بدين أو خلق، ولا تهدف إلى غاية أسمى ومثل أعلى، فماذا كانت النتيجة؟
إن بعض المنتسبين للعمل يعتقدون عن طيب خاطر، أنهم قد أحسنوا صنعاً بعزل العلم عن الدين، وإن إشفاقهم على الدين من مواجهة العلم هو الذي دفعهم إلى المناداة بالفصل التام بينهما، وهي دعوى تجد آذاناً مصغية لدى بعض المنتسبين إلى الدين كذلك.
ولكن الواقع المحسوس في أوروبا يكذب هذه الدعوى فوق أنها في الأصل تنم عن الجهل بالدين أكثر مما تدل على الحرص عليه، ولقد كان بوترو على حق حين قال ناقداً هذا الاتجاه في القرن الماضي:
(لم يعرف العلم ولا الدين أن يقتصر كفايته وعمله على ماله من ميدان فسيح، أما الحكمة الجارية (اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) فقد فسرت في ذلك الوقت لا على أن الملكات الدينية في الإنسان ليس لها شأن بملكاته العلمية فقط (1).
بل على أنه يوجد في الأشياء نفسها عالمان هما الفكرة والمادة، الميدان الروحي والميدان الزمني، وليس لأحدهما أن يتدخل في شأن الآخر بأي وجه من الوجوه، ولكن هذا الفرض إذا كان توفيقاً مريحاً فليس هو الحقيقة الواقعة، بل يكاد يكون عكس هذا هو الواقع " (2).
إن أصحاب هذا الاتجاه قد ارتكبوا غلطة كبرى -وهي من الغلطات الرئيسية للجاهلية المعاصرة- وذلك بتوهمهم أن النفس البشرية تقبل التجزئة، ويمكن أن يكون لكل جزء منها دائرته الخاصة، لقد كان أول ثمار هذا الفصل أن فشا الإلحاد بشكل--------------------------------------------
(1) حتى على هذا التفسير تظل العبارة مرفوضة من وجهة النظر الإسلامية.
(2) العلم والدين: (38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
لم يعرف التاريخ له مثيلاً، وقوضت دعائم الدين، واجتثت تصوراته وإيحاءاته الأخلاقية باسم العلم والمعرفة، وطبقت أوروبا عملياً النصيحة التي أسداها هيكل؛ وهي أن التعليم أعظم عمل يقوم به المجتمع الذي يرغب في التخلص من الأديان (1).
فكان أن جردت المناهج التعليمية، وكذلك البحوث والدراسات العامة من كل معنى ديني، وأصبحت علمانية بحتة، ووضع التناقض النفسي الشاب المثقف أمام خيار صعب بين الإيمان بالله مع وصمة الرجعية والجمود، وبين الإلحاد المقرون بالتنور وحرية الفكر، واختارت الأغلبية الساحقة الإلحاد فراراً من التهم الملصقة بالمؤمنين وتمشياً مع ما سمي التطور والعصرية.
يقول جود: "لا أستطيع أن أعد أكثر من ستة من معارفي ممن أعدهم مؤمنين بالمسيح والمسيحية، في حين أستطيع أن أعد بسهولة أكثر من مائة من معارفي الملحدين … أصبح من النادر أن تجد مثقفاً متديناً … أصبح الذين يذهبون إلى الكنيسة هم في الأغلب من الطاعنين في السن أو النساء غير المثقفات؛ وهم مع ذلك لا يزيدون على العشر (أي من سكان بريطانيا " (2).
وحول ما أسماه كاتبوه: نظرة الناس إلى آلهتهم في القرن العشرين، كتب مؤلفو تاريخ البشرية الذي أصدرته منظمة اليونسكو: "مع أن يقينيات علم نيوتن في القرن التاسع عشر قد حلت محلها النسبية العلمية واللايقين، فقد زاد تغلغل العلم في المناطق التي كان يحتلها الدين، حين اتجه أصحاب البيولوجيا والكيمياء إلى فهم--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (114).
(2) الجفوة المفتعلة بين العلم والدين: (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
طبيعة الحياة، وحين وصل علماء الفلك إلى مكتشفات جديدة حول أصول العالم المحتمل ومستقبله، وحين تغلغل علماء النفس في أغوار الانفعالات وشبه الشعور واكتشفوا منطقة التدين، وحين أدى تزايد حجم المدن الصناعية باستمرار إلى وجود مجتمع غير ملائم دينياً مؤثر في عدد متزايد من سكان العالم. وفي المناطق التي يسيطر عليها الشيوعيون نشرت المعارف العلمية عن العالم والمجتمع، لتكون وسيلة لمحاربة العقائد الدينية، وأصبح ينظر إلى المؤسسات الدينية على أنها ستار للاستغلال البورجوازي الذي لا مكان له في المجتمع الحديث" (1).
والنتيجة التي حدثت في المجال العلمي التجريبي نفسها حدثت في مجال الفلسفة النظرية، فقد وقع ديكارت في الغلطة نفسها باعتقاده أن الثنائية بين العلم والدين -كما حاول أن يحدد فلسفتها- ستحول دون انهيار المسيحية، وتتيح لكل من الدين والعلم الحرية في مجاله الخاص، ولكن آل الأمر إلى أن تقول الفلسفة الحديثة: "يتميز موقف الفيلسوف على خلاف موقف الديني … بأنه موقف تجرد ونظر خالص، فهو يرى أن مسألة الله بأسرها من حيث وجوده، ومن حيث طبيعته معاً هي مسألة مفتوحة تماماً".
فالفلسفة لا تعرف أموراً مقدسة لا يمكن الاقتراب منها، والمفكر الميتافيزيقي لا يشعر عند معالجته لمفهوم الكائن الأسمى بخشوع يزيد على ما يشعر به إزاء أية مسألة أخرى من تلك المسائل القصوى التي يحار لها ذهن الإنسان.
وإن من أول ما يتعلمه دارس الفلسفة أن نفس وجود ميدان--------------------------------------------
(1) (6: 2 - 1) (ص:290 - 291).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الفلسفة هذا بوصفه نشاطاً عقلياً له دلالته، يتوقف على حقنا في مناقشة أية فكرة أو أي تصور أو أي قيمة أو قانون أو نشاط أو نظام داخل في نطاق التجربة البشرية، وكما يقال أحياناً على سبيل المزاح: فحتى الله نفسه ينبغي أن يقدم أوراق اعتماده أمام مدخل مدرج الفلسفة (1).
وهناك مشكلة أخرى هي في الواقع امتداد للمشكلة سالفة الذكر، وهي نفي الغائية التي تبناها العلميون منهجياً كما سبق، فقد مدوا نطاقها حتى ألف الناس أن يسمعوا منهم أن وجودهم على هذه الأرض لا غاية له ولا هدف، بل قذف به سير التطور البطيء الطويل صدفة واتفاقاً؛ أو حسب رأي هيكل أن الإنسان في ضوء الفلسفة العلمية لن يكون مركز الكون وغايته، بل حلقة في سلسلة الكائنات كما تتصل الديدان باللافقاريات أو الأسماك بالديدان، وليس امتياز الإنسان إلا حالة من التقدم الاستثنائي الذي امتازت به الفقريات على أنواع جنسها خلال التطور العام (2).
وقد عاد ذلك بأسوأ الأثر على الأخلاق والقيم الإنسانية التي ظل بنو الإنسان محتفظين بها منذ وجدوا على الأرض، وخرجت في أوروبا أجيال آمنت بالعبثية والعدمية والفوضوية والوجودية وأضرابها من أشكال الفلسفات العابثة التائهة، وعمت موجة غريبة طاغية من التبرم والضيق بالحياة، ومحاولة الهروب من السير في جادتها، وأصبح التخلص من التفكير في ذلك هو الغاية الكبرى لكثير من الناس، لا سيما ذوو الإحساس المرهف.--------------------------------------------
(1) الفلسفة أنواعها ومشكلاتها: (38)، ولا يخفى ما في هذا الهراء من التناقض والسخف اللذين لا داعي لهما إلا الغرور الكاذب والجرأة الوقحة.
(2) العلم والدين: (105).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
وتنغصت حياة الناس بقلق وذعر لا يكادون يستبينون مصدريهما، وأخذت تعصف بهم دوامة من الحيرة والضياع تزداد سعاراً كلما تذكروا أن وجودهم في هذه الدنيا لا يزيد هدفاً وحكمة عن وجود أدنى الديدان وأحط الحشرات.
ونتج عن ذلك -مما نتج- أن استهان الفرد بنفسه، وفقدت حياته معناها وقيمتها، فأصبح الانتحار بوسائله المتعددة أمراً مألوفاً، بل أصبحت المسابقات والمباريات الفردية والجماعية تعتمد بالدرجة الأولى على المخاطرة والزج بالنفس في الأهوال، واستأثرت مناظر العنف باهتمام الناس سواء أكانت على الطبيعة أم في وسائل الإعلام.
وقد ضج كثير من الباحثين المشفقين لهذه المآسي المروعة، وعلى رأسهم الدكتور إليكسس كاريل، وتلميذه ليكونت دي نوي الذي ألف حول هذا الموضوع كتابه الشهير مصير الإنسان، وهذه بعض أقواله في مقدمته: "كان نمو الجبهة المادية من الحضارة ابتدءاً من منتصف القرن التاسع عشر قد أثار اهتمام البشر، وجعلهم ينتظرون بشيء من القلق ما يتمخض عنه الغد من معجزة، فلم يبق لهم الوقت الكافي للاهتمام بالمشاكل الحقيقية، أعني المشاكل الإنسانية، وقد تعاقبت الاكتشافات الرائعة المدهشة بدون انقطاع منذ سنة 1880 إلى سنة 1915م، فبهرت عقول الناس كما يبهر أول مشهد من السيرك عقول الأطفال، وأنستهم المأكل والمشرب، وقد أصبح هذا المشهد الجسيم رمزاً للواقع، وصرف النظر عن القيم الحقيقية وقد طمسها نور الكوكب الجديد … لقد شعر الكثيرون بالخطر المحدق وأنذروا به، غير أن أحداً لم يصغ إليهم، لأن معبوداً جديداً غريباً كان قد ولد، ولأن عبادة جديدة قد طغت على الشعب هي عبادة المستحدث".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
"وكان من الطبيعي أن يتحول تدريجياً الاحترام الذي كان يستأثر به الكهنة دون سواهم، إلى أولئك الذين أفلحوا في تسخير قوى الطبيعة وكشف بعض أسرارها، وهكذا انتشرت المادية ويا للأسف ليس بين العلماء فحسب، بل بين الشعب أيضاً".
((إن القلق العصري ناتج -على الأخص- عن أن الذكاء حرم الإنسان كل مبرر لوجوده بأن قوض باسم علم لا يزال في المهد أسس التعاليم التي ظلت -حتى اليوم- تعطي الحياة الفردية معنى الجهاد، وتشير إلى هدف سامٍ يجب بلوغه وهي الأديان)).
((إن نكران حرية الإرادة ونكران التبعية الخلقية، واعتبار الإنسان مجرد وحدة فيزيائية كيماوية وجزءاً من مادة حية قل أن تتميز عن الحياة، كل هذا يؤدي حتماً إلى موت الإنسان الخلقي وخنق كل روحانية وكل أمل فيه، ويؤدي إلى ذلك الشعور الرهيب الموهن بالبطلان الكامل)).
والواقع أن ما يميز الإنسان كإنسان هو وجود الفكرة المجردة والخلقية الروحية فيه، وهو إن فخر فإنما يفخر بها، وحقيقة وجودها لا تقل عن حقيقة وجود الجسد وهي التي تعطي الجسد قيمة لا يحصل عليها بدونها (1).
ومن جهة أخرى كتب مؤلفو تاريخ البشرية المشار إليه سلفاً يقولون: "إن سيطرة الإنسان على الطبيعة قد كانت من أسباب زلزلة يقينه فيما يتعلق بغاية الحياة الإنسانية؛ ذلك أن الإنسان كان راضياً بما كتب له، وبأن مصيره يُحدَّد بقوانين أخلاقية عليا من عند الله، فكان يشعر بأنه يخدم غرضاً سامياً إذا هو سار على هدى الأخلاق الكريمة، وهكذا--------------------------------------------
(1) مقتطفات من (9 - 17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
نرى أن ارتفاع مكان الإنسان في مواجهة الطبيعة قد أعطاه إحساساً كبيراً بقوته الخاصة، ولكنه لم يمنحه الضوابط الأخلاقية لحسن استخدام هذه القوة".
ولما كان كل اكتشاف أو اختراع جديد يأتي معه بأخطاء كبيرة تحدق بالإنسان، فقد انتابت الإنسان آمال كبرى، وكأنما قد فتحت له فردوساً جديداً لم يكن يخطر له على بال، ولكن ظهرت بظهورها أخطار كثيرة غير إمكانية استخدامها عمداً لأغراض التدمير والخراب.
وقد أخذ الناس يتساءلون: ترى هل حياتهم لها غاية؟ أم أن البشرية إنما تسير إلى الأمام بلا تبصر، يدفعها إلى الحركة ذكاؤها القلق الذي لا يستقر على حال؟ وما هي واجبات الإنسان نحو إخوته من البشر؟ ما هي المبادئ الأخلاقية التي تستطيع أن تهدي الإنسان إلى خير السبل لاستخدام مقدراته الجديدة؟ كيف يستطيع مع استخدام هذه القدرات أن يختار السبيل المؤدي إلى خير البشر؟ (1).
وكان من الآثار السيئة - كذلك - لفصل العلم عن الدين ذلك التخبط المزعج الذي وقع فيه من يسمون علماء، خصوصاً فيما يتعلق بالشئون التي لا يستطيع الإدراك البشري منفرداً أن يسبر أغوارها.
فمثلاً: تعددت النظريات حول نشأة الكون إلى درجة تجعل أي مطلع عليها يشك فيها كلها، ومع ذلك فوجهات النظر فيها أقل اختلافاً منها فيما يتعلق بالنفس البشرية وسلوك الإنسان وانفعالاته وشعوره وحريته وإرادته، ففي الغرب اليوم عشرات المدارس النفسية ومئات الاتجاهات الفلسفية، كل منها يفسر الإنسان تفسيراً خاصاً، ويعالجه من وجهة نظر مغايرة، ويكفي شواهد على ذلك التحليلية والسلوكية والروحية والعبثية والوجودية والبراجماتية … و … إلخ.--------------------------------------------
(1) (6: 2 - 1) (ص:22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
وكذلك الشأن فيما يتعلق بالبحوث والدراسات الاجتماعية، فهناك عشرات من المدارس الكبيرة ينضوي تحتها ما لا يحصى من الاتجاهات الأقل شأناً، ومن أشهرها: المدرسة الاجتماعية المتطرفة دور كايم، والمدرسة النفسية جبرائيل تارد، والمدرسة العضوية سبنسر، والمدرسة الآلية باركلي، سيمون، والمدرسة الحيوانية الداروينيون، والمدرسة الفوضوية باكونين … وكل مدرسة تلعن أختها (1).
أما الاضطراب حول الذات الإلهية فأوسع من أن يحصر، فإضافة إلى الذين ينكرون وجود الله تبارك وتعالى نجد من يقترح أن يكون الأثير العام هو الإله الذي يمكن أن يوفق بين العلم وبين عقائد رجال الدين، (2) ومن يرى أن الله تعالى هو المركز الذي تنبع منه العوالم كما تنبع الصواريخ من باقة عظيمة مع مراعاة أن هذا المركز ليس شيئاً، بل هو انبثاق مستمر أو نبع متواصل، (3) كما بعثت الفلسفات الصوفية القديمة، لا سيما وحدة الوجود، وسئل بعضهم، فزعم أن الإنسان هو الإله على الحقيقة! (4) بينما اكتفى آخرون بترديد لفظ الطبيعة وغلا فريق منهم في الشك حتى زعم أن الكون كله وهم لا حقيقة له، ولا وجود لشيء خارج الذهن، وليس هناك حقيقة موضوعية على الإطلاق، (5) ووصل الجنون ببعضهم إلى حد أن ادعى أنه هو الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، (6) أما الحيارى التائهون فجموع لا تحصى.--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال: علم الاجتماع ومدارسه د. مصطفى الخشاب.
(2) هو آرنست هيكل. العلم والدين. وليم جيمس: (89).
(3) برجسون. سلسلة ترث الإنسانية: (2/ 448).
(4) منهم نيتشه ثم جوليان هكسلي.
(5) من هؤلاء جيمس جينز: انظر الله يتجلى في عصر العلم: الفصل الأول.
(6) منهم نجنسكي. انظر اللامنتمي: كولن ولسن: (49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
وكان من نتيجة النفور الشديد من الدين أن أقحم بعض المنتسبين إلى العلم أنفسهم فيما لا يقع في دائرة عملهم، وأخذهم شعور من الغرور الكاذب جعلهم يجزمون بأمور لا يملكون عليها أي برهان، ويتوقعون للعلم البشري أن يحيط بعالمي الغيب والشهادة.
يقول رسل: "القول بأن الإنسان حصيلة أسباب غير مقصودة أو أن أصله ونشأته وآماله ومخاوفه وميوله ومعتقداته هي حاصل التركيبات الذرية العرضية، وأن لا النار ولا البطولة ولا حدة التفكير والشعور تستطيع أن تحفظ حياة الإنسان بعد القبر، وأن كل جهد الإنسان على مر العصور وكل العبادة وكل الإلهام وكل العبقرية والإنسانية مصيرها إلى الزوال عند نهاية النظام الكوني وحطامه، كل هذه الأشياء وإن كانت نوعاً ما عرضة للنقاش فيها، فإنها أكيدة بشكل، حتى أن ما من أية فلسفة ترفضها يمكن أن تعيش" (1).
ويقول هكسلي: "إني لا أفهم إذا صح وجود حياة أخرى تحياها النفوس، كيف لا نستطيع أن نجد سبيلاً إلى استكشاف هذه الحياة الأخرى، فلا شيء مما يتصل بالإنسان يمكن أن يتوارى عمداً عن الإنسان" (2).
ويقول هيكل: "لو أعطيت وقتاً ومواد كيماوية لصنعت إنساناً" (3).
وهناك كثير من أمثال هذا الغرور الأحمق الذي ولده الشعور بأن--------------------------------------------
(1) ليس بالعلم وحده: (133 - 134).
(2) عن الطاقة الروحية: برجنسون: (22).
(3) عن العلم يدعو للإيمان: (150).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
الانسان خصم للخالق، وأن في إمكانه أن يسرق علم كل شيء كما سرق النار المقدسة من قبل، وإلا فلو أن لهؤلاء المسمين علماء إيماناً بالله -على الحقيقة- لكانوا أكثر الناس خشوعاً واعترافاً بين يديه.
وقد بلغ من غرور علماء الغرب وفرط استكبارهم أنه حتى نقاد الحضارة الغربية والمتنبئين لها بالانهيار يطلبون الدواء الناجح والحلول السريعة من العلم نفسه، ويهيبون بالعلماء إلى دراسة مستقبل الجنس البشري، والعمل على إنقاذه، ويطالبون بعقد مؤتمرات دولية لبحث هذه الشئون، وهكذا تتخبط أوروبا وتحار، ومنهج الله ميسر قريب!
بقي أن نشير إلى نتيجة أخرى -من نتائج فصل العالم عن الدين- وهي في نظر عامة الغربيين أكثر النتائج سوءاً، مع أنها في نظرنا عرض للمرض، وليست هي المرض ذاته، وهي مشكلة سوء استخدام العلم المتمثل في الدمار الذي يهدد البشرية صباح مساء نتيجة الكشوف في ميدان الذرة والحرب عموماً، يقول أحد الباحثين في كتاب (العلم أسراره وخفاياه): "إن العلم يواجه ورطة شديدة، فالعلم هو البحث عن الحقيقة، وأساس العلم العقيدة الراسخة بأن الحقيقة تستحق الاكتشاف، وأن البحث عنها إنما ينبع من أشرف صفة من صفات الروح الإنسانية، ومع ذلك فهذا البحث عن الحقيقة هو نفسه الذي جعل حضارتنا تقترب من حافة هاوية الدمار.
وعندما نواجه الآن السخرية التي تحولت إلى مأساة، وهي أننا كلما نجحنا في توسيع آفاق معرفتنا كان ذلك نذيراً بقرب الخطر الذي يهدد بالقضاء المبرم على الحياة البشرية على هذا الكوكب.
فهذا السعي وراء الحقيقة أمدنا في آخر الأمر بالأدوات التي تمكننا من هدم مجتمعنا بأيدينا وبالقضاء على كل الآمال المشرقة لجنسنا؛ ما عسانا فاعلين في هذا الموقف؟
هل نكبح جماح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
العلم أم نتمسك بطلب الحقيقة رغم ما في ذلك من تمزيق وتبديد لمجتمعنا؟! " (1).
أما دي نوي فقد كاد يضع يده على مكمن الداء إذ قال: "إن الذكاء بنفسه خطر إذا لم يخضع لإدراك حدسي أو عقلي للقيم الخلقية، وهو لم يفض إلى المادية بل إلى أعمال فظيعة، وقد كتب هذا الكتاب قبل اختراع القنبلة الذرية التي تبين ما نقول بطريقة واضحة، وفهم الجمهور أن انتصاراً فائقاً للعلم تحدى الطمأنينة الإنسانية بأسرها، وحينئذٍ فهمت الأمم الدعوة متحضرة أن الإتحاد الخلقي وحده يقدر أن يدفع عنها هذا التهديد، وكان الوقت قصيراً، فلم نجد سبيلاً إلى الحماية إلا بواسطة اتفاقات خطية ويعلم الكل أنه لا قيمة للاتفاقات ولا ثقة بها إلا بالنسبة إلى الإنسان الذي يذيلها بتوقيعه، وإذا لم يكن هذا الإنسان مستقيماً مخلصاً، وإذا لم يكن يمثل شعباً يحترم كلمته، فلا تعني شيئاً على الإطلاق" ..
ولأول مرة في تاريخ الإنسان أصبح النزاع بين الذكاء الصرف والقيم الخلقية قضية حياة أو موت، وكل ما نأمله هو أن تستفيد الإنسانية من هذه الأمثولة، لكننا لسوء الحظ لسنا واثقين من ذلك (2).
هذا قليل من كثير من النتائج السيئة التي جلبها الصراع المشئوم بين دين أوروبا وعلمها، ودفع إليها التعصب المقيت من قبل دعاة اللادينية في مجال مفروض فيه أن يكون أعظم طريق إلى الله وأقوى دافع إلى خشيته.--------------------------------------------
(1) (3/ 720 - 721).
(2) مصير الإنسان: (226 - 227).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
ولعل هذا العرض الموجز يعطينا الدليل القاطع على أن للفصل بين العلم والدين في أوروبا ظروفه وأسبابه الخاصة، ويقدم لنا شاهداً آخر - بالإضافة إلى شواهد كثيرة - على أن الجاهلية المعاصرة مهما تمسحت بالعلم والعقلانية- إنما تتحكم فيها ردود الفعل المتعارضة جيئة وذهاباً دون أن تطعم - ولو مرة واحدة - لذة الهدوء والاستقرار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
- الفصل الرابع: علمانية الاجتماع والأخلاق:
مجتمع القرون الوسطى وأخلاقها:
كانت أوروبا في القرون الوسطى تعيش حالة من الهمجية والانحطاط لا يكاد يضارعها فيها أي جزء من العالم آنذاك، لا سيما القرون الثلاثة الأولى التي اصطلح مؤرخو الغرب على تسميتها العصور المظلمة، وإن كان يطلق أحياناً على القرون الوسطى كلها العصور المظلمة تلك التي امتدت قرابة عشرة قرون (1).
كان التفسخ الاجتماعي والتدهور الأخلاقي يسيطران على حياة أوروبا القاتمة ابتداءً من غزو النورمانديين البرابرة لجنوب أوروبا وسقوط إيطاليا خاصة، في أيديهم. لكن التاريخ مهما أسهب في وصف التدني الاجتماعي والأخلاقي لتلك الفترة لا يستطيع أن ينزع منها صفة البشرية، فهي مهما بلغ انحطاطها لا تصل إلى القاع الحيواني الذي تنغمس فيه أوروبا المعاصرة، والصورة مختلفة بين مجتمعين: أحدهما بشري متخلف، والآخر حيواني هابط!
كان لمجتمع القرون الوسطى قيمه وتقاليده وأخلاقه البشرية، وهي قيم مجردة وتقاليد وأخلاق قائمة بذاتها، لا تتوقف على سند--------------------------------------------
(1) انظر الموسوعة الذهبية مادة العصور المظلمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
موضوعي أو عامل خارجي أياً كان، وبغض النظر عن مقدار مراعاتها وتطبيقها عملياً، فإنها كانت حقائق مقررة لا مراء فيها، وكان التمسك بها مدعاة للاعتزاز، والخروج عليها مصدراً للاستنكار وجرحاً في الفضيلة والرجولة.
أما حراسة تلك القيم والأخلاق ومحاولة ترسيخها فكانت ملقاة على عاتق الكنيسة ومنوطة بجهود الآباء والرهبان الذين يقدمون النماذج العليا لها، غير أن الكنيسة بتحريفها لدين الله وابتداعها ما ليس منه أجرمت في حق نفسها وأتباعها، وأسهمت من غير قصد في هدم الأسس الأخلاقية التي قام عليها مجتمع القرون الوسطى، وقام عليها سلطانها العظيم.
وقصة أخلاق الكنيسة تحكي تناقضاً صارخاً وتبايناً عجيباً:
فمن جهة التصور اشتطت الكنيسة وغلت في تصورها للفضيلة والخلق الرفيع، ووضعت لها الشروط والمواصفات التي تنوء بالجهد البشري، ولا يستطيع استكمالها-عدا الملائكة- إلا حفنة ضئيلة من البشر تتمتع بمزايا غير عادية، ولا يصح أن تتخذ مقياساً لسائر بني الإنسان.
ومن جهة السلوك تلطخت سيرة رجال الكنيسة وأعضاء الأديرة برذائل وأرجاس يترفع عنها الفرد العادي ويتستر عليها الفاجر البذيء وقد سبق الحديث عن ذلك في الباب الأول أي: أنها في الوقت الذي تحلق فيه تعاليمها في السماء نجد أن واقعها يتخبط في الوحل! فالعفة -مثلاً- خلق إنساني نبيل فطرت عليه البشرية، ودعت إليه الأديان كافة، لكن الكنيسة بالغت في تصورها لهذا الخلق، حتى حرمت ما أحل الله، وأنكرت ما تلح عليه الفطرة، وتدعو إليه الغاية من الوجود الإنساني، وذلك بابتداعها الرهبانية وتنفيرها الشديد من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
المرأة لذاتها، فتعاليمها تقول عن النظر المجرد: إذا نظرت عينك إلى معصية فاقلعها؛ فإنه خير لك أن تفقد عضواً من أعضائك من أن يلقى جسدك كله في النار (1).
وانطلاقاً من ذلك حرمت الزواج على رجال الدين معتقدة أن رجل الدين لا يجوز له أن يهبط إلى مستوى أخلاق الشعب، ويشاركهم في الاستمتاع الدنس!
هذا من الوجهة النظرية، أما الواقع العملي فشيء مختلف تماماً، فقد كانت الأديرة مباءات للفجور ومواخير للدعارة، وكان للبابوات والقساوسة من العشيقات والحظايا ما لا يكون لدى الملوك الدنيويين، وتولى منصب البابوية عدد من الأبناء غير الشرعيين لبعض الآباء والكرادلة (2)
والمصيبة أن تلك الحقائق لم تكن خافية على الشعب، بل كانت حديث الألسنة ومثار الجدل.
والجشع على المال والملذات خلق ذميم - ما في ذلك شك - ولكن الكنيسة غالت في ذمه وتحريمه والدعوة إلى الزهد والتقشف، إلى درجة أنها حرمت المال الحلال، وقدست الفقر، وحظرت سبل الرفاهية، وقالت أناجيلها: مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله … وفي الوقت نفسه كان رجالها أجشع الناس وأغنى الملاك وأترف الأغنياء.
والتسامح خلق رفيع ومنقبة عظيمة - باتفاق العقول والفطر - غير أن الكنيسة بالغت في فرضه، حتى أوجبت على أتباعها قبول الذل--------------------------------------------
(1) هذا القول وأمثاله مما سيأتي تنسبها الأناجيل للمسيح عليه السلام، ولا نستطيع أن ننفي أنه لم يقلها قطعاً، لكننا نقول: إنه على فرض صحتها فإن المقصود منها الترفع والتسامي وليس التكليف.
(2) انظر: مثلاً قصة الحضارة: ول ديورانت: (14/ 375 - 380).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
وتحمل الظلم فقالت: "من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر أيضاً، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين، ومن نازعك رداءك فاعطه الآخر"
وقالت: باركوا لاعنيكم، وصلَّوا لأجل الذين يسيئون إليكم.
كل هذا في العقيدة والتصور، ولكن الواقع العملي يشهد أن الكنيسة ارتكبت من ألوان الظلم وفظائع الطغيان ما يتورع عنه جبابرة الفاتحين وعتاة المستبدين، ولم تعرف رحمة ولا تسامحاً حتى مع مخالفيها من أتباعها أو أبناء دينها.
وهكذا الحال في سائر الصفات النبيلة والأخلاق المحمودة.
تطرف وشطط في التصور، وإسفاف وهبوط في السلوك، وكان لهذا التناقض الصارخ أثره البالغ على الناس في واقع حياة أتباعها أيام مجدها وسطوتها، ثم في ثورة أعدائها بعد أن تصدعت أركانها، وهوجمت من كل مكان.
كان أتباعها طيلة القرون الوسطى لا يستطيعون الارتفاع عملياً إلى المستوى المثالي النظري لأخلاقها - ولهم في ذلك العذر - فكانوا يتزوجون ويجمعون المال ويثأرون لأنفسهم من ظالميهم، ويتصرفون في سلوكهم بعيداً عن قيودها التي لا تطاق، ولا يلزمون أنفسهم بتطبيق قواعد وأنماط سلوكية لم يسجل التاريخ أنها طبقت - بصورتها النظرية - على نطاق واسع في أية مرحلة من المراحل، لكنهم كانوا وهم يفعلون ذلك يجدون في أنفسهم تناقضاً وجدانياً، ويشعرون أنهم -إذا لم يكونوا على الصورة المثلى- مقصرون ومخطئون، يتعرضون للتأنيب المستمر من أعماق ضمائرهم، وكان هذا الشعور ملازماً لهم نفسياً رغم أنهم مظهرياً يمارسون الحياة العادية بكاملها.
وتولد من ذلك إحساس دائم بالذنب لدى النفسية الأوروبية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
كلما تاقت إلى مباح أو استمتعت بمتاع وإن كان الحلال المحض! وهو إحساس توارثته الأجيال المتعاقبة حتى أصبح من الرسوخ بدرجة تجعل التخلص منه لابد أن يأتي في صورة ثورة نفسية هائجة ورد فعل جانح، وهو ما فعلته أوروبا الحديثة، هذا من جهة.
ومن حيث النظرة الشكلية العامة نجد أن مجتمع القرون الوسطى كان أسرياً في تكوينه، زراعياً في حرفته، إقطاعياً في طبقاته ومراتبه ولكل ميزة من هذه المميزات انعكاسه الواضح على الأخلاق الاجتماعية.
فالنظام الأسري ساعد على ترسيخ فكرة المحافظة على العرض وقداسة العلاقة الزوجية، حتى لقد كان القتل هو العقوبة المتوقعة للزوجة الخائنة أو للمعتدي على العرض.
وطبيعته الزراعية أسهمت في المحافظة على الواجبات الفردية وعلى التقاليد المتوارثة منذ القدم، والتي كانت مزيجاً من تعاليم دينية وأعراف اجتماعية، تشكل بمجموعها قواعد أخلاقية ثابتة يلتزم بها المجتمع.
ولكن هذه الحال -في الوقت نفسه- بإهمال الكنيسة وأحياناً بإشرافها، ساعدت على تشرب المجتمع لأفكار عتيقة وخرافات بالية من بقايا الأساطير القديمة أو من اختلاق الأقوال الساذجة، روجها الجهل المطبق وهبوط المستوى العقلي للعامة والخاصة، فتشابكت مع تلك القواعد الأخلاقية وامتزجت هذه بتلك مما أغرى الباحثين الاجتماعيين اللادينين بالاعتقاد بأن تلك، الأخلاق وليدة الخرافات نفسها أو قرينتها الدائمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
ونظامه وطبقاته الإقطاعية أضفت عليه صفة الثبات المطلق الذي يميز عصر الإقطاع برمته، وذلك ما أوحى إلى الباحثين بعد انفجار قنبلة التطور في أوروبا بأن التقاليد والأخلاق ليست ذاتية ولا ثابتة بل تكتسب سماتها ومميزاتها من طبيعة الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي.
هذه بعض الملامح الإجمالية الموجزة لاجتماع وأخلاق القرون الوسطى، وستزداد صورتها وضوحاً عند عرض الاتجاهات الاجتماعية اللادينية التي إنما نبتت أصلاً لتكون ردود فعل لذلك الواقع الاجتماعي نفسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
النظريات والمدارس المجتمعة اللادينية:
مقدمة:
الفكر الاجتماعي اللاديني قديم الأصول، فقد تحدث أرسطو عن الحياة الاجتماعية للإنسان، وقال عبارته المشهورة: "الإنسان حيوان اجتماعي" كما أن أفلاطون كانت له نظراته الاجتماعية التي دونها في جمهوريته وإن كانت من صنع الخيال.
ولما كان عصر النهضة الأوروبية وبعثت الآداب والفلسفات الإغريقية انبعث التفكير الاجتماعي اللاديني باتجاهيه: الخيالي الممثل في الطوبيات أو المدن الفاضلة، والواقعي الذي يحاول أن يستمد من الفلسفة والعقل ما يناهض به الكنيسة وتعاليمها.
وكانت ريادة هذا المجال من نصيب مكيافيللي وهوبز اللذين ألمحنا إليهما في الفصل الأول من هذا الباب ويتلخص رأي هوبز ومكيافيللي في أنه عندما تنحرف المعتقدات عن المبادئ الأخلاقية والشرعية يستتبع ذلك في مجال الأفكار فترة فراغ نرى فيها أن فكرة العنف هي التي تسود لعدم وجود ضابط للشرعية، وفي رأي هذين الكاتبين أن الحياة في المجتمعات تقوم على استخدام القوة، وتتلخص السيكولوجية المجتمعة عندهما في العبارة الشهيرة: أن الإنسان ذئب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
بالنسبة للإنسان، وفي قول مكيافيللي: إن ميل الإنسان للشر يفوق ميله إلى الخير.
ويعلق بوتول على ذلك قائلاً عن مكيافيللي: إن أهمية هذا المؤرخ الفلورنسي أنه جعل لفلسفة التاريخ: ولعلم الاجتماع السياسي وجوداً مستقلاً (1).
وكان من رواد الأفكار الجديدة أيضاً الفيلسوف اليهودي سبينوزا الذي اشتهر بعداوته للأديان وأخلاقياتها، وكان معاصراً لهوبز، وفي رأيه أن الناس يعيشون في الأصل خاضعين لسيطرة شهواتهم، وأن حقوق الناس في نزاع دائم مع قوتهم التي تتعادل فقط مع هذه الحقوق، ويهاجم سبينوزا علم الأخلاق الذي كان يسود في العصور الوسطى، والذي يمجد النسك ويدعو للندم والذي يغلب فيه الميل للشقاء فيقول: "إن اللذة خير في ذاتها والألم قبيح في ذاته … وأن الحكمة هي التأمل في الحياة لا في الموت"
على أن كاتباً آخر تطرف في عداوته للكنيسة وأخلاقها بدرجة عجيبة وهو مانديفيل في كتابه أقصوصة النحل الذي أثار فضيحة، وكان له دوي عظيم، فقد ذهب إلى أن النقائص هي بالتحديد التي يدمغها الأخلاقيون كالشراهة والتعجرف والفسق … إلخ، وهي التي أتاحت انتشار الحضارة والفنون والتكتيك فهذه الاتجاهات التي اعتبرت مذمومة هي في الواقع أعظم العناصر الديناميكية التي لولاها لاضمحل الإنسان إلى حالة قريبة من الحيوانية (2).
وهذه البدايات والأفكار ظلت مبعثرة لم تنسق في علم واحد حتى ولد علم الاجتماع باعتباره علماً خاصاً يدرس العلاقات والظواهر المجتمعة دراسة مفصلة ضمن قواعد ومعايير خاصة.--------------------------------------------
(1) تاريخ علم الاجتماع. جاستون بوتول: (24، 25).
(2) المصدر السابق: (30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)