يجب إعادة بحثه بأكمله (1) وقد قام رسل فعلاً بذلك فوصل إلى نتيجة مفادها أن الدين ليس مصدر الأخلاق، بل إن الأخلاق قد مرت بثلاث مراحل من التطور:
1 - أخلاق المحظور (تابو) أي المحرم.
2 - أخلاق الطاعة الإلهية.
3 - الأخلاق الحديثة، وهى أخلاق نفعية عقلية.
يقول رسل في تفصيل ذلك:
(توجد المعتقدات والمشاعر الأخلاقية في جميع المجتمعات الإنسانية المعروفة حتى أكثرها بدائية … وبعض هذه المعتقدات مما--------------------------------------------
(1) المجتمع البشري: (19).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
يمكن الدفاع عنه على أسس عقلية، بيد أن الغالبية الساحقة من المعتقدات في المجتمعات البدائية خرافية بحتة).
(والمحظور (تابو) هو أحد المصادر الرئيسية للأخلاق البدائية، فهناك بعض الأشياء خاصة تلك التي تخص رئيس القبيلة تحمل في طياتها المنع وإذا لمستها تموت، وأشياء أخرى بذاتها مكرسة للروح ويجب ألا يستعملها سوى ساحر القبيلة، وبعض الأطعمة مشروعة وبعضها غير مشروع، وبعض الأفراد يعتبرون قذرين حتى يتطهروا، وينطبق ذلك خاصة على مثل أولئك الذين تلوثهم بعض الدماء، فلا يقتصر الأمر على من ارتكبوا جريمة القتل، بل إنه ينطبق على النساء أثناء الولادة ودورات الطمث) (سفر اللاويين: 15، 19، 29)، وتظل صور الفضيلة التي أساسها (المحظور) باقية في المجتمعات المتمدينة مدىً أكبر مما تدرك الناس، فقد حرم فيثاغورث أكل البقول، وكان أمبيذ كلس يعتقد أن مضغ أوراق الغار فيه خطيئة، ويرتجف الهندوكيون من مجرد فكرة أكل لحم البقر بينما يعتبر المسلمون واليهود المتمسكون بالدين الخنزير غير طاهر، وفي سنة (1916م) أرسل أحد رجال الدين من سكوتلانده كتاباً إلى الصحف يعزو عدم نجاحنا في الحرب ضد الألمان، إلى أن الحكومة شجعت زراعة البطاطس في أيام الأحاد وجميع هذه الآراء لا يمكن تبريرها إلا على أساس المحظور.
(وانتشار القوانين التي تحرم صوراً مختلفة من الزواج بين أفراد العشيرة هو مثل من خير الأمثلة على المحظور، فالقبيلة تقسم -أحياناً- إلى مجموعات، وعلى الرجل أن يتخذ زوجته من مجموعة أخرى غير مجموعته، وتحرم الكنيسة الأرثوذكسية زواج آباء الطفل الواحد في العماد، ولم يكن الرجل يستطيع إلى عهد قريب في إنجلترا أن يتزوج أخت زوجته المتوفاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
ومثل هذه الزيجات لا يمكن تبريرها على أساس أن الزيجات المحرمة تتضمن أي ضرر، ولا سبيل إلى الدفاع عنها إلا على أساس من المحظورات القديمة.
((بل وأكثر من ذلك أن صور الزواج من المحارم التي لم يزل معظمنا يعتبرها مما لا يتفق والشرع، يستفظعها معظم الناس إلى حد لا يتناسب مع الضرر الذي ينجم عنها، ويجب أن نعتبر ذلك أثراً من آثار المحظور الذي كان موجوداً قبل التبرير العقلي)) (1).
وقارن مثلاً بين النفور المشمئز من زواج المحارم والتحريم الهادئ لجرائم مثل التزوير التي لا يدخل فيها عنصر الخرافة؛ لأن المتوحشين لا يستطيعون ارتكابها (2).
ثم ينتقل رسل إلى الحديث عن المرحلة الثانية: "كلما بدأ الناس يتقدمون في المدينة قل قبولهم لمجرد المحظورات، فأحلوا محلها الأوامر والنواهي الإلهية، فالأوامر العشرة تبدأ" ((ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلاً:
ونجد في التوراة من أولها إلى آخرها أن الرب هو الذي يتكلم .. )).
وهكذا تصبح الطاعة جوهر الأخلاق، والطاعة الأساسية هي طاعة المشيئة الإلهية، بيد أن هناك صوراً أخرى عديدة من الطاعة تستمد شرعيتها من أن ألوان عدم المساواة الاجتماعية مصدرها مشيئة--------------------------------------------
(1) يقول رسل (ص:37) لنفرض أن قنبلة ذرية قضت على سكان الكرة الأرضية، ولم يبق سوى شقيق وشقيقتة فهل يجب عليهما أن يدعا الجنس البشري ينقرض ويالها من دقة علمية وموضوعية في الاستلال!!
(2) المصدر السابق (21 - 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
الله، فالرعايا تجب عليهم طاعة الملك؛ والعبيد طاعة سادتهم، والزوجات طاعة أزواجهن، والأبناء طاعة آبائهم (1).
أما المرحلة الثالثة فيرى رسل أن لها أساساً قديما أيضاً ولكن لم يعظم شأنها إلا في العصر الحديث: "ولقد كان هناك من أول الأمر أساس مختلف للمشاعر والقواعد الأخلاقية، وهو مبدأ الأخذ والعطاء أو التراضي الاجتماعي. ولا يعتمد هذا كما هو الحال في النظم الأخلاقية الأخرى .. على الخرافة ولا على الدين، إنه ينبعث بصفة عامة عن الرغبة في حياة هادئة. فعندما أريد شيئاً من البطاطس مثلاً فإني قد أتسلل ليلاً وأستولي على بعض منه في حقل جاري، وجاري قد ينتقم بأن يسرق الفاكهة من شجر تفاحي … ، وفي النهاية سنرى أن الأمر سيكون أقل إزعاجاً وأكثر راحة لو أن كلاً منا احترم مال الآخر"
((بالرغم من أن نظاماً مثل هذا قد تساعده المحظورات أو الشرائع الدينية، إلا أنه يستطيع أن يظل قائماً حتى بعد انهيارها، حيث إنه يتضمن على الأقل من ناحية النوايا مزايا للجميع، ومع تقدم المدنية عظم الدور الذي يلعبه هذا النظام باطراد في التشريع والحكم والأخلاق الخاصة، ولكنه لم ينجح في الإيحاء بذلك الإحساس العميق من الاستفظاع أو التوقير المتصل بالدين أو المحظور (2) ولعل هذا الاستدراك من رسل (بالإضافة إلى التراضي الاجتماعي، والحياة الهادئة التي. تسود الغرب اليوم!!))، يكفي لبيان قيمة العنصر الإيماني في الأخلاق.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (24 - 26).
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
سادساً: الدراسات النفسية الحديثة:
يرى بعض الباحثين أن علم النفس المعاصر هو أحدث العلوم جميعاً؛ لأنه آخر علم استقل عن الدين والفلسفة، ويعزون ولادة هذا العلم إلى ثلاثة عوامل برزت في منتصف القرن الماضي:
أولها: المنجزات الجديدة في الطبيعيات، وعلم وظائف الأعضاء.
والثاني: شارلس داروين الذي قدم عرضاً لآرائه عن علم الحياة التطوري الحديث … ، وألف كتاباً بعنوان: التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوانات ..
والثالث: أبحاث التجريبيين الذين أسسوا لأول مرة معامل الدراسات النفسية الحديثة (1).
وأشهر المدارس النفسية المعاصرة على المستويين النظري والتطبيقي - لا سيما من جهة صلتها بموضوع الأخلاق - مدرستان:
الأولى: المدرسة السلوكية: ( Behaviourism) .
يرى هاري ويلز أن قيام علم نفس مادي يناهض الأفكار الرجعية والمثالية كان يفتقر إلى حلقة مفقودة هي ما أسماه الميكانزم المادي الذي يمكنه أن يفسر لنا كيف نتج الوعي بالطبيعة، وكيف يعكس الوعي الواقع.
ويقول: "لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً ما منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة -أي: منذ كان الميكانزم العصبي مجهولاً، واستغل المثاليون هذا الضعف واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية" (2).--------------------------------------------
(1) أنظر: هاري ويلز، فرويد وبافلوب: (1 - 16/ 17).
(2) المصدر السابق: (81، 83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
والباحث الذي استطاع أن يسد هذه الثغرة هو بافلوف بنظريته عن الأفعال المنعكسة الشرطية، والمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المدرسة السلوكية هو حيوانية الإنسان وماديته، وذلك نتيجة لإيمانها الأعمى بنظرية داروين، وهو إيمان يبدو جلياً سواء في كتابات بافلوف أو في تجاربه العملية، فقد كانت إحدى المشاكل الكبرى التي يتوهم بافلوف أنه وضع لها العلاج الناجح هي مشكلة نشأة الوعي وتطوره في النوع الإنساني منذ أن كان قرداً إلى أن أصبح إنساناً.
ويقول أيضاً: "اكتسب عالم الحيوان في مسيرة تطوره حتى بلغ مرحلة الإنسان إضافة فريدة مكملة لميكانزم النشاط العصبي" (1)، ويعني بذلك النظم الإشاري.
أما خلاصتها الفكرية فتتمثل في إنكار الروح وإنكار استقلالية العقل، والإيمان بالجسد وحده، واعتبار السلوك البشري بأكمله أفعالاً شرطية منعكسة لا غير أي: أن السلوكية تدعم النظرية الماركسية القائلة أن واقع الناس هو الذي يعين مشاعرهم، وتسند نظرية أنجلز في أن العمل هو الذي خلق الإنسان أي طوره عن القردة، ومن هنا أطلق عليها الفيلسوف جود اسم المادية الحديثة (2).
وعن ذلك يتحدث هاري ويلز قائلاً: "ونظرية بافلوف عن نظام الكلام وهو نظام قاصر على الإنسان وحده، هي النظرية التي تملأ الثغرة التي أشار إليها أنجلز في كتابه عن الانتقال من مرحلة القردة إلى الإنسان".
وهكذا نجد أن نظرية بافلوف عن العمليات العصبية الراقية إذ تملأ تلك الثغرة في المعرفة البشرية إنما تقدم إسهاماً جليلاً للمادية،--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (81، 83).
(2) انظر الفصل الذي كتبه عنها في منازع الفكر الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
فهي تزودنا بالحلقة الأخيرة في البرهان على صدق القضية المادية الأساسية القائلة بأن الوعي أو العقل البشري ثانوي بالنسبة للمادة ومشتق منها … ، ولهذا السبب نفسه تلقت المثالية ضربة ساحقة وإن لم تكن القاضية والأخيرة؛ وهي المذهب القائل بأن المادة ثانوية للنشاط العقلي ومشتقة منه (1).
إن علم دراسة النشاط العصبي الراقي هو خطوة جديدة تؤكد وتعمق نظرية المعرفة المادية القائلة بأن الوعي والمعرفة انعكاس للواقع وأن الحق تطابق معه، وفي هذا يقول لينين: يعكس الوعي الوجود بوجه عام، وهذا هو مجمل موقف كل المذاهب المادية، والاحساسات هي المواد الأولية التي يستخرج منها الفكر والعلم التجريبيان الحقائق والقوانين التي تعكس الطبيعة وحركة العالم الخارجي، وحجر الزاوية لأي نظرية مادية في المعرفة هو القول بأن الاحساسات صور للواقع، إنها منبهات صادرة عن الموضوعات الخارجية، ولهذا يقول لينين: إن كل مفكر مادي يرى أن الإحساس ليس سوى رابطة مباشرة تربط العقل بالعالم الخارجي، إنه تحول لطاقة الإثارة الخارجية إلى حالة ذهنية، ويتم تحول هذه الطاقة من خلال الجهاز العصبي، وهو ما اكتشفه بافلوف وعبر عنه في صورة الميكانزمات المترابطة التي تربط بين النظامين الكلامي والحسي (2).
ذلك بإجمال هو مضمون النظرية السلوكية عن الإنسان وتفسيرها لتصرفاته، وقد كان لها مع فكرها المادي نظرياً أسوأ الأثر في التطبيق الواقعي، فقد استغلها الهدامون لنفي الفطرة وإنكار القيم الخلقية المجردة، كما أن طواغيت السياسة عرفوا كيف يستخدمون--------------------------------------------
(1) فرويد وبافلوف: (1/ 88 - 93).
(2) نفس المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
تجاربها على الشعوب بدلاً من الكلاب مثلما استخدموا قانون الانتخاب الطبيعي من قبل، وقد فصل العلامة مالك بن نبي الحديث عن ذلك مؤيداً بالشواهد الواقعية (1).
والواقع أن بافلوف لم يكن الأول في القائلين بنظرية الفعل المنعكس الشرطي، ولا هو أول السلوكيين، فقد سبقه إلى النظرية أستاذه ستشينوف الذي ألف كتاباً أسماه: الأفعال المنعكسة للمخ سنة 1866، ولكن ظروف ما قبل الثورة الشيوعية كانت متحفظة تجاه الفكر الهدام، ولذلك فإن لجنة الرقابة في بطرسبرج شمت من الكتاب رائحة التآمر والإفساد، وناشدت النائب العام لاتخاذ آراء ضد كتاب الأستاذ أ. م. ستشينوف المادي المتطرف على أساس أنه يقوظ دعائم الأخلاق في المجتمع.
لقد صاغ السيد ستيشنوف نظريته في ثوب رسالة علمية، بيد أن أسلوبها أبعد ما يكون عن الصيغة العلمية؛ ذلك لأنه كتبها بأسلوب يسهل على القارئ العادي أن يفهمه، وتؤكد لنا هذه الحقيقة فضلاً عن رخص سعر الكتاب أن المؤلف يقصد عامداً أن تكون نظريته سهلة التناول لأكبر عدد من القراء، ويلزم عن هذا أن كتاب السيد ستشينوف الأفعال المنعكسة للمخ مقصود به إفساد الأخلاق، فهو خارج عن القانون إذ يمثل خطورة على ضعاف العقيدة من الناس، ومن ثم تجب مصادرته وإعدامه (2).
ذلك ما تعرض له الأستاذ، أما التلميذ بافلوف؛ فقد كانت حكومة استالين تقيم له المهرجانات، وظل محط التكريم والتعزيز حتى وفاته سنة (1936م) ولا غرابة في ذلك (3).--------------------------------------------
(1) انظر كتاب الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، كما أن العلامة وحيد الدين خان قد رد على النظرية في كتابه الإسلام يتحدى، فصل الإيمان بالآخرة.
(2) انظر فرويد وبافلوف: (41، 45).
(3) انظر فرويد وبافلوف: (41/ 45).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
الثانية -مدرسة التحليل النفسي: ( Psychoanalysis)
بافلوف وفرويد متعاصران، وبينهما أوجه شبه لا سيما في النتائج والمقاصد التي وصل كل منهما إليهما، إلا أن الخلاف بينهما - في المنهج - عميق؛ ذلك أن بافلوف انطلق من الشعور في حين أن فرويد انطلق من اللاشعور، واعتمد بافلوف على تجارب موضوعية بينما اعتمد فرويد على تصورات ذاتية وتحليلات خاصة.
ومؤلفات فرويد جميعها تعبر عن يهوديته أكثر مما تعبر عن منهجه العلمي إن كان له علم أو منهج! وهذه اليهودية تظهر جلية في التدنيس والتلويث المتعمدين للجنس البشري، وهي ظاهرة بارزة في التوراة المحرفة، (1) كما تتجلى في الإفساد المتعمد للأخلاق والتآمر الخبيث على القيم الإنسانية وهما مضمون وفحوى التلمود (2).
ويكفي للدلالة على ذلك موقف فرويد من المسيح عليه السلام ((أقدس شخصية لدى أوروبا النصرانية))، كان التلمود يصف المسيح عليه السلام بأقذع النعوت وأشنع الألقاب، ولكن الكنيسة كانت تلاحقه في كل مكان بالحرق والمصادرة مما اضطر الحاخامات إلى ترك مكان العبارات التي تذكر المسيح عليه السلام خالية، ووضع مربعات فارغة محلها أو الإيماء إليه من طرف خفي (3).
غير أن فرويد استطاع بذكائه الخبيث، وتمسحه بالعلم، أن يثأر--------------------------------------------
(1) دنست التوراة المحرفة الجنس البشري عامة ابتداءً بالأنبياء-نوح يسكر، لوط يزني بابنتيه وهو سكران، داود يعشق زوجة قائده ويعرضه للقتل ليظفر بها، إلى آخر، مما شوهت به سيرتهم الناصعة المعصومة، وانتهاء بالسلالات البشرية كنعان وذريته ملعونون، الحيثيون، الآشوريون الخ، الشعوب السبعة الملعونة، كل ذلك بهدف تدعيم الزعم الفاسد بأن اليهود شعب الله المختار وتبرير وسائلهم الخبيثة لابتزاز أموال الأميين وإفساد أخلاقهم.
(2) انظر الكنز المرصود في قواعد التلمود.
(3) انظر التلمود: ظفر الإسلام خان: فصل المسيح في التلمود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
للتلمود؛ فجاء بتلك العبارات بنصها، وأقذع منها ونشرها علانية في محاضراته وكتبه وهو آمن من أن تمسه يد سوء (1) وقس على ذلك موقفه من الدين والأخلاق.
وهذا يقودنا إلى معرفة مدى التفسخ الذي وصلت إليه البيئة الأوروبية والانهيار الديني والخلقي الذي اجتاحها؛ فكانت بيئة ملائمة لتفريخ أفكار فرويد وتقبلها مما دفعها إلى تفسخ أعظم.
فالفكر المادي تغلغل في النفوس، والنزعة الحيوانية المنفلتة أصبحت هي الصبغة العامة للحياة، والثورة الصناعية وما صاحبها من تغيير في البنية الاجتماعية وتفكك في الحياة الأسرية، هيأت -جميعها- الجو للهدم الأخلاقي والعقائدي، ثم كانت الحروب الإقليمية والعالمية (الأولى) فقوضت دعائم المجتمع الأوروبي، وأفقدته الثقة في كل مبادئه ومعتقداته، ونشرت الرعب والذعر في القلوب وحطمت كل الأعراف والقوانين والأخلاقيات.
وصحب ذلك إسفاف مريع وهبوط شائن في الأدب والفن يسرته وعممته دور السينما وكتب الجنس وقصصه ولوحاته.
يضاف إلى ذلك ما كان يعتلج دوماً في النفسية الأوروبية من حقد عارم على الكنيسة، وتحفز دائب للانتقام منها، وشعور لا ينفك بالنقص والذنب، وهو ما أورثته الرهبانية لها، كل هذه الأمور هيأت الجو الملائم للهدامين التلموديين لإطفاء الجذوة الباقية، ونهش المزعة الأخيرة من جسد الخلق والفضيلة.
وقد عرفنا دورهم في الثورة الفرنسية، ثم في قيام الرأسمالية وتعرضنا لاستغلالهم للداروينية، ثم عرضنا لماركس ودور كايم--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً: خمس حالات من التحليل النفسي (ج:2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وأفكارهما الهدامة، والآن يصل بنا البحث والزمن التاريخي إلى ثالث الثلاثة فرويد، وهو أكثرهم جرأة وأصرحهم إسفافاً، والحق أنه لم يفت بعض الباحثين الغربيين أن يدركوا الدوافع والمنطلقات الخفية للفكر الفرويدي بإرجاعها إلى يهوديته وتطبيق نظريته على نفسه، وقد قال بعضهم: "من المؤكد أن مفهوم الأنا العليا يجد مصدره في ديانة فرويد الأولى اليهودية إن هذه الأنا العليا هي القانون المتبطن بدءاً من الشخصية الرئيسية الإلهية باعتبارها أباً أو من شخصية موسى باعتبارها أباً ووسيطاً معاً" (1).
ولكن هذا الإدراك لا حول له ولا طول أمام الانتشار الفظيع للفرويدية الذي جاء كما لو كانت كشفاً علمياً مذهلاً، ويقع عبء ذلك على عاتق الصحافة الغربية التي تعمل دائماً تحت تأثير المذهب اليهودي وبوحي من المرابين اليهود.
تبدأ نظرية فرويد من زعمه بأنه اكتشف المدخل الوحيد والسليم لدراسة النفس البشرية والحكم على سلوكها وهو عقدة أوديب، ويعتقد فرويد أنه اكتشاف عظيم حقاً: "يحق لي أن أقول إنه لو لم يكن للتحليل النفسي إلا فخر اكتشاف عقدة أوديب المكبوتة لكان ذلك خليقا بأن ينظمه في عداد أثمن ما كسب الجنس الإنساني حديثاً" (2).
فأي شيء يا ترى عقدة أوديب هذه الجديرة بهذا التهويل؟!
يقول فرويد في بيانها: (يبدأ الولد الصغير في سن مبكرة يشعر--------------------------------------------
(1) بيير فوجيرولا: (56) وفي الشرق طبق بعض المفكرين نظرية فرويد ووصلوا إلى النتيجة نفسها؛ وأبرزهم من المسلمين الأستاذ محمد قطب "الإنسان بين المادية والإسلام، ومن غيرهم صبري جرجيس "الفكر الفرويدي والتراث التلمودي".
(2) الموجز في التحليل النفسي: (66).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
بالحب نحو أمه، وهو حب كان في الأصل متعلقاً بثدي الأم، كما أنه أول حالة من حالات حب الموضوع (1) تنشأ على صورة الاعتماد على الأم، أما فيما يتعلق بالأب فإن الولد يقوم بتقمص شخصيته وتبقى هاتان العلاقتان جنباً إلى جنب لفترة من الوقت، ثم تأخذ الرغبات الجنسية المتجهة نحو الأم تزداد في الشدة، ويأخذ الأب يبدو كأنه يعوق تحقيق هذه الرغبات، وعن ذلك تنشأ عقدة أوديب، ثم يأخذ تقمص شخصية الأب بعد ذلك يتخذ صفة عدائية، ويتحول إلى رغبة في التخلص من الأب لكي يأخذ مكانه من الأم، وتصبح علاقته الوجدانية مع الأب منذ هذه اللحظة متناقضة).
ويبدو كأنما هذا التناقض الوجداني- وهو أمر طبيعي في التقمص منذ البداية- قد أصبح الآن واضحاً، ويتكون من موقف التناقض الوجداني نحو الأب؛ وعلاقة الحب الشديدة نحو الأم مضمون عقدة أوديب الإيجابية البسيطة عند الولد.
وبزوال عقدة أوديب يصبح من الواجب الإقلاع عن حب الأم، وقد يملأ مكانها بأحد أمرين: إما بتقمص شخصية الأم، وإما بتقمص شخصية الأب بدرجة شديدة، وترجع عقدة أوديب الكاملة إلى الثنائية الجنسية الموجودة في الأصل عند الأطفال، ومعنى هذا أن الولد لا يقف -فقط- موقف التناقض الوجداني مع أبيه وموقف المحب مع أمه، وإنما هو يسلك أيضاً في نفس الوقت سلوك البنت، ويبدي ميلاً أنثوياً عاطفياً نحو أبيه، كما يبدي اتجاه العداء نحو أمه والغيرة منها (2).
وإذا سمع أحدٌ هذا الكلام وتناوله على أساس أنه صادر من--------------------------------------------
(1) الموضوع عنده: الشيء الذي تتجه نحوه الطاقة الغريزية، ويكون هدفاً للتفريغ والإشباع.
(2) الذات والغرائز: (64/ 68).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
إنسان جاد يعي ما يقول فإن من بين الأسئلة التي يثيرها يبرز سؤال عن إمكان وجود شعور جنسي لدى الأطفال؟، ولا يدع فرويد هذا السؤال بلا جواب، بل يفصل القول في ذلك معتمداً على الخيال اليهودي الدنس: الحياة الجنسية لا تبدأ أولاً عند البلوغ، وإنما تبتدي عقب الميلاد بمظاهر واضحة، فنشاهد في عهد الطفولة المبكر علامات للنشاط الجنسي لا يمكن أن ينكر عليها صفة الجنسية إلا الرأي المغرض القديم!!
وهذه عند فرويد هي المرحلة الجنسية الأولى، ويتبعها فترة كمون لا تبدو فيها آثار النشاط الجنسي، أما الثالثة فهي مرحلة البلوغ.
ويعلق فرويد على ذلك مستنتجاً: (وهذا يؤدي بنا إلى حقيقة هامة، وهي أن الحياة الجنسية ترد على دورتين، وهو ما لا نجده إلا عند الإنسان ولا شك أن له أثرا بالغ الأهمية في تكوينه، أما الدليل العلمي على ذلك فيعتقد فرويد أنه الفرض القائل بأن الإنسان انحدر عن حيوان ثديي كان يبلغ النضج الجسمي في سن الخامسة.
وهذا الدليل العلمي (!) لا يزودنا فرويد بأية معلومات عنه، ولا يخبرنا عن مصدره التاريخي العلمي.
ولعله اعتمد على موجة رواج فرضية داروين التي بدأ فرويد أبحاثه في عنفوان شبابها، وكانت شهرتها الطاغية المدبرة تقطع أي تساؤل يثار حولها.
وعلى أي حال فإن فرويد يشرح ذلك كما لو كان حقيقة علمية ثابتة فعلاً فيقول: أول عضو يظهر بوصفه منطقة شهوية تعرض مطالبتها اللبيدية (1) على النفس هي الضم منذ الميلاد، فإلحاح الطفل في--------------------------------------------
(1) اللبيدو عنده: الطاقة النفسية المتعلقة بالغرائز الجنسية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
المص وتشبثه به في مرحلة مبكرة ينم بوضوح عن حاجة إلى الإشباع … يمكن بل يجب أن توصف بأنها جنسية).
أما المرحلة الثانية فهي المرحلة السادية الشرجية؛ لأن الإشباع فيها يطلب في العدوان وفي وظيفة الإخراج.
والمرحلة الثالثة نسميها المرحلة القضيبية … ومع المرحلة القضيبية وفي خلالها تبلغ الجنسية الطفلية الأولى ذروتها وتقترب من اضمحلالها، ومن الآن فصاعدا تختلف مصائر الصبيان والبنات، فيدخل الصبي الطور الأوديبي ويأخذ يعبث بقضيبه عبثاً تصحبه أخيلة أن يزاول نوعاً من النشاط الجنسي ذا صلة بأمه (1).
وإلى الآن فإن غرض فرويد من هذه الفرضيات والأوهام القذرة ما يزال غير واضح تماماً، لكنه يأخذ في إيضاحه بإضافة فرض آخر ناشئ من عقدة أوديب هو ما أسماه الأنا المثالي:
(فالأنا المثالي هو إذن وريث عقدة أوديب؛ ولذلك فهو أيضاً نتيجة أقوى الدوافع وأهم التقلبات التي مرت باللبيدو في الهو (2).
وبتكون هذا الأنا المثالي يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب، كما يقوم في نفس الوقت بوضع نفسه تحت سلطة الهو) (3).
وإذ قد وصلت السلسلة الوهمية إلى هذا الحد يبدأ فرويد في الإفصاح عن مرماه البعيد: "من السهل أن نبين أن الأنا المثالي إنما يكون من جميع الوجوه ما ينتظر من طبيعة الإنسان السامية، ومن حيث أنه بديل لشوقه نحو--------------------------------------------
(1) الموجه في التحليل النفسي (22 - 25)، انظر معالم التحليل النفسي (62 - 67).
(2) الهو: حسب نظريته- هو ذلك القسم من النفس الذي يحوي كل ما هو موروث وغريزي وثابت في الإنسان.
(3) الذات والغرائز: (75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
الأب فهو يحوي على الأصل الذي منه نشأت جميع الأديان، وأن حكم النفس بأن الأنا قد فشل في تحقيق ما هو مثالي عنده إنما يحدث بالإحساس بعدم الجدارة؛ وهو الإحساس الذي يثبت به المتدين شوقه، وعندما يكبر الطفل تنتقل سلطة الأب إلى المدرسين وإلى الأشخاص الآخرين ذوي النفوذ، وتظل سلطة أوامرهم ونواهيهم باقية في الأنا المثالي، وهي تستمر تزاول رقابتها على الأخلاق في صورة الضمير". "إن الدين والأخلاق والشعور الاجتماعي - وهي العناصر الأساسية لما هو أسمى في الإنسان - إنما كانت في الأصل شيئاً واحداً، وقد اكتسبت هذه الأشياء تبعاً للفرض الذي وضعته في كتاب الطوطم والمحرم عن عقدة الأدب أثناء نشوء النوع الإنساني، فاكتسب الدين والوازع الخلقي عن العملية الحقيقية للتغلب على عقدة أوديب نفسها … " (1).
وقبل أن نتعجل ونقول: إن هذا الهراء المتعمد لا دليل عليه ولا غرض له إلا الانتقام المتعمد من الأميين بتلويث دينهم وأخلاقهم، فإن علينا أن نبحث عن الغرض الذي ذكره فرويد عن الإنسانية في مرحلتها الأولى، فلعل فيه شيئاً من العلمية أو قل: شيئاً من النظافة.
قرأ فرويد لداروين أنه في عالم البقر تتجه الثيران الفتية للحصول على البقرة الأم، فتجد أباها عائقاً في الطريق فتتجه كلها نحوه لتقتله فإذا فرغت من ذلك عادت فأصطرعت فيما بينها حتى يتغلب أحدها -وهو أقواها- فيفوز وحده بالأم، ويصبح هو السيد الجديد.
ونقل فرويد بخياله الجانح هذه القصة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان ليبني عليها فرضه المزعوم، فهو يذكر في كتابه الطوطم والمحرم أن الأبناء في مطلع البشرية اتجهوا نحو أمهم بدافع الجنس،--------------------------------------------
(1) الذات والغرائز: (76 - 77).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)