إنجلترا وأمريكا: ففي إنجلترا -أسبق الدول إلى الثورة الصناعية- وصل عامة الناس والعمال منهم خاصة إلى درجة من البؤس والفاقة والتسخير لا تكاد تصدق.
كان النساء والأطفال يعملون في مناجم الفحم، ويجرون العربات في دهاليز ضيقة تحت الأرض مدة (16) ساعة يومياً نظير أجور زهيدة، وكذلك كانت معامل النسيج والمصانع الأخرى تسخرهم بالعمل المرهق في أماكن غير صحية ولا تعطيهم إلا الكفاف من الرزق (1) وكل البحوث التي تناولت موضوع الثورة الصناعية كشفت هذه الحقيقة، بل إن أثرها ليبدو في الأدب الإنجليزي، إذ نجد ديكنز كبير الروائيين الإنجليز يتعرض لحال الملاجئ والفقراء في رواية أوليفر تويست، ويجعل موضوع روايته الأخرى أوقات عصيبة هو مشكلة النزاع بين أصحاب المصانع والعمال والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الثورة الصناعية (2).
فإذا انتقلنا إلى أمريكا رأينا أيضاً حالة مزرية تحدث عنها أحد من يسمون المصلحين قائلاً: "إننا جميعاً في الشمال والجنوب نعمل في تجارة الرقيق الأبيض، وبقدر نجاح الشخص فيها يزداد احترامه، وهذه التجارة أشد قسوة من تجارة الرقيق الأسود؛ لأنها تفرض مزيداً من العمل على عبيدها، في الوقت الذي لا تحميهم فيه ولا تسوسهم برفق تفاخر بأنها تفرض المزيد.
نعم إنه (العامل) بعد انتهاء عمل اليوم يصبح حراً إلا أنه--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ العالم-هاملتون، (ج:5)، فصل: قضية المرآة وتطورها عبر التاريخ.
(2) انظر سلسلة تراث الإنسانية: (2/ 587) والأولى ترجمها منير البعلبكي إلى العربية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة، في حين يبقى رب العمل حراً -بالفعل- ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التي جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم ورفاههم، ولا عجب من أن يفضل الناس العبودية البيضاء -أي عبودية رأس المال- على عبودية الزنوج، طالما أنها تدر ربحاً أكثر وتحررهم من جميع المسئوليات والأعمال التي يقوم بها مالكو العبيد الزنوج (1).
وهكذا دفعت الجاهلية الغربية الثمن غالياً، وانتقلت إلى عبادة طاغوت جديد لا يقل بشاعة وإذلالاً عن طاغوت الإقطاع.
واقتضت سنة الله ألا تدوم فرحة الرأسماليين طويلاً، فقد كانت تصرفاتهم الجشعة، واستغلالهم الشره تضرم الحقد في القلوب، وتؤجج نار العداوة ضدهم، وانبعثت الشرارة الأولى على يد المفكرين الجماعيين، وبلغت ذروتها في الضغينة الماركسية.
3 - المذهب الاقتصادي الشيوعي:
مقدمة عن مصادر الفكر الشيوعي:
في مقابل التطرف الذي اتخذه الطبيعيون والرأسماليون الكلاسيكيون نحو الفردية، تطرف طائفة أخرى، فاتجهت اتجاهاً جماعياً لا يقيم للفرد وزناً إلا من جهة كونه مسماراً في الآلة الاجتماعية.
والتاريخ يروي أن الفكر الجماعي قديم في أصله، وأن عصر التنوير ينحصر جهده في بعثه من جديد، كما أن الشيوعية قد طبقت عملياً قبل ماركس وإنجلز بقرون طويلة، فنحن نجد أن جمهورية أفلاطون تشكل نظرية عن أمة تسودها روح جماعية خالصة، يذوب--------------------------------------------
(1) من كلام جورج فيتزهيو: (1881) في تطور المجتمع الأمريكي: (112) فما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
فيها الفرد داخل كيان المجموع، كما نرى في الحركة المزدكية (1) نموذجاً لمجتمع شيوعي تطبيقي.
والحق أن الجاهلية -كعادتها الدائمة في التذبذب والتطرف- قد عانت ولا تزال مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولم تهتد إلى حل وسط لها، وأنى لها ذلك؟! ففي أوروبا الحديثة كان الواقع الذي نجم عن تطبيق المذهب الفردي الحر دافعاً لبعض ذوي النوايا الحسنة إلى فكرة تنظيم المجتمع على أساس من عدالة التوزيع سميت لأول مرة: الاشتراكية.
وترجع نسبة هذه الفكرة إلى عدد من الباحثين وأبرزهم روبرت أوين وسان سيمون وفورييه، وهم طليعة المفكرين الاشتراكيين في الغرب، والشيوعية تسمى اشتراكيتهم الاشتراكية الطوبوية لأنها تميل إلى الخيال، أما اشتراكية (ماركس) فهي الاشتراكية العلمية الوحيدة في التاريخ.
ومع ذلك فالشيوعية الماركسية تدين لهم بالفضل، وتقر بأثرهم عليها، يقول أنجلز: "إن الاشتراكية النظرية لن تنسى قط أنها قامت على أكتاف سان سيمون وفورييه وأوين، ثلاثة رجال رغم كل مفاهيم الخيالية وكل طوبياتهم يقفون بين أعظم المفكرين في كل العصور، والذي تنبأت عبقريتهم بالكثير مما نثبت نحن صحته علمياً" (2). وذلك هو المصدر الأول من مصادر الفكر الشيوعي.
والمصدر الثاني هو "الفلسفة المثالية الألمانية" التي أخذت عنها الشيوعية الكثير، لا سيما المبدأ الرئيسي الجدلية الذي ميز المادية الشيوعية عن الماديات الأخرى، يقول إنجلز:--------------------------------------------
(1) المزدكية: فكرة شيوعية نشأت في بلاد فارس قبل الإسلام انظر الملل والنحل، وغيره.
(2) حرب الفلاحين في ألمانيا: (22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
إن الاشتراكية العلمية الألمانية - وهي الاشتراكية العلمية الوحيدة - التي وجدت على الإطلاق، ما كان يمكن أن توجد دون الفلسفة الألمانية التي سبقتها، وخاصة فلسفة هيجل " (1).
أما المصدر الثالث - وهو المصدر الذي حول الشيوعية من فكرة فلسفية محضة إلى نظرية مصطبغة بالصبغة العلمية - فهو نظرية داروين.
فعندما قال ماركس: إن الظواهر الاقتصادية يمكن ملاحظتها، وتسجيلها بنفس الدقة التي تسجل بها العلوم الطبيعية فإنما كان يشير إلى هذه الحقيقة.
وذلك ما أوضحه إنجلز بقوله: كما إن داروين اكتشف قانون التطور في تاريخ الإنسان الطبيعي، فكذلك اكتشف ماركس قانون التطور في تاريخ البشرية.
ويعلق داونز على ذلك قائلاً: "كانت الطريقة العلمية التي أشار إليها ماركس في أبحاثه عاملاً في تقبل الجمهور لآرائه، إذ كانت تسيطر على أذهان الناس نظرية التطور في القرن التاسع عشر بدرجة اعتقدوا معها إمكان تطبيقها على كل مظاهر الحياة، فلما ربط ماركس نظريته التاريخية في تنازع البقاء بين الطبقات وبين نظريات داروين في التطور، ضمن لها الاحترام العلمي الذي أبعدها عن الطعن والتشكك" (2).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (12 - 22).
(2) هو والنصان قبله: كتب غيرت وجه العالم: (154 - 155) وانظر: الطبقة الجديدة (20 - 172) ومما يلاحظ أنه رغم اقتباس فلاسفة الشيوعية المستفيض عن داروين فهم لا يشيرون إلى ذلك كثيراً، بينما هم يشيدون بكتاب موريس مورجان "المجتمع القديم" ويعدونه حجة للنظرية مع أن هذا الكتاب لا يعدو أن يكون تطبيقاً للداروينية. ولعل سبب ذلك ليس الرغبة في تنويع المصادر بقدر ما هو الأنفة من مشاركة الرأسمالية في مصدر واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
وهكذا يظهر أن المذهب الشيوعي تصور شامل للوجود وحركة التاريخ، ملفق من أشتات فكرية منوعة:
فالإطار الفلسفي مأخوذ عن الهيجلية بعد قلبها رأساً على عقب.
والمنهج التطبيقي منقول عن الداروينية مع إضافة إيحاءات فلسفية خاصة، ونظرية القيمة وفكرة التأميم منقولتان عن ريكاردو، كما أنها استوحت من سان سيمون ومالتس بعض النظريات المتعلقة بالملكية والعمل، أما الإلحاد فمأخوذ من فيورباخ ودولباخ والماديين الميكانيكيين عموماً.
والغريب حقاً هو أن الشيوعية تلعن هؤلاء جميعاً - كما قال رسل - وتتبرأ من أفكارهم الرجعية البورجوازية (1).
والحق أن هناك مصدراً مهماً للشيوعية قل من يشير إليه، وهو التراث اليهودي والنفسية اليهودية ذاتها، وهو ما يتجلى في العبودية الخانعة للمال والتأليه الأحمق للمادة، وكذلك في الحقد المضطرم على البشرية وكل قيمها وتراثها ومقدساتها (2).
ومما يجدر التنبيه إليه أن الشيوعية - فكرة وحركة - لم تكن لتحظى بالقبول مع تطرفها إزاء الأديان والخلق ومصادمتها للفطرة، لولا--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً نصوص من إنجلز: (143).
(2) انظر حول نفسية ماركس: الشيوعية والإنسانية للعقاد، فصل: المؤسس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
الجو الأوروبي المشحون بالضيق والتبرم من الكنيسة والطائفة الكهنوتية العليا، تلك التي أضافت إلى الطغيان والتحكم وقوفاً مستمراً مع الاستغلاليين والمحتكرين ضد البائسين، ومع الخرافات والأساطير ضد العلم والرقي المادي، واستطاعت الشيوعية استغلال الغضبة الهائجة والنفاذ إلى عقول السذج، فوجهت العداوة العارمة على الكنيسة إلى ثورة هوجاء على الدين ذاته.
إن دراسة الاقتصاد الشيوعي بمعزل عن الفلسفة الشيوعية في إطارها العام ليس إخلالاً بالموضوعية العملية فحسب، بل هو ضرب من إضاعة الجهد فيما لا طائل تحته، لا سيما إذا كان الهدف من الدراسة إيضاح نوع علاقة هذا الاقتصاد بالدين.
والواقع أن مؤلفات الإلحاد الشيوعي هي كتب اقتصادية شيوعية، كما أن الكتب الاقتصادية الشيوعية هي كتب إلحاد بالدرجة الأولى، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولذلك كان لابد من عرض المذهب الاقتصادي للشيوعية ممزوجاً بفلسفتها العامة.
وتبدأ نظرة الشيوعية إلى الدين في التميز عن سواها من أول نقطة على الطريق من الإلحاد ذاته، فالشيوعية تصر على أن لها إلحادها الخاص، وهو في نظرها إلحاد إيجابي يقول غارودي: "أما الإلحاد الماركسي فهو في جوهره إنسي (أي إنساني النزعة)، منطلقه ليس رفضاً، بل هو تأكيد استقلال الإنسان، أما نتيجته فهي رفض كل محاولة لحرمان الإنسان من قدرته المبدعة والمبدعة لذاتهاً".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
ثم يقول في تفصيل ذلك: "إن ما يميز الإلحاد الماركسي البحت هو أنه على خلاف سابقيه، لم يكتف باعتبار الدين خديعة فحسب اصطنعها المستبدون، أو مجرد وهم ولده الجهل، بل إن ماركس وإنجلز قد بحثا عن الحاجات الإنسانية التي تلبيها الأديان بهذه الصورة المخادعة، فوصلا -كما يقول ماركس- إلى أن الأديان هي في وقت واحد: انعكاس لشقاء فعلي واحتجاج على هذا الشقاء.
هذه الحقيقة التاريخية (أن الدين انعكاس لشقاء فعلي) هي التي يلخصها ماركس في تعبير مقتضب "الدين أفيون الشعوب" (1)
وجرياً مع المادية الجدلية وتطبيقاً للتفسير الاقتصادي للتاريخ حول علاقة الفكر بالوجود ترى الشيوعية أن الفكر البشري انعكاس للواقع المادي، فالمادة هي الأساس الوحيد وعنها ينبثق الفكر وتنبثق المشاعر والأحاسيس، ومن هذه المشاعر الدين نفسه.
أي أن وجود الناس هو الذي يحدد مشاعرهم وليس العكس.
وعند تفسير الدين على هذا الأساس يقول إنجلز: "من الأزمنة الموغلة في القدم إذ وصل الفكر بالناس وهم بعد في جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة وتحت تأثير أحلامهم - إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت، منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكاراً عن علاقات هذه الروح مع العالم الخارجي.
وعلى هذا النحو تماماً - عن طريق تشخيص القوى الطبيعية - ولدت الآلهة الأولى التي اتخذت خلال التطور اللاحق شكلاً غير--------------------------------------------
(1) ماركسية القرن العشرين: مقتطفات: (144 - 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
أرضي أكثر فأكثر، إلى أن حدث أخيراً عملية تجريد … فنشأ على نحو طبيعي خلال التطور العقلي، أن تولدت في عقل الناس -من الآلهة المتعددين ذوي السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض- فكرة الإله الواحد المنفرد في الديانات التوحيدية" (1).
ومع ذلك يستنتج إنجلز أن المطالب الجسدية هي منشأ الاعتقادات الفكرية، وأن الدين ما هو إلا الانعكاس الخيالي للأشياء البشرية في دماغ الإنسان، (2) وما دام أن الوضع الاقتصادي هو الذي يفسر ويحدد المطالب الجسدية فإن النتيجة هي أن الدين ناشئ عن الأوضاع الاقتصادية، ولا ينبغي أن يفسر إلا على ذلك: "أما المجالات الأيدلوجية التي تحوم أعلى في الفضاء كالدين والفلسفة … إلخ فإنها مؤلفة من بقية تعود إلى ما قبل التاريخ وقد وجدها العهد التاريخي أمامه فالتقطها لما قد نسميه اليوم غباءً.
إن هذه التصورات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة وعن تكون الإنسان ذاته، وعن الأرواح وعن القوى السحرية وهلم جرا، ليس لها في الأغلب غير أساس اقتصادي سلبي، فالتطور الاقتصادي الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه … تصورات خاطئة عن الطبيعة" (3).
إذن فالاقتصاد - أو البحث عن الطعام والشراب - هو منبع كل عقيدة وتصور وأساس كل مبدأ وقيمة؛ بل إن الشيوعية لتطبق ذلك على كل معنى وسلوك إنساني: على العلم والحرب .. على--------------------------------------------
(1) نصوص من أنجلز: (61).
(2) المصدر السابق: (133).
(3) نفس المصدر السابق: (187).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
المشاعر والفنون .. على العلاقات المجتمعة .. على كل شئ، فالعلم -مثلاً- ليس أصله الرغبة الفطرية في اكتشاف الحقيقة، فليس في قاموس الشيوعية شيء اسمه الفطرة، ولكنه كما قال إنجلز: "إذا كانت العلوم قد نهضت فجأة بعد ليل القرون الوسطى المظلم بقوة لا ريب فيها، ونمت بسرعة المعجزة، فإننا مدينون بهذه المعجزة الجديدة للإنتاج" (1).
وعن الحروب تقول الشيوعية: "إن ما يسمى بالحروب الدينية … كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية، فقد كانت هذه الحروب حروباً طبقية تماماً .. ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذٍ مغلفة بشعارات دينية، ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني فلم يبدل هذا شيئاً من الأمر، ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام" (2).
وتقول عن الأخلاق: "إن الناس عن وعي أو لا وعي يستمدون مفاهيمهم الأخلاقية - في التحليل الأخير - من العلاقات العملية التي يقوم عليها وضعهم الطبقي، أي من العلاقات الاقتصادية التي ينتجون بها ويتبادلون فيها" (3).
وليس أغرب من هذه الأفكار إلا قول إنجلز: إن العمل هو الذي خلق الإنسان، وليس الإله كما يقول الرجعيون من البورجوازيين والإقطاعيين، وحتى لا نحسن الظن فنحمل كلامه على المجاز، فقد--------------------------------------------
(1) نفس المصدر السابق: (187).
(2) حرب الفلاحين في ألمانيا: (46).
(3) نصوص من أنجلز: (159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
شرح هذه العبارة شرحاً وافياً - نرى فيه إلى جانب الاستنباط العجيب الاستمداد الساذج من الداروينية - يقول: "منذ مئات عدة من ألوف السنين … كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية … عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطوراً رفيعاً بوجه خاص، وقد أعطانا داروين وصفاً تقريباً لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا.
وقد أخذت هذه القردة متأثرة بالدرجة الأولى دون شك بنمط معيشتها الذي يتطلب أن تنجز الأيدي من أجل التسلق غير وظائف الأرجل- أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض، واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية، وهكذا تم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى إنسان" (1).
وإذا كان الاقتصاد بهذه المثابة، فلماذا اعتقد الناس أن شيئاً آخر غيره هو الذي يسير التاريخ وينشئ الأفكار؟ وكيف غابت هذه الحقيقة عنهم حتى أظهرها فلاسفة الشيوعية؟ يجيب الشيوعيون عن ذلك بسهولة قائلين: لا غرابة في ذلك فإن الإنسان أصله قرد، وظل يجهل هذه الحقيقة ظاناً أن العناية الإلهية هي التي خلقته حتى عرف ذلك أخيراً.
ويعبر إنجلز عن ذلك قائلاً: "ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق التي لديهم، مثلما أنهم نسوا أنهم قد نسلوا من عالم الحيوان" (2).
وانطلاقاً من تأليه الاقتصاد على هذا النحو، وانطلاقاً من اعتبار تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، ومن الانتكاس بالإنسان--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (160).
(2) نفس المصدر السابق: (162).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
وجعل معدته هي العليا وروحه وعقله السفلي - جاء التفسير الاقتصادي للتاريخ، وهو تفسير يقوم على مبادئ نظرية أهمها:
1 - حتمية الصراع بين المتناقضات: وذلك يعني بالنسبة للمجتمع البشري الصراع بين الطبقات، وبين المصالح المادية المتعارضة، وهو صراع حامٍ لا يهدأ على الإطلاق، وسببه الوحيد البحث عن الطعام وامتلاك وسائل الإنتاج، وقد آمن فلاسفة الشيوعية بحتمية الصراع هذه تطبيقاً للفلسفة الجدلية المثالية لهيجل على الواقع المادي.
وملخص هذه الفلسفة أن كل شيء يحمل معه نقيضه المضاد له، وبالصراع بين النقيضين يتولد جامع بينهما أقوى منهما، ثم لا يلبث هذا الجامع أن يدخل -بعد أن يصبح قوة ثالثة- في صراع مع نقيضه الذي يحمله معه، وهكذا دواليك.
2 - في أثناء البحث عن الطعام: على مدار التاريخ، انقسم تاريخ البشرية خمس مراحل كبرى اقتبستها الشيوعية من موريس مورجان وهي:
1 - الشيوعية الأولى البدائية.
2 - الرق (العبودية).
3 - الإقطاع.
4 - الرأسمالية.
5 - الشيوعية الثانية والأخيرة (1).--------------------------------------------
(1) انظر: تطور المجتمع عبر التاريخ سيغال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
3 - الانتقال من مرحلة إلى أخرى سببه الدائم اكتشاف مادي، نشأ عن تحول جديد في وسائل الإنتاج؛ فاكتشاف الزراعة -مثلاً- نقل البشرية من المرحلة الأولى إلى مرحلة الرق، واكتشاف المحراث نقل المجتمع البشري من الرق إلى الإقطاع، واكتشاف الآلة كان الناقل من الإقطاع إلى الرأسمالية.
4 - الانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتمي لا إرادة لإنسان فيه: إن المبادئ الثلاثة السابقة نظرية بحتة، أما هذا المبدأ وما بعده فتطبيقية، ومن هنا كان اهتمام الشيوعية بهما ودفاعها عنهما.
وهذا المبدأ (الحتمية) شرحه إنجلز في كتاب لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، (1).
وذكر كيف أن الشيوعية تعمدت معاكسة هيجل في دعوى أن أفكار الناس هي التي تنشئ واقعهم -أي: أن الإرادة البشرية هي التي تغير الواقع الحيوي- وأوضح إنجلز أن سبب القطيعة بينهم وبين هيجل والمثاليين هي ما أسماه الثلاثة الاكتشافات عن الطبيعة:
1 - اكتشاف الخلية كوحدة تتطور بدءاً منها العضوية النباتية والحيوانية كلها عن طريق التكاثر والتباين.
2 - اكتشاف تحول الطاقة، الذي بين لنا أن كل ما يسمى بالقوى الفاعلة بالدرجة الأولى في الطبيعة غير العضوية، إنما هي جميعاً تجليات مختلفة للحركة--------------------------------------------
(1) لودفيغ فيورباخ: مادي ألماني معارض لهيجل وماركس، لكن الماركسية بنت فلسفتها على كتبه، انظر كتاب: مبادئ فلسفة المستقبل ترجمة إلياس مرقص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
الشاملة المتنقلة من الواحدة إلى الأخرى وفق بعض النسب الكمية.
3 - البرهنة الإجمالية التي تحققت للمرة الأولى على يد داروين، والقائلة: إن جميع العضويات الطبيعية المحيطة بنا الآن -ومنها الناس- إنما هي نتاج عملية تطور طويلة (1).
وواضح أن الجبرية الشيوعية منقولة بحذافيرها عن الداروينية كما أسلفنا فالإنسان -في الداروينية- خضع دون وعي منه ولا إرادة لعملية التطور البطيئة الطويلة التي قذفت به إلى وضعه الراهن دون أن يكون له يد في ذلك (2).
5 - الانتقال من مرحلة إلى مرحلة يصحبه تغير حتمي في الأفكار والمعتقدات والسلوك:
هذا المبدأ من أخطر المبادئ الفلسفية الشيوعية، وهو مبني أساساً على فكرة التطور المطلق التي أوحت بها الداروينية كما سبق، وتطبيقاً لهذا المبدأ ترى الشيوعية أن لكل طور تاريخي دينه وأخلاقه وتقاليده وعلاقاته المنبثقة من وضعه الاقتصادي، فإذا ما انتقل إلى طور آخر تغير كل ذلك تغيراً حتمياً تبعاً لتغير الطور الاقتصادي (3).
يقول إنجلز: "منذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة--------------------------------------------
(1) نصوص من إنجلز: (82 - 83).
(2) راجع الباب الثاني: فصل نظرية التطور: آثار الداروينية (ص:197).
(3) انظر فصل علمانية الاجتماع والأخلاق الآتي (ص:384) فصاعداً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
كان لابد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق! فهل يعني أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية؟ كلا، أبداً، ففي مجتمع أزيلت منه دوافع السرقة حيث السرقات، وبالتالي لا يمكن أن يرتكبها مع مرور الزمن غير مجانين، كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود أن يعلن على رءوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق".
ولهذا فإننا نرفض بكل اطمئنان بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون سرمدي نهائي لا يتزعزع بعد اليوم؛ بذريعة أن لعالم الأخلاق هو أيضاً مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ والفوارق القومية.
فنحن نؤكد -بالعكس- أن كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها، كما أن المجتمع قد تطور -حتى اليوم- ضمن تعارضات طبقية فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقاً طبقية: إما أنها كانت تبرر سيطرة ومصالح الطبقة السائدة، وإما أنها كانت منذ أن تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة، تمثل الثورة على هذه السيطرة ومصالح المستقبل للمضطهدين (1).
ويقول ماركس:
(ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية ولدى تحقيقنا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم، وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم؛ فإنهم يغيرون كل--------------------------------------------
(1) نصوص من إنجلز: (160).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
العلاقات الاجتماعية (1).
وبناء على ذلك يعتقد الشيوعيون أن هناك أخلاقاً وتقاليد زراعية إقطاعية، وأخرى برجوازية، وثالثة شيوعية، تختلف كل منها عن الأخرى، وأن الدين وليد البيئة الزراعية وجزء من غيبيتها، كما أن الإلحاد هو سمة البيئة الصناعية وعقيدتها، ومثل الدين الأسرة والعرض بصفة خاصة، وليس أكثر رجعية من إنسان يعيش في المجتمع الصناعي بدين وأخلاق المجتمع الزراعي، فمثل هذا الإنسان جدير بأن تلصق به الشيوعية أقذع النعوت وأمَر الهجاء، بل ستسحقه الحتمية القاهرة).
هذا على الصعيد الفلسفي، أما على الصعيد التطبيقي، فإن الشيوعية تحصر الشرور كلها - منذ بدء الخليقة إلى الآن - في علة واحدة هي الملكية الفردية، ولذلك فإنهم يؤمنون إيماناً أعمى بأن القضاء على الملكية الفردية، وقبض الدولة على وسائل الإنتاج كفيل بتحقيق الجنة الأرضية، وإزالة كل الشرور والمساوئ التي يعج بها التاريخ، ولا تستثني الشيوعية من ذلك شيئاً حتى المرأة فإن الشيوعية الجنسية والإباحية المطلقة هدف صريح من أهداف الثورات الشيوعية في كل مكان، فالزواج ينتج الأسرة، والأسرة في نظرهم أعدى أعداء المجتمع اللاطبقي، لأنها تحتم على المرء أن يتملك ويدخر، والملكية الفردية تقليد إقطاعي استغلالي، إن لم يتم القضاء عليه انتكس المجتمع إلى طور تاريخي أدنى!
خاتمة حول وضع الدين في المجتمع الشيوعي:
أصبح جلياً بعد العرض الموجز للمذهب الشيوعي أن نعرف موقف الشيوعية من الدين بوضوح:--------------------------------------------
(1) بؤس الفلسفة: (112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
فهي مبدأ ينكر - دون تحفظ - أن يكون لهذا الكون إله، وعبارة (لا إله والحياة مادة) ليست شعاراً مجرداً، بل مادة دستورية في قانون الاتحاد السوفيتي.
والدين في نظرها أوهام وخيالات انعكست عن الوضع الاقتصادي، أو وضعها المحتكرون من الطبقات العليا ليخدروا الكادحين المنكوبين، فيستأثروا بكل شئ في الدنيا، ويعدوهم بالعوض في الآخرة، ومن هنا وجبت عليهم محاربته والنضال في سبيل القضاء عليه لتحرير المجتمع من الاستغلال والتحكم الطبقي!
ثم هو فوق ذلك ليس أمراً فطرياً في الإنسان منذ وجد وإلى أن تنتهي الدنيا، بل هو أمر عرضي في التاريخ جاء لتلبية رغبة فئة من الناس في مرحلة من مراحل التطور التاريخي للبشرية، وهي مرحلة جاوزتها البشرية ابتداءً من اكتشاف الآلة، فمحاولة التمسك به بعد ذلك انتكاس وعبث يثير الازدراء والاشمئزاز.
أما الأسرة والزواج والأخلاق والفضيلة … فهي كلها هراء برجوازي! كما أن الحق والعدل الأبديين كلام فارغ، ولا وجود لشيء من ذلك إلا في مخيلة المثاليين وأوهامهم.
والدول الشيوعية تتبنى رسمياً محاربة الدين، وتدرس الإلحاد والمادية كما يدرس المؤمنون دينهم، وتبذل كل وسائل التنفير الدعائي والاضطهاد المباشر لاستئصال جذور الدين من مجتمعاتها، واجتثاث ما بقى لديها من رواسب الخلق والفضيلة.
ويرى الشيوعيون أن الإنسان الذي يسهم في هدم الأوهام الإقطاعية، ويبث الوعي الإلحادي في صفوف الطبقة الكادحة هو إنسان مناضل شريف، يعمل لتطوير بلاده وتنوير شعبها، وعلى العكس من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
ذلك أي داعية أخلاقي أو مصلح اجتماعي فهو حجر عثرة في سبيل الرقي وأداة للإمبريالية العالمية، وعميل للبرجوازيين والرجعيين، بل إن كل من يخالف سياسة الحزب الشيوعي ولو مخالفة سلبية بطريقة الصمت هو عدو للطبقة الكادحة وعميل للقوى الاستغلالية؛ فإذا شم من صمته رائحة الإيمان بدين ما فقد عرض نفسه لعقوبة أدناها العمل سخرة في المعسكرات التأديبية مدة كافية لإذابة كل الأفكار الرجعية من دماغه.
والنظرية الشيوعية دين رسمي متعصب لا يقبل الجدل ولا يسمح بالمنافسة، وكل شئ في الدولة الشيوعية لابد أن ينبثق من العقيدة الماركسية ويتمشى معها، فالعلم يجب تسخيره لتثبيت الفكر المادي والمناداة بأزلية الكون ومادية الحياة، والأدب والفن لابد أن يلتزما بما سمي الواقعية الاشتراكية، ووسائل الإعلام شغلها الشاغل تمجيد النظرية وإطراء النظام والإطناب في شرح إنجازات الثورة والتشهير بمخالفيها.
وهكذا في كل شئ تريد الشيوعية أن تفرض نفسها عقيدة ونظام حياة ومصدر تشريع وأساس علم وفكر وفن وأدب، فهي فكرة جاهلية متكاملة تقابل تماماً الدين بمفهومه الحقيقي الشامل، وتريد أن تحل محل العقيدة الدينية في مجالات الحياة ونشاطاتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
ثالثاً: الواقع المعاصر للجاهلية الحديثة:
كفرت أوروبا بالله وعبدت المادة، وألقت بالزهد المسيحي، وامنت بالشره اليهودي، ورفضت أن تخضع نظمها الاقتصادية لله في أية صورة من الصور، ورضيت بعبادة فلاسفة الاقتصاد، والحكم بماتمليه أهواؤهم، فكان لزاماً عليها أن تدفع ضريبة ذلك من أمنها وطمأنينتها، وأن تنتكس إلى مستوى الحياة البهيمية، وأن يذيقها جلادوها أقسى أنواع النكال وأفظع صنوف التعذيب.
وما الأمراض المجتمعة المزمنة، والتهالك الأحمق على المادة، والضياع المرعب، والقلق الذي يخيم على الوجوه، إلا أعراض طبيعية لعبادة غير الله والحكم بغير ما أنزل الله؛ لا سيما عبادة المادة وطواغيتها، حيث نسي الإنسان وأظلم قلبه وتبلد إحساسه لحساب المعدة والجسد، وغرق في المتاع الحسي حتى غفل عن حكمة خلقه وسر وجوده ومصيره المحتوم في الدار الآخرة.
يقول الأستاذ محمد أسد: "إن الأوروبي العادي سواء عليه أكان ديمقراطياً أم فاشياً رأسمالياً أم بلشفياً صانعاً أم مفكراً يعرف ديناً إيجابياً واحداً هو التعبد للرقي المادي، أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر أو كما يقول التعبير الدارج: طليقة من ظلم الطبيعة، إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء، وأمَّا كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران، وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة، وذلك بخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضاً حينما تتصادم مصالحها المتقابلة".
أما على الجانب الثقافي، فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية، ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي (1).
1 - في الغرب الرأسمالي:
إن كثيراً من المفكرين في الغرب قد راعهم التناحر المادي وسيطرة الآلة على الإنسان، وكان ذلك موضوع جزع شديد عند بعض الأكابر من رجال الفكر، فجورج برنانوس مثلاً يرى في طغيان ذلك العملاق الميكانيكي الرهيب مؤامرة كونية كبرى على كل حياة داخلية، ثم هذا جول رومان يهوله التباين الشاسع بين ارتفاع منحنى التكنيك، وانخفاض منحنى المؤسسات الاجتماعية مع بقاء الطبيعة البشرية دون هذا وذاك ثابتة على خط بياني واحد، فيبقى واجماً مكفهر الوجه، منقبض النفس أمام معضلة المنحنيات الثلاثة، وآلبر كامو يتحيف به اليأس عندما يدرك ما استولى علينا من كابوس الخوف--------------------------------------------
(1) الإسلام على مفترق طرق: (47 - 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
والهلع، مرده أننا نعيش في عالم لا ينفع فيه الإقناع تجاه أناس وثقوا وثوقاً أعمى بآلاتهم وبآرائهم.
وعبر بعضهم على ذلك قائلاً: "ألا ترون إلى النظام الصناعي الحاضر كيف جعل من سواد الكادحين سوائم تسير بفعل الغريزة العمياء بدلاً من أن تكون أناسي من آدم كرمها الله باستعمال الذكاء … ناس كأنعام أصبحوا عبيداً للآلات!؟ " (1).
ويقول الفيلسوف جود: "إذا لم نكن على يقين في شأن من الشئون؛ فإن مذهب الاستمتاع بالحاضر واليقين بزوال الحياة بعده مذهب تتمسك به الأجيال المعاصرة أي تمسك، وهو يرسم لها طريقاً عملياً محدداً في العيش والحياة، ومهما يعني هذا الاتجاه للحكيم المجرب، فإنه يستتبع بالنسبة لشباب هذا العصر الاستخفاف بالنواحي والقيود التي كانت محور الأخلاق ومدارها والخلاص منها في القرن التاسع عشر، وكذلك فقدت النواهي الأخلاقية التقليدية قوتها المألوفة بعد أن زال سندها من سلطان مافوق الطبيعة، وقد كنا نسمع أننا ينبغي لنا عمل الخير لأن الخير يرضى عنه الله، والله تعالى يحب أن يرى عبده صالحاً علىخط من القناعة والاعتدال في حياته، ومادامت ممارسة الفضيلة مقصوداً منها كسب رضى الله، فإن المرء يحار هل الدافع إليها الظفر بنعيم الجنة أو إنه الرغبة في الخلاص من الجحيم المقيم، ولم يعد للطمع بثواب النعيم في الآخرة أو الوعيد بعقابها تلك القوة التي كانت لها قبلاً، فكثير من الناس يستخفون بذلك، وما داموا لا يطمعون--------------------------------------------
(1) محاضرات الموسم الثقافي بالكويت: (3/ 32 - 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)