اشتد الحماس لهذه الحركة - في فترة عصيبة حرجة -، وهذا التوقيت المشبوه يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، ذلك أنه في سنة 1919 هبت مصر في وجه الاستعمار، ووقف الشعب بشجاعة مع عدد من المخلصين حقيقة يطالب بحقه من الحرية والحياة، وفي تلك الظروف الصاخبة التي تتميز بالغليان والاضطراب، وفي غمرة الثورة العارمة نشطت دعوتان مريبتان متآخيتان، إحداهما استغلت ظروف الثورة لسلخ الأمة عن انتمائها، وهي الدعوة إلى اللادينية تحت ستار الشعار الذي رفعته الزعامات المصطنعة (الدين لله والوطن للجميع) والأخرى: دعت إلى نسف الفضائل الإسلامية من خلال دعوتها إلى تحرير المرأة.
في ذلك الجو العاصف انبرت هدى ورفيقاتها للدفاع عن حقوق الوطن وطرد المحتلين، ولكن بماذا؟ لقد خرجن في مظاهرة ومزقن الحجاب وأحرقنه في ميدان عام، وكان هذا أعظم إسهام منهن في الثورة، وإذ حدث أن الجنود البريطانيين - لحاجة في نفس يعقوب - طوقوا الشوارع ساعة المظاهرة واعتدوا على بعض المتظاهرات، فقد بدا ذلك في أعين الشعب محاولة من بريطانيا لمنع المرأة المصرية من التحرر، وبذلك اكتسبت الحركة صفة البطولة الوطنية!! (1)
وتظهر الحقيقة أجلى وأوضح إذا علمنا أنه في تلك الفترة نفسها كان أتاتورك يهدم الإسلام تحت زيف البطولة الوطنية -أيضاً-.
لقد اعتبرت هذه البطولة مبرراً كافياً للانقضاض على الأخلاق، بل لمهاجمة أحكام الإسلام علانية، إذ ردد دعاة الإباحية قولهم: أليس الجنس اللطيف الذي أدى دوره في الثورة الوطنية بإخلاص، جديراً بأن--------------------------------------------
(1) انظر كتاب سعد زغلول بقلم سكرتيره: محمد إبراهيم الجزيري: (203) فما بعد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 633)
يتساوى في كل شيء مع الجنس الخشن؟، أتريدون أن تقدم المرأة للوطن كل شيء ولا يقدم الوطن لها شيئاً؟!
ولكن الحق لم يلبث أن انكشف، وإذا بالحركة النسائية في حقيقتها حركة عميلة مريبة، ترتبط خارجياً بالدوائر الاستعمارية وداخلياً بالزعماء المصطنعين.
أما ارتباطها بالاستعمار - والجمعيات التبشيرية خاصة - فيؤيده خطاب هدى شعراوي الذي ألقته في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي بروما، وهذه مقدمته:
إنه ليسرني حقيقة أن أرى نفسي بينكن في هذه الجمعية المحترمة التي أمكن للمرأة المصرية أن تجيء لتناقش في حقوقها لأول مرة في التاريخ، وإنه لمما يدعوني إلى الاغتباط والفخر اختيارى لإظهار تلك الرابطة بين بنات النيل وأخواتهن في أوروبا (1).
وتختتم خطابها قائلة:
(والآن قبل أن أعود أرجو أن تسمحن لي أيتها السيدات على طلبكن بإلحاح إبداء الرغبة في إشراك المرأة المصرية في واجب الاتحاد الجليل، ولنا عظيم الرجاء في أن نصل بفضل نصائحكن الغالية التي نعتبرها السبيل الهادي، والنسج على منوالكن الذي نجد فيه خير كفيل إلى تحقيق آمالنا ورغائبنا، ونضع تحت تصرفكن أنفسنا في خدمة مبادئكن ونشر آرائكن) (2).
أما صلتها بالزعماء المصطنعين، فيؤكدها بصفة قاطعة سكرتير سعد زغلول -زعيم حزب الوفد- في كتابه عن حياته، فقد ذكر أن--------------------------------------------
(1) المرأة وآراء الفلاسفة: (142).
(2) المصدر السابق: (144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 634)
سعداً هو الزعيم الحقيقي للحركة النسائية، مستشهداً بخطابه الذي ألقاه بمناسبة زيارة وفد مختلط من طلبة مدرسة الحقوق الفرنسية لمصر، ومنه:
(إنني من أنصار تحرير المرأة ومن المقتنعين به، لأنه بغير هذا التحرير لا نستطيع بلوغ غايتنا، ويقيني بهذا ليس وليد اليوم بل هو قديم العهد، فقد شاركت منذ أمد بعيد صديقي المرحوم قاسم بك أمين في أفكاره التي ضمنها كتابه الذي أهداه لي -يريد كتاب المرأة الجديدة (1).
ويضيف الكاتب أن زوجة سعد كانت مثقفة ثقافة فرنسية، وأنه كان يمنحها الحرية الكاملة (!) ويبدو من مسيرة زوجة سعد أنها أول زوجة زعيم سياسي عربي -تقريباً- تظهر معه سافرة في المحافل والصور، وتتسمى على الطريقة الغربية صفية زغلول، كما أنها أول من اتخذت بدعة لقب أم المصريين (2)
ويذكر الكاتب أن صفية زغلول هي الزعيمة النسائية الحقيقية، لكنها آثرت ألا تظهر ذلك، وأسندت هي وزوجها الأمر إلى هدى شعراوي التي عينها سعد رئيسة لجنة الوفد المركزية للسيدات سعد زغلول (3)، على أن سكرتير الزعيم يثبت -دون أن يدري - إدانة الزعيم والحركة النسائية وارتباطها بالاستعمار، وذلك في معرض حديثه عن صديقة سعد منيرة ثابت الملقبة "الفتاة الثائرة" وأول صحفية مصرية، فهو يقول:--------------------------------------------
(1) سعد زغلول: (203).
(2) سعد زغلول: (204).
(3) سعد زغلول (208).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 635)
(كانت الوزارة الزيورية تضطهد الصحافة الوفدية وتغلق جرائدها واحدة بعد الأخرى، ولا تسمح لوفدي بأية رخصة جديدة، وعلى حين فجأة غابت الآنسة منيرة ثابت أياماً عن بيت الأمة، ثم عادت تحمل رخصتين لصحيفتين جديدتين باسم: الأمل ولسبوار أولاهما عربية سياسية أسبوعية، والثانية فرنسية سياسية يومية، وقدمتهما للرئيس (سعد) لتكون رهن تصرفه، أما كيف حصلت على الرخصتين فلا أعرف عنه وإلى اليوم شيئاً) (1).
ثم تطور الأمر إلى تشكيل أحزاب نسائية، أهمها الحزب النسائي (1945) وحزب بنت النيل (1949)، وقد نشرت الصحف المصرية نفسها فضائح عن هذه الأحزاب، تثبت أنها كانت تتلقى الأموال من السفارات الغربية لا سيما الأميركية والإنجليزية (2)
وكان من ثمرة الحركة النسائية ولادة الصحافة النسائية، فقد صدرت مجلة فتاة الشرق قبل الحرب العظمى الأولى، ومما تجدر الإشارة إليه أن كل عدد من أعدادها يحوي نماذج وصوراً لأزياء الشهر، (3) التي ظهرت في أوروبا، الأمر الذي مهد لوقوع المرأة المسلمة في شباك مصيدة الأزياء اليهودية، كما وقعت المرأة النصرانية في الغرب.
وأسهمت المجلات غير النسائية بنصيبها في الحركة فكانت (الهلال) ومثلها (المقتطف) و (العصور) تنشر إلى جانب المناقشات الفكرية للموضوع صور المتبرجات من شرقيات وغربيات، وتحيطها بهالة من التعظيم وتغري القارئات بمحاكاتهن.
وفي المجال التعليمي حرص لطفي السيد وطه حسين وأتباعهما--------------------------------------------
(1) سعد زغلول (212).
(2) انظر الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار، محمد عطية خميس: (89).
(3) انظر المجلد الأول من المجلة المذكورة سنة (1913)، مركز البحث العلمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 636)
على أن يكون التعليم مختلطاً فيه الذكور والإناث، واشتد الصراع في الجامعة من أجل ذلك، وكتب الرافعي شيطان وشيطانة رداً على طه حسين وسهير القلماوي، كما كتب مقالاً يحيي فيه طلبة الجامعة الذين رفضوا الاختلاط، (1) ولكن الانتصار كتب لدعاة الاختلاط، فقد كان في صفهم الزعماء السياسيون ومعظم الصحف، وكل القوى الدخيلة من مبشرين ومستشرقين في الجامعة وغيرها، إذ أن هذه القوى مجتمعة فزعت لظهور الحركة الإسلامية الطلابية وحاربتها أشد الحرب.
ولم يقنع الكتاب النسائيون بما حققته الدعوة من مكاسب ونجاح، ولعل مرد ذلك إلى أن الأسياد ينتظرون المزيد، بل ظلت الحرب النفسية مستمرة، فبعضهم يغرق في المبالغة والوهم، حتى يجعل وضع المرأة هو المسئول عن مشكلات مصر من أولها إلى آخرها، كما قال سلامة موسى:
"تعدد مشكلاتنا يوهم اختلافها في الأصل وأنها لا يتصل بعضها ببعض، ولكن المتأمل المفكر يستطيع أن يجد النقطة البؤرية لجميع هذه المشكلات، والنقطة البؤرية الوحيدة هنا هي أن نظامنا الإقطاعي في نظرته للعائلة ومركز المرأة والأخلاق الأبوية والنظرة الاجتماعية، كل هذا يعود إلى مشكلة واحدة هي أن آراءنا الإقطاعية القديمة التي ورثنا معظمها عن الدولة الرومانية الملعونة (لا يريد أن يعترف بالإسلام) لم تعد تصلح للحياة العصرية، وان متاعبنا وأرزاءنا واصطداماتنا تنبع من هذا الكفاح الذي نكافحه نحو حياة ديمقراطية جديدة، نتخلص بها من الحياة الإقطاعية القدمية" (2).--------------------------------------------
(1) وحي القلم: (3/ 163).
(2) الأدب للشعب: (66 - 67).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 637)
أما إسماعيل مظهر فقد جمع شبهاته القديمة وآراء غيره، ونسقها في كتاب أسماه (المرأة في عصر الديمقراطية) جاء فيه: "ومضى الكثيرون متعامين عن الحق الواضح الجلي قائلين بأن قضية المرأة قضية محلولة، وأن الزمن القديم قد وضع لها القواعد وفصل الفصول وأتم الفروع، مؤتمين في ذلك بنظريات وأقوال أبلاها الزمن وناء عليها الدهر، فأصبحت مهلهلة فضفاضة بادية العورات، ولكنهم يحاولون ستر عوراتها بالثرثرة الفارغة كقولهم المرأة للبيت وقولهم الرجل قوام على المرأة وقولهم: -كما قيل من قبل- المرأة ليس لها نفس … " (1).
وفيه: "لقد اتخذ الرجعيون الذين يرهبون التطور فرقاً من أوهام سلطت عليهم، أو رغبة في بسط سلطانهم على النساء … من بضعة نصوص أشير بها إلى حالات قامت في عصور غابرة، سبيلاً إلى استعباد النساء استعباداً أبدياً، لقد حُضَّت المرأة في ذلك العصر أن تقر في بيتها وأن لا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى" (2).
ثم أخذ يناقش كلا الدليلين: "إن المعنى الذي يستخلصه أصحاب الرجعية من حض المرأة على أن تقر في البيت معنى غامض كل الغموض في هذا العصر، وبالرغم من ذلك الغموض الذي يكتنفه فإنهم لا يريدون أن يفسروه حتى تتحدد المعاني القائمة في نفوسهم منه.
أما إذا أرادوا أن تكون المرأة سجينة البيت، فكيف يوفقون بين--------------------------------------------
(1) (ص:96).
(2) (ص:118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 638)
هذا المعنى وبين حاجات الحياة الضرورية؟ وإذا أرادوا أن يكون تفسيره أن تقر المرأة في البيت إذا لم يكن لها ما يشغلها خارجه، فذلك هو الواقع في حياتنا الحديثة" (1).
ولكن المصيبة التي أصابنا بها أولئك المستغرقين (كذا) في النظر في الحياة بمنظار القبلية البدائية، أنهم يعتقدون أن كل تجمل تبدو به المرأة هو تبرج وأنه تبرج الجاهلية الأولى، ذلك في حين أن كلمة (التبرج) ليس لها حدود التمرينات الرياضية، وفي حين أنه لم يصلنا عنهم وصف شامل لتبرج الجاهلية الأولى!!
فغالب الظن، بل الأرجح -تغليباً- أن المقصود به (أي: التبرج) عادة ألفت في الأزمان الأولى كانت في نشأتها شعيرة من شعائر الوثنية، أي: شعيرة دينية، فإن البغاء على ما يعرف -الآن- من تاريخه وتطوره قد نشأ في أوله نشأة دينية، فكان شعيرة من شعائر التقرب من الآلهة ..
ثم يقول: "فلما جاء الإسلام … عطف إلى ناحية المرأة فاعتبرها نصف إنسان، وأضفى عليها من الكرامة والاحترام ذلك القدر الذي لا يزال -حتى الآن- موضع انبهار كل المشترعين … غير أن خمسة عشر قرناً من الزمان كافية في الواقع لأن تهيئ العقلية الإنسانية إلى خطوات أخرى في التشريع للمرأة ....
ومن هذه الناحية لا أرى ما يمنع مطلقاً من أن ترفع المرأة إلى منزلة المساواة بالرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية في الميراث وفي قبول الشهادة وفي العمل وفي الاستقلال الفكري والاقتصادي،--------------------------------------------
(1) (ص:120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 639)
وبالجملة في جميع الأشياء التي تكمل بها إنسانيتها، ذلك بأنها إنسان" (1).
ثم تلاه خالد محمد خالد وكتابه الديمقراطية أبداً "وكان نصيب المرأة من ديمقراطيتة شيئين:
1 - حق المرأة في وقف تعدد الزوجات، وعلى ذمته ينسب إلى محمد عبده أنه قال يجب تحريم التعدد الآن عملاً بحديث {لا ضرر ولا ضرار} (2).
2 - تأميم الطلاق-على حد تعبيره-" (3).
أما حسين مؤنس فيعد الحجاب الإسلامي هو العائق الأكبر في سبيل انتماء مصر للغرب، ذلك أنه ربطها بالمجتمعات الشرقية المتخلفة في حين أن المرأة المصرية القديمة كالمرأة الأوروبية الحديثة سواءً بسواءً وحضارتها واحدة، يقول: "وقد انهارت المجتمعات الشرقية كلها بسبب ظلمها للمرأة وحرمانها إياها من مكانها وحقها الطبيعيين، وهذه حقيقة لم يتنبه لها معظم من يدرسون تواريخ هذه الدول الشرقية من المشارقة، ولكنها معروفة للدارسين من أهل الغرب لأن مجتمعهم يقوم على المرأة والرجل مجتمعين، ومن ثم فهم يعرفون أهمية المرأة في المجتمع الإنساني، ويشيرون إلى ذلك ويقررون أنه أساس تقدم مجتمعهم على غيره من المجتمعات، وهذه الحقيقة- على ما يبدو من بساطتها---------------------------------------------
(1) (ص:137 - 138).
(2) (ص: 164).
(3) الكتاب المذكور انظر: (164 - 165).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 640)
تفرق بين مجتمع ومجتمع وحضارة وحضارة، بل هي الحد الفاصل بين الحضارات التي أينعت وعاشت والحضارات التي ذبلت وماتت.
والحضارة المصرية القديمة من الطراز الذي أعطى المرأة حقها واعترف بها، ومنحها حقها كاملاً في البيت وفي ميدان العمل والحياة، بل إن عينيك لا تقع على رسم مصري قديم إلا وجدت المرأة فيه إلى جانب الرجل، ورأيتها رافعة الرأس تسير معه وتعمل معه …
وحضارة مصر مشتركة من هذه الناحية الأساسية مع (حضارتنا) الراهنة، وأنا أقول: حضارتنا لأنك سترى أن ما نسميه -اليوم- بحضارة الغرب إن هو إلا الحضارة المصرية القديمة متطورة في اتجاه مستقيم" (1).
وهكذا ظل الناعقون يصيحون من كل مكان، ويسلكون كل اتجاه -فكرياً أم عملياً- حتى آل الأمر إلى الواقع المؤلم الذي عبر عنه أوفى تعبير جان بول رو بقوله: "إن التأثير الغربي الذي يظهر في كل المجالات ويقلب رأساً على عقب المجتمع الإسلامي، لا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة" (2).
لقد عمت الفوضى الأخلاقية العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه على تفاوت في ذلك، وتولى الجيل الذي رباه المستعمرون تربية جيل جديد أكثر مسخاً وانحلالاً، وحوربت أحكام الله على يد أبطال الاستقلال أكثر مما حوربت بأيدي المستعمرين، ولنستمع إلى رو وهو يقرر ذلك قائلاً: "في تركية سنة 1929 صدر قانون مدني على غرار قانون--------------------------------------------
(1) مصر ورسالتها: (51 - 52).
(2) الإسلام في الغرب: (178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 641)
نوشاتيل المدني السويسري، فحرم تعدد الزوجات وقضى على الحجاب والحريم ونظرة الطلاق، وفي برهة وجيزة جعل من المرأة التركية شقيقة المرأة السويسرية وصنوها" (1).
ثم يقول:
"والمرأة التركية عصرية تماماً فهي ترتدي أثواب السهرة العارية الكتفين والظهر، كما لا تحجم عن ارتداء المايو، ولكنها تتحاشى التطرف في ذلك، وأما الغزل وأحاديث الغرام فهي أمور لا تتم في العلن وكذلك التقبيل لا يجرى جهراً، وما من أحد يشكو من التفكك الخلقي (2)
وفي المغرب تمكن العهد الاستقلالي من أن يحقق في بضع سنوات ما لم يستطعه الاستعمار في عشرات السنين.
وفي الجزائر أوحت الثورة للنساء بالكفاح، فخرجت العذارى المحاربات من بيوتهن ونزعن الحجاب لأول مرة منذ أن اعتنقت بلادهن الإسلام، وهنا تكون المعركة النضالية قد فعلت ما عجز السلام عن فعله، أي كما فعلت الثورة الشعبية المصرية.
وفي تونس أعلن السيد بورقيبة عدة قرارات هي بمثابة ثورة اجتماعية جديدة (10 آب سنة 1956م) وكان المقصد بهذه الثورة منع تعدد الزوجات وجعل السن الدنيا لزواج الفتاة الخامسة عشرة، ثم تحرير المواطنين والمواطنات الذين تخطوا العشرينات من عمرهم من موافقة الوالدين إذا ما أرادوا عقد الزواج، وفي نفس الوقت أعلن--------------------------------------------
(1) الإسلام في الغرب: (181).
(2) المصدر السابق: (186).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 642)
السيد بورقيبة … بأن الطلاق لا بد من أن يخضع للمحاكم" (1).
هذا وقد نشرت مجلة العربي في استطلاع لها عن تونس صورة للوحات الدعاية المنصوبة في الشوارع، ففي كل ميدان لوحتان إحداهما تمثل أسرة ترتدي الزي المحتشم مشطوبة بإشارة (×) والأخرى تمثل أسرة متفرنجة متبرجة ومكتوب تحتها: كوني مثل هؤلاء!
أما القرارات التي أشار إليها رو فهي تلك القوانين التي تعاقب من يتزوج ثانية بالحلال، وتبري بل تشجع من يخادن عشراً بالحرام!
على أن السلاح الفتاك الذي استخدم الفضيلة وتقويض المجتمعات الإسلامية، ونقل الأوبئة الاجتماعية الغربية هو وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وسينما وتلفزيون. تلك التي تعرض بصورة فنية وأساليب متطورة كل ضروب الفتنة وصنوف الانحلال، وقد أصبحت بما لديها من قدرة التأثير وسعة القاعدة تشكل جبهة عريضة عاتية تبدو حيالها أية محاولة للإصلاح أو نداء للفضيلة عاجزة جداً" (2).
إلى جانب ذلك يأتي التعليم المختلط والنوادي المختلطة والشواطئ (البلاجات) المختلطة، وتأتي الأزياء الخليعة المستوردة من بيوت اليهود في الغرب، وتأتي موانع الحمل ووسائل الإجهاض.
إلى جانب ذلك يكون الاختلاط الفاضح في دوائر الحكومة والمؤسسات، وفي وسائل المواصلات وفي الشقق والمساكن، وفي كل مكان في معظم أقطار العالم الإسلامي.
ومن هنا فلا عجب أن سمعنا بين الحين والحين عن جرائم--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (188 - 189).
(2) انظر كتاب سقوط القاهرة، عبد المنعم شميس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 643)
اجتماعية، تضاهي تلك التي تحدثنا عنها في أوروبا وأميركا، من قتل واختطاف واغتصاب وتشرد، ولا عجب أن تنتشر الأمراض الاجتماعية الفتاكة الناشئة عن فقد كل من الجنسين خصائصه المميزة، وليس ما نشاهده من تخنث الرجال وترجل النساء إلا صورة من ذلك.
ولا عجب أيضاً أن تتقوض البيوت وتنهار الأسر، ويصبح جنوح الأحداث مشكلة اجتماعية تعاني منها بلاد تدعي أنها إسلامية.
إن التربية غير السليمة لا يمكن أن تنتج إلا جيلاً غير سليم، وهاهو ذا الجيل المعاصر المنكود تتجاذبه الشهوات والشبهات وتمزقه التناقضات والغوايات، وتغتاله النزوات المتهورة والإغراءات القاتلة، فلا يستطيع إلا أن يسلم نفسه ذليلاً لشياطين الجن والإنس ينهشون فكره وجسمه، ويلهبون ظهره بسياطهم، حتى يسقط شلواً ممزقاً على مذبح الفسق والإباحية.
والعجيب -حقاً- أنه مع هذه النذر كلها لا تزال الدعوات المحمومة على أشدها، ولا تزال الموجة في عنفوانها، ولا تزال الصيحات تتعالى من كل مكان مطالبة بنبذ التقاليد وفصل الأخلاق عن الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 644)
- الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام:
الباب الخامس: حكم العلمانية في الإسلام.
الفصل الأول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟
الفصل الثاني: حكم العلمانية في الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 645)
- الفصل الأول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟؟:
العلمانية فكرة مستوردة لا يشك في ذلك أعداؤها ولا يماري فيه أحد من دعاتها، ومعنى ذلك -بداهة- أنها ليست من صميم الإسلام ولا هي حتى من إنتاج المنتسبين إليه، ولذلك وجب -قبل كل شيء- أن ننظر إليها نظرتنا إلى أية بضاعة مستوردة من جهة حاجتنا إليها أو عدمها، فما لم نكن بحاجة إليه فإن المفروض فينا باعتبارنا عقلاء أن نميز ونختار ونأخذ أخذ الواعي الحذر.
وبتطبيق هذه البدهية على العلمانية، نجد أنها بضاعة نحن في غنى تام عنها، أي أن من الحمق والغباء أن نستجلبها حتى وإن كانت نافعة ومجدية بالنسبة للمجتمعات والظروف التي أنتجتها، فكيف إذا كانت -كما سبق- ما دخلت مجالاً من مجالات الحياة إلا وثمرتها الشقاء المطبق والضياع المرير؟!
ثم إنه يجب -سلفاً- ألا ننسى أننا لسنا مخيرين أصلاً في قبول هذه الفكرة أو رفضها، وإننا حتى ونحن نناقشها على ضوء هذه البدهيات - إنما نناقشها من قبيل الفرض الجدلي والنزول إلى مستوى الخصم: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [سبأ:24]، وإلا فإن ما سيأتي تقريره من حكم العلمانية في دين الله لا يدع لنا فرصة للتفكير أو التردد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 647)
وبالرغم من ذلك نقول: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر؟ هل لها ما يسوغها من الأسباب سواء أكان في العقيدة أم الشريعة، في التصور أم في التطبيق؟
الفروق الجوهرية بين الإسلام والديانة الكنسية:
وقبل أن نفكر في الجواب سوف تستولي على أذهاننا تلك المشاهد المروعة، التي عرضت سابقاً عن الحياة العلمانية في الغرب ولسان حالها يصرخ في وجوهنا: أن احذروا أن تلقوا بأنفسكم في الجحيم!
وإذا استعرضنا بسرعة خاطفة ما سبق أن تحدثنا عنه سلفاً، من قصة العلمانية في أوروبا بأسبابها ودوافعها، فسوف نصل دون جهد إلى نتيجة واضحة هي: أن العلمانية رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، وإنها نبات نكد خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية.
فأوروبا نكبت بالكنيسة وديانتها المحرفة وطغيانها الأعمى، وسارت أحقاباً من الدهر تتعثر في ركابها، ثم انتفضت عليها وتمردت على سلطتها، فانتقلت إلى انحراف آخر وسارت في خط مضاد، إلا أنه أعظم خطراً وأسوأ مصيراً.
انتقلت من جاهلية تلبس مسوح الدين إلى جاهلية ترتدي مسوح التقدم والتطور، وهربت من طغيان رجال الدين والإقطاعيين فوقعت في قبضة الرأسماليين وأعضاء الحزب الشيوعي.
وذلك الانتقال وهذا الهروب دفعت إليه ظروف تاريخية بيئية نابعة من واقع الحياة الأوروبية خاصة؛ مع العلم بأنه لم يكن ضرورياً أن يتخذ رد الفعل الأوروبي تلك الصفة بعينها وأن مجيئه على هذا الشكل ليس حتمياً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 648)
أي أنه لم يكن حتماً على مجتمع ابتلي بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعاً لا دينياً، بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح.
فإذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن ذلك المجتمع، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة، فماذا نحكم عليه؟ … وكيف يكون الحكم -أيضاً- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح؟ إن أول ما لاحظناه في دين أوروبا هو التحريف في العقيدة والشريعة: عقيدة التثليث المستغلقة المضطربة والأناجيل المحرفة المتضاربة، ثم النظرة القاصرة التي فصلت الدين عن الدولة والحياة وحصرته في الأديرة والكنائس، فهل ذلك أو شيء منه في الإسلام؟
لنبدأ بالتثليث، أي ما يتصل بعقيدة الألوهية:
وبدون أدنى مبالغة نقول إنه ليس من دين ولا نحلة على وجه الأرض أيسر فهما، وأعظم اتساقاً مع الفطرة وموافقة للعقل من العقيدة الإسلامية، بل هي الفطرة ذاتها التي يعد ما عداها انحرافاً وضلالاً، والتي لا تتغير بحال: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:30].
هذه العقيدة الفطرية تشرحها سورة واحدة صغيرة قل أن يوجد مسلم لا يستظهرها: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)) [الإخلاص:1 - 4] وهي السورة التي نزلت جواب إلهياً للمشركين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 649)
عندما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربه (1).
هكذا وحدانية سهلة سلسلة تتشربها النفس البشرية بطريقة تلقائية دون تعقيد أو تكلف، فلا أقانيم ولا أبوة وبنوة ولا تشبيه ومكافأة.
وهذه الحقيقة هي التي تجذب اهتمام وتركيز دارسي الإسلام من أول لحظة، وتدفع من كتبت له الهداية منهم إلى نفض ما علق بفطرته من ركام والدخول في دين الله بكل طمأنينة، ذلك أن أول ما يستشعره القلب والعقل أمام العقيدة الإسلامية هو الاستقامة والبساطة والوضوح … ، وهذه السمة التي تجتذب الأفراد الذين يدخلون في هذا الدين من الأوروبيين والأميركيين المعاصرين، فيتحدثون عنها بوصفها أول ما طرق حسهم من هذا الدين، وهي ذاتها السمة التي تجتذب البدائيين في أفريقيا وآسيا في القديم والحديث، لأنها سمة الفطرة التي يشترك فيها الناس أجمعين متحضرين وبدائيين (2)
ويأتي مصداق ذلك على لسان أحد الداخلين في الإسلام من النصارى:
بدأت أدرس الأديان بصفة عامة والإسلام على وجه الخصوص، فأيقنت في غضون دراستي أن دنيا تفكيري وإحساسي أقرب للإسلام منها للمسيحية، وبالتدريج اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة كان ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي البشرية، وأستطيع هنا أن أضرب مثالاً نظرياً وآخر عملياً:
عندما درست وجهة النظر الإسلامية حول النبي عيسى عليه السلام عرفت أنني لم يحدث قط أن آمنت بأن عيسى عليه السلام ابن الله، كما عرفت فيما بعد من أستاذ بروتستانتي أن عدداً كبيراً من--------------------------------------------
(1) انظر: لباب النقول المطبوع مع الجلالين: (384).
(2) خصائص التطور الإسلامي: (228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 650)
المسيحيين -حوالي (80%) - منهم أقرب إلى الإسلام منه إلى المسيحية في هذه الناحية على الأقل من عقيدتهم، أما من الناحية العملية، فحتى قبل إسلامي كنت أنفر من الخمور والرقص وما شابه ذلك من الأمور التي عرفت فيما بعد أنها محرمة في الإسلام، وهكذا كان الإسلام بالنسبة لي كعملية اكتشافي لفطرتي: ((فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم:30] (1).
والعجيب في قضية التثليث أن تنسب أوروبا الفضل في إنكارها إلى فلاسفة عصر التنوير [ق:18] من أمثال فولتير وتوم بين، ويعرب بعض الباحثين عن دهشتهم لأن عقلية جبارة كتلك التي يتمتع بها ديكارت لم تستنكر هذه العقيدة ولو بكلمة واحدة.
هذا في حين أن الإسلام -دين الله الحق- سبق إلى نقض هذه العقيدة وإبطالها، ليس من خلال تنفيره العام من الشرك وإنكاره المطلق فحسب، بل أفرد الحديث عنها استقلالاً وفصله من وجوه منوهاً بأنها عقيدة وثنية قديمة، وهي الحقيقة التي لم تعرفها أوروبا إلا بعد ظهور علم مقارنة الأديان الذي يعد من أحدث علومها النظرية، قال تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)) [التوبة:30] (2) ..
أما بالنسبة للأناجيل فإن سلامة القرآن الكريم من التحريف وحفظه بنصه الكامل حفظاً أبدياً لأمر حسي مقطوع به، لا يماري فيه إلا مكابر ينكر عقله وحسه قبل أن ينكره، ففي إمكان--------------------------------------------
(1) رجال ونساء أسلموا، عرفات كامل العشي: (1/ 24 - 25).
(2) انظر في ظلال القرآن: (4/ 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 651)
الشاك في حقيقة ذلك أن يأخذ نسخة مطبوعة من القرآن الكريم من ماليزيا مثلاً، وأخرى من مصر وثالثة من أمريكا، ثم يقارن بينها وبعد أن يتضح له أنها متطابقة تماماً -وهو ما لا بد منه- فليقارن إحداها بأية نسخة مخطوطة منه، سواءً في إحدى مكتبات الهند أو في أحد متاحف أوروبا ليجد الحقيقة عينها تتكرر لديه (1).
وقديماً يذكر الإمام البيهقي رحمه الله قصة واقعية مروية عن القاضي يحيى بن أكثم قال: ((دخل يهودي على المأمون فتكلم فأحسن الكلام، فدعاه المأمون إلى الإسلام فأبى، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلماً فتكلم فأحسن الكلام، فقال له المأمون: ما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن الأديان، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ فيها نقص وزيادة وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي)).
قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عينية فذكرت له الحديث، فقال مصداق هذا في كتاب الله تعالى، قلت في أي موضع؟ قال: قال الله تعالى في التوراة والإنجيل: ((بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:44] فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] فحفظه فلم يضع (2).--------------------------------------------
(1) لا يحتج أحد بالطبعات التي يصدرها أحياناً هيئات معادية للإسلام، فهي تفتضح بمجرد صدورها.
(2) الخصائص الكبرى: (3/ 128).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 652)
وهذه الحقيقة الكبرى تقف كالصخرة الصماء أمام جهود المستشرقين وفلول الحاقدين على الإسلام قديماً وحديثاً، لم يستطيعوا منها نيلاً ولا تحويلاً.
أما تحريف الشريعة بفصلها عن شئون الحياة وقصرها على طائفة مخصوصة، بل على فترات محدودة من حياة تلك الطائفة، فقد حفظ الله تعالى دينه الحق من ذلك -أيضاً- ولم تمر على الإسلام تلك الظروف التاريخية السيئة التي حالت دون تطبيق شريعة عيسى عليه السلام:
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يلحق بالرفيق الأعلى حتى كانت للإسلام دولة يقوم كل جليل من أمرها ودقيق على هديه الإلهي، دولة فريدة في عالم الأرض كله، واستمرت دولة الإسلام تنمو وتتسع، وانضوى تحت حكم الله شعوب، وأمم العالم المتحضر من بلاد الصين إلى المحيط الأطلسي، ولم يبق خارجاً عن دائرته إلا أوروبا التي كانت مطمورة في ظلمات بعضها فوق بعض، والقبائل الوحشية في أواسط أفريقية وشمال وجنوب شرق آسيا، وهكذا لم تتعرض الشريعة الإسلامية لاضطهاد يذهب معالمها ويطمس حقائقها، ويجعل تطبيقها في واقع الحياة أمراً مستحيلاً، كما حدث للنصرانية.
هذا بالنسبة للعوامل الخارجية، أما العوامل الذاتية فإن الشريعة الإسلامية سلمت من عبث العابثين وتحريف المبطلين، فعلى الرغم من كثرة الفرق الهدامة والطوائف الموتورة فإنها جميعاً عجزت عن تحقيق أهدافها، وغمرها التاريخ في طياته، والشريعة غضة طرية كأنما أنزلت اليوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 653)