4 - أدب التفسخ:
نوع من أدب الضياع يميل إلى التشاؤم والابتذال، ويتميز بأن أبطاله هم نوع من الكائنات التي فقدت الثقة بنفسها وبمستقبلها، والتي لا تؤمن أبداً بإمكان قيامها اليوم بحياة إنسانية.
وقد جعل روائيوه عملهم في الوسوسة الفيزيولوجية واستغلال بؤس البهيمة البشرية، كأنهم جعلوا شعارهم شعار أبطال ريمون: غير أن ليست الخليقة شيئاً إلا بالأحشاء التي تقودها، كأنه لا يوجد على الأرض شيء يرتاد أجمل من أمعاء إنسانية كلها حيوانية ومن بالوعات المدن الكبرى!! (1)
5 - أدب المستحيل:
اتجاه حديث ظهر بعد الحرب العالمية الثانية متأثراً بفظائعها، ترتكز فلسفته على الإلحاد القانط واعتقاد أن الإنسان هو ميت مؤجل بحيث لا يهتم أحد بإنقاذه.
يقول معجم الأدب المعاصر:
والمستحيل وأساطيره لم تسيطر عبثاً منذ عشرين سنة (أي:1945) على أدب قد نما تحت لواء الدعوى فإذا كان كتاب كامو هو الكتاب المفتاح لعام 1947 فلأنه كان يحمل آنذاك، تلك الفكرة القائلة: أن كل مجتمع في هذه الأيام يحمل جحيمه في نفسه، وأن كل مدينة يمكن أن تموت بالطاعون، إن أجيال ما بعد الحرب لا تزال تبدو تحت ضرب عاقبة جرح السنوات الأربعين، ما فائدة الصراع والصلاة والتأمل والإيمان؟! فالعالم الذي تتعذب فيه الناس ويموتون هو نفسه العالم الذي يتعذب فيه النمال وتموت، عالم طاغ وغير مفهوم.
عشرون سنة ودخان هيروشيما يعلمنا أن العالم ليس جدياً--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
ولا دائم البقاء - إن ملاحظة روجيه نيميه هذه قد أبداها جيل بكامله جيل أبناء المستحيل (1).
6 - الأدب العدمي:
نوع آخر أكثر تشاؤماً وقنوطاً، إنتاجه هو عبارة عن ذلك العمل المؤلم الذي يصرخ بصوت عال في كل صرخة من صرخاته المبتورة إن الإنسان قد مات، وحيث ما من شيء ولا شخص ولا لغة على الخصوص تستطيع إغاثة ذرة الوجود تلك التي انكمشت في استحالتها الأساسية، وتعلن أنها تنتمى إلى العدم وأنها ستعود إليه وإلى الأبد، وأنها لا تتخيل نهاية أخرى سوى نهاية القذارة التي تنتظر صيد الماء؟ (2)
7 - أدب الهروب والحلم:
صورة أخرى من صور الضياع يقول عنها المصدر السابق:
إنه أدب لا يرفض أخلاق وغيبية أبائنا فقط، ولكنه يرفض الحقيقة النفسية وواقعية ملاحظته، يرفض فهم الأجهزة الآلية للروح؛ لأنه ليس هناك إيمان بعمل النفس يراد التقاط الحياة في منبعها والجثوم مباشرة على الزخم الحيوي وإمساك جذور الوجود المعقدة، إنها صوفية بدون إله.
أشهر رواده بلانشو وباتاي والأخير: كان يحلم بشعر ينكر الطبيعة وبمطلق يستغني عن القيم (3).
هذا وهناك مدارس واتجاهات أخرى كالتكعيبية والمستقبلية … إلخ، لا تختلف في جوهرها عما سلف.--------------------------------------------
(1) بيار بواديفر: انظر (48 - 50).
(2) المصدر السابق: (46).
(3) (ص:51).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
- الفصل السادس: ماذا بقي للدين:
ماذا بقي للدين؟
هذا هو السؤال الذي يراودنا الآن بعد تلك الرحلة الطويلة!
لقد رأينا كيف استؤصلت جذور الدين من كل مجال من مجالات الحياة: في السياسة والاقتصاد، وفي الاجتماع والأخلاق، وفي العلم والفن، فماذا بقي للدين بعد ذلك؟ هل بقي له شيء يذكر سواء على الصعيد النظري أو في واقع الحياة؟ (1).
أما على المستوى العلمي والفكري فإن أوروبا -شرقها وغربها- قد استبعدت بصفة مطلقة أن تكلف نفسها البحث في أية قضية من القضايا منطلقة من الدين أو متأثرة به، وأن تستفتي الدين في أي شأن من الشئون.
فالعداوة التقليدية المريرة بين الكنيسة والعلم قضت على كل احتمال من ذلك، والمبدأ الأساسي الذي قامت عليه الحياة الأوروبية المعاصرة هو عبادة الهوى وتحكيمه من دون الله، فالإنسان المعاصر الذي شب عن الطوق واستغنى عن الإله لم يعد بحاجة إلى الرجوع إليه ..--------------------------------------------
(1) لا يعني هذا بطبيعة الحال أن أوروبا تخلت عن تعصبها للمسيحية ضد غيرها -والإسلام خاصة- ولكن التعصب ليس دليل التدين بل له تعليل آخر سيأتي في موضوع التخطيط الصليبي اليهودي ضمن أسباب العلمانية في العالم الإسلامي (522).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
ليكتب أي باحث ما شاء: نظرية، نقداً، خرافة، لغواً ساقطاً، مجوناً، وفحشاً … إلخ أي شيء، وليبد رأيه بكل حرية ما دام لا ينبع من المنطقة المحرمة: منطقة الدين، منطقة الحلال والحرام.
ومن هنا جاءت كلمة: جورج سانتياتا وهو يلخص المزاج الثقافي للعصر: "إن حياتنا بكاملها وعقلنا قد تشبعا بالتسرب البطيء الصاعد لروح جديدة هي روح ديمقراطية دولية متحررة وغير مؤمنة بالله" (1).
وهكذا نجد الباحثين العلميين -حتى من كان منهم يذهب إلى الكنيسة يوم الأحد- يكتبون في كل التخصصات من منطلق العداوة العمياء للدين:
فالذي يتحدث في علم النفس يقول: إن الدين كبت ينبغي أن يحطم لكي لا يؤذي الكيان النفسي للفرد!
والذي يتحدث في الاقتصاد يقول: إن الاقتصاد الصناعي يحتاج إلى مجتمع متحرر من القيود الموروثة من المجتمع الزراعي ومن بينها كذلك احتجاز المرأة لمهمة الأمومة (إذ ينبغي -في المجتمع الصناعي- أن تخرج المرأة لتعمل!
والذي يتحدث في الاجتماع ينظر بعين السخرية إلى تلك السذاجة التي كانت تخيل للناس أن الدين فطري وأنه شيء منزل من السماء، ألا يعلم الناس أن البشر هم الذين ابتدعوا الدين أيام جهالتهم وسذاجتهم؟! انظروا إلى المجتمعات المتأخرة التي ما تزال تعيش في الأحراش في أفريقيا وأستراليا … وستجدون بذرة الدين--------------------------------------------
(1) تكوين العقل الحديث: (2/ 334)، وسانتياتا أحد أقطاب الفلسفة العملية الأميركية ( Pragmatism) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
هناك في الجهل والسذاجة والخرافة والأسطورة … ثم انظروا إلى التقدم الحضاري في القرن العشرين! أما تستحون من أن يكون في ضمائركم ووجداناتكم بقية مما ورثتموه عن سكان الغابات والأحراش؟!
والذي يتحدث عن العلوم … العلوم البحتة، لا ينسى الدين كذلك! إنه يذكر الناس بيوم كان الناس متدينين، فكانوا لجهالتهم الشديدة ينسبون ما يحدث في الكون كله إلى الله! يا لجهالتهم! لم يكونوا يعرفون القوانين الطبيعية التي تحكم الكون … أما نحن العلماء في القرن العشرين.
والذي يتحدث في الفن … يزري بتلك الأيام التي كان التحدث عن الجنس فيها يعتبر عيباً تأباه الأخلاق! تباً لكم أيها المتأخرون! كم كنتم تحجبون من ألوان الجمال الممتع البهيج الأخاذ! انظروا إلينا نحن المتحررين! اليوم نحن نجعل الجنس فناً قائماً بذاته .. لحظة الجنس كون كامل … تعالوا نتتبعه من جميع أقطاره … تعالوا نصفه داخل النفوس وفي واقع الحياة … تعالوا نكشف متعه ومباهجه … تعالوا نُعري الناس ذكوراً وإناثاً، ونطلقهم ينشطون نشاط الجنس … ونمسك الكاميرا للتسجيل (1).
والذي يتحدث في السياسة يرثى لحال الإنسان أيام القرون الأولى حين كان يحتكم ويخضع لقوانين غيبية لا يد له في وضعها، وكان محروماً باسم الطاعة الإلهية من كل حقوقه وحرياته!! إلى آخر من يكتبون ويبحثون.
هذا على صعيد الفكر والبحث، فماذا على صعيد الحياة العملية؟--------------------------------------------
(1) التطور والثبات: (149 - 150).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
إن الشرق الشيوعي يعترف صراحة بأنه قد قضى أو في سبيل القضاء على كل شكل من أشكال العبادة والمظاهر الدينية حتى الشخصي منها، ولذا فلا حاجة للحديث حوله، أما الغرب الرأسمالي الذي يقول: "إن علمانيته من الطراز اللاديني ( Non-Religious) وليست من الطراز المضاد للدين ( Anti -Religious) فإن الأمر في ظاهره يبدو مختلفاً بعض الشيء"
إن دعاة اللادينية من المخادعين والمخدوعين هناك يقولون: إنه لا ضرر على الدين من قيام الحياة على اللادين!! فالكنائس ستظل مفتوحة، بل إن عددها ليزداد، وهناك يوم الأحد حيث تقفل الدوائر الرسمية وغير الرسمية أبوابها في حين يكون وعاظ الكنائس ومنشدوها في ذروة نشاطهم، وهناك الحرية الشخصية التي لا تضع على حرية العقيدة أي قيد، وتتيح لأي متحمس للدين أن ينضم إلى سلك الرهبانية أو يشترك في جمعية خيرية أو يسافر ضمن بعثة تبشيرية إلى الخارج، وله الحق أن يوصي عند احتضاره بكل تركته وقفاً على الكنيسة.
كما أن من حق الكنيسة أن تقيم طقوسها ومراسمها وحفلاتها بلا اعتراض من الدولة، بل إن رجال الحكومة أحياناً يتشرفون بحضورها.
أما الزواج فلا تزال غالبية الجماهير ترى ولو نظرياً أن إقامة طقسه في الكنيسة أفضل من العقود المدنية أو الزواج بلا عقد.
وكل هذه الأمور -في نظرهم- تجعل الدين يحتفظ بمكانته ونفوذه -ضمن دائرته الخاصة بطبيعة الحال- وتتيح له أن يوجه أتباعه -في نطاق هذه الدائرة- كما يشاء، ومعنى ذلك أن المخاوف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
التي يبديها بعض الناس على الدين من جراء تعميم الإجراءات التطبيقية اللادينية على مستويات الحياة عامة لا مبرر لها إطلاقاً!
ومن نافلة القول أن نقول: إن الدين كما أنزله الله لا يصح بحال أن ينعزل في زاوية من زوايا الحياة أياً كانت، لكننا نقول بالنسبة لأوروبا: إنه حتى هذه الزاوية التي يوهم دعاة اللادينية الناس بأنهم تركوها للدين لم تظل دينية خالصة، بل طغت عليها موجة التحلل من الدين حتى أفقدتها معناها، وتركتها مظاهر صورية جوفاء لا أثر لها في مشاعر الناس ولا في سلوكهم.
وليس ذلك بغريب فإن طبيعة التصور والتطبيق العلماني تقوم على أن: ((ما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم)) كما أن طبيعة الحياة -بل سنة الله فيها- وطبيعة النفس البشرية لا تسمح أبداً بأن يعيش الدين واللادين، وينمو باطراد في مجتمع واحد أو نفس واحدة.
ولذلك فإن المجتمع الغربي منذ مطلع القرن العشرين قد تخلى حقيقة عن الدين، فقد كان مفهوم الدين نفسه قد حط من مقامه، وأصبح لا يعني سوى واحد من أمرين: الطقوس المتحجرة التي كان يتبعها أولئك الذين كانوا متمسكين عن طريق العادة -والعادة فقط- بتراثهم الديني، أو اللامبالاة الساخرة من قبل أولئك الذين كانوا أحراراً بدرجة أكبر، والذين كانوا يعتبرون الدين خرافة عتيقة يمكن للمرء في بعض المناسبات أن يمتثل لها خارجياً، ولكنه يخجل منها في سره كما يخجل من شيء لا يمكن أن يدافع عنه عقلياً)) (1).
وقد أراد أحد الصحفيين الأميركيين أن يعبر عن مدى طغيان المادية وانحسار الدين فقال:--------------------------------------------
(1) الطريق إلى الإسلام: (82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
"إن الإنجليز إنما يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع، ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة" (1).
لكن الواقع أن الأمر أشد من ذلك، فإن الذين يذهبون يوم الأحد إلى الكنيسة هم قلة ضئيلة، ثم إن هذه القلة لا تجد من الدين في الكنيسة ما يمس شغاف قلوبها، بل ربما وجدت من مظاهر الفساد ودواعي اللذة ما لا تجده في الأماكن المعدة لذلك.
لننظر إلى اليوم -أو على الأصح الساعة التي يمن اللادينيون على الدين أنهم تركوها له ما مقدار أثرها وعطائها؟
يقول الأديب الأميركي الشهير أمرسن (1882): "إن يوم الدين قد فقد الآن عند القسيس سناء الطبيعة، إنه يوم بغيض يسرنا انقضاؤه … إننا ننكمش عندما تبدأ الصلاة التي لا تسمو بنا، وإنما تقضي علينا وتسيء إلينا وإنّا حينئذ نتوق أن نلتف في أرديتنا، ونلتمس مكاناً معتزلاً لا نستمع فيه إلى أحد، أصغيت مرة إلى واعظ فأغراني بشدة إلى أن أقول وإني لن أقصد الكنيسة مرة أخرى، فالناس كما ظننت يذهبون إلى ما ألفوا الذهاب إليه وإلا لما قصد أحد المعبد في المساء" (2).
ويقول: "إن الدعوات .. بل والعقائد الثابتة في كنائسنا أشبه شيء بالبرج الفلكي في دندرة أو الآثار الفلكية عند الهندوس تنعزل انعزالاً تاماً عن أي شئ مما يوجد اليوم في حياة الناس وأعمالهم".
واحسرتاه على الرجل التعس الذي يدعي إلى اعتلاء المنصة للوعظ، ولا يعطي خبز الحياة، إن كل ما يقع تهمة له، هل يطلب المعونة للإرساليات الأجنبية والداخلية؟ أم هل يحث الناس على طريقة--------------------------------------------
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: (182).
(2) مختارات من مقالات أمرسن: (37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
ربانية للعيش، وهل يستطيع أن يطلب إلى زميل له أن يأتي إلى الاجتماعات الدينية يوم السبت في حين أنه وهم جميعاً يعرفون أن أقصى ما يتوقعونه هناك ضئيل؟ وهل يدعوهم دعوة خاصة للعشاء الرباني؟ إنه لا يجرؤ على ذلك، وإذا كان القلب لا يدفئ هذه الشعائر فإن صوريتها الجوفاء الجافة الصارخة تصبح واضحة، فلا يستطيع أن يجابه رجلاً ذا فطنة ويدعوه بغير وجل، وماذا عساه قائلاً في الشارع للقروي الجريء الذي يكفر بالله؟ إن القروي الكافر يرى الخوف في وجه القسيس وهيئته ومشيته.
لا أحسب أحداً يستطيع أن يقصد إحدى كنائسنا وأفكاره معه دون أن يحس أن ما كان للكنيسة من سلطان على الناس قد ولى أو هو في سبيل الانتهاء، لقد فقدت الكنيسة سيطرتها على عواطف الأخيار ومخاوف الأشرار، وأصبحت نصف الدوائر الدينية تنشد لمجرد النشيد، وبدأت البوادر تدل على أن الأخلاق والدين تختفي من الاجتماعات الدينية، سمعت رجلاً متديناً يقيم لليوم الديني وزنه، يقول في مرارة القلب: يبدو أنه من الإثم أن يقصد المرء الكنيسة يوم الأحد (1).
ولقد مضى على وفاة أمرسن قرابة قرن من الزمان، فماذا عساه أن يكتب لو عاش في هذا العقد، حيث وصلت الكنائس إلى الحد الذي يتحدث عنه من رصده عن كثب فقال:
وبعد أن انتهت الخدمة الدينية في الكنيسة، واشترك في التراتيل فتية وفتيات من الأعضاء، وأدى الآخرون الصلاة، دلفنا من باب جانبي إلى ساحة الرقص الملاصقة لقاعة الصلاة … يصل بينهما باب … وصعد الأب إلى مكتبه وأخذ كل فتى بيد فتاة، وبينهم--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (80 و82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
وبينهن أولئك الذين واللواتي كانوا وكن يقومون بالترتيل ويقمن، وكانت ساحة الرقص مضاءة بالأنوار الحمراء والأضواء الزرقاء وقليل من المصابيح البيضاء، وحمي الرقص على أنغام الجرامفون، وسالت الساحة بالأقدام والسيقان، والتفت الأذرع بالخصور، والتقت الشفاه والصدور، وكان الجو كله غراماً، حين هبط الأب من مكتبه وألقى نظرة فاحصة على المكان ومن في المكان، وشجع الجالسين والجالسات ممن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضوا فيشاركوا، وكأنما لحظ أن المصابيح البيضاء تزيد نسبتها، فتفسد ذلك الجو الرومانسي الحالم، فراح في رشاقة الأمريكاني وخفته، يطفئها واحداً واحداً وهو يتحاشى أن يعطل حركة الرقص أو يصدم زوجاً من الراقصين في الساحة، وبدأ المكان بالفعل أكثر رومانسية، ثم تقدم إلى الجرامفون ليختار اسطوانة للرقص تناسب ذلك الجو، وتشجع القاعدين والقاعدات على المشاركة فيه، واختار .. اختار أغنية أميركية مشهورة اسمها ( But Baby it is Cold outside) ( ولكن الجو - يا صغيرتي - بارد في الخارج).
وهي تتضمن حواراً بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما، وقد احتجزها الفتى في داره، وهي تدعوه أن يدعها تمضي لتعود إلى دارها، فقد تأخر الليل وأمها تنتظرها، وكلما تذرعت بحجة أجابها بتلك اللازمة، (ولكن الجو يا صغيرتي بارد في الخارج).
وانتظر الأب حتى رأى خطوات بناته وبنيه تنساب على موسيقى تلك الأغنية المثيرة، وبدا راضياً مغتبطاً، وغادر ساحة الرقص إلى داره تاركاً لهم ولهن إتمام هذه السهرة اللذيذة البريئة، على أن يسلم مفتاح الكنيسة في داره آخر زوج ينصرف من الكنيسة، فالانصراف يكون تباعاً حسب مزاج كل زوج!!! (1)--------------------------------------------
(1) الإسلام ومشكلات الحضارة - سيد قطب: (82 - 83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
هكذا اضطرت الكنيسة إلى مسايرة الواقع بعد أن رأت الفتور المتزايد في إقبال الناس عليها، فقد أصبحت الحفنة التي تقصدها هي مجموعة من العجائز الجاهلات والمتسولين وشواذ الناس.
وقد أقلقت هذه الحالة المتردية بعض المشفقين على الدين من الكتاب الاجتماعيين حتى قال اثنان منهم في كتاب أصدراه: "قد يحسب البعض أنه ليس هناك من صلة مباشرة بين الحياة اليومية ومشاكل العيش من جهة وبين الدين من جهة ثانية، ولكن هذا الرأي كان يبدو غريباً لو عرض في القرون الوسطى -مثلاً- بل لعله كان يعد كفراً أو دعوة إلى الكفر في رأي الكنيسة آنذاك، لأن مجال الكنيسة كان يتناول كل ما قد يصدر عن الإنسان من قول أو عمل، أما أبناء هذا العصر الذين بلغوا من حياتهم ما بلغوا بفضل فلسفات تحل العقل والمنطق فوق كل شيء فقد يصعب عليهم أن يفهموا فهماً تاماً تلك الحقبة من الزمن التي كان يعيش فيها الإنسان ضمن دائرة رسمتها له الكنيسة وقوانينها ونظمهاً.
أجري منذ زمن قريب استفتاء عن الدور الذي يلعبه الدين في حياتنا اليومية، فكانت النتيجة أن الدين لا يلعب دوراً كبيراً على الأقل على المستوى الشعوري- في قرارات الآلاف من الأشخاص، وليس السبب أن هؤلاء غير متدينين فكثيرون منهم من رواد الكنائس، بل السبب أنهم لا يرون صلة بين تصرفاتهم اليومية وبين تدينهم، وأكثرهم يعترف بأن الدين لا ينفذ إلى أعماقهم، وطالما آلمت هذه الظاهرة الكثيرين خصوصاً رجال الكنيسة الذين ينتبهون إلى أنهم لم يبلغوا إلَاّ القشور من الإنسان، وأنهم عجزوا عن إيصال الدين إلى صميم الإنسان وأعماقه" (1).--------------------------------------------
(1) مارلي تشايلد وزميله: البداية أم النهاية: (6، 127).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)
يقول الفيلسوف الإنجليزي جود: "سألت عشرين طالباً وتلميذةً كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم: كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة؟ فلم يجب بنعم إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبداً، أما العشرة الباقية فقد صرحوا أنهم معادون للمسيحية" (1).
فإذا كان الدين قد فقد قيمته في قرارات النفوس ومشاعر الجمهور بهذه الصفة فهل يليق بأحد أن يسأل بعد عن دوره في واقع الحياة الغربية؟ وهل يمكن أن يكون ذلك إلا نتيجة العلمانية التي أطبقت على نواحي الحياة وتسربت في كيان الأفراد والجماعات؟
إن هذا المجتمع الذي يزعم أن علمانيته من النوع غير المضاد للدين هو نفسه الذي تجري فيه هذه الاستفتاءات، وهو نفسه الذي قال أحد كتابه التربويين يصف العنت الذي لقيه من جراء حمله للكتاب المقدس، لا تديناً بل هواية الاطلاع فقط: "لقد قرأت الكتاب المقدس في العشرينات من عمري، وليس ذلك أمراً عادياً إلا في تقليد الأسر المتدينة، حيث تكون قراءة الكتاب المقدس طقساً من الطقوس (!)، لقد كانت محنة أن أحمله معي في طريقي للعمل وفي عودتي على مدى أشهر، وقد تغلبت على المشكلة، فلففته بالورق كما لو كان كتاباً من الكتب المدرسية، وبذلك أخفيته عن الأنظار كأنما هو شيء شائن (!)، ومع ذلك فلم أكن لأفتحه في طريقي للعمل إلا أن من جلس بجواري استطاع أن يكتشفه، فنظر إلي--------------------------------------------
(1) عن ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: (182).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 502)
شزراً كأنما كنت أمارس وضع أحمر الشفاه (!)، وغالباً ما يظنك الناس قسيساً أو داعية دينياً متعصباً" (1).
فإذا كان هذا هو الحال والدين، شيء شخصي محدود حسب المزاج فقط، فهل بقى له بعد ذلك من شيء؟!--------------------------------------------
(1) رائد للثقافة العام: كورنيلوس هيرسبرغ: (154).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)
- الباب الرابع: العلمانية في الحياة الإسلامية:
الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي.
أولاً: انحراف الأمة الإسلامية.
ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي.
الفصل الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية:
أولاً: في الحكم والتشريع.
ثانياً: في التربية والثقافة.
ثالثاً: في الاجتماع والأخلاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)
- الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي:
أولاً: انحراف الأمة الإسلامية:
الحديث عن تأخر الأمة الإسلامية وانحطاطها في القرون الأخيرة طويل ومتشعب، ولكن السمة البارزة في ذلك التأخر تلك التي تجعله يتدنى عن مستوى فترات الانحطاط السابقة هي الانحراف عن فهم الإسلام نفسه، وانحسار مفهوماته التصورية في معانٍ ضيقة ومدلولات محدودة، وهذا الانحراف هو نتيجة وسبب في آن واحد.
نتيجة للوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية ((حب الدنيا وكراهية الموت)) والذل الذي ابتليت به عقوبة على ترك الجهاد بالمفهوم الواسع للكلمة، ومعلوم من فقه التربية الإيمانية أن الله يعاقب على الذنب بالذنب، وهي أقسى صنوف العقوبات. وهكذا عوقبت الأمة الإسلامية على انحرافها العملي والسلوكي بانحراف أشد منه في العقيدة والتصور.
وهو سبب لما تلاه من أحداث جسام ومخاطر جمة اجتاحت الرقعة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، نذكر منها على سبيل التمثيل:
الركود العلمي، العام الذي هيمن على الحياة الإسلامية في عصر كانت أوروبا فيه قد نفضت غبار الماضي وحثت الخطا على طريق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
والاكتشاف، والضعف المادي والمعنوي الذي جعل البلاد الإسلامية لقمة سائغة للكفار، وجعل أوروبا تلتهمها قطعة قطعة، حتى كادت تسيطر على الحرمين الشريفين! ولقد كانت هزيمة العثمانيين في (سان جونار)، وتقهقر المماليك السريع أمام نابليون مؤشراً واضحاً على هذين -أي: الركود العلمي والضعف المادي والمعنوي- وبداية خطرة لنهاية الزعامة الإسلامية ليس على العالم بل على أرض الإسلام! وحين نقول: إن هذا الانحراف هو سبب التدهور والانحطاط، فإننا لا ننسى العوامل الخارجية المتمثلة في تفوق الكفار علمياً وعسكرياً والحقد الصليبي الأعمى الذي بث سراياه الفكرية المضللة جنباً إلى جنب مع السرايا الاستعمارية، لكن المنطق الإسلامي الثابت يؤكد أنه مهما بلغت القوة الخارجية، ومهما كان التخطيط المضاد، فإن المسلمين لن يؤتوا إلا من قبل أنفسهم، حسب القاعدة المطردة التي سنها الله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) [الأنفال:35]، وأوضحها الرسول صلى الله عليه وسلم: {ودعوت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم حتى يقاتل بعضهم بعضاً}.
ولذلك من الطبيعي أن يكون حديثنا عن أثر هذا الانحراف في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي أسبق وأولى من الحديث عن التخطيط -اليهودي- النصراني الذي لا ننكر دوره في نشرها، والذي لا يصح أن نغفل عنه أو نقلل قيمته.
وعلى سبيل الإجمال نستطيع أن نقول: كما أن العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لتحريف الدين النصراني، فقد ظهرت في العالم الإسلامي نتيجة انحراف المسلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
أما مظاهر هذا الانحراف قيمكن إيجازها فيما يلي:
1 - الانحراف في مفهوم الألوهية:
لن نتحدث -الآن- عن التضاد التام بين عقيدة لا إله إلا الله وبين العلمانية، فلذلك الحديث موضع آخر، لكننا سنتناول بإيجاز الحالة الواقعة تاريخياً في العصور الأخيرة الإسلامية:
إن بعض علماء السلف يقسمون توحيد الألوهية قسمين متلازمين:
(أ) توحيد الطاعة والاتباع (الحاكمية).
(ب) توحيد الإرادة والقصد (العبادة).
وجرياً على هذا التقسيم سنجد أن حالة الأمة الإسلامية كان كما يلي:
(أ) في الطاعة والاتباع (الحاكمية):
نسى المسلمون تلك القاعدة التوحيدية العظمى: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وغفلوا عن قوله تعالى: ((اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)) [الأعراف:3]، وبذلك صرفوا هذا النوع من العبادة أو جزءاً منه إلى الحكام والولاة وعلماء المذاهب المتعصبين ومشايخ الطرق الصوفية، بالإضافة إلى المشعوذين الذين تهيأ لهم الجو بما كان يسيطر على الأمة من جهل وسذاجة، وقد كانت الدول التي تتقاسم العالم الإسلامي ثلاث دول: الدولة المغولية في الهند، والدولة الصفوية في فارس، ثم الدولة العثمانية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وبالنسبة للدولة الصفوية يمكن القول بأنها كانت منحرفة انحرافاً يجعل انتسابها للإسلام اسمياً فقط، فقد كانت شيعية رافضية، وكان الحكم فيها يجري على آراء وأهواء علماء الشيعة المتعصبين، وكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
الشغل الشاغل لملوكها مهاجمة الدولة العثمانية لا لشيء إلا لأنها سنية، وكان العوام يقدسون الملوك والعلماء جرياً على المذهب الرافضي الذي يجيز العصمة لغير الأنبياء (1)
أما الدولة المغولية: فكانت باستثناء بعض الملوك مثل أورنك زيب جاهلة بحقيقة الإسلام، وكان فهمها له مختلطاً بكثير من الخرافات والتصورات الخاطئة، ولا غرابة في ذلك فإن المغول لم يعتنقوا الإسلام الصافي، بل دخلوا فيه على الصورة التي وجدوا الأمة الإسلامية تعيشها في أواخر العصر العباسي الثاني، حيث كانت الصراعات المذهبية والفكرية والطوائف الباطنية قد نخرت جسم الأمة مما هيأ لهم اكتساح العالم الإسلامي، وبعدها دخلوا في دين الأمة المغلوبة لا في صورته المثلى، بل في صورته القائمة يومئذ.
هذا الجهل بالإضافة إلى كون المسلمين أقلية بين الهندوس جعل إلغاء الشريعة الإسلامية من قبل الإنجليز لا يقابل بكبير معارضة، أما الدولة العثمانية: فعلى الرغم من كونها أصلح الدول الثلاث عقيدة وسلوكاً، فإنها كانت بعيدة عن منهج الخلافة الراشدة بعداً يزداد أو يقل حسب نوعية خلفائها.
إن أي باحث نزيه لا يستطيع أن ينكر مآثر الدولة العثمانية ومزاياها التي تستحق الثناء والتقدير، فهي التي جعلت المد الإسلامي في أوروبا الشرقية يبلغ مداه بعد أن فقد المسلمون بلادهم في أوروبا الغربية بسقوط الأندلس، وهي التي كسرت الكماشة الأوروبية التي كادت تطبق فكيها على العالم الإسلامي، ولم تتمكن من ذلك إلا بعد انهيار الدولة العثمانية.--------------------------------------------
(1) انظر الكافي باب أن الأئمة معصومون من الخطأ، بل انظر الحكومة الإسلامية للخميني (ص:52) (91هـ) بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
كما أن روح الحماس للدعوة الإسلامية، ونشر الدين الإسلامي في أوربا إحدى مآثرهم التي خلدها التاريخ (1) غير أن هذه المآثر لم تجنب الدولة العثمانية الاستمرار في خط الانحراف الذي ورثته عن أسلافها، ثم الزيادة فيه بحسن نية ودون وعي، ومن مظاهر ذلك فيما يتعلق بأصول الحكم ومنهجه أن الدولة العثمانية كانت تطبق عملياً المذهب الحنفي بتعصب، وعارض علماؤها شيوخ الإسلام فتح باب الاجتهاد، ذلك الذي أغلق منذ القرن الرابع لأسباب ليس هذا مجالها، وتتمثل هذه المعارضة في العداء الذي واجهت به الدولة الحركات والأفكار التجديدية التي كانت تنبذ الجمود، وتدعو إلى الانطلاق الفكري المستمد مباشرة من الكتاب والسنة، كدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب 1206، والإمام الشوكاني 1250هوالشيخ الألوسي (2) وغيرهم، وكان من النتائج السيئة لذلك ما يلي:
1 - استمرار الحكم على طريقة الملك الجبرية الوراثية الذي ابتدأ في عهد الأمويين، وقد يقال: إن هذا الأمر أقره العرف، وله إيجابياته لا سيما في أسرة مجاهدة كآل عثمان، ولكن كان في الإمكان على الأقل أن يكون مبدأ الشورى هو القاعدة الأساسية للحكم مع استمرار الخلافة وراثية، أما أن تترك الأمور على تلك الحال فإن الطريق إلى الاستبداد والظلم مهيأة وهو ما حصل -فعلاً- من بعض السلاطين والولاة بصفة خاصة، ثم إن واقع الظروف العالمية كان يحتم ذلك، فقد كان معاصرو العثمانيين من أباطرة وملوك الغرب تضطرب عروشهم تحت مطارق الدعوات التحررية والمطالبة بالمشاركة في الحكم--------------------------------------------
(1) انظر الفصل الخاص بالأتراك من كتاب: الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد.
(2) انظر مثلاً: الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية. علي الحوافظة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
وحرية الشعب في اختيار الولاة … إلخ، فكان على الدولة العثمانية أن تتعظ بذلك، وتقطع الطريق على دعاة التغريب بالعودة إلى الأصول الإسلامية الراشدة، نعم حاولت الدولة ذلك، لكنها محاولة جاءت متأخرة، بل كانت في الواقع بضغط من دعاة التغريب أنفسهم، ولم تكن عملاً ذاتياً واعياً.
2 - قصور الاستنباط الفقهي عن مجاراة الوقائع المحدثة: إن كون الشريعة الإسلامية منهجاً كاملاً شاملاً للحياة البشرية منذ نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها -لا يخرج شيء من أحداثها ووقائعها مهما استجد، ومهما تغيرت الظروف والأحوال عن دائرتها الرحبة- لهو أمر بدهي في التصور الإسلامي، والشك فيه يعني بداهةً اتهام الباري -جل شأنه- بالنقص والبداء، ومن ثم فهو الكفر المحض.
وكون الحياة البشرية عرضة لتغيرات لا يدرك مداها أو وقائع حادثة لا يستطيع العقل البشري على الإطلاق أن يتصور أبعادها بحكم حجبه عن علم الغيب، يجعل المجتهد في الشريعة مهما كانت سعة أفقه ودقة نظره يظل محصوراً بواقع بيئته، وواقفاً عند النقطة التي وصلت إليها البشرية على خط سيرها الطويل.
هاتان الحقيقتان آمنت الأمة الإسلامية بأولاهما إيماناً جازماً، وغابت الثانية عن أذهان البعض متأثرين بالواقع الذي ظل قروناً عديدة راكداً لا جديد فيه.
ومن هذا البعض كان خلفاء وعلماء الدولة العثمانية الذين عارضوا فتح باب الاجتهاد أو قيدوه في دائرة التراث المأثور عن فقهاء الحنفية السابقين، وفي الوقت الذي كان الفقه فيها جامداً كانت الحياة حسب سنة الله جارية متطورة، وبذلك حدث لأول مرة في تاريخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)