Arabic source text

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

📘 العلمانية - نشأتها وتطورها (سفر الحوالي)

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
غرائز الأمومة وعواطفها الأنثوية مقهورة مكبوتة، أما الأطفال فالمحاضن التي تقيمها لهم الدولة أكثر منها في الغرب، كما أنها أردأ منها في أساليب التربية ووسائل المعيشة، وهذا يضاعف البلاء الاجتماعي ويزيد المجتمع انحداراً إلى الهاوية.
وذلك الوضع لا تدعو إليه الظروف الاجتماعية فحسب، بل هو جزء من الفلسفة الشيوعية، فقد ذكر إنجلز أن من التدابير التي يجب على البروليتاريا أن تتخذها تربية جميع الأولاد منذ أن يصبحوا قادرين على الاستغناء عن عناية الأمهات في مؤسسات عامة تابعة للدولة وعلى حساب الأمة … ، والحق المتساوي في الإرث للأولاد الشرعيين وغير الشرعيين (1).
وصفوة القول أن المجتمع الشيوعي هو أحط المجتمعات البشرية المعاصرة سواء من الناحية الأخلاقية أومن ناحية الطمأنينة النفسية والسعادة الاجتماعية، فهو مجتمع منحل مذعور يخيم عليه كابوس شقاء مطبق إلى حد أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر في أمل حقيقي للخلاص.
وهذا التفسخ الفظيع والشقاء المريع الذي تعاني منه أوروبا اللادينية بشقيها الرأسمالي والشيوعي، هو النتيجة الطبيعية والعقوبة العاجلة لكفرها بالله وتنكرها لدينه والاحتكام إلى أهواء البشر وتخرصات المضللين، وإنه لمن سنن الله في خلقه أنه إن لم تعد إلى الله وتتمسك بهداه، فإن المستقبل سيكون أمر وأنكى.--------------------------------------------
(1) نصوص من إنجلز: (48).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)

-‌‌ الفصل الخامس: علمانية الأدب والفن:
‌‌توطئة:
الأدب -ومثله الفن -مجال رحب وميدان فسيح تنوء به الدراسات المتخصصة المستفيضة، فضلاً عن البحوث المنهجية الدراسية، والأدب الأوروبي -خاصة- له قصته الطويلة وتاريخه السحيق، فوق أن معظم قضاياه كانت وستظل مثار نزاع، ومدار جدل شديد بين الباحثين والنقاد، وتلعب الاتجاهات السياسية والخلافات القومية والمذهبية دورها في ذلك.
وإذا وافقنا الرأي القائل بأن الأدب هو (صورة الحياة وانعكاسها الواضح)، فما بالك بصورة حياة كحياة أوروبا حائرة مضطربة متهافتة متناقضة؟!!
وهذه الأمور وغيرها - مما لا يخفى على المطلعين - تجعل البحث في هذا المجال محفوفاً بالمتاعب، وتستنفد جهد الباحث دون أن يستطيع أن يخرج بخلاصة متناسقة، تعبر على الأقل عن مدى جهده، إن لم تعط الصورة المطلوبة للموضوع.
ومن الجلي أننا لا نبحث في الأدب من حيث هو أدب، وإنما ننظر إليه من خلال المنظار العام للموضوع، أي: من جهة علاقته بالدين، كما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)

أننا مقيدون بالحجم الذي لا ينبغي أن يتجاوزه هذا الجانب من جوانب الحياة البشرية.
ومراعاة ذلك تستدعي عرض الموضوع، وصياغته ضمن منهج خاص يتميز بأمور:
1 - التركيز على ماله صلة قوية بموضوع بحثنا، وعرضه بما يتناسب مع مقتضى الحال حجماً وأسلوباً.
2 - البعد -ما أمكن - على الخلافات حول المذاهب الأدبية، وتصنيف المدارس والانتماءات وتقويم المواد والشخصيات.
3 - البعد عن الغموض الذي يكتنف الدراسات العصرية، والذي سيظهر طرف منه - رغم إرادتنا - عند الحديث عن مدارس الضياع.
وهذا وسنراعي كالعادة - التسلسل التاريخي في عرض المعالم الكبرى لعملية التحول إلى العلمانية التي بلغت ذروتها في الأدب والفن المعاصرين.

‌‌أولاً: عصر النهضة الأوروبية .. الكلاسيكية الجديدة:
يقترن مسمى عصر النهضة الأوروبية بالحركة التي نشأت في إيطاليا -المركز الحضاري الإسلامي الثاني في أوروبا- واستهدفت بعث الآداب الإغريقية القديمة التي أطلق عليها اسم الآداب الإنسانية، (1) تمييزاً لها عن كتابات رجال الكنيسة اللاهوتية!--------------------------------------------
(1) من العجيب أن تستورد الجامعات في العالم الإسلامي هذه التسمية دون وعي مع العلم بأن الإسلام ليس فيه ذلك التناقض بين ما هو إلهي وما هو إنساني في هذا المجال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)

لقد فوجئت أوروبا الغارقة في سبات القرون المظلمة بنور الحضارة الإسلامية، فانبهرت به وأحست بواقعها المرير تحت ضغط الكنيسة التي جثمت على فكرها وشعورها وسلوكها، وأفقدتها الإحساس بإنسانيتها.
وهذه اليقظة المفاجئة أوقعت النفسية الأوروبية في مأزق حرج، إذ تصادم في داخلها دافع ومانع قويان: الأول دافع الاستمتاع بنور الإسلام والدخول في فردوس حضارته حيث التوازن الفريد بين الدنيا والآخرة، وبين الروح والجسد، ففي ظله تنطلق إنسانيتهم لتعبر عن ذاتها بعيداً عن أغلال الرهبانية وشطط الكنيسة.
والآخر مانع التعصب المقيت والعداوة الحاقدة للإسلام وحضارته تلك التي عمقتها الحروب الصليبية، وبلغت أقصى مداها في المد الإسلامي الذي قام به المجاهدون الأتراك.
وكان المانع أقوى من الدافع فخرجت أوروبا من ذلك التناقض النفسي بالبحث عن وسيلة تتيح لها الخلاص من براثن السلطة الكهنوتية الطاغية دون أن تتخلى عن تعصبها وعداوتها للإسلام وأهله، ولم تكن تلك الوسيلة سوى عملية اجترار الماضي ببعث تراثها الوثني الإغريقي والالتصاق به لاسيما جوانبه الشهوانية البهيمية!
وهذا الاتجاه -بطبيعة الحال- أزعج الكنيسة، وإن كان أفضل لديها بكثير من احتمال إقبال أتباعها على الإسلام، وحاولت جهدها أن تسير الموجة لصالحها، وتسيطر على الوضع بحيث تبقى عقائدها وتصوراتها تصبغ الأدب وتوجهه، وتظل بصماتها بارزة في فنه المنحوت والمرسوم.
ولكن عوامل التحرر والانطلاق كانت أقوى من حواجزها، واستطاع عصر النهضة أن يخطو خطوات كبيرة وجريئة للوصول إلى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)

علمانية كاملة للأدب والفن، عليها قام الأدب العلماني الحديث وارتكز.
ونستطيع أن نستعرض بعض ملامح الأدب والفن في ذلك العصر معتمدين على بحوث وتحليلات بعض المفكرين الأوروبيين، فنجد أن أبرزها ما يلي:
1 - بعث التراث الوثني الإغريقي: هذه هي الخطوة الأولى نحو الانفلات من سلطة الكنيسة، والانقضاض على فكر وتقاليد القرون الوسطى، فعن طريق إحياء الآداب الإغريقية استطاع أدباء وفنانو النهضة النفاذ إلى عالم آخر خارج من مألوف عصرهم ولا أثر فيه لشيء من اللاهوتيات، لقد نفذوا أول الأمر من كوة صغيرة، لكنها ظلت تتسع حتى انتقض بناء الكنيسة والتقاليد من أساسه، وطلعوا على الفكر الأوروبى بمفهومات جديدة ومعايير مغايرة سبقوا بها النهضة الفكرية العقلانية، وذلك ما يعده الفكر الحديث أعظم مآثر النهضة.
يقول برنتن:
إنه طالما كانت العصور الوسطى في الواقع عصوراً دينية، وطالماً أن عصر النهضة يعنى على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزندقة، فإن فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة، أما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية، وهذه هي حقيقة الأمر، وكان النحاتون والرسامون في ذروة عصر النهضة يقلدون العري الكلاسيكى كما يقلدون كل شيء كلاسيكي آخر، فالفنان بدأ يقود شيئاً يشبه نوع الحياة وحشياً فاحشاً مجازفاً، ولكنه عظيم الأهمية، ومن المفروض أنه لا يزال يقوده.
لقد كان فنانو عصر النهضة الذين كرسوا جل حياتهم الفنية لغرض جعل المعتقدات المسيحية واضحة تبدو في أجمل مظاهرها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)

للعيان يستمرون في القيام بالأعمال التي ورثوها عن الرواد السابقين للعصور الوسطى، هذا وقد تحول الفن في العصور الحديثة إلى فن علماني تقريباً، حتى أن الفن الديني كاد يختفي أو بالأحرى أصبح في الدرجة الثانية استنتاجياً وتقليدياً.
إن الكتاب الخياليين هم الفنانون القريبون من قلب الوضع الإنسانى نحو الحياة، إن بترارك ورابله وشكسبير وسرفانتس والرسامين والنحاتين والموسيقيين الذين لا نزال نعلم أسماءهم هم نوع من الرجال الذين ينشدون طريقاً وسطاً بين المسيحية التقليدية كما خلفتها العصور الوسطى، وبين العلمانية الحديثة التي يبدو أنها تقلع جذور السحر والسر من الكون!!
كان هؤلاء الفنانون في تمرد مدرك كثيراً ضد التقليد المسيحي خلال العصور الوسطى، لقد أنكروا مستنداً، وبات عليهم - وهذا أكثر أهمية - أن يبحثوا بل يقيموا مستنداً آخر، فقبول هؤلاء العلماء المجرد لأي شيء كتبه قدماء اليونانيين والرومانيين لم يكتف به رجال الفكر، وككل شخص ألمَّ بكل ما له علاقة بالعقل عاد هؤلاء الفنانون إلى اليونانيين والرومانيين، وكانوا بذلك كالمهندسين المعماريين حيث أعادوا تجديد موادهم (1).
2 - الاهتمام بالحياة الدنيا والوجود الإنسانى فيها: وذلك الاهتمام نشأ رد فعل لتركيز الكنيسة على عالم الآخرة وحصر كل النشاط الفكري والفني لاتباعها في مجال الحديث عن الثالوث والقديسين والملائكة والمعجزات، وكبت المشاعر والأحاسيس الإنسانية أياً كانت ما لم تكن في حدود دائرتها اللاهوتية، ومن هنا أطلق على الحركة بكاملها وصف الإنسانية.
وقد قام دانتي (ت:1321م) في هذا المجال بمثل ما قام به--------------------------------------------
(1) منشأ الفكر الحديث: (27، 28، 33).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)

مكيافيللي في مجال السياسة، فقد خرج على الكنيسة خروجاً صريحاً، وناقض تقاليدها ومقاييسها، وابتداءً منه أخذ الأدب الأوربي يحل الإنسان شيئاً فشيئاً محل الإله، فالاهتمام بالإنسان الذي نبه إليه دانتي ومعاصروه كان المنطلق لمحاولة تأليه الإنسان وتصويره على أنه إله حقيقي، وهي المحاولة التي بدأت في القرن التاسع عشر، واكتملت على يد سارتر وأشياعه في هذا القرن مروراً بتأليه الطبيعة الذي دعا إليه عصر التنوير، يقول داونز:
((يقف دانتي كما وقف صديقه ومعاصره المصور الرسام جيوتو على رأس حقبة جديدة في تطور الفكر البشري، ولما كان كلاهما فناناً عظيماً فإنهما عبرا أصدق تعبير عن ذلك الشيء الجديد الذي ربما كان يجيش في صدور الكثير من معاصريهم، ولكنهم لم يستطيعوا الإفصاح عنه كما أفصحا.
وهذا الشيء الجديد هو الإنسانية، هو الاهتمام بشئون الإنسان في الحياة الدنيا، ونستطيع أن نتفهم خطورة هذا الجديد الذي يزاحم القديم إذا قارناه بالعقائد المسيطرة على أذهان الناس في ذلك العصر عن الحياة والكون، ومؤداها أن الحياة الدنيا ليست إلا تمهيداً لاستقبال الحياة الأخرى، وقد هيمن هذا الاعتقاد على الناس في القرون الوسطى جيلاً بعد جيل تحت سطوة الكنيسة وسيطرتها العاتية على جميع نواحي النشاط الإنساني، وجميع المؤسسات الاجتماعية، بينما كان علم العلماء كله يدور حول المبادئ الدينية والعقائد الكنسية)).
((ثم جاء عقب ذلك عصر الاستنارة، وهو أول تبدل جديد طرأ على الناس في نظرتهم للحياة، فاتجهوا إلى أحضان الطبيعة يسوحون منها أسرار الكون ووضعوا ثقتهم المطلقة في مقدرة العقل الإنساني)).
((وقد نادى بهذا نفر من عباقرة ذلك العصر، … كان مجالهم الفكري

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)

في ناحية الاهتمام بشئون الإنسان في هذه الدنيا وترك الاهتمام بشئون الآخرة)).
وأما جيوتو فكان فنان هذه النهضة كما كان دانتي شاعرها، فقد أخذ جيوتو يرسم على جدران كنائس مدينة (أسيزي) صوراً وأقاصيص لحياة القديس فرانسيس عرض بها رسوماً من الناس، والطبيعة والطير والحيوان والزهور من واقع الحقيقة والمشاهدة، وهو حدث جديد في الفن وخروج عن التقليد القديم في تصوير العذراء والطفل وتصوير القديسين.
((إن ملحمة الكوميديا (1) كانت حدثاً جديداً في الأدب، حدثاً ضخماً لم يسبق له مثيل، فليس إذن من العجب أن يدعوها الناس بلقب الإلهية، لأنهم شعروا عند ظهورها أن أدبا أوروبياً جديداً قد انبثق فجره)).
((إن الناس كانوا يعتقدون ما علمتهم الكنيسة إياه من أن كل إنسان يكفر بالمسيحية جزاؤه جهنم، وأما من يؤمن بها فمآله إلى الجنة، وجاء دانتي فخرج على تلك العقيدة القديمة، وأقام موازين جديدة للعقاب والثواب على أساس من الأخلاق، وعندما ننظر اليوم إلى الوراء نجد شاعراً يوزع بالقسطاس العقاب والثواب بدلاً من أن يوزعها البابا، فإننا لا نرى في عمله شيئا خارقاً غير أنه بالقياس إلى عصره كان لا شك انقلاباً خطيراً)).
((وقد صدق الشاعر بوب عندما عبر عن فلسفة القرن التالي (18) بقوله: "إن خير دراسة يقوم بها البشر هي دراستهم للإنسان" وقد كان شكسبير قبله خير من قام بهذه الدراسة، والحق أن شكسبير--------------------------------------------
(1) أثبت كثير من الباحثين أن هذه الملحمة مقتبسة عن رسالة الغفران للمعري، انظر مثلاً مقال الدكتورة: عائشة عبد الرحمن بسلسلة تراث الإنسانية: (2/ 424).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)

يمثل أرقى ما بلغت إليه حركة النهضة الأوروبية بأجمعها، وهي في لبابها تتلخص في اكتشاف الجنس البشري لقيمته، وأهميته التي كانت قد ضاعت على مر العصور)) (1).
وجدير بالذكر أن دانتي في ملحمته قد أدخل البابوات كلهم قاع جهنم إلا باباً واحداً أدخله الجنة، ودلالة ذلك لا تخفى، (2)
3 - العودة إلى الإباحية الرومانية: رد فعل للرهبانية والتزمُّت المغالي اللذين كانا يسيطران على الحياة الاجتماعية الأوروبية في ظل الكنيسة قام رواد النهضة بتجديد شباب الكلاسيكية، وبعث المذهب الأبيقوري في التمتع بضروب الملذات والانغماس في الشهوات الجسدية، ومن هنا أهمل أولئك أو كادوا جانب الآلهة وأساطيرها وصراعها من التراث الكلاسيكي الإغريقي والروماني، وانصب اهتمامهم على الجانب الإباحي، فليس مرد ذلك إلى قوة إيمانهم بالعقيدة المسيحية بقدر ما كان الرغبة في إشباع نزواتهم المكبوتة وميولهم العاطفية قبل أي شيء آخر.
وهكذا كان عصر النهضة يتسم بطابع كلاسيكي خاص، يقدس الجسد ويعبد اللذة في وقت لا تزال الرهبانية فيه هي المثل الأعلى، ووجه زعماء ذلك العصر أنظار الناس إلى مثالب الرهبانية بحجة منافاتها للإنسانية، وهو الوصف الذي كانوا يتسترون به.
يقول مؤلف تكوين العقل الحديث: "الحقيقة أن هذا الاهتمام بالإنسانية عاش بصورة قوية واضحاً منذ العصور التي سبقت غزوة المسيحية للبرابرة، فالحياة التي صورها--------------------------------------------
(1) كتب غيرت وجه العالم: مقتطفات: من (362 - 368).
(2) انظر تاريخ أوروبا في العصور الوسطى: فيشر: (2/ 277).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)

هوميروس في الملاحم الوثنية تعكس لنا الوجود الإنساني … ، وجل ما استطاع التقليد المسيحى هو أن يشوه سمعتها، وقد انتشر خلال القسم المتأخر من القرون الوسطى تيار من الأغانى المبتذلة تمجد التمتع الصريح بالحياة وملذاتها، وكانت هذه الأغاني كثيرة التحرر مفرطة في وصف النواحي الحيوانية".
((على النحو التالي:
نحن في تجوالنا مغتبطون مشرقون …
نأكل حتى الشبع، نشرب حتى الثمالة …
نمرح إلى الأبد، ننهل من الجحيم …
تلتصق صدور بعضنا ببعضنا … )).
وحالما نشأ أدب علماني عامي فقد صدر نفس التمتع الوثني بخيرات الحياة الرفيع منها والوضيع، فالشعراء المغنون التروبادور حولوا الفروسية المسيحية إلى تمجيد للحب الإنساني، ومن الجدير بالملاحظة أن أكثر هذه القصائد صراحة وواقعية نشأت من الثقافة البرجوازية في المدن، فالأقاصيص الفرنسية البذيئة وصفت بصورة حاذقة التمتع بضروب الحياة كما كان يحصل في الواقع، وتميزت بشغف خاص بسرد قصص الماكرين الأوغاد ومثالب الكهنة، كما نجد ذلك في قصائد شوسر، ومعرض صور الأوغاد التي رسمها بوكاشيو.
((والحقيقة أنه ابتداءً من القرن الثاني عشر فما بعده زاد احتدام هذا الموقف وهذه الاهتمامات، ويتحدث الفن عن نفس القصة التي يتحدث عنها الأدب، فالعذراوات والقديسون والأقدمون، يتحولون إلى رسوم واقعية، وتنقلب صور العذراء التقليدية البيزنطية إلى فتيات قرويات إيطاليات.
ولكن أهم ما أخذ العلماء الإنسانيون عن الإغريق كان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)

التمتع السعيد الطبيعي السليم بخيرات الحياة في حضارة رفيعة.
ووجدوا هنا أن اللذات غير الضارة والميول الطبيعية تعتبر الوسائل التي بواسطتها ينظم العقل حياة صالحة، وأنها ليست من الشيطان، فلا داعي إذن إلى اعتبارها ذنباً إما أن يقهر بعون إلهي أو ينهل منه في خجل وشعور بالعار … )).
((أدى كل هذا بالطبع إلى ثورة على الأخلاق المسيحية، فبدلاً من المحبة حل الفرح باستعمال الإنسان للقوى التي وهبه الله إياها، وحلت الحرية والمسئولية بتوجيه العقل محل الخضوع لإرادة الله، وأخذ البحث الفكري الجريء يحتل بالتدريج مكان الإيمان.
وانفجرت العاصفة بكامل عنفها على رأس الراهب، ذلك أن فشل الراهب في تحقيق الطهارة التي بشر بها جعلت أدب القرون الوسطى منذ ولادته يعطي لزلات الراهب صورة أكثر بشاعة، وصورته بأنه أكثر حيوانية من سواه، وجاء أحذق الإيطاليين وأجرؤهم إطلاقاً لورنزفالا … ، فأنكر في كتابه حياة الرهبانية كل قيمة للتقشف والقداسة وذهب أبعد من ذلك في رسالته عن اللذة التي يتفق فيها مع المذهب الأبيقوري، فأعلن أن المرأة المتزوجة بل المستهترة أيضا هي أفضل من الراهبة، لأنها تسعد الرجل أما الراهبة فهى تعيش في تبتل لا فائدة منه، وينعت موت الإنسان في سبيل بلاده أو من أجل أي مثل أعلى بأنه لا يقره العقل)).
((هذا التحول المفاجئ يوحي في بعض الأحيان بالرجوع إلى ما يشبه الوثنية الخالصة، ويمثل الفن الإيطالي أحسن تمثيل المزج الكامل بين المسيحية والوثنية، فلو ألقينا نظرة على بعض الرسوم الشهيرة هل نستطيع التفريق بين الله والملاك والعذراء والصبي وكيوبيد والقديس ..... )).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)

ثار الإيطاليون على الأخلاق المسيحية واستبدلوا بها مجرد التمتع بالملايين من أشكال الجمال، لكن الشعوب الشمالية وجدت في الحياة أكثر من الجمال، وقد مثل هذه الروح فيما كتب رابليه الكبير …
وتتجسم روح ثورة النهضة في مقطع يطلب منا رابليه فيه أن نهرب من أولئك الرعاع ذوي العقول الزائفة الماكرين والقديسين المزورين الوقوري الهيئة المرائين مدعي الإيمان، الإخوان الخشنين الرهبان الذين يلبسون النعال … اهرب من هؤلاء الرجال عليك بكراهيتهم واحتقارهم قدر ما أكرههم أنا، وإنني لأقسم لك أنك إن فعلت فستجد نفسك أفضل حالاً (1).
هكذا كان عصر النهضة ثورة على المسيحية التقليدية وإعلاناً للعودة إلى الوثنية، وهذه وإن كانت في الواقع عملية سلبية إلا أنها خطوة لا بد منها لكل حركة جديدة، فمن الطبيعي أن تنصب أنظار رواد النهضة إلى هدم كيان الواقع الذي خضعت له أوروبا ألف عام قبل أن يفكروا في ماهية الواقع الجديد.

‌‌ثانياً: العصر الحديث:
(أ) الرومانسية:
لسنا في حاجة إلى إعادة القول بأن: حياة أوروبا هي عبارة عن خط بياني متذبذب تحكمه ردود الفعل المتناقضة، فقد أصبح ذلك حقيقة مقررة بعد أن رأينا شواهده في كل مجال، وهنا في مجال الأدب نلمس تلك الحقيقة بوضوح:
فالغبطة الكلاسيكية لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما جرت عليها سنة أوروبا في الارتداد، وإذا كان أعظم ايجابياتها هو الاهتمام--------------------------------------------
(1) مقتطفات من: راندال (2/ 185 - 198).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)

بالإنسانية وإيقاظ العقل الأوروبى المطمور ليأخذ مركز التوجيه في الحياة، فإنه حتى هاتان لم تستقرا دون تطوير أو تغيير.
وكان التطوير من نصيب الأولى، أما الأخرى فكان نصيبها التغيير بل الثورة، ومن هذين انبثق المذهب الجديد الذي عرف بالرومانسية، والذي يقترن تاريخياً بمسمى عصر التنوير.
أولا - تطور النزعة الإنسانية:
لعل أصدق تعبير عن هذا التطور هو ما قاله مؤلفو كتاب ثلاثة قرون من الأدب: "إن القرن الثامن عشر لم يخصص للدين، وإنما خصص للعلم والسياسة، فلم يعد زعماؤه قسساً مسيحيين، بل فلاسفة طبيعيين … ، لقد كان التغير عميقاً، ومن نواحٍ عدة كان القديم والجديد على طرفي نقيض، فالتطلع إلى ما وراء أشياء هذا العالم قد تراجع أمام التطلع إلى أشياء هذا العالم، لقد أصبح القديس الدائر حول محور الله عالماً إنسانياً محوره الإنسان، والحياة التي كانت تسير بهدي الكتاب المقدس، ولم يعد العالم مكاناً حيث العناية الإلهية دائمة الحضور والفعل تضبط وتدير كل ما يحدث حتى التافه منه (!) فلعين العقل صار العالم الآن جزءاً من آلة الكون التي وقد أخذت تدور مرة استمرت في الدوران لنفسها وبنفسها (!) حتى الله ذاته لم يعد شخصياً أباً يحب ويرهب، بل أصبح قوة عاقلة سحيقة البعد لا شخصية، علة أولى أدارت الآلة وتركتها تعمل بنظام كامل وفق نواميس رياضية وفيزيائية، ويسوع ابن الله أصبح يسوع ابن الإنسان (؟!).
(لم يعد موضوع البحث للجنس البشري هو الله، بل الإنسان).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)

(وتحسين حال الإنسان يمكن توقعها، لا عن طريق الدين بقدر ما يمكن توقعها عن طريق العلم والتربية والسياسة التي بها يستطاع إصلاح المجتمع) (1).
وهكذا أصبحت ثورة عصر النهضة المبهمة تملك منهجاً عقلياً ومساراً محدداً، وبذلك تواجهنا صورة وثنية جديدة أكثر وضوحاً.
وهذا هو المميز الأول للرومانسية، وعنه نشأ تأكيدها على سيادة القلب وحياة النفس الداخلية بمعنى حصر كل الاهتمامات في حدود الكائن البشري، بل في أعماق النفس الفردية، وينتقد الرومانسيون الأدب الكلاسيكى بأنه كان الهدف منه تصوير البشر، لا كما هم فعلياً ولكن كما هم مثالياً، (2) مما جعل الأدب تقليداً وليس تعبيراً، ولذلك فقد أهمل الرومانسيون الملاحم وحوروا المسرحيات، ونحوا بالأدب منحىً شخصياً داخلياً، فالكتابة الفنية تأتى في صورة اعترافات أو سيرة ذاتية، والشعر يصبح غنائياً عاطفياً يعبر عن المعاني الوجدانية للبشر، كالعشق والفرح والألم، ويبتغى - بالدرجة الأولى - إثارة السامع وامتاعه.
وكان من أبرز العوامل الاجتماعية المهيأة لذلك: طابع الفروسية التي كانت في ريعان شبابها، إذ احتضنت الرومانسية حتى اندمجت في كيانها، وأصبح الرومانسيون اللسان المعبر عن الحياة الفروسية بخصائصها وفضائلها (3).
وقد أفصح بعض زعماء المذهب عن علاقة رد الفعل القائمة--------------------------------------------
(1) أشرف على الكتاب: فورستر وفوك: (1/ 44 - 45).
(2) المصدر السابق: (1/ 144).
(3) حول تأثر الفروسية بالشعر العربى أنظر مثلاً: عالم العصور الوسطى ج ج كولتون: (96 - 97)، ترجمة جوزيف نسيم. (دار المعارف).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)

بين الاتجاه الرومانسي والمسيحية، فالمسيحية كما عرفوها تكبت الإنسان وتصيبه بالميلانخوليا، ومن ثم فهي مسئولة عما أصاب الإنسانية من الانطواء والكآبة، وقد عزا الناقد الرومانسي الألماني شليجل الكآبة إلى الدين المسيحي الذي جعل الإنسان منفياً يشتاق إلى وطنه البعيد (1)
وانطلاقاً من ذلك وتمشياً مع التركيز على التعبير عن الذات جهد أولئك في أن يحولوا الشوق الصوفي المسيحي الذي كان يتجه إلى الله أو يسوع إلى حب عذري أو إباحي يعبر عنه في أسلوب غنائي، ويتجه إلى الجمال الخارجي للمحبوب الذي كان في الغالب امرأة وأحياناً الطبيعة.
ثانياً: الثورة على العقلانية التي سادت القرنين (17 - 18):
سبق أن عرفنا كيف فاجأ عصر التنوير أوروبا المسيحية بتلك الكلمتين المقدستين لديه (الطبيعة والعقل)، وجعل الأولى رمزاً خفياً للوثنية يحل محل اسم الله في المسيحية، والثانية وسيلة إلى فهم الإله الجديد بدلاً من وسيلة المسيحية الوحي.
ولقد وثق الهاربون من طغيان الكنيسة العلمي في مقدرة العقل وثوقاً أعمى، وكان لكشف كوبرنيكس، وقوانين جاليلو ونيوتن ومبادئ بيكون وديكارت العقلية أعظم الأثر في تمجيد العقل بل عبادته، ولما كان جل همم إغاظة الكنيسة والانتقام من عبوديتها فقد اشتطوا وغلوا في ذلك إلى أبعد الحدود.
لكنهم ما كادوا يلتقطون أنفاسهم وتستقر أعصابهم من مطاردة الكنيسة حتى بدأ بعضهم يبحث عما إذا كان إله العقل جديراً بما أعطي من قيمة وتقديس أم لا؟--------------------------------------------
(1) ثلاثة قرون من الأدب: (1/ 134).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)

وكانت النتيجة مرة، وهي أن العقل عاجز حقاً عن تفسير الطبيعة، وإذ كان كذلك فهو أعجز عن تفسير النفس الإنسانية وفهمها.
وتساءل أولئك: أليس من طريق للثورة على الكنيسة والوصول إلى فهم الطبيعة والإنسانية إلا طريق العقل وحده؟
واستطاعوا أن يكتشفوا طريقاً آخر أرحب من العقلانية بمنطقها الجامد وقوالبها المحددة، وأقوى من العقل اختراقاً للأسرار وتبديداً للغموض، ألا وهي الشعور العاطفي، ذلك الشعور الذي يمتطي آفاق الخيال الواسعة، فيسبر أغوار الذات الإنسانية العميقة، ويستجلي جمال الطبيعة، وهكذا أخذ الرومانسيون يرتفعون رويداً رويداً عن الأرض ويحلقون في الفضاء السحيق، ولكن إلى غير الله ومن غير طريق المسيحية.
كانوا يتحدثون عن الحب، ويبحثون عن الجمال ويفلسفونهما في أساليب ضبابية كثيفة، كما كانوا يتحدثون عن الشياطين والملائكة والسحر والعوالم المجهولة في محاولات دائبة ويائسة لاستكناه أسرار الكون وتحقيق السعادة الداخلية.
وأصبحوا ينقبون عن الحقائق الأبدية لا في الكتاب المقدس ولا في المؤلفات العقلية، ولكن في صفحة الطبيعة الخلابة ومناظرها الحالمة، وكل هذا أفضى بهم بالطبع إلى مثالية مغرقة جوفاء أعظم في بعض جوانبها من تلك التي انتقدوها على الكلاسيكيين.
ونتيجة أخرى مهمة هي أن الرومانسية باعتقادها أن غاية النشوة وقمة السعادة تكمن في أن يطلق الإنسان عنان نفسه لتذوب في حب الطبيعة وتفنى فيها كما يفني الصوفي في معبوده، ولذا أحلت الطبيعة محل الله والشعور محل العقل -بهذا الاعتقاد- تكشفت عن صورة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)

وثنية جديدة (وكل الكلام الجميل المعسول الذي قيل لتبرير هذه الوثنية: أن الطبيعة محراب الله وأن الجمال صورة الله، إننا نعبد الله في خلقه … إلى آخر هذه الجمل الرومانتيكية البراقة، كل هذا الكلام لا يستطيع أن يخفي تلك الروح الوثنية الغارقة في الوثنية التي تعبد المحسوس في حقيقة الأمر، لأنها تعجز عن إدراك الله بالروح، والروح غنية عن المحسوسات) (1)
ولقد عبر روسو -رائد الرومانسية- عن ذلك أوضح تعبير في راهب سافوي الذي هو صورة لذاته، إنه راهب بالفعل، ولكنه يختلف جذرياً عن رهبان الكنيسة، فهو راهب في صومعة الطبيعة يسبح بحمدها ويقدس لها.
وفي كتابات روسو (الاعترافات مثلاً) وقصائد بوب (مقال عن الإنسان) وجوته (فاوست)، وكذلك كيتس ولامارتين وأضرابهم نماذج واضحة للمذهب الرومانسى في أوج مجده.
ولما كان أعظم أثر للرومانسية ينحصر في رد الفعل الذي نجم عنها بولادة الأدب الواقعي اللاديني الحديث، فلن نفيض في الحديث عنها أكثر من هذا.
(ب) الواقعية:
كانت الرومانسية بخيالها الجانح صورة صادقة لعصرها عصر الهروب، الهروب من طغيان الكنيسة، الهروب من نير الإقطاع البغيض، الهروب من تقاليد الماضي المرير، (2) وجاءت الثورتان الفرنسية والصناعية، وجاءت الحروب الدينية والقومية، وتغيرت ملامح الحياة تغيراً بارزاً، فكان لا بد لصورة الحياة الأدبية أن تتغير كذلك.--------------------------------------------
(1) جاهلية القرن العشرين: (226 - 227).
(2) وهى من هذه الناحية واقعية انظر ثلاثة قرون من الأدب وجاهلية القرن العشرين: (221).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)

كانت أوروبا الكلاسيكية والرومانسية قد عادت كما أسلفنا إلى الوثنية، وعبدت الإنسان أو الطبيعة بطريقتها الخاصة، أما الآن فالصورة تتخذ مظهراً أخر فلم ينحصر الاهتمام بالإنسان دون الإله فحسب، بل اقتصر - من الإنسان- على وضعه الدنيوي ومكانته الاجتماعية، على واقعه المعيشي وجزء معين من نزواته ورغباته والظروف المحيطة به التي يتأثر بها سلباً وإيجاباً.
هذا التحول من الإنسانية بمفهومها الكلي عند الكلاسيكيين، ومن الطبيعة والمثالية الفردية عند الرومانسيين إلى الإنسان العادي المشخص سيتخذ سريعاً صورة وثنية جديدة تعبد الإنسان وتحل محله الإله.
وكعادة أوروبا -لا تعرف الطريق السوي ولا الموقف الوسط- سقطت سقوطاً مفاجئاً من الفضاء السحيق إلى الوحل الهابط.
كانت الرومانسية تحاول تصوير أعلى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من القوة والمثالية في مواجهة تحدي الإله أو الطبيعة أو حتى نزواته وأهوائه، فجاءت الواقعية لتصوره في أدنى ما يمكن أن يصل إليه من الهبوط في لحظات الضعف القاتلة.
كان يصارع الأقدار ويحاول إخضاع الطبيعة، فإذا به ينهزم بضعف أمام نزوة عابرة ولذة ساقطة.
لقد أخذ الواقعيون على الرومانسيين مآخذ -ليست بعيدة عن الحقيقة- فهم ينكرون عليهم إهمالهم لشئون الجماهير، وإغفالهم لحقوق الإنسان المهدرة، وسكوتهم عن المظالم التي يعج بها المجتمع في حين كانوا محلقين بأحلامهم بحثاً عن الجمال والروعة والمثالية، جاعلين هدفهم الأسمى الفناء في الطبيعة.
بل قالوا -والتاريخ يسعفهم بشيء من الأدلة- إن الرومانسيين كانوا من الطبقات الأرستقراطية أو من المقربين إليها، وكانوا شعراء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)

البلاطات وندماء الأباطرة، فهم وأدبهم جزء من ذلك الواقع الظالم الذي يجب رفضه إلى الأبد.
وأخذ عليها أنها في كل أعمالها الفنية كانت تقتصر على تصوير الإنسان المثالي واللحظة المثالية والمنظر المثالي، متناسية أن البشر المثاليين هم قلة نادرة في الناس، ومتخلية تماماً عن الإنسان السوي والحياة العادية بكل مشاكلها ومظاهرها إلى آخره، ما أخذوا وما نقدوا، فبالاعتماد على مثل هذه المبررات رفض أولئك الرومانسية وعابوا فنانيها، لكنهم لم يرفضوها -بالطبع- لأنها حركة وثنية متسترة، بل إن المتأمل لا يجد في تلك المبررات العديدة ما يشير إلى ذلك.
ولذلك فبديهي أن ينتقل الفن من انحراف إلى انحراف، ومن وثنية إلى أخرى شاء ذلك الواقعيون أم أبوا، ولعل في تتبعنا لخطوات الواقعية الأولى وملامحها ما يلقي الضوء على ما نقول.
الأهداف الأولى للحركة الواقعية:
شغل الواقعيون الأوائل أنفسهم من خلال رواياتهم التي انتزعت مكان الصدارة من الشعر الرومانسي بنقد ومناقشة أحوال الفرد والمجتمع، وهذا ليس انحرافاً - بالطبع - بل هو أمر مطلوب، ولكن الانحراف جاء من جهة الموقف الذي اتخذه أولئك من الدين والأخلاق والتقاليد أثناء تصويرهم للمشاكل الإنسانية الواقعية - هذا إذا سلمنا أن هدفهم هو تصوير المشكلة وعرضها، وليس شيئاً في أنفسهم يريدون تقديمه من خلال ذلك التصوير، (1) وهذا الموقف الذي يضعنا على أول الطريق إلى الوثنية المعاصرة - تركز في قضيتين متقاربتين:--------------------------------------------
(1) لا شك أن في الأدب الأوروبي الواقعي كتابات إنسانية هادفة في بعض روايات ديكنز وتولستوي وهيجو.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)

الأولى: الثورة على التقاليد الإقطاعية والمسيحية، وذلك قد لا يعدو في الحقيقة أن يكون جزءاً من الثورة على طغيان الكنيسة وظلم الإقطاع يتخذ مظهراً مغايراً، وإذا كان بلزاك (1851) هو أحد الرواد للواقعية، فلنقتطف شاهداً على ما نقول من إحدى رواياته؛ وهو محاورة بين قسيس عجوز وامرأة لم توفق في حياتها الزوجية: "قال العجوز: على أي حال يا سيدتي الماركيزة، هل فكرت قليلاً في كتل الآلام البشرية؟ هل رفعت عينيك نحو السماء؟
قالت: لا يا سيدي إذ تثقل القوانين الاجتماعية بشدة على قلبي وتمزقه لي تمزيقاً، حتى لا أستطيع الارتفاع بنفسي إلى السموات، ولعل القوانين ليست في قسوة آداب المجتمع. أوه! المجتمع!
- علينا يا سيدتي: أن نطيع هذه وتلك، فالقانون هو الكلمة، والآداب هي أفعال المجتمع.
عادت تقول الماركيزة مبدية حركة اشمئزاز: طاعة المجتمع؟ هيه! يا سيدي: إن شرورنا جميعاً تنشأ عنه، لم يضع الله أي قانون للشقاء، ولكن عندما تجمع الناس بعضهم مع بعض أفسدوا عمله، (1) ونحن (نحن النساء) لقد عاملتنا المدنية بأسوأ مما عاملتنا الطبيعة به، فالطبيعة تفرض علينا الآلام البدنية التي لم تخففوها في حين أضافت المدنية المشاعر التي تخونونها باستمرار، إذ تخنق الطبيعة الكائنات الضعيفة على حين تحكمون عليها أنتم بأن تعيش كي تقوموا بتسليمها إلى شقاء دائم، ويؤدي الزواج - وهو نظام يرتكن إليه المجتمع - إلى إشعارنا نحن وحدنا بأثقاله، فللرجل الحرية، وللمرأة الواجبات، علينا أن نهبكم حياتنا بأكملها، وليس عليكم من حياتكم--------------------------------------------
(1) من هذه العبارة يبدو تأثر بلزاك بنظرية روسو عن العقد المجتمع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)