Arabic source text

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

📘 العلمانية - نشأتها وتطورها (سفر الحوالي)

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المسلمين أن ضاقت دائرة الفقه الواقعي، بل والافتراضي (1) عن الإحاطة بأحداث الحياة كلها، وكان الذي ضاق -بطبيعة الحال- هو فقه المتون والحواشي، ولم تضق الشريعة نفسها، وما كان لها أن تضيق، يقول الشيخ محمد الغزالي:
" مع أن الزمن لا يقف، ومع أنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور، ومع أن الجماعة الإنسانية تدخل في أطوار متباينة من ناحية العلاقات الدولية والأوضاع الإدارية والاقتصادية والسياسية، ومع ضرورة بقاء الدين مهيمناً على توجيه القافلة السائرة، مع هذا كله فإن التفكير الإسلامي الفقهي توقف في أغلب ميادين المعاملات إن لم يكن جمد فيها كلها، وأغلقت أبواب الاجتهاد بضعة قرون حتى انكسرت -أخيراً- تحت ضغط الحاجات الملحة، وصحب انكسارها فوضى منكرة في الفهم والتطبيق " (2).
والمؤسف أن الذي حصل أول الأمر هو أن باب الاجتهاد لم يفتح ولم يكسر، بل استوردت القوانين الأجنبية الكافرة.
لكن الطريق الملتوية البطيئة التي سلكتها عملية الاستيراد، والتي كان حسن النية أحد أسباب تقبلها، لم تلفت الأنظار إلى خطورتها، فقد بدأت هذه الطريق باسم الإصلاح والتنظيم الذي تقتضيه الظروف الواقعية.
الجيش العثماني لم يعد يصلح أن يبقي مجموعات من المتطوعين يحملون السيوف ويمتطون الخيول، فالظروف العسكرية الدولية تقتضي--------------------------------------------
(1) يمتاز الفقه الحنفي بكثرة افتراض المسائل غير الواقعية، وتقدير الأحكام لها لتكون جاهزة حال وقوعها.
(2) الإسلام والطاقات المعطلة: (98).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 513)

وجود جيش منظم مدرب، يستخدم الوسائل الحديثة، ويفرغ نفسه لمهمة الجهاد.
ووضع اللوائح النظامية لهذا الجيش لم يك في مقدور مجلس العلماء، لأنه كان بعيداً عن مثل هذه الشئون التي يراها شكلية لا تستحق الاهتمام، كما أنه لم يك في مقدور قادة الجيش نفسه، لأن الجمود العلمي والذهني الذي ليس من الإسلام في شيء قد كاد يقضي على كل فرصة للتطور والإبداع، إذن ما الحل؟
لجأت الدولة العثمانية إلى ملوك أوروبا الذين كانوا لا يزالون في نظر العثمانيين حتى ذلك الحين خنازير حقيرة، (1) يطلبون منهم إيفاد مدربين للجيش العثماني، وجاء المدربون من ألمانيا وفرنسا والسويد، ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يتولى تدريب وتنظيم الجيش الإسلامي خبراء كفرة
وكانت هذه هي البداية، ثم تلاها بعد ذلك ما تلاها.
عندما أريد إصلاح الجهاز الإداري استوردت -أيضاً- الطرائق الغربية في تقسيم الولايات وتنظيم وتحديد مسئوليات الولاة والقضاة، وعندما أريد إصلاح الجهاز التعليمي بنيت المدارس ووضعت المناهج على نمط، يحاكي النمط الأوروبي ويقتبس منه.
وعندما أريد إصلاح منهج الحكم أصر دعاة التغريب على أن تكون مجالس نيابية على الطريقة الغربية، وأن يوضع دستور مكتوب ذو قواعد وبنود على النمط الأوروبي، وكان لهم ما أرادوا.
وليس غرضنا -الآن- تفصيل هذه الأمور، ولكن القصد هو إيضاح أن توحيد الطاعة والاتباع انتقص من حقه بطريق غير واعية--------------------------------------------
(1) انظر ما كتبه شبنلجر حول رحلة توماس مور إلى الباب العالي بشأن الحرب بين فرنسا وبريطانيا، فقال له الصدر الأعظم: إن مولاي السلطان لا يهمه أن يقتتل كلبان بعيداً عن مملكته، فلا داعي لدخولك عليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 514)

ولا مقصودة، لقد نتج عن ضيق الدائرة الفقهية وعن استيعاب الحياة أن ظلت القوانين المستوردة تحتل رويداً رويداً مواقع جديدة من الحياة الإسلامية دون أن تلفت النظر إلى خطورتها إلى أن جاء الوقت الذي أصبح اقتباس هذه القوانين أمراً مقرراً ومنهجاً لا غبار عليه.
ومن الإنصاف والحق أن نقول: إن تلك الاقتباسات كانت تأخذ صفة تنظيمية لا تشريعية، وهكذا كان يسميها العثمانيون تنظيمات، لكنها على أية حال مهدت الطريق إلى استيراد التشريعات -لا سيما- بعد تكوين (مجلس المبعوثان) (1)
وبذلك نصل إلى الغرض الأساسي، وهو أن انحراف المسلمين بجهلهم بحقيقة دينهم وسنة الله في الحياة وعجزهم عن مسايرة الأحداث كانت المنفذ الرئيسي لتسرب العلمانية إلى الشرق المسلم.
(ب) الانحراف في توحيد الإرادة والقصد (العبادة):
ظهرت الصوفية في العصر العباسي لأسباب تاريخية، منها ضعف الخلافة المركزية أو انحرافها، وانغماس الناس في الترف وانصرافهم عن الاهتمام بالدار الآخرة، غير أن الانحراف قد أصاب الفرق الصوفية بدرجة تتناسب تناسباً عكسياً مع قربها من التمسك بالسنة والاقتداء بالسلف الصالح.
وكان من الأخطاء الأساسية في الفكر الصوفي النظرة العدائية إلى الحياة الدنيا، تلك التي يبدو أنها متأثرة بالفكر البوذي والفلسفة الإشراقية، وحدث أن أقبل العامة -بقيادة المتصوفين- على الطقوس والأوراد، وأقبل الحكام ومن في حواشيهم وركابهم على الشهوات والملذات! وهذا الخلط الصوفي الأحمق يعتبر أول صدع أصاب التفكير الإسلامي في صميمه، بل أول تصدع أصاب كيان الأمة--------------------------------------------
(1) انظر (ص:557) من هذا الكتاب، وتاريخ الدولة العلية العثمانية، ومادة تنظيمات من دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)

الإسلامية -فيما بعد- بالانهيار، (1) فقد نتج عن هذا الانفصام انحسار مفهوم العبادة في دائرة الشعائر والأذكار، بل في الحقيقة كان الالتزام بتلك النظرة يعني تعذر القيام ببعض أركان الإسلام لا سيما الزكاة.
والعبارة المنقولة عن بعض زعماء الصوفية عند سماع قوله تعالى: ((يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)) [الأنبياء:20] وهي ونحن ما بالنا نفتر؟! تنم في الواقع عن الجهل بحقيقة العبادة في الإسلام، وغاية الوجود الإنساني على الأرض التي أوضحها القرآن الكريم تفصيلاً.
بعد أن كان المسلم - أياً كان عمله الدنيوي - يستشعر في قرارة نفسه أنه يعبد الله تعالى، حتى وهو يكدح على عياله، وحتى وهو يطلب العلم أو يعلمه، وحتى وهو يجوب الأرض في طلب الرزق أو التعرف على المعمورة بلا انفصام أو ازدواجية، أصبح المريد -وقد انحصر مفهوم العبادة لديه في الصلوات والأذكار- يجد مساحة كبيرة من حياته فارغة، فيلجأ إلى الشيخ لتعبئة هذا الفراغ، وعندها يقوم الشيخ بتشريع ما لم يأذن الله به، فيكلف المريد بحفظ المتون الطويلة من الأوراد لترديدها، بآلاف التسبيحات، وأحياناً يكلفه بالسياحة في الأرض بلا زاد، ليقوي يقينه، ويصدق في توكله!! وبذلك أدى انحسار مفهوم العبادة إلى انحراف العبادة نفسها واستقائها من غير معين الكتاب والسنة.
ولندع الصوفية أنفسهم، ولننظر إلى أثرهم المعنوي في الأمة، كان ضمير الفرد العادي من العامة يستشعر الحيرة والألم، وهو يرى الناس فئتين:--------------------------------------------
(1) الإسلام المفترى عليه، محمد الغزالي: (68).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)

فئة صالحة تعمل للآخرة وتتقرب إلى الله بأنواع الطاعات والقربات لكنها لا حظ لها من الدنيا، وأخرى فاسقة عاصية مقصرة في حق الله تعالى تتمتع بملاذ الحياة ونعيمها، ولا يكاد يرى لهاتين ثالثة، ويبدو الخيار أمامه صعباً، أيكون مع الأولى فيقضي على نفسه بالحرمان والفاقة، أو ينضم إلى الثانية فيقع في المحارم؟!
ومعظم الأمة بطبيعة الحال لم ينقطعوا عن الدنيا، لكنهم كانوا يعملون فيها والإحساس بالندم والذنب ينتابهم، لأنهم يرون أنهم لا يعبدون الله حين يقومون بذلك، وغاب عنهم أن ذلك جزء من الغاية العظمى التي خلقوا لأجلها!
وكل هذه الانحرافات وقعت قبل احتكاك الغرب اللاديني بالشرق، بل قبل قيام الدولة العثمانية
وعندما سيطر العثمانيون ازداد الأمر سوءاً، وتطورت الانحرافات، حتى توهم الناس أن العبادة نفسها هي بالدرجة الأولى ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع، ووقعت الأمة في شرك حقيقي بما كان السذج والجهلة -بل وبعض العلماء- يمارسونه من بدع الأضرحة والمشاهد والمزارات وتقديس الموتى والاعتماد عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، ووصل الأمر إلى حالة مزرية جداً، حين كانت جيوش المستعمرين تقتحم المدن الإسلامية، والمسلمون يستصرخون السيد أو الولي الذي كان قد مضى على وفاته مئات السنين! (1).
وامتد البلاء إلى الأربطة والثغور التي بنيت أساساً للجهاد--------------------------------------------
(1) من ذلك البيت المشهور:
يا خائفين من التتر … لوذوا بقبر أبي عمر.
انظر ركائز الإيمان، (338)، وقصة العنزة المقدسة، الجبرتي: (1/ 401 - 403).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 517)

ومقارعة الكفار، إذ تحولت إلى زوايا وتكايا للصوفية، وفي أحسن الأحوال أصبحت مدارس علمية صرفة لا أثر للتربية الجهادية فيها، وحتى مناهجها التعليمية كانت متخلفة ومحدودة (1).
وبالإضافة إلى الصوفية ساعد الفقهاء المتأخرون وكتب الفقه المبوبة - من غير قصد- على مد هذا الانحراف بتقسيمهم الأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات واضعين في القسم الأول الأحكام التعبدية المحضة، وفي الآخر الأحكام التعبدية المتعلقة بالنشاط الاجتماعي والاقتصادي وما شاكلها، لم يقولوا ولم يعتقدوا أن القسم الثاني ليس عبادياً، لكنهم وضعوا القسمة لاعتبارات فنية اصطلاحية لا تمس جوهر الموضوعات، ولا أدل على ذلك من أن الكتب الفقهية المؤلفة في القرنين الأول والثاني، وكذلك كتب السنة -بصفة عامة- تخلوان من هذه القسمة، غير أن هذا التقسيم أصبح -بعد ظهور وانتشار الصوفية وحدوث الانفصام العملي في الحياة الإسلامية- أصبح من دعائم هذا الانفصام، يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: "إن تقسيم النشاط الإنساني إلى عبادات ومعاملات مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة الفقه، ومع أنه كان المقصود به في أول الأمر مجرد التقسيم الفني، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثاراً سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله فقه--------------------------------------------
(1) انتشرت الزوايا على السواحل الإسلامية للبحر الأبيض وخاصة في الشمال الأفريقي، وقد أعادت الحركة السنوسية إليها الصبغة الجهادية فترة من الزمان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)

المعاملات! وهي انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي " (1).
وانبثق من هذا الانحراف، وواكبه انحراف في مفهوم آخر هو ركن من أركان الإيمان وهو القدر:
2 - الانحراف في مفهوم الإيمان بالقدر:
لقد كتب أحد المستشرقين الألمان، وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم الأخيرة يقول: "طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله والرضا بقضائه وقدره والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار، وكان لهذه الطاعة أثران مختلفان، ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دوراً كبيراً في الحروب إذ حققت نصراً متواصلاً؛ لأنها دفعت في الجندي روح الفداء، وفي العصور الأخيرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الانحدار وعزله وطواه عن تيارات الأحداث العالمية" (2).
إن هذا الرجل -وهو كافر- أدرك هذه الحقيقة، حقيقة الفرق بين الإيمان بالقدر كما فهمه السلف، وبين الإيمان الذي ابتدعه الخلف متأثرين بالمتصوفة، فالذنب ليس ذنب العقيدة بل ذنب المعتقدين.
وقد صاغ ذلك شاعر الإسلام محمد إقبال شعراً فقال:
من القرآن قد تركوا المساعي وبالقرآن قد ملكوا الثريا
إلى التقدير ردوا كل سعي وكان زماعهم قدراً خفياً
تبدلت الضمائر في إسار فما كرهوه صار لهم رضيا (3)--------------------------------------------
(1) خصائص التصور الإسلامي: (131).
(2) باول شمتز، الإسلام قوة الغد العالمية: (78).
(3) ضرب الكليم: (9).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)

- نعم لا شك أن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان وهزائم معنوية وحسية كان بقدر الله الذي لا يقع في كونه إلا ما يريد، ولا يخفى عليه شيء بل سيان في علمه ما كان وما سيكون، لكن المسلمين في العصور الأخيرة حرفوا هذا المفهوم، فاتخذوا من الإيمان بالقدر مبرراً واهياً لعجزهم وانهيارهم متناسين أن أقدار الله إنما تجرى عليهم وفق سننه الثابتة التي أوضحها لهم، لكنهم غفلوا عنها وأهملوها، فالمسئولية مسئوليتهم وحدهم ولا يظلم ربك أحداً.
لقد انقلب التوكل الذي كان الباعث القوي لحركة الجهاد، والانطلاق في الأرض بأسباب الحياة، إلى تواكل رخيص مذموم سماه المتصوفة يقيناً، وسماه الآخرون قناعة، واحتسبه الكل عند الله.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي (505هـ) - وهو يعد من معتدلي الصوفية - في بيان مقامات التوكل: "الأول: مقام الخواص ونظرائه، وهو الذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعاً وما فوقه، أو تيسير حشيش له أو قوت، أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء من ذلك .. المقام الثاني: أن يقعد في بيته أو في مسجد، ولكنه في القرى والأمصار وهذا أضعف من الأول، ولكنه أيضاً متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معول على فضل الله تعالى في تدبير أمره من جهة الأسباب الخفية، ولكنه بالقعود في الأمصار يتعرض لأسباب الرزق" (1).
وإذا علمنا أن هذا الكلام يكتب، والحملات الصليبية على أشدها أدركنا مدى الانحراف …--------------------------------------------
(1) إحياء علوم الدين: (4/ 333)، والخواص أحد مشهوري الزهاد المتصوفة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)

لقد استسلم المسلمون لنوم طويل محتجين بالقدر، فلم يوقظهم إلا هدير الحضارة الغربية وهي تدك معاقلهم وتقتحم حصونهم، وكانت المفاجأة المذهلة التي زعزعت إيمان الأمة بدينها، وهو الإيمان الذي كان خامداً بارداً لا حراك له، وفي لحظة الانبهار والانذهال هذه، قال المستشرقون والمبشرون وأذنابهم: إن الدين -وعقيدة القدر خاصة - هو سبب التأخر والجمود في العالم الإسلامي، وصدقهم المغفلون الذين كانوا لا يعرفون من شعائر الدين إلا ما رسمه لهم مشايخ الطرق من صلوات وأوراد، ولا من قواعده إلا أن من الإيمان أن يرضى المرء بما كتب له على المفهوم الخاطئ لها، وباسم الزهد في الدنيا والاستسلام الخانع للذل والفقر تحت ستار الإيمان بالقدر وهما ما تطوعت به الطرق الصوفية وشجعته البيئة الجاهلة المنحطة، تقهقرت الحضارة الإسلامية وذبلت، حتى لفظت أنفاسها على يد الغزو العسكري والحضاري القادم من الغرب.
ذلك أن المعادلة الخاطئة التي كانت تقول: إن الصلاح قرين الفقر، والفساد صنو الغنى، قد تطورت واتخذت بعد اليقظة المنبهرة شكلاً آخر، فأصبحت تقول: إن الكفر والدنيا قرينان، والدين والتأخر قرينان.
وكان هذا هو الظاهر من حال أوروبا والعالم الإسلامي في أوهام العامة، إن أوروبا كافرة وبيدها مقاليد الدنيا، ونحن مسلمون - على المفهوم الخاطئ طبعاً للإسلام، وفي الوقت نفسه متأخرون.
وليس من شأننا -الآن- مناقشة هذه الأفكار، وإنما هدفنا أن نعرضها بإيجاز بالغ لنصل إلى النتيجة النهائية، وهي أن هذا الانحراف في التصورات الإسلامية كان المنفذ الذي تسربت منه العلمانية كإحدى مظاهر الغزو الفكري، لتقول للناس: إن الدين لا علاقة له بالحياة ولا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)

بالسلوك العملي، وإنما هو رابطة قلبية بين العبد وربه يستحق بها النجاة والفوز في العالم الأخروي.
صحيح أن العلمانية فكرة أجنبية، وفدت إلينا مع الاستعمار، ودعمت بأذياله ومؤسساته الظاهرة والخفية، ولكن شيئا من ذلك ما كان ليحدث لولا أننا كنا مصابين بما أسماه مالك بن نبي قابلية الاستعمار أو كما سماه العلامة المودودي قابلية الاستعباد (1)
ولا أدل على ذلك من أن الأمة الإسلامية تعرضت للغزو الصليبي، ثم لهجمة التتار الشرسة، وخسرت المعركة سنين طويلة، غير أنه لم يدر بخلدها أن تخنع للأمة الغالبة أو أن تقتبس شيئاً من مناهجها ونظمها وتقاليدها؛ ومع استيعابنا لهذه الحقيقة نورد نماذج من المسلمين المفتونين بالحضارة الغربية باعتبارهم دعامة من الدعامات الأساسية التي ارتكزت عليها العلمانية في العالم الإسلامي:
نماذج لتقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية:
لقد سبق الحديث عن الثورة الفرنسية وطبيعتها اللادينية والأثر التلمودي فيها، كما أننا تحدثنا عن المذهب الطبيعي الفيزيوقراطي في فصل السياسة والاقتصاد، وفي فصل الصراع بين الدين والعلم، عرضنا أيضاً للفلاسفة الطبيعيين وآرائهم.
والآن لنقرأ هذه الاقتباسات من كلام شيخ مسلم درس في فرنسا لنرى كيف أنه يذكرنا بما سبق الحديث عنه هناك، وكأنما هو يترجم مع الشرح عبارات روسو وفولتير التي أوردنا نماذج منها سلفاً.--------------------------------------------
(1) الأولى في كتابه شروط النهضة والثاني في كتابه: واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)

ومن زوال علم أصول الفقه، وما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها، وجعلوها أساساً لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم قل أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يشبه ما يسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهو عبارة عن قواعد عقلية تحسيناً وتقبيحاً، يؤسسون عليها أحكام المدنية، وما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن، ولما كانت أعمال كل نوع من أنواع المخلوقات، وكل عضو من أعضاء فرد ذلك النوع منقادة لنواميس طبيعية عمومية خصته به الحكمة الإلهية كان لا يمكن مخالفة هذه النواميس بدون اختلال للنظام العام والخاص، وهذه النواميس الطبيعية التي خصت بها العالم القدرة الإلهية عامة للإنسان وغيره، فينبغي للإنسان ألا يتجارى على هذه الأسباب ويتعدى حدودها، حيث أن المسببات الناتجة عنها منتظمة محققة، فعلى الإنسان أن يطبق أعماله على هذه الأسباب التي تقدم ذكرها، ويتمسك بها وإلا عوقب عقاباً إلهياً لمخالفة خالق هذه الأسباب، وأغلب هذه النواميس الطبيعية لا يخرج عنها حكم الأحكام الشرعية، فهي فطرية خلقها الله سبحانه وتعالى مع الإنسان، وجعلها ملازمة له في الوجود، فكأنها قالب له نسجت على منواله وطبعت على مثاله، وكأنما هي سطرت في لوح فؤاده بإلهام إلهي بدون واسطة، جاءت بعدها شرائع الأنبياء بالواسطة وبالكتب التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي سابقة على تشريع الشرائع عند الأمم والملل، وعليها في أزمان الفترة تأسست قوانين الحكماء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)

الأول وقدماء الدول، وحصل منها الإرشاد إلى طرق المعاش في الأزمنة الخالية، كما ظهر منها التوصل إلى نوع من انتظام الجمعيات التأنسية عند قدماء مصر والعراق وفارس واليونان، وكان ذلك من لطف الله تعالى بالنوع البشري حيث هداهم لمعاشهم بظهور حكماء فيهم؛ يقننون القوانين المدنية -لا سيما
الضرورية- لحفظ المال والنفس والنسل" (1).
ويقول في مؤلف آخر مثنياً على الدستور الفرنسي "الشرطة": "فيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل … معنى الشرطة اللغة اللاتينية ورقة، ثم تسومح فيها، فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكم عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا، لذلك عمرت بلادهم، وكثرت مصارفهم، وتراكم بناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيها من يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران" (2).
ويقول شيخ آخر معاصر له بوجوب (تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي أن يهجر، وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر).
وهو يعني بذلك اقتباس الطرائق الغربية في الحكم كالدستور المدون والمجالس النيابية … إلخ، إذ يقول عن الممالك الأوروبية:--------------------------------------------
(1) رفاعة الطهطاوي: المرشد الأمين: (36 - 38).
(2) تخليص الإبريز: (140).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)

"وإنما بلغوا تلك الغايات والتقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثورة، وملاك ذلك كله الأمن والعدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم، وقد جرت عادة الله (كذا) في بلاده أن العدل وحسن التدبير والتراتيب المحفوظة من أسباب نمو الأموال والأنفس والثمرات".
ويقول مؤيداً ومستشهداً: "سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه (إن التمدن الأورباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار إلا إذا أخذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق" (1).
أما جمال الدين الأسد أبادي المشهور بالأفغاني، فهول يقول بصراحة: "إن الأمة هي مصدر القوة والحكم، وإرادة الشعب هي القانون المتبع للشعب، والقانون الذي يجب على كل حاكم أن يكون خادماً له وأميناً" (2).
ويقول أحد المتأثرين به وهو عبد الله النديم: "ولئن قيل إن التجارب دلتنا على أن الشورى لا تنجح في الشرق، أو أن الشرقيين غير عقلاء كما يزعم محبو الأثرة والانفراد بالتسلط، قلنا: إن الشرقي مع الغربي في الخلق يرد هذه الدعوى الباطلة، وإنما ثار الغربيون على العمل بالشورى، وأخذوا يصححون--------------------------------------------
(1) خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: (90، 98، 166).
(2) الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية: علي الحوافظة: (102).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)

الأغاليط، ويراجعون الأخطاء، ويتبادلون الجدل عن عزائم صادقة حتى تربت الملكات، وتصورت المطالب أمامهم بصور الواقعيات" (1).
ومن أوضح الأدلة على تأثر المسلمين بالغرب وتقبلهم للفكر الدخيل، ما نراه في كلام جمال الدين المذكور وتلامذته من محاولة - لعلها الأولى في التاريخ الإسلامي - للتقريب بين الإسلام والمذاهب البشرية الوضعية، فهو يقول عن الاشتراكية: "وهكذا دعوى الاشتراكية … ، وإن قل نصراؤها اليوم فلا بد أن تسود في العلم يوم يعم فيه العلم الصحيح، ويعرف الإنسان أنه وأخاه من طين واحد أو نسمة واحدة، وإن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع".
ويقول: "أما الاشتراكية في الإسلام فهي ملتحمة مع الدين الإسلامي ملتصقة في خلق أهله منذ كانوا أهل بداوة وجاهلية، وأول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضاً" (2).
أما تلميذه الشيخ محمد عبده، فيستحسن الأنظمة الجمهورية النيابية، معتقداً أنها هي الوسيلة الحديثة للشورى الإسلامية، يقول: "والمبايعة لا تتوقف صحتها على الشورى، ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة، فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب -المعروف الآن- في الحكومة الجمهورية، وما هو في معناها حصل المقصود" (3).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (104).
(2) المصدر السابق: (181 - 182).
(3) تفسير المنار: (4/ 203)، وللشيخ دور آخر سيأتي الحديث عنه في فصل تال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)

ونحن لا نورد هذه الأقوال إلا لغرض واحد هو بيان انبهار الأمة الإسلامية بالغرب ونظمه، واستعدادها الذاتي للتلقي عنه تلقياً تدل هذه الشواهد وغيرها أنه لن يكون فيه تمييز ولا اختيار، وإذا كان هؤلاء وأمثالهم تطوعوا بتسويغ النظم اللادينية في أمتهم، وهيئوا النفسية الإسلامية لتقبلها مندفعين بدوافع نفسية ذاتية - وهو أمر قابل للجدال- فقد جاء بعدهم أناس مغرضون صرحاء اتخذتهم القوى المتآمرة على الإسلام أصابع لمخططاتها ومعاول لهدم الكيان المادي والمعنوي للأمة الإسلامية، وهؤلاء نؤجل الحديث عنهم إلى فصوله المناسبة على أن الدلالة المشتركة بين أولئك، وهؤلاء هي أن الأمة الإسلامية نفسها هي المسئولة أولاً وآخراً عن الغزو الفكري والحرب النفسية الشرسة على الإسلام، والتي كانت دعاوى العلمانية إحدى طلائعها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)

‌‌ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي:
ليس في تاريخ العداوات عداوة تماثل في شراستها وأبديتها ذلك النوع الذي تواجه به طوائف اليهود والنصارى الأمة الإسلامية.
إن هذه العداوات المتغلغلة العميقة ليس موضوعها خلافاً مذهبياً ولا نزاعاً سياسياً، ولا مطامع اقتصادية، أي أنها باختصار: ليست مما يمكن تسويته واجتثاث آثاره.
ولا يفلح في تعليلها ما يقوله المستشرقون ومنهم (جب) من أنه (حدث قبل في حياة محمد صلى الله عليه وسلم أن بدأت تتشابك سيوف المسلمين والمسيحيين وظلت كذلك حتى اليوم ولهذا ظل العالم المسيحي الأوروبي عدو الإسلام الألد) (1) لأن هذه الحروب نتيجة وليست سبباً وإلا فما الداعي لنشوب هذه الحروب أصلاً؟ وكم عرف التاريخ من حروب أعقبتها صداقات وعلاقات، إن القضية أبعد من ذلك وأعمق.
إنها قضية حق وباطل، نور وظلام، يقين وخرافة، ومن هنا كانت الشقة بعيدة وكان اللقاء مستحيلاً.
ومع إدراكنا لهذا فلا علينا أن نتحدث عن الدور الذي أدته الحروب الصليبية في هذا الشأن، المهم أن نبحثه باعتبارها مظهراً للعداوة--------------------------------------------
(1) وجهة الإسلام: (17 - 18).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)

لا علة فيها، إن العلاقة بين البلاد الإسلامية وبين أوروبا خاصة -بصفتها مهد العلمانية- لا يمكن أن تدرس بغير الحروب الصليبية.
فهذه الحروب أضفت على تلك العداوة الأبدية الراسخة مظهراً جديداً، وأذكت فيها روحاً مغايرة، وبذلك اختلفت آثارها ونتائجها عن الحروب السابقة الأخرى التي لم تنطفئ قط.
ولذلك الأمر سبب نفسي يتعلق بوجود أوروبا وتكوينها السياسي والاجتماعي والحضاري بصفة عامة، وهو أن الحروب الصليبية (حدثت في أثناء طفولة أوروبة في العهد الذي كانت فيه الخصائص الثقافية قد أخذت تعرض نفسها وكانت لا تزال في طور تشكلها، والشعوب كالأفراد، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التي تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهراً أو باطناً مدى الحياة التالية، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفراً عميقاً حتى أنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة والمتسم بالتفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزول آثارها تماماً.
وهكذا كان شأن الحروب الصليبية فإنها أحدثت أثراً من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروبى، وإن الحمية الجاهلية العامة التي أثارتها تلك الحروب في زمنها، لا يمكن أن تقارن بشيء خبرته أوروبة من قبل، ولا اتفق لها من بعد، لقد اجتاحت القارة كلها موجة من النشوة كانت -في مدة على الأقل- عنفواناً تخطى الحدود التي بين البلدان والتي بين الشعوب والتي بين الطبقات، ولقد اتفق في ذلك الحين، وللمرة الأولى في التاريخ أن أوروبة أدركت في نفسها وحدة، ولكنها وحدة في وجه العالم الإسلامي، ويمكننا أن نقول من غير أن نوغل في المبالغة: إن أوروبا ولدت من روح الحروب الصليبية … ، ولدت (فكرة المدنية الغربية) وأصبحت هدفاً واحداً تسعى إليه جميع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)

الشعوب الأوروبية على السواء، وكانت تلك المدنية الغربية عداوة للإسلام وقفت عُرّاباً في هذه الولادة الجديدة (1).
هذا التحليل العميق الواعي يقضي على كل التساؤلات حول استمرارية العداوة بين أوروبا والمسلمين، ويلغي زيف الشبهات التي تقول: إن عداوة أوروبا تنطلق من دوافع غير دينية، أو أن الحروب الصليبية نفسها كانت حرباً اقتصادية!
لقد تلا الحروب الصليبية تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس بصفة لا نظير لها في التاريخ، ثم كان سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين حادثاً رهيباً أذهب عن أوروبا حلاوة انتصارها في الأندلس، وبعدها جاءت طلائع الحروب الصليبية متخفية برايات المكتشفين الجغرافيين، ثم جاءت الروح الصليبية كامنة في مدافع نابليون، التي تضعنا على أول محاولة ضخمة من أوروبا الحديثة لاستئصال شأفة الإسلام وبذر جذور اللادينية في أبنائه، والحق أن الجنرال اللنبي لم يكن أكثر صراحة حين وقف على جبل الزيتونة في الحرب العالمية الأولى قائلاً: ((الآن انتهت الحروب الصليبية)) كما أن الواقع التاريخى يؤكد أن هذه الحرب لن تنتهي، وأن الذي خدع بعض المستغفلين هو اختلاف فصولها ومظاهرها.
وها هو (جان بول رو) يقرر ذلك قائلاًَ:
(لقد اعتدنا أن نتحدث عن ثمان حملات صليبية الأولى بدأت منها 1096م، والأخيرة انتهت 1270 غير أن هذا التقسيم لا يبدو متجاوباً كثيراً مع الواقع، ويمكننا أن نزيد هذا العدد إذا أخذنا بعين الاعتبار جميع الدفعات التي وجهت إلى الشرق).--------------------------------------------
(1) الإسلام على مفترق طرق، محمد أسد: (55 - 56)، والعراب تعبير كنسي يقصد به وكيل الطفل المعمد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)

( … فقد قذف بملايين الأوروبيين إلى شواطئ الشرق، ومهمتهم: تغيير المعتقدات الشرقية ومن أجل الوصول إلى ذلك كان عليهم أن يخربوا هذا الشرق)!
نعم إن الهدف هو (تغيير المعتقدات الشرقية) التي هي بطبيعة الحال الإسلام، فمادام هذا الهدف لم يتحقق فإن الحملات هي كلها صليبية والعداوات كلها صليبية.
يؤكد ذلك (رو) قائلاً: ((لم يكن القضاء على الدولة العثمانية إلا مظهراً من مظاهر الهجوم العام الذي يشنه الأوروبيون على الدول الإسلامية، ومن جزر الفلبين إلى قلب أفريقيا عمل الرجل الأبيض على بسط سيطرته على الرجل المسلم وفرض عليه مفاهيمه في الوجود وطرق معيشته وتفكيره ومخططاته وتكتيكه)).
ويقول (رو):
(إن الحرب بين الإسلام والمسيحية دامت ثلاثة عشر قرناً) وقسمها إلى أربع مراحل رئيسية، جاعلاً المرحلة الرابعة منها هي (طرد الأتراك ممن ممتلكاتهم والقضاء على قوة الإسلام في آسيا الوسطى، وفرض الاستعمار أو الحماية على القسم الأكبر من ديار الإسلام) (1)
ولم لا يكون الأمر كذلك، وأول عمل قام به الإنجليز في الهند هو إلغاء الشريعة الإسلامية، وأول عمل قام به نابليون في مصر هو تعطيل الشريعة وإحلال القانون الفرنسى محلها، وأول عمل قام به أذناب المخطط اليهودي الصليبي في تركيا هو إلغاء الشريعة الإسلامية، ثم إعلان تركيا دولة لادينية!!--------------------------------------------
(1) الإسلام في الغرب: (41 - 42 - 43 - 56 - 69 - 70).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)

ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوطتها على العالم الغربي، وأوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية، اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية وتوجهه الأفعى اليهودية، فقد تشابكت وتداخلت مصالح الطرفين، وكان الغرب الصليبي مستعداً للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام، في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي -بعد أن شلت قواه وركبت رأسه- للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام.
ولتوضيح ذلك نكتفي بتقرير المستشار الأول للرئيس الأمريكي جونسون سنة 1964م، ومعلوم خضوع رؤساء أمريكا للضغط اليهودي، وهو يعطينا -بالإضافة إلى ما أشرنا إليه- لمحة عامة عن الخطة العلمانية في العالم الإسلامي وآثارها المجملة.
يقول التقرير:
( … يجب أن ندرك أن تلك الخلافات بين إسرائيل والعرب، لا تقوم بين دول أو شعوب بل تقوم بين حضارات).
(لقد كان الحوار (الصراع) بين المسيحية والإسلام محتدماً على الدوام منذ القرون الوسطى بصورة أو بأخرى! ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، أي: خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، والتراث الإسلامي للتراث المسيحي! وتركت هذه السيطرة آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية، بحيث جعلت المواطن العربى يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم، لا يدري كيف يتفاعل معها في علاقاته الداخلية والخارجية على السواء).
(لقد تحرر حقاً من سيطرة الغرب السياسية لكنه لم يستطع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)