Arabic source text

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

📘 العلمانية - نشأتها وتطورها (سفر الحوالي)

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وحاربت بشدة صارمة كل من اعترض طريقها من المتورعين وحتى المعتدلين شيئاً ما من الكماليين (1).
ولذلك فإن حكومة تركيا العلمانية الكمالية - هي كما وصفها الأمير شكيب أرسلان - ليست حكومة لادينية من طراز فرنسا وإنجلترا فحسب، بل هي دولة مضادة للدين كالحكومة البلشفية في روسيا سواء بسواء، إذ أنه حتى الدول اللادينية في الغرب بثوراتها المعروفة لم تتدخل في حروف الأناجيل وزي رجال الدين وطقوسهم الخاصة وتلغي الكنائس (2).
والحقيقة المرة أن مصطفى كمال قد خلق نموذجاً صارخاً للحكام في العالم الإسلامي، وكان لأسلوبه الاستبدادي الفذ أثره في سياسات من جاء بعده منهم، كما أنه أعطى الاستعمار الغربي مبرراً كافياً للقضاء على الإسلام، فإن فرنسا مثلاً بررت تنصير بلاد المغرب العربي وفرنجتها بأنه لا يجب عليها أن تحافظ على الإسلام أكثر من الأتراك المسلمين أنفسهم!!
وليس أعجب من هذا الرجل وزمرته إلا من ينادون اليوم - من الزعماء - بإقامة حكومات علمانية في بلادهم، ويقولون: إن مصطفى كمال هو قائدهم الروحي.
في مصر:
يقول توينبي: إن مصر بدأت تتجه نحو الاصطباغ بالصبغة الأوروبية منذ أيام محمد علي متفوقة على تركيا، (3) كما يرى جب أنها--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الشعوب الإسلامية، بروكلمان، فصل تركية والإسلام في الغرب جان بول رو: (181، 186)، والصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية: (59 - 63).
(2) حاضر العالم الإسلامي: (3/ 336).
(3) مختصر دراسة التاريخ: (3/ 113).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)

سبقت تركيا في ذلك (1).
وكان الخديوي إسماعيل مفتوناً بالغرب، وقد مهدت سياسته الفاشلة لتدخل بريطانيا في شئون مصر ثم احتلالها نهائياً.
ومع الاحتلال جاء كرومر بمخططه الخبيث، وبدأت القوى العالمية تشرف على حركة إلغاء الإسلام أو عزله عن شئون الحياة كلها.
والحق أنه لم يكن لكرومر ولا لغيره أن ينجح لولا الزعماء والعلماء الذين تطوعوا بخدمته، فالحزب الوطني -أول حزب سياسي في مصر- يعلن برنامجه الرسمي سنة 1882م ونجد فيه:
الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني؛ فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وأغلبيته مسلمون لأن تسعة أعشار المصريين من المسلمين، وجميع النصارى واليهود، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان، وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية (2)
والثورة العرابية لو قدر لها أن تنجح فربما كانت سبقت مصطفى كمال بأشياء كثيرة فها هو أحد زعمائها يقول:
كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة؛ لأنهم كانوا متأخرين عن زمنهم، ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت (3) ولهذا فما الذي يمنع كرومر بعد ذلك أن يقول:
إن الإسلام ناجح كعقيدة ودين ولكنه فاشل كنظام اجتماعي، فقد وضعت قوانينه لتناسب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي--------------------------------------------
(1) وجهة الإسلام: (42 - 43).
(2) الاتجاهات الوطنية: (1/ 154).
(3) المصدر السابق: (1/ 159).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 574)

ولكنه مع ذلك أبدي لا يسمح بالمرونة الكافية لمواجهة تطور المجتمع الإنساني (1).
ثم إن كرومر قد حرص على أن يؤكد للمصريين أن المسلم غير المتخلق بأخلاق أوروبية لا يصلح لحكم مصر، كما أكد أن المستقبل الوزاري سيكون للمصريين المتربين تربية أوروبية (2) ومن هنا كانت رغبة المحتلين الشديدة في تعاون العلماء (المتنورين) معهم، وهي الرغبة التي تجلت في تشجيعهم للحركة الإصلاحية واحتضانها.
كان زعيم الإصلاح في مصر هو الشيخ محمد عبده الذي أثاره تقدم الغرب وتخلف المسلمين في كل ميدان، فهب يدعو إلى الإصلاح متأثراً بفكر جمال الدين الأسد أبادي الشهير بالأفغاني، وكان أمل المخطط اليهودي الصليبي -كما أوضح كرومر وجب وغيرهما- أن تكون حركة الشيخ مماثلة تماماً لحركة سير أحمد خان مؤسس جامعة علي قره بالهند التي تسمت المعتزلة الجدد وكانوا مفتونين بحضارة الغرب منبهرين بها إلى أقصى حد.
ولكن ظروف مصر غير ظروف الهند، كما أن الشيخ وإن كان اعتزالياً متطرفاً (3) لم يستطع أن يصدم المشاعر الإسلامية بأكثر مما فعل حيث قامت ضد بعض تصرفاته ضجة في كثير من أنحاء العالم--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (1/ 259، 260).
(2) المصدر السابق: (1/ 261).
(3) لعل هذا هو أقرب ما يصح أن يوصف بها الشيخ من الانتماءات المذهبية وإن كان في الواقع له اتجاه مستقل أحياناً، وتظهر اعتزاليته أو عقلانيته في تأويلاته المشهورة للملائكة والجن والطير الأبابيل وخلق آدم. الخ وربما كانت هذه التأويلات هي التي دفعت كرومر إلى قوله أشك في أن صديقي عبده. كان في الحقيقة لا ادرياً نقلها عنه جب، (ص:399) دراسات في حضارة الإسلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)

الإسلامي (الفتوى الترنسفالية، فتوى إباحة صناديق التوفير .. ).
وليس ثمة شك في أن مصر الحديثة التي يريدها كرومر هي دولة لا دينية لا صلة لها بالإسلام وحكومتها ستكون على الشرط الذي مر آنفاً، أما محمد عبده فلم تكن لديه كما يبدو صورة واضحة، وإنما كان يهدف إلى الإصلاح الذي ينشده في ظل الاحتلال الإنجليزي، ولهذا فإن التعاون بين كرومر والشيخ يعني تقديم تنازلات من الأخير للأول، أما العدو المشترك لهما، فهم العلماء غير الأحرار الذين كانوا - رغم ما فيهم - ينفرون من المحتل والعمل معه في أية صورة!
وابتدأ محمد عبده عمله الإصلاحي بمهاجمه الأزهر ونقد المحاكم ونقد الحياة الاجتماعية، وكرومر من ورائه يقطف الثمار.
لقد كانت بريطانيا - كعادتها - عازمة على إلغاء الشريعة الإسلامية فور تمكنها في البلاد، غير أن كرومر رأى أن أفضل وسيلة لذلك هو تفريغ المحاكم الشرعية من محتواها، بأن يتولاها علماء ذوو طابع تحرري، تتم تربيتهم بإشرافه هو والشيخ في معهد خاص لقضاة الشرع، وقوى عزمه على ذلك المعلومات التي يذكر أنه حصل عليها عن الكلية التي أنشأتها في سراجيفو حكومة النمسا والمجر (1) لتخريج قضاة الشرع المسلمين، والتي يقول عنها: إنها كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه، ويتحدث عن ذلك في تقريره السنوي لحكومته عام 1905:
وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق (محمد عبده) بقصد وضع خططه مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة عملها في شهر يونيه السابق ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة … وهذه--------------------------------------------
(1) انظر: كيف اتفق المخطط الصليبي هنا وهناك، والكفر ملة واحدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)

النظم تزود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري لا تحصر الطالب في الدراسات الدينية الخاصة (1)
والعجيب حقاً أن محمد عبده لم يكن يرى حرجاً من اقتباس القوانين التشريعية الغربية، ما دام ذلك يحقق (الإصلاح في نظره)، بل يقول العقاد وهو من المعجبين به: إنه علم أن المراجع العربية لهذه القوانين لا تعطيه الإحاطة الواجبة بتلك المبادئ في أصولها المأثورة عند فلاسفة التشريع الغربيين، فشرع في تعلم اللغة الفرنسية (2) كما أن إعجابه بالثقافة الغربية هو الذي جعله يبالغ في انتقاص الأزهر مطلقاً عليه لفظ الإصطبل أو المارستان أو المخروب، ويحاول إصلاحه وإصلاح التعليم كله على الطريقة الغربية ويقول:
إن كان لي حظ من العلم الصحيح … فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة (3)
لا شك أن الأزهر كان بحاجة إلى الإصلاح، ولكن الإصلاح الذي يريده الإنجليز - ومعهم الشيخ - كان من نوع آخر، لا سيما وأن شبح سليمان الحلبي يهدد كرومر كل حين (4).
وكان من أعظم خطط الإنجليز للقضاء على الشريعة الإسلامية إنشاء مجلس شورى القوانين الذي كانوا يحكمون مصر من خلاله، والذي قدم الشيخ له خدمات جليلة مما دفع المستشار القضائي الإنجليزي إلى رثائه في تقريره عن المحاكم لعام 1905 قائلاً:--------------------------------------------
(1) الفكر الإسلامي دراسة وتقويم، غازي التوبة: (30).
(2) محمد عبده - سلسلة أعلام العرب: (109).
(3) الفكر الإسلامي الحديث، غازي التوبة: (27).
(4) انظر (ص:533) من هذا الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)

((ولا يسعني ختم ملاحظاتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليه الفائت، وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة التي أصابت هذه النظارة بفقده … )).
إلى أن يقول: ((وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيراً من الإصلاحات المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية، إذ كان يشرح للمجلس آراء النظارة ونياتها، ويناضل عنها، ويبحث عن حل يرضي الفريقين كلما اقتضى الحال ذلك (!) وإنه ليصعب تعويض ما خسرناه بموته نظراً لسمو مداركه وسعة إطلاعه وميله لكل ضروب الإصلاح والخبرة الخصوصية التي اكتسبها أثناء توظفه في محكمة الاستئناف وسياحاته إلى مدن أوروبا (!) ومعاهد العلم … )) (1).
وقد يكون أخطر آثار محمد عبده التي تعد ركيزة من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي إضعاف مفهوم البراء والولاء، ودار الحرب ودار الإسلام إذ كان الشيخ أعظم من اجترأ عليه من المنتسبين للعلماء، لا بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة فحسب، ولكن بدعوته الصريحة إلى موالاة الإنجليز وغيرهم - بحجة أن التعاون مع الكفار ليس محرماً من كل وجه - ودعوته إلى التقريب بين الأديان.
حقيقة أن الرأي العام الإسلامي قد ثار على بعض فتاوى الشيخ التي أباح بها موالاة الكفار، ولكن تأثيرها في الأمة لا شك فيه،--------------------------------------------
(1) الفكر الإسلامي: (25).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 578)

لا سيما في تلك الفترة الحرجة التي تتميز بغبش الرؤية واختلاط المفهومات.
ويليها في الخطورة فتواه حول إباحة الربا بطريق صناديق التوفير معتمداً - كما يرى العقاد - على مفهوم الآية من أنه لا يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة!
وأخيراً فإن الشيخ - بقصد أو بدون قصد - قد أوجد القاعدة التي ارتكز عليها من يسمون دعاة الإصلاح (1) للتعلق بأذيال الغرب وإقصاء الإسلام عن توجيه الحياة، إذ ظلوا ينقضون عرى الإسلام عروة عروة، حتى أن المعركة الآن أصبحت تدور ضد قانون الأحوال الشخصية، وهو البقية الضئيلة من آثار الشريعة الإسلامية والميزة الاجتماعية التي تميز المسلم من غيره.
لم يكن محمد عبده علمانياً، ولكن أفكاره تمثل بلا شك حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي، ومن ثم فقد باركها المخطط اليهودي الصليبي، واتخذها جسراً عبر عليه إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة، واستيراد النظريات الاجتماعية الغربية، وهو ما تم جميعه تحت ستار الإصلاح أيضاً (2).
أما الجماهير الإسلامية فقد اتخذت أفكار الشيخ الإصلاحية مبرراً نفسياً لتقبلها للتغيير العلماني المتدرج في الدول العربية.--------------------------------------------
(1) من الإنصاف أن نذكر أن الشيخ ندم على طريقته في الإصلاح مفضلاً عليها تطبيق التربية الفردية، انظر: كتاب العقاد والإسلام في القرن العشرين: (147).
(2) انظر: حول آثار الفكر الإصلاحي: غازي التوبة: (54) والاتجاهات الوطنية: (1/ 355) وأساليب الغزو الفكري: (201 - 205)، وقول جب عنه (كان تلاميذه الحقيقيون من صفوف العلمانيين) دراسات في حضارة الإسلام: (330).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)

وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع حديث عيسى بن هشام شيئاً من ذلك على لسان أبطال الرواية، إذ يسأل أحدهم متعجباً: كيف ساغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة؟ فيجيب الآخر بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة (1).
هذا وقد عاصر محمد عبده رجل آخر من دعاة الإصلاح أيضاً هو عبد الرحمن الكواكبي (ت1902) يحق لنا أن نقول: إنه أول من نادى بفكرة العلمانية حسب مفهومها الأوروبي الصريح فهو يقول:
يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلكم من ألا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون، فهذه أمم أوروبا وأميركا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري …
دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم الأخرى فقط (!) دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي فلتحيى الأمة، فليحيى الوطن، فلنحيى طلقاء أعزاء (2).
واقتفى هذين عدد من الكتاب والصحفيين المشبوهين - من أدعياء الإسلام وغيرهم، يطالبون بضرورة فصل الدين عن السياسة وإبعاده عن واقع الحياة، وأن ذلك هو الحل الوحيد لمشاكل الشرق، وكان لسموم المستشرقين ودسائس المبشرين أعظم الأثر في ذلك.
وقد هوجمت الشريعة الإسلامية بكاملها، وتوالت حملات--------------------------------------------
(1) انظر: (ج1) (ص:72 - 73).
(2) طبائع الاستبداد: (112 - 113).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 580)

التشكيك معلنة عدم ملاءمتها لمقتضيات العصر وظروف التطور، ومن أبرز الموضوعات التي هوجمت:
1 - الجانب الاقتصادي: فقد حرص المغرضون على تضخيم فتوى محمد عبده ليبتروا هذا الجانب بكامله عن الشريعة، وممن استخدموا لذلك حفني ناصف الذي قال: إن الربا بفائدة ليس من أنواع الربا المحرم، وأن سبب تخلف مصر هو عدم فتح بنوك على الطريقة الغربية (1) ثم تلاه من تلاه حتى استصدرت فتوى من أحد شيوخ الأزهر البارزين بإباحته، ولا يزال هذا هو رأي من يسمون أصحاب الاتجاه العصري (2).
وقد تم عملياً عزل الشريعة عن هذا المجال المهم منذ زمن بعيد إلا أن المغرضين ما يزالون حريصين على اختلاق ما يبرره.
2 - الجانب الاجتماعي: إذ كانت أفكار محمد عبده أيضاً منطلقاً للهجوم على موقف الشريعة من المرأة، وسيأتي لهذا الموضوع فصل مستقل بإذن الله.
أما الموضوع الأساسي: وهو الحكم بغير ما أنزل الله في السياسة والقضاء، فقد كان له بعد محمد عبده تأريخ آخر.
لقد أتم المستعمرون - عملياً - إقصاء الشريعة بل إسدال الستار على هذا الموضوع من أساسه، وزرعوا الأحزاب السياسية المتباينة التي تتفق جميعها في عدم رفع شعار الإسلام أو الدعوة إلى تحكيمه.
وعقب إلغاء مصطفى كمال للخلافة سنة 1343هـ، وفيما كان--------------------------------------------
(1) انظر حفني ناصف تأليف محمود غنيم - سلسلة أعلام العرب: (161).
(2) انظر مجلة الدعوة المصرية عددي محرم وصفر سنة (1399هـ).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 581)

الرأي العام في العالم الإسلامي مأخوذاً بهول الصدمة طلع رجل أزهري بفكرة غريبة مريبة يقول المستشرق شمتز (1): إنها كان لها الفضل في تخفيف وطأة ما فعله أتاتورك على مشاعر المسلمين ذلك هو علي عبد الرزاق صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم!
جمع عبد الرازق في كتابه بين أسلوب المستشرقين في تحوير الفكرة واقتطاع النصوص وتلفيق الواهيات، وبين طريقة الباطنية في التأويل البعيد، وسرد نبذاً من سير الطواغيت ونتفاً من أقوال متملقيهم، وعمد إلى مغالطات عجيبة - كل ذلك ليدلل على أن الإسلام كالمسيحية المحرفة علاقة روحية بين العبد والرب لا صلة لها بواقع الحياة.
ولم يفت الشيخ أن يدلنا على أحد مراجعه الرئيسية لنستكمل ما قد يكون فضيلته عجز عن بيانه فهو يقول في الكتاب نفسه:
وإذ أردت مزيداً في البحث فارجع إلى كتاب الخلافة للعلامة (!) السير تومس آرنولد ففي الباب الثاني والثالث منه بيان ممتع ومقنع (2) ثم يقول:
تكلم عيسى ابن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة، وأمر بأن يعطي ما لقيصر لقيصر … وكان ما جرى في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة الخ لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر (3)--------------------------------------------
(1) الإسلام قوة الغد العالمية: (160) مع مراعاة أنه لم يذكر الكتاب صراحة، بل قال: فتوى من الأزهر.
(2) الإسلام وأصول الحكم: (41) المطبوع مع نقد وتعليق ممدوح حقي.
(3) المصدر السابق: (45).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)

ويقول: إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومات كان صحيحاً ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية (الشعائر فقط) وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع، مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو إشتراكية أو بلشفية، لا ينتج لهم الدليل أبعد من ذلك، أما إن أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم (يعني الحكم الإسلامي!) فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة (1)
هذا ولسنا بصدد استعراض ذلك الكتاب المريب، ولكن تجدر الإشارة إلى أنه كان له آثار بعيدة، فقد ترجم إلى اللغات الأجنبية، وأصبح مرجعاً معتمداً لدراسات الإسلامية هناك، وقام بتقريظه والثناء عليه كل المهتمين بهذه الدراسات في الغرب، وظهرت آثاره في كتاباتهم (2) وهلل له سماسرة الاستعمار من الكتاب والصحفيين باعتبار مؤلفه عالماً متحرراً متنوراً، ووضعه البعض على رأس مرحلة فكرية عصرية … إلخ.
ووجدت الأحزاب السياسية فيه ضالتها المنشودة، فلم تعد تتحرج من إعلان انتمائها للاتجاهات السياسية اللادينية شرقيها وغربيها، وبراءتها من الدين والمتدينين، أما الكتب التي ألفت في الرد عليه، فقد حاصرتها الدوائر الاستعمارية، وأهملتها وسائل الإعلام حتى لم يكد يظهر لها صدى عند غير القلة المخلصة.
وفي الفترة التي أعقبت إلغاء الخلافة كانت معظم أجزاء العالم الإسلامي خاضعة للاستعمار، وكانت مخططاته الماكرة تنفذ بدقة--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (83).
(2) انظر: مثلاً ما كتبه جب عن الخلافة في كتابه: دراسات في حضارة الإسلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 583)

وعناية، وكانت حركات الجهاد الإسلامي في كل قطر تسعى للخلاص من براثنه هادفة إلى بعث إسلامي جديد، لكن الاستعمار والأحزاب السياسية غير الإسلامية كانت ترمي إلى عكس ما تهدف إليه تلك الحركات.
وفيما كانت مصر مؤهلة لقيادة العالم الإسلامي من جديد، وكان الاستعمار يلم شعثه لمغادرتها ثارت زوبعة حول صلة الإسلام بالحكم، تزعمها كتاب نصارى أمثال: سلامة موسى، ولويس عوض، وأناس يدعون الإسلام:
من بين هؤلاء: خالد محمد خالد الذي كتب كتابه من هنا نبدأ هادفاً إلى ما قصده علي عبد الرزاق من قبل، ولكن بأسلوب أذكى وأحدث (1).
ومن قبله كان الشيخ عبد المتعال الصعيدي يحاول هدم الحدود الإسلامية المستقرة في الكتاب والسنة زاعماً أن الأمر بها للندب لا للوجوب وأن الأمر لا يقتضي التكرار الدائم، إلى آخر هذا اللغو المتهافت (2) ..
ثم ظهرت أفكار كثيرة تبرز انتهاج الطوائف الغربية في الحكم والعمل بالقوانين الجاهلية، وأسهمت وسائل الإعلام - لا سيما الصحافة - في نشر وتعميم تلك الأفكار، حتى استحكمت غربة الشريعة، وخفت صوت المكافحين عنها، بل أصبح - في نظر الغالبية العظمى - رمزاً للرجعية والتأخر (3).
واكتفى البعض بالقول بأن الدين للواقع وأن التفكير السياسي--------------------------------------------
(1) انظر رد الشيخ الغزالي عليه في كتابه: من هنا نعلم.
(2) من هنا نعلم: (13).
(3) انظر ما كتبه مصطفى أمين في أخبار اليوم تاريخ (27/ 8/1397هـ).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 584)

الإسلامي في أزمة، وأنه لا بأس من اشتقاق القوانين والتشريعات من الفقه والقوانين الغربية سواء (1).
هذا من الوجهة الفكرية، أما من الناحية العملية فإن واقعنا المشاهد اليوم لهو خير دليل على ما بلغته العلمانية من التغلغل في الحياة الإسلامية، فعلى الرغم من فشل التجارب الديمقراطية وإخفاق المحاولات الاشتراكية، فإن الرقعة الإسلامية العريضة ما تزال تتخبط وتضطرب بين شعارات وأنظمة ومناهج الغرب اللادينية، أما الشريعة الإسلامية فقد غابت، لا من الواقع فحسب، بل من الشعور والوجدان، على النحو الذي صوره جب بدقة إذ يقول:
إن التعليم عن طريق المدارس العصرية والصحافة قد ترك في المسلمين من غير وعي منهم أثراً جعلهم يبدون في مظهرهم العام علمانيين إلى حد بعيد، وذلك هو اللب المثمر في كل ما تركته محاولات الغرب من أجل حمل العالم الإسلامي على حضارته من آثار، فالواقع أن الإسلام كعقيدة لم يفقد إلا قليلاً من قوته وسلطانه، ولكن الإسلام كقوة مسيطرة على الحياة الاجتماعية فقد مكانته، فهناك مؤثرات أخرى تعمل إلى جانبه، وهي في كثير من الأحيان تتعارض مع تقاليده وتعاليمه تعارضاً صريحاً، ولكنها تشق طريقها إلى المجتمع الإسلامي في قوة وعزم.
فإلى عهد قريب لم يكن للمسلم اتجاه سياسي (يخالف الإسلام) ولا أدب إلا الأدب الديني، ولا أعياد إلا الأعياد الدينية، ولم يكن ينظر إلى العالم الخارجي إلا بمنظار الدين، وكان الدين هو كل شئ بالقياس إليه.
أما الآن فقد أخذ يمد بصره إلى ما وراء عالمه المحدود …--------------------------------------------
(1) من هؤلاء فتحي عثمان وعبد الرازق السنهوري والمدرسة العصرية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)

وصار يقرأ مقالات في مواضيع مختلفة الألوان لا صلة لها بالدين، بل إن وجهة نظر الدين فيها لا تناقش على الإطلاق، وأصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة الإسلامية لم تعد هي الفيصل فيما يعرض له من المشاكل، ولكنه مرتبط في المجتمع الذي يحيا فيه بقوانين مدنية لا يعرف أصولها ومصادرها، ولكنه يعرف على كل حال أنها ليست مأخوذة من القرآن.
وبذلك لم تعد التعاليم الدينية القديمة صالحة لإمداده في حاجاته الروحية فضلاً عن حاجاته الاجتماعية، بينما أصبحت مصالحة وحاجاته الدنيوية هي أكثر ما يسترعي انتباهه، وبذلك فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية، وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئاً فشيئاً حتى انحصرت في طقوس محدودة، وقد تم معظم هذا التطور تدريجياً عن غير وعي وانتباه، وكان الذين أدركوا هذا التطور قلة ضئيلة من المثقفين، وكان الذين ساروا فيه عن وعي وتابعوا طريقهم فيه عن اقتناع قلة أقل، وقد مضى هذا التطور إلى مدى بعيد، ولم يعد من الممكن الرجوع فيه، وقد يبدو الآن من المستحيل -مع تزايد الحاجة إلى التعليم ومع تزايد الاقتباس من الغرب- أن يُصدّ هذا التيار أو تعاد إلى الإسلام مكانته الأولى من السيطرة التامة التي لا تناقش على الحياة السياسية والاجتماعية.
وينتهي جب إلى القول: إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة جداً علمانياً في كل مظاهر حياته (1).--------------------------------------------
(1) عن مذكرة المذاهب الفكرية للسنة الرابعة بكلية الشريعة -الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- علماً بأنني لم أعثر على النص فى الترجمة المتداولة لكتاب وجهة الإسلام، لكن تأكد لدي بإيراد الدكتور محمد محمد حسين له مع اختلاف ضئيل انظر: الاتجاهات الوطنية (2/ 218 - 220).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)

ويقول في موضع آخر وكأنما هو يستدرك على ما أوردنا:
وكان طبيعياً أن يبقى الإسلام … وقد يكون الدين الرسمي للدولة، ولكنه سلب الحقوق التشريعية، ونزل إلى مكانة الديانة المسيحية في الدول الأوروبية، وقد اختلف تطبيق هذا المبدأ بطبيعة الحال وفق ظروف كل إقليم (1).--------------------------------------------
(1) وجهة الإسلام: (51)، ويستحسن الاطلاع على ما كتبه جان مينو في القوى "الخفية": (142).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)

‌‌ثانياً: في التربية والثقافة:
قبل أن يصطدم الغرب المتحضر بالشرق المتخلف كانت التربية في الأخير متأخرة أسلوباً وموضوعاً، وكانت الثقافة جامدة ومحدودة.
كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري الذي دونه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية تلك البقايا التي تسمى "الكتب الصفراء" أو "الثقافة التقليدية" وفي أحسن الأحوال "الثقافة الأصلية" كما في بلاد المغرب.
ولا شك أن هذه البقايا تشكل جانباً من جوانب الثقافة الإسلامية في مفهومها الواسع بغض النظر عن مدى صدقها في تمثيل حقيقة التصور الإسلامي المفترضة في ذلك الجانب، ولكن من المؤكد أن ذلك لا يصح اعتباره الصورة الكاملة المثلى للثقافة الإسلامية، ومن ثم فإن الحكم على الإسلام من خلال النظرة لذلك الجانب وحده خاطئ يقيناً.
ولسنا الآن بصدد الحديث عن مفهوم العلم في التصور الإسلامي، ولكن الذي يهمنا هو إيضاح أن المستوى العلمي للمسلمين في القرن الماضي لا يمثل هذا المفهوم أبداً، بل إنه - في بعض الأحيان - ليتنافى معه تمام المنافاة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)

ولنأخذ شاهداً قريباً لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه.
كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج ولا غضاضة.
وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم - منهم والده - وإن كان مستواهم متخلفاً بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة، في حين يمثل أولئك -الغربيون- طلائع متقدمة لحضارة فتية، ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريماً لها، ولكن عجزاً وتهاوناً يمليها الواقع المنهار من كل ناحية.
وفي فترة الركود العلمي تلك، ولدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير، ثم استساغت الانغلاق، وفسرت الدين نفسه تفسيراً ضيقاً، وحددت علومه تحديداً نابعاً من واقعها المظلم، لا من حقيقة الدين وجوهره.
وفيما كانت الأوضاع تنحدر إلى الهاوية، تلقت الأمة ضربة عنيفة من يد نابليون - طليعة الحضارة الغربية الكافرة - أيقظتها هذه الضربة من نومها، ولكنها أفقدتها صوابها.
لقد فتح المسلمون أعينهم على وسائل جديدة، وإمكانيات حديثة تسندها علوم ناهضة، وتعززها بحوث دائبة، وكان من الممكن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)

-عقلاً- أن ينهضوا من كبوتهم مستفيدين مما رأوا، ولكنهم - واقعاً - لم يفعلوا ذلك لأنهم:
أولاً: لم يكونوا يملكون القدرة على التمييز وتقدير التجربة حق قدرها.
وثانياً: كان اقتران العلوم الجديدة بتلك الحملة الصليبية الوحشية - التي انتهكت حرمة الأزهر نفسه -دافعاً لمقت تلك العلوم ورفضها إطلاقاً.
وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين علماً غريباً خاصاً بالكفار.
من هذا الخطأ التاريخي تقريباً نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها.
وقد حاول محمد علي في أول الأمر أن يدخل العلوم الحديثة ضمن مناهج الأزهر، إلا أنه خشي معارضة الأزهريين، فقام على الفور بإنشاء نظامه التعليمي الحديث، وهكذا انقسم التعليم في مصر إلى نظام ديني ونظام مدني حديث (1).
ولما كان اللقاء بين شيخ الأزهر وجومار (2) مستحيلاً، فقد كان لا بد من الصراع بين أتباع وثقافة كل منهما، ورأى أبناء جومار أن القضاء على الأزهر يكون ببقائه جامداً معزولاً عن الحياة ومتغيراتها.--------------------------------------------
(1) تاريخ ونظام التعليم في مصر: منير عطا الله وزملاؤه: (79).
(2) أستاذ فرنسي عهد إليه محمد علي بالإشراف على الطلبة المبتعثين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 590)

فاستصدروا من الخديوى إسماعيل سنة (1872م) القانون الخاص بتنظيم الأزهر وإصلاحه، وتنص فقرة (ب) منه على:
تحديد الدراسات التي تعطى بالأزهر بإحدى عشرة مادة هي: الفقه وأصول الدين والتوحيد والحديث والتفسير والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق (1)
ووافق ذلك هوى في نفوس علماء الأزهر، وبذلك قطع الطريق أمام وعي ذاتي لإصلاح الأزهر حقيقة.
أما المدارس الحديثة التي أنشأها محمد علي وأولاده فقد كانت مجالاتها أرحب وفرصها أوسع، وكانت البعثات إلى الخارج قائمة على قدم وساق.
والناحية الأشد خطورة هي الوسائل التي ينتهجها كلا النظامين التعليميين: النظام الديني -كما سمي- يقوم في الكتاتيب المتفرقة في القرى والأمصار للمرحلة الابتدائية، والجامع الأزهر للمرحلة العليا.
والكتاتيب يدرس فيها فقهاء (2) يجتمع حولهم الطلبة في مظاهر ريفية يحملون الألواح القديمة والمصاحف، والفقيه يتوسطهم بعمامته وفي يده عصا طويلة، ويقوم بتلقينهم بطريقة تغاير روح التربية الإسلامية المأثورة التي كانت في عصرها أرقى أساليب التربية العالمية.
وطلاب الجامع نفسه يتحلقون في أروقته مفترشين الحصر البالية، يتصدرهم شيخ لا يكاد يختلف في مظهره عن فقيه الكتاب (3).--------------------------------------------
(1) تاريخ ونظام التعليم في مصر: (105).
(2) الفقيه في عرف ذلك الزمن هم معلم الكتاب.
(3) انظر مثلاً: زعماء الإصلاح أحمد أمين: (285).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 591)

وعندما يكمل الطالب دراسته تكون شهادته إجازة خطية يكتبها له الشيخ بيده ناعتاً تلميذه بالألقاب العلمية العريضة.
أما إيرادات هذا التعليم فتأتي من هبات وصدقات المحسنين وأوقاف المتبرعين وهدايا رجال الدولة، أي أنها فوق كونها غير منظمة يصحبها أيضاً المن والرياء.
وعلى عكس ذلك كانت المدارس الحديثة:
فلها أبنية فخمة ووسائل متقدمة وميزانيات ثابتة ومناهج حديثة، ويديرها خبراء فرنسيون يشعر مظهرهم وتصرفاتهم بالحداثة والتحضر.
ولندع النظام الأزهري على جموده الذي سيظل عليه حتى ينسف كلية - كما سنرى - ولنتابع سير التعليم اللاديني واتجاهاته الثقافية.
يتحدث جب عن شيء من ذلك قائلاً: (وكانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشأها محمد علي والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا).
ويذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم الفذ رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) وهو تلميذ جومار البار.
ثم كانت الموجة الثانية من موجات التغريب في عهد الخديوي إسماعيل، ويمكننا أن نختار محمد عثمان جلال (1829 - 1798) تلميذ رفاعة مثالاً للجناح المتقدم من هذه الحركة، فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة، مثل بول وفرجيني، وخرافات لا فونتين وبعض ملاهي موليير، والأمر الذي يجدر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 592)