فأهل الأصول وإن اشترطوا الإسلام أو البلوغ أو العدالة أو غير ذلك من الشرائط المتوجبة في الراوي، فإنهم غير قادرين على إثباتها فيه إلا عن طريق أهل الحديث والخبر، فهم مقلدون لهم فيه أولاً وآخراً.
والقول بعدالة الراوي وصدقه إنما مردها لأئمة أهل الحديث أهل الجرح والتعديل، ولا دخل للفقهاء والأصوليين فيه، وقصارى أمرهم أن يجتهدوا في الترجيح بين ألفاظ أهل الجرح والتعديل، ومعرفة مرادهم الذي حكوه في هذه الألفاظ، التي توجب التحري الواسع في تحديد مقاصدهم.
فهذا ابن سيرين يقول في رجل: " هو كما يعلم الله "، ويقول في آخر: " هو كما يشاء الله "، فإذا هو قد جرح الأول وعدّل الثاني.
وهذا البخاري الإمام يقول في الرجل: " فيه نظر " فاختلف الناس في مراده بهذا، وما يزالون مختلفين إلى الساعة، ونحو هذا أشياء.
ومعرفة علل الحديث قام بها أطباء هذا العلم وجهابذته، قد اقتصرت عليهم، بل وغاب الدليل على معرفتها عندنا في غير حديث، بل في جملة وافرة، وما حرر أحد في شيء من قواعدها، ولا يمكن أن يحرر، ومعرفة ذلك كما قال بعض السلف: يحسبها الجاهل كهانة، فإذا رأيت الاثنين والثلاثة والأربعة يعلّون هذا الحديث الواحد بالعلة الواحدة، التي لا تراها، علمت أنهم إنما يعلون بالموجود الواقع.
والحاصل أن مثل هذا في الحكم على الأحاديث يطول ذكره، وهو مسلّم لأهله، فلنبدأ الشروع في النوع الآخر الذي هو من مقاصد هذا الكتاب، وفيه شروط:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
1 - الشرط الأول: في عدم عمل الراوي بخلاف ما يرويه:
أ - في بيان قصدهم بالراوي:
والذي عناه الأصوليون بقولهم " الراوي " إنما هو الصحابي راوي الخبر، لا من دونه في السند، فإنه لا عبرة بعمله بخلاف الحديث.
وهذا الحصر لا بد منه، ما دام المسندون للحديث لا ينقطعون إلى قيام الساعة، فالقول بغير هذا يقضي إلى أن كل الأحاديث قد تبطل حجتها إن لم نقل بهذا التقييد.
ب - في القائلين بهذا الشرط:
وهذا الشرط قد قال به الحنفية إلا قليلاً منهم وخالفهم سائر الأصوليين فيه.
ج - في ذكر ما احتجوا به ومناقشتهم، وبيان ضعف دليلهم. واحتجوا فقالوا: لما كان الصحابي راوي الخبر قد شاهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان أعرف بمقاصده، وما كان له أن يخالف الذي رواه إلا وهو له ما يعتمد عليه.
والجواب عنه هذا: إن المقتضي للعمل الذي هو الخبر المروي قائم صحيح، والمعارض الموجود من مخالفة الراوي أمر محتمل، لأنه قد يكون تمسك بالمخالفة بما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
ظنه دليلاً، مع أنه ليس كذلك، أو كان يكون نسي ما رواه، فلا يصلح هذا أن يكون معارضاً.
فإن قلت: إن الظاهر من دينه أنه لا يخالف إلا لدليل.
قلنا: نعم، إن دينه يمنعه عن الخطأ العمد، لا عن السهو وما ليس بعمد، والمرء يصيب ويخطئ، فلما لم يتبين لنا وجه دليله، لم يكن عندنا من العلم، ونحن مطالبون بما بلغنا من العلم المقطوع بنسبته للشارع، لا بالمظنون، وما قد لا يكون حجة أصلاً.
ومثال هذا الشرط: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب " وله ألفاظ أخرى كثيرة.
وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة موقوفاً، وكذا الطحاوي، أنه كان يغسل من ولوغه ثلاث مرات.
فحمل الحنفية رواية السبع على الاستحباب، والثلاث على الوجوب. وقد تعقب عليهم في هذا الفرع بالذي تعقبناهم به في الأصل، فقال الحافظ ابن حجر في " الفتح ": وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع، ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور منها، كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك - أو فعله - لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضاً فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها، من حيث الإسناد، ومن حيث النظر.
أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير … " انتهى.
وقد أوردت هذه التتمة الباقية للحافظ في هذه المسألة للإشارة إلى أن الفتوى أو العمل المنقول عن الراوي في مخالفة الخبر، قد يكون له مخالف آخر للفتوى، وموافقة للخبر، في رواية موقوفة عنه أخرى، لم تبلغنا.
وهذا جائز جداً، لأن فتاوى الصحابة لا تتطلب، ولا يحرص على نقلها، كما هو الحال في رواية الخبر المرفوع، فأبطلنا العمل بعمل الصحابي أو فتواه المخالفة لما روى لأجل هذه العلة الثالثة المحتملة.
فإن قلت: قد يكون صلى الله عليه وسلم قال وفق فتوى الصاحب أو عمله أيضاً ولم يقع ذلك في النقل عنه صلى الله عليه وسلم، كما هو على ما احتملت في محل الصاحب.
قلنا: هو احتمال مردود، لأن النصوص عن الشارع قد ضمن حفظها وبقاؤها في سائر العصور كما هو مقرر، بخلاف عمل الراوي فإنه ليس كذلك، فوقع الاحتمال في فتوى الراوي، وبطل في الثاني.
فوجود هذه الاحتمالات غير المدفوعة يبطل هذا الاستدلال، لما تقرر عند أهل العلم أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل في الاستدلال. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
2 - الشرط الثاني: أن لا يكون الحديث مما تعم به البلوى، ويكثر وقوعه:
أ - في بيان مقصدهم:
فمرادهم أن حديث الواحد يجب أن لا يكون موضوعه فيما يتكرر حدوثه، وتعمّ به البلوى، إذ أن ما يكون كذلك فالواجب إتيان الحكم فيه عن طريق التواتر أو الشهرة لا الآحاد، لأن الدواعي متوفرة على نقله، فحيث انفرد به الواحد، دل على شك في صحة ذلك، ومثله لو كان الحادث في الخبر المهم.
كما لو انفرد الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق، أو طروء حادثة في البلاد منعت من إقامة صلاة الجمعة.
ومثال الذي تعم به البلوى كخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع ". ونحو هذا.
فإنهم قالوا: لا يعمل بخبر الواحد في مثل هذه الوقائع بهذه الأحكام المروية آحاداً.
ب - في ذكر القائلين بهذا الشرط:
وقد تفرد الحنفية من بين المذاهب بالقول بهذا الشرط
ج - بيان ما احتجوا به، وفساد احتجاجهم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
قالوا: إن ما تعم به البلوى، أو يجب اشتهاره وإشاعته، لا يمكن أن يقتصر به على رواية الآحاد، أو مخاطبته صلى الله عليه وسلم للآحاد به، بل يلقيه على عدد متواقر مبالغة في إشاعته ونشره، لكثرة الحاجة إليه، فحيث لم ينقله لنا سوى الواحد دل على كذبه!!
فالوضوء من مس الذكر مما يتكرر في كل وقت، فلو كانت الطهارة تنتقض به، لوجب إشاعته في الرواية.
والجواب عن ما زعموه حجة وليس كذلك من أربعة أوجه:
أ - الأول: عن طريق النص:
وقد قدمنا من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة قبل عند ذكر دليل الاحتجاج بخبر الواحد، ولم يقع التفريق في واحد من هذه النصوص بين ما تعم به البلوى، وبين ما لا تعم، فقامت الحجة بخلاف هذا الشرط، إذ أن المقرر عند علماء الأصول وسائر أهل العلم قاطبة أن التخصيص لا يكون إلا بدليل نص، وهو هنا مفقود، كما هو في مسألة الإطلاق، فإن التقييد لا يكون إلا بما هو مثل حكم الإطلاق.
فالاستدلال بالمعقول في معارضة المنقول باطل، لأن أحسن أحوال المعقول أن يكون معروفاً بالقياس الجلي، والقياس الجلي أو غيره لا يمكن له أن يدفع النصوص أو يخصصها أو يقيدها، لأن القياس باطل في معرض النص، فتبين أن دلالة النص على العموم أقوى من القياس القاضي بالتخصيص.
وهذا القول يفضي للإجابة على شرط آخر قال به بعض الناس وهو أن لا يخالف الخبر القياس، على ما سيأتي بيانه والجواب عنه إن شاء الله تعالى في الشرط التالي.
ب - الثاني: عن طريق الحوادث التي بلغتنا في العمل من الصحابة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
بهذه الأخبار دون اعتبار الشرط المذكور. وبعض أهل العلم يجعل الإجماع قائماً بين الصحابة في هذا، فيحتج بالإجماع.
أقول: وحيث أن المخاطب بهذا الرد هم الحنفية، وهم يحتجون بخبر الآحاد من حيث الأصل فإن الواجب عليهم التسليم إن صحت هذه الأخبار، لا إلزاماً بالحكم بالقضية الواردة في خبر الواحد هذا، ولكن ببيان أن الصحابة عملوا بالخبر دون اعتبار هذا الشرط، ثم يكون إلزامهم من بعد بترك الشرط، والعمل بهذه الأخبار.
فمن ذلك حديث رافع بن خديج في المزارعة عند الشيخين وغيرهما.
ففي رواية عند الشيخين: أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه وأنا معه، فسأله، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر، وكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم ابن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها.
وفي رواية لمسلم: " كنا لا نرى بالخبر بأساً، حتى كان عام أول فزعم رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فتركناه من أجله ".
وللحديث ألفاظ كثيرة جداً يطول ذكرها.
فها هو ابن عمر وغيره - كما في اللفظ الآخر - يرجعون لخبر الواحد في الأمر الذي تعم به البلوى، هذا مع كونهم كانوا قبل معرفته على خبر آخر، وهو نقيضه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
فكيف لو لم يكونوا على خبر أصلاً.
ومن ذلك حديث تحويل القبلة الذي قدمناه في دليل الاحتجاج بخبر الواحد.
وكذا حديث توريث الجدة الذي رجع له أبو بكر وعمر، وذلك فيما رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم، من حديث قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: " جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: " مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس ".
فسأل الناس.
فقال المغيرة بن شعبة: " حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس ".
فقال أبو بكر: " هل معك غيرك ".
فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة.
فأنفده لها أبو بكر.
قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
والحاصل أن في الباب أمثلة غير قليلة تتطلب من مظانها.
ج - الثالث عن طريق المعقول.
وهو وجهان:
أحدهما: أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك يغلب على الظن صدقه، فوجب التصديق كخبره الذي لا تعم به البلوى.
ثانيهما: أن العمل بالقياس صحيح في المسائل التي تعم بها البلوى، فكان إعمال النص فيها أولى من إعمال القياس، على فرض وقوع مسألة قياسية في مثل هذه المسائل.
وبعض الفقهاء يعبر عن هذا الوجه بقوله: " أنه يغلب على الظن صدق خبر الواحد، فكان الواجب الاتباع كالقياس. لأن المسألة ظنية، فكان الظن فيها حجة ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
د - الرابع عن طريق الإلزام:
فإنه لما كان الحنفية هم القائلون بهذا، كان يلزمهم أن لا يقولوا بحديث مسح الرقبة في الوضوء، ولا بالقهقهة في الصلاة أنها تبطل الوضوء، ولا بوجوب الغسل من غسل الميت، ولا بحديث إفراد الإقامة، وغيرها، وقد جاءت هذه الأحاديث آحاداً، بل وكثير منها ضعيف مع إفراده، كحديث مسح الرقبة، والقهقهة، وغير ذلك.
فلما قال الحنفية بمثل هذه الأحاديث الآحادية الضعيفة الإسناد، لزمهم أن يقبلوا خبر الواحد من غير شرطهم هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
3 - الشرط الثالث: في عدم مخالفة الخبر للقياس:
أ - بيان ذكر القائلين بهذا الشرط، وبيان مقاصدهم في ذلك:
اعلم رحمك الله أن الفقهاء يعنون بالمخالفة تفصيلات وأموراً:
الأول: أن يكون كل من الخبرين معارضاً للآخر معارضة تامة من كل وجه، كأن يكون أحدهما مثبتاً لحكم والآخر نافياً، أو كان يكون الخبر محللاً، والقياس محرماً، أو العكس.
فذهب الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور العلماء إلى تقديم النص على القياس، وهو مذهب أبي حنيفة على كل حال وكذا من تقدم.
وذهب بعض المالكية إلى تقديم القياس.
وقال عيسى بن أبان الحنفي: إذا كان الراوي ضابطاً عالماً غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد.
وكذا فرق بعض الحنفية بين الحديث الذي رواه الفقيه، وبين الذي لا يرويه الفقيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
الثاني: في علة القياس:
فقال أبو الحسين البصري: علّة القياس الجامعة إما أن تكون منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة، فالنص عليها - يعني أنه يقدم القياس - لأنه إما أن يكون مقطوعاً به أو غير مقطوع.
فإن كان مقطوعاً به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة، لأن النص على العلة، كالنص على حكمها، وهو مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فكانت مقدّمة.
وأما إن لم يكن النص على العلة مقطوعاً به، ولا حكمها في الأصل مقطوعاً به، فيجب الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، أو اختصاص خبر الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلّة، فإنه يدل على الحكم بواسطة العلة.
وأما إن كان حكمهما ثابتاً قطعاً فذلك موضع الاجتهاد.
وأما إن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إما أن يكون ثابتاً بخبر الواحد أو بدليل مقطوع به، فإن كان ثابتاً بخبر واحد، فالأخذ بالخبر الأولى، وإن كان ثابتاً قطعاً فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس " انتهى.
فمعنى قوله أنه يجتهد في هذا الأخير.
وتوقف القاضي أبو بكر الباقلاني.
وقال أبو الحسين الصيمري: لا خلاف في العلة المنصوص عليها وإنما الخلاف في المستنبطة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
قلت: كذا قال، وهو مردود بما قدمنا.
الثالث: أن يكون أحد الخبرين مخصصاً للآخر. واختلافهم في هذا يشبه اختلافهم في الأول.
الرابع: في القياس الظني والقياس القطعي.
وهو يشبه الثاني، لكن لما كان بعضهم يطلق هذه التسمية دون الأخرى أفردناها هنا. فيمكن مراجعة أقوالهم هناك.
ويزاد هنا قول أبي بكر الأبهري الذي قال: إن كانت المقدمات قطعية قدم القياس، وإن كانت ظنية قدم الخبر.
ب - بيان فساد الشرط المذكور.
وهو مردود بوجهين نقلي وعقلي:
أما الوجه النقلي:
فإن فيه أحاديثاً كثيرة جدا قد تقدم منها بعضها، كما في تصريح عمر برد الرأي وتركه عند وجود النص، وكذا غيره ممن قدمنا ذكرهم.
وهذا إنما أخذه عمر وغيره من قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.
فأما في كتاب الله تعالى ففيه قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وقوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ).
وقوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ).
وهذا الأمر في نحو من بضعة وثلاثين قولاً في كتاب الله تعالى.
وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).
ففي هذه الآيات وغيرها كثير، تقديم النظر في أمر الله ورسوله من النصوص، ولا يجوز النظر للمسألة بالرأي والقياس، في مسألة جاء الحديث نصاً فيها.
ولذلك أجمع الفقهاء على بطلان القياس في معرض النص، فلم يعد للاستثناء لهذا الآحاد من جملة هذه الأحاديث معنى، ولا دليل، ما دامت قد ثبتت لها الصحة.
إنما القياس كما قال بعض السلف كالميتة، لا يعمل به إلا عند الاضطرار.
ولذلك مدح الله تعالى مطيعي الرسول، وذم مخالفيه وتوعدهم فقال جل ذكره: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .).
وقال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. . .).
وأي خيانة أعظم من مخالفة أمره الثابت الصريح عنه. الذي بلغ به عن ربه عظم عزه.
وقد قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
والعمل على غير حكمه باطل، كما قال تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33).
والآيات في هذا المعنى من الكتاب كثيرة جداً.
وأما ما جاء من هذا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم فأشهره حديث معاذ قال: يا رسول الله، بم أقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم أجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم أجد؟ قال: استدق الدنيا، وتعظم في عينيك ما عند الله، واجتهد رأيك فيسددك الله للحق ".
وله ألفاظ أخرى بنحو هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وقد تنازع الناس في صحة هذا الخبر.
والذي قدمناه يستغني به عن هذا الخبر، وعن مؤونه الجزم بصحته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
فإن قال قائل: نحن نقر بجميع هذا الذي ذكرت، ولكن لا نسلم بأن القياس الذي حكمنا به ليس هو من العمل بالسنة لأنه آتٍ منها.
فإن الجواب ها هنا هو الوجه العقلي.
ذكر الوجه العقلي:
إن الخبر يحتاج إلى النظر في ثلاثة أمور:
أ - صحة الحديث ومتعلقات ذلك.
ب - دلالة الخبر على الحكم.
ج - توفر شروط العمل به - عند من له شرط لذلك -.
وأما القياس فيحتاج إلى النظر في سبعة أمور:
أ - منها الثلاثة الأول.
ب - إمكان تعليل الحكم في الأصل ووصف التعليل.
ج - نفي المعارض له في الأصل.
د - وجود العلة في الفرع.
هـ - نفي المعارض في الفرع.
ومعلوم عقلاً أن ما يفتقر في دلالته إلى النظر في ثلاثة أمور لا غير، أيسر في الضبط والإتقان، وأبعد عن الخطأ عما يحتاج النظر فيه من سبعة أوجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
ولتأكيد هذا الذي حكمنا به، نورد ما سقط فيه القياسيون من التناقضات والأخطاء، وبيان ما قالوه في بعض الأحكام الثابتة: إنه مخالف للقياس مع حكمهم بهذه الأحكام!!.
" ملحق أول " في تناقض القياسيين في أصول القياس:
فإن الواجب معرفته هنا أن القياسيين قد اضطربوا في تحديد المقبول من أنواع القياس وأسسه، مما يدل على انتفاء الضبط، وقلة الاحتياط.
فغلاة الفقهاء يحتجون بقياس العلة،، وقياس الدلالة، وقياس الشبه، وقياس الطرد، مما أدى بهم إلى مخالفة سائر الفقهاء في أحكام لم يتنازع فيها غيرهم، كمسألة التطهر بالمائعات.
وطائفة يحتجون بالثلاثة الأول حسب.
ثم إن القائلين بقياس العلة اختلفوا أيضاً: فطائفة لا تثبت العلة إلا بالنص. وأخرى تثبتها بالنص والنظر. ثم اختلف القياسيون بمحل القياس. فقالت طائفة: لا يثبت القياس في الأسماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
وقالت أخرى: بلى هو ثابت. ثم اختلفوا في تحديد مناطه. فأجراه جمهورهم ولم يقيد. واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط.
وثالثة منعت منهما مع الأسباب.
(ملحق آخر) في تناقض القياسيين في مسائل مخصوصة.
فقد أجاز الحنفية الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه.
فإن كان صح قياسهم، فلم تركوه في القول الآخر.
وإن كان باطلاً فلم أعملوه في القول الأول.
وفي مسألة الطهارة من سؤر الكلب. منعت طائفة من القياس على الكلب. وطائفة قاست عليه الخنزير وحده. وثالثة قاست عليه البغل والحمار! أفصح القياس أم لا؟! أم كيف يصح قياس الخنزير دون الذئب!! وكيف صح قياس بعض ما هو أدنى منهما دون بعض!! وتناقضوا في مسألة العمد والنسيان فقاسوهما في الصلاة على بعضهما، وتركوا قياسهما في الصوم وترك التسمية على الذبيحة، بل وعلى آخر الصلاة!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
فكيف صح لهم قياسهم في أول الصلاة، ثم لم يصح معهم في آخرها، فأبطلوه!! محتجين على الفارق بخبر واهٍ، مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة التي جعلت تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم.
فواعجبي من اشتراط هؤلاء الشروط للحديث الصحيح الصريح، وترك قبول الأساطين، مع تلقفهم واهي المنقول، وسفساف ما ينسب للعقول، وما هو منها!!.
وقد ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله في " الأعلام " أشياء من هذا كثيرةً جداً نحيل عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)