سمعه من زائدة، فكان يدع فيه "حدثتني عائشة" وينكره) (1) .
وأثبت البخاري سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه (2) ، وقد ثبت أن عبد الرحمن حدث عن مسروق عن عبد الله بن مسعود (3) ، وقد ذهب شعبة، وابن معين في رواية عنه، والحاكم إلى أن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه (4) ، ولعل حجتهم في ذلك أن عبد الرحمن كان صغيرًا عند وفاة والده، ولأنه أدخل في بعض حديثه عن أبيه واسطة.
وأثبت البخاري سماع أبي الزبير من ابن عباس (5) ، وقد ثبت أن أبا الزبير روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (6) ، وروى عن طاووس عن ابن عباس (7) ، وروى عن مجاهد عن ابن عباس (8) ، ورى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس (9) ، وعن عكرمة عن ابن عباس (10) ، وقد تكلم ابن عيينة، وأبوحاتم الرازي في سماع أبي الزبير من ابن عباس (11) ، ولعل مستندهم أن أكثر حديث أبي الزبير عن ابن عباس جاء بواسطة.
وفي كل الأمثلة السابقة رأينا أن البخاري أثبت سماع أولئك الرواة عن شيوخهم رغم أنهم يدخلون في بعض ما رووه عن أولئك واسطة، وذلك لأن البخاري رحمه الله ثبت عنده لقاء أولئك الرواة بيقين. ولعله يحمل دخول--------------------------------------------
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص101) ، وانظر جامع التحصيل (ص218) .
(2) التاريخ الكبير (5/299) .
(3) تحفة الأشراف (7/145) روى عبد الرحمن بهذا الإسناد حديثًا واحدًا، والحديث في الصحيحين.
(4) تهذيب التهذيب (6/215-216) .
(5) العلل الكبير للترمذي (1/388) .
(6) تحفة الأشراف (4/441) ، لأبي الزبير بهذا الإسناد أربعة أحاديث.
(7) تحفة الأشراف (5/27-29) ، لأبي الزبير بهذا الإسناد سبعة أحاديث.
(8) تحفة الأشراف (5/236) ، لأبي الزبير بهذا الإسناد حديثان.
(9) تحفة الأشراف (5/99) ، ولأبي الزبير بهذا الإسناد حديث واحد.
(10) تحفة الأشراف (5/167) ، ولأبي الزبير بهذا الإسناد حديث واحد.
(11) المراسيل لابن أبي حاتم (ص154) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
الواسطة على تنوع مصادر الرواية، ولا يحمله على تناقض الراوي، والاستدلال بذلك على عدم سماعه من شيخه.
الحالة الثانية: دخول واسطة في السند بين من لم يثبت لهما لقاء:
يختلف موقف الإمام البخاري، وحكمه على هذه الحالة عن حكمه على الحالة الأولى، وقد ثبت لدي أنه يستدل على دخول الواسطة بين من لم يثبت لهما اللقاء على عدم السماع، ومن الشواهد التي تثبت هذا:
قال البخاري: (مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل عن عنبسة عن أم خبيبة "من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة") (1) .
وقال: (لم يسمع الحسن من سلمة بينهما قبيصة بن حريث) (2) .
وقال: (ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد عن ابن نافع عن أبيه حديثًا) (3) .
وقال: (عمرو بن دينار لم يسمع من البراء، وبينهما عندي رجل) (4) .
وبما سبق يتأكد أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - يفرق بين دخول الواسطة في سند ثبت اللقاء بين رواته، ودخول الواسطة في سند لم يثبت اللقاء بين رواته. فبينما يستدل في الحالة الثانية على عدم سماع الراوي، نجده في الحالة الأولى لا يستدل بذلك لأن اللقيا بين الراوي وشيخه صحيحة، ومن الجائز أن يروي الراوي عن شيخ سمع منه، ثم يحدث عن رجل عن ذلك الشيخ الذي ثبت سماعه منه، وبهذا يتقرر حكم البخاري في دخول الواسطة في السند.--------------------------------------------
(1) العلل الكبير للترمذي (1/160) .
(2) التاريخ الكبير (4/72) .
(3) العلل الكبير للترمذي (1/523) .
(4) العلل الكبير للترمذي (1/476) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
المبحث الرابع
كم يكفي لإثبات اللقاء؟
يكتفي الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - بثبوت اللقاء أو السماع مرة واحدة بين الراوي وشيخه ليحكم بالاتصال على كل ما جاء بذلك السند معنعنا.
قال مسلم - رحمه الله تعالى - عارضًا لرأي مخالفه: (إن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما، مرة من دهرهما فما فوقها) (1) .
وقد ذكر غير واحد من العلماء أن البخاري يكتفي لإثبات اللقاء بمرة واحدة، من هؤلاء العلماء: أبوعمرو بن الصلاح (2) ، وابن رشيد (3) ، والعلائي (4) ، وابن حجر العسقلاني (5) ، وغيرهم كثير.
ومن الأمثلة من كلام البخاري على أنه يكتفي في إثبات اللقاء أو السماع بمرة واحدة.
قول البخاري: (وسماع الحسن من سمرة بن جندب صحيح) (6) ، وقد ذهب عدد من العلماء إلى أن الحسن لا يصح له السماع من سمرة إلا في حديث واحد (7) ، والظاهر من صنيع البخاري أنه اكتفى بهذا الحديث الواحد في إثباته لسماع الحسن من سمرة، لاسيما وأنه لا يعرف للحسن عن سمرة سماع في غير--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(2) صيانة صحيح مسلم (ص128) .
(3) السنن الأبين (ص32) .
(4) جامع التحصيل (ص116) .
(5) هدي الساري (ص14) ، وشرح نخبة الفكر (ص64) .
(6) العلل الكبير للترمذي (2/963) .
(7) نصب الراية (1/89 - 90) ، وهذا الحديث هو حديث العقيقة ذكره البخاري مختصرًا في صحيحه (9/504/ [5472] ) ، كتاب العقيقة، باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
حديث العقيقة. قال الإمام البيهقي: (أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن البصري من سمرة في غير حديث العقيقة) (1) .
وقول البخاري: (قال علي: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) (2) .
وقوله لما سئل عن محمد بن المنكدر هل سمع عائشة؟: (نعم. وروى مخرمة بن بكير عن أبيه عن محمد بن المنكدر وقال: سمعت عائشة) (3) .
المبحث الخامس
ما يقوم مقام اللقاء
لقد احتج الإمام البخاري بالمكاتبة وهي أن يقول أحد رواة الحديث الثقات: "كتب إلى فلان" فيذكر حديثًا أو أحاديث، ولكن هل تنزل المكاتبة منزلة اللقاء من حيث الاحتجاج بالحديث المعنعن؟
للإجابة على هذا السؤال سأتناول أولاً احتجاج البخاري بالمكاتبة، ثم سأحاول الإجابة على السؤال ثانيًا.
أولاً: احتجاج البخاري بالمكاتبة:
قال البخاري: (باب "ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزًا، واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ--------------------------------------------
(1) السنن الكبرى للبيهقي (5/288) .
(2) التاريخ الصغير (1/122) .
(3) العلل الكبير للترمذي (1/373) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم) (1) .
ثم ساق البخاري حديثين فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الكتابة في تبليغ الدعوة ليؤكد أن المكاتبة تقوم بها الحجة.
والاحتجاج بالمكانية هو مذهب أئمة الحديث، قال القاضي عياض: (وقد استمر عمل السلف ومن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: كتب إلي فلان قال: أخبرنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود في الأسانيد كثير) (2) .
ومن الأمثلة على احتجاج البخاري عمليًا بالمكاتبة في صحيحه:
أخرج حديث أبي عثمان النهدي قال: (أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام) (3) .
وأخرج حديث سالم أبي النصر مولى عمر بن عبيد الله قال: (كنت كاتبًا له - يعني لعمر بن عبيد الله -، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته فإذا فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: لا تمنوا لقاء العدو وسلو الله--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (1/185) ، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة.
(2) الإلماع للقاضي عياض (ص86) ، وللاستزادة حول مسألة المكاتبة ينظر: المحدث الفاصل (ص435-458) ، ومعرفة علوم الحديث (ص261) ، والكفاية (ص273-382) ، وفتح المغيث للسخاوي (ص135-143) ، وتدريب الراوي (2/56) ، وتوضيح الأفكار (2/338-341) .
(3) صحيح البخاري (10/295/ [5828] ) ، كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه، وقد قال الدارقطني في كتابه التتبع (ص261) : (وهذا لم يسمعه أبوعثمان من عمر، وهو مكاتبة، وهو حجة في قبول الإجازة) ، وكلام الدراقطني يدل على أنه تراجع عن استدراك الحديث، كما قال الحافظ في الفتح (10/298) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا … الحديث) (1) .
وأكثر من ذلك أن البخاري عد المكاتبة سماعًا، فقال في ترجمة عبيد الله بن أبي جعفر: (سمع منه الليث) (2) ، وقد صرح الليث بأنه لم يسمع من عبيد الله فقد قال: (لم أسمع من عبيدا لله بن أبي جعفر إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضها عليه) (3) ، وقد احتج البخاري في صحيحه بعدة أحاديث من طريق الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر (4) .
ثانيًا: هل المكاتبة كثبوت اللقاء؟
إذا جاء في حديث أن فلانًا بحديث واحد أو بأحاديث معينة، ثم وردت أسانيد من هذا الطريق بالعنعنة، وليست من ضمن المكاتبة، ولم يثبت اللقاء، فهل تقوم المكاتبة مقام ثبوت اللقاء في الاحتجاج بما جاء عنهما معنعنًا؟
لا يخلوا الأمر من حالتين:
1- ثبوت ما يدل على أن أحد الرواة كاتب آخر بجملة من الأحاديث - ويكون الأمر على الإبهام دون تحديد لماهية الأحاديث - فما ورد في هذه الحالة معنعنًا يحمل على أنه من ضمن المكاتبة إلا أن يقوم ما يدل على خلاف ذلك من أن ما روى ليس من المكاتبة.
2- أن تثبت المكاتبة بين راويين في حديث واحد، ولكن يرد عنهما أسانيد معنعنة، فلا يدري هل ثبت بينهما لقاء أم لا؟ أو هل كاتب أحدهما الآخر بأكثر من حديث أم لا؟
فالحكم في هذه الحالة أن المكاتبة كافية لإثبات اتصال الحديث الذي رويت--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (6/180/ [3024] ) ، كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، وقد قال الدارقطني في التتبع (ص305) : (وهو صحيح حجة في جواز الإجازة والمكاتبة، لأن أبا النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى وإنما رآه في كتابه) .
(2) التاريخ الكبير (5/376) .
(3) المراسيل لابن أبي حاتم (ص146) .
(4) انظر صحيح البخاري (1/468/ [288] ) ، كتاب الغسل، باب الجنب يتوضأ ثم ينام، وانظر أيضًا (12/399/ [6995] ) ، كتاب التعبير، باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
به فقط، أما أن تكون مجرد المكاتبة ولو لمرة كثبوت اللقاء ولو مرة واحدة، فلا.
ففي هذه الحالة تكون المكاتبة حالة خاصة لا عموم لها لا يثبت بها اتصال في الأسانيد المعنعنة مطلقًا كما هي الحال في اللقاء، وإنما يحتج بالمكاتبة - من حيث اتصال السند - في نفس الحديث الذي كتب وبعث به للملتقى أو الراوي الآخر.
وخلاصة الجواب على سؤال: هل المكاتبة كثبوت اللقاء؟ أن يقال: من حيث الخصوص نعم، ومن حيث العموم لا، فالمكاتبة كثبوت اللقاء فيما علم أن المكاتبة وقعت به من أحاديث معينة ومحددة، وليست المكاتبة كثبوت اللقاء من حيث أن مجرد العلم بوقوع المكاتبة بين راويين ولو في حديث واحد يكفي لإثبات الاتصال في الأسانيد المعنعنة المروية عنهما، بل يجب البحث عن اللقاء فيما روي عن هذين الراويين معنعنًا مع ثبوت وقوع المكاتبة بينهما في حديث بعينه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الفصل الثالث
هل عدم ثبوت اللقاء أوالسماع مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري؟
المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة؟
المبحث الثاني: هل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع؟
المبحث الأول
هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - يشترط ثبوت اللقاء فيما يعتبر أعلى درجات الصحة من الأحاديث فقط، أما أن يكون ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة إذا انتفى وجوده لا يعد الحديث صحيحًا فليس هذا مذهب البخاري.
وأول من قال بهذا الطريق - فيما بلغه علمي - الحافظ ابن كثير الذي قال في معرض تحديد اسم من عناه الإمام مسلم بالرد في مقدمة صحيحه: (قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في اصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح") (1) .--------------------------------------------
(1) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير (ص43) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وقال الإمام البلقيني مثل قول ابن كثير: (قيل: يريد مسلم بذلك البخاري، إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في جامعه، ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة) (1) .
وقد أيد الشيخ عبد الفتاح أبوغدة كلام ابن كثير والبلقيني بقوله: (وبهذا التعليل والتمييز بين مذهب البخاري وشيخه علي بن المديني، يخرج البخاري من أن يكون المعني بقول مسلم وإنكاره الشديد، لأنه توسط بين مذهب ابن المديني ومذهب مسلم في المسألة، واستوثق لكتابه "الصحيح" أكثر من مسلم رحمهما الله تعالى، ويكون مذهب الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى إلى التشدد أقرب، فتكون غضبة مسلم وشدته موجهة إليه) (2) .
ولم يسق أصحاب هذا القول أي شاهد من كلام البخاري أو من أحكامه النقدية التطبقية ما يدل على رأيهم من أن البخاري لا يشترط ثبوت اللقاء في أصل صحة الحديث، مما يجعل قولهم من السهل نقضه والرد عليه.
وقد خالف القول السابق بعض العلماء الذين ذهبوا إلى أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري، وليس كما يقول أصحاب الرأي الأول أنه شرط في أعلى درجات الصحة.
فقد قال الحافظ ابن رجب: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) (3) .
وقال أيضًا وهو يتكلم على مذهب ابن المديني والبخاري: (فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء) (4) .
فيفهم من كلام ابن رجب أن مذهب البخاري هو عين مذهب ابن المديني،--------------------------------------------
(1) محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح للبلقيني (ص158) .
(2) الموقظة للذهبي، التتمة الثالثة المحال إليها في التعليق على "الموقظة" (ص137-138) .
(3) شرح علل الترمذي (1/365) .
(4) شرح علل الترمذي (1/367) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
ولا فرق بينهما، وأن المذهب الذي أنكره مسلم هو مذهبهما الذي مقتضاه أن ثبوت اللقاء شرط في أصل الصحة.
وقد قال الحافظ ابن حجر: (ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك) (1) .
وقال السخاوي: (وممن صرح باشتراط ثبوت اللقاء علي بن المديني والبخاري وجعلاه شرطًا في أصل الصحة) (2) .
وقال المعلمي: (وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء إنما هو لما يخرجه في "صحيحه" لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدة من كتبه "كجزء القراءة" وغيره ما يدفع هذا) (3) .
والحجة التي يستند إليها أصحاب هذا القول هي أن البخاري تكلم على أحاديث "في تاريخه الكبير"، و"جزء القراءة خلف الإمام"، وغيرهما من مصنفاته، وعللها بعدم ثبوت السماع أو اللقاء.
والذي أراه أن القول الثاني هو الصواب لما يلي:
1- لم يأت أصحاب القول الأول بأي دليل أو شاهد يدل على رأيهم، مما جعل قولهم يفتقر إلى الأساس الذي يحتاج إليه في مثل هذا الموطن.
2- إن الحجة التي استند إليها أصحاب القول الثاني وجيهة جدًا، وهي: كيف لا يكون ثبوت اللقاء شرطًًا في أصل الصحة عند البخاري، وقد علل أحاديث كثيرة بسبب عدم ثبوت اللقاء في مصنفاته كـ "التاريخ الكبير" و"القراءة خلف الإمام"؟!
وفي نصوص عديدة وجدنا البخاري يحكم على أسانيد بعدم الصحة بسبب عدم ثبوت السماع بين بعض رواة السند، فيقرن عدم الصحة بعدم ثبوت السماع، مما يدل على أن البخاري يشترط ثبوت اللقاء أو السماع في أصل الصحة، وإلا لما--------------------------------------------
(1) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/595) .
(2) فتح المغيث للسخاوي (1/165) .
(3) التنكيل للمعلمي (1/83) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
ضعف تلك الأحاديث بسبب عدم السماع ومن هذه النصوص:
قول البخاري: (لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت) (1) .
وقوله: (ولا تقوم الحجة بسالم بن رزين، ولا برزين لأنه لا يدري سماعه من سالم، ولا من ابن عمر) (2) .
وقد قال في حديث طويل أخرجه: (فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض) (3) .
وقد قال أيضًا: (وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، ولا يعرف بهذا الإسناد سماع بعض من بعض ولا يصح مثله) (4) .
وقال في سند يرويه عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما: (لا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض) (5) .
وقال في ترجمة عبد الله بن نافع: (لم يصح حديثه) (6) .
والنصوص السابقة يظهر فيها بجلاء أن الإمام البخاري يضعف جملة من الأحاديث معللاً عدم تصحيحه لها لكون السماع بين بعض رواتها لم يثبت، ولهذا ذهبت إلى ترجيح القول الثاني لقوة حجته وظهور دليله.
وأود أن أشير هنا أنني خلال مرحلة جمع المعلومات قد قمت بجمع ما وقع--------------------------------------------
(1) العلل الكبير للترمذي (1/173) .
(2) التاريخ الكبير (4/13) .
(3) التاريخ الكبير (5/183) .
(4) جزء القراءة خلف الإمام (ص15) ، وقد وقع في المطبوع تصحيف فذكر اسم عمر بن محمد هكذا [عمرو بن موسى بن سعد] والتصحيح من السنن الكبرى للبيهقي (2/163) وقد نقل نص البخاري السابق.
(5) التاريخ الكبير (3/284) .
(6) التاريخ الكبير (5/213) وليس لعبد الله بن نافع إلا هذا الحديث فقط كما يظهر من ترجمته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
تحت يدي من الأحاديث التي قواها البخاري خارج صحيحه لأتحقق مما قاله الإمام ابن كثير ومن تبعه، فجمعت كل الأحاديث التي قال فيها البخاري أنها صحيحة أو حسنة أو قواها بلفظ آخر، فوجدت أن معظمها السماع فيها ظاهر في أسانيدها، والبعض الآخر يعرف سماع رواة السند بالرجوع إلى التاريخ الكبير أو الصغير، والبعض الآخر منها يعرف سماع رواة السند من طرق أخرى.
ولكن استوقفتني أحاديث قواها البخاري، وفي الوقت نفسه قد تكلم في ثبوت لقاء بعض رواتها من بعض أو لمح بعدم ثبوت السماع.
وفيما يلي مناقشة لهذه الأحاديث في المبحث التالي.
المبحث الثاني
هل قوى البخاري أحاديث لم يثبت فيها لقاء أو سماع؟
قبل البدء في مناقشة الأحاديث الآتية أرى أنه من المناسب جدًا أن أنبه على خاصية مهمة في منهج البخاري في علم الحديث بشكل عام.
وهي أن هذا الإمام يعتمد على "القرائن" كثيرًا، ولا يتعامل مع القضايا والأمور المتعلقة بعلم الحديث بسطحية وجمود على الكلمات والشعارات.
وتجد في تحقيقات الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" و "فتح الباري" ما يدل على ذلك وسأقتطف فيما يلي بعضًا من هذا:
قال الحافظ ابن حجر وهو يرد على الدارقطني في انتقاده على البخاري حديثًا بدعوى أن نافعًا لم يدرك عمر: (في سياق الخبر ما يدل على أن نافعًا حمله عن عبد الله بن عمر، فقد قدمنا مرارًا أن البخاري يعتمد مثل ذلك إذا ترجح بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذكور في السياق) (1) .
وقال في حديث أختلف فيه على هاشم بن هاشم هل هو عن عامر بن سعد عن أبيه أم عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص؟: (والظاهر أن البخاري--------------------------------------------
(1) هدي الساري (ص387) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
أخرجه على الاحتمال لقرينة معرفة عامر بن سعد بحديث أبيه، وصحة سماع هاشم منه ومن سعيد جميعًا) (1) .
كما أن البخاري ينتقي من أحاديث المتكلم فيهم، ولا يدعها مطلقًا، فقد انتقى من أحاديث إسماعيل بن أبي أويس، وأخرج في صحيحه عن إسماعيل ما اعتقد فيه أنه من صحيح حديثه (2) .
وأسلوب "الانتقاء" ركيزة هامة في منهج البخاري، لذا قال ابن حجر في أحاديث سعيد بن أبي عروبة التي أخرجها البخاري، والتي حدث بها سعيد بن أبي عروبة بعد اختلاطه:
(فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه) (3) .
وقال عن ذكر البخاري لأحاديث عبد الله بن صالح كاتب الليث في صحيحه: (إن الذي يورده من أحاديثه صحيح عنده قد انتقاه من حديثه) (4) .
وقال قال البخاري: (كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أروي عنه، ولا أكتب حديثه) (5) .
فالانتقاء والقرائن من أهم ما يعتمده البخاري في منهجه.
إذا تقرر هذا، فسأشرع الآن في مناقشة الأحاديث التي قواها البخاري، وفيها نظر من حديث ثبوت السماع بين بعض رواتها:
الحديث الأول:
قال البخاري في ترجمة سليمان بن بريدة: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) (6) .--------------------------------------------
(1) هدي الساري (ص386) .
(2) هدي الساري (ص410) .
(3) هدي الساري (ص410) .
(4) هدي الساري (ص435) .
(5) العلل الكبير للترمذي (2/978) ، وهذا يشمل فيمن روى حديثهم بواسطة وبدون واسطة كما يظهر من نصوص أخرى.
(6) التاريخ الكبير (4/4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
ومع ذلك فإن البخاري قال: (وحديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة (1) عن أبيه في المواقيت هو حديث حسن) (2) .
فالبخاري ينص على أن سليمان بن بريدة لم يذكر في شيء من أحاديثه عن أبيه أنه قال سمعت أبي أو حدثني أبي أو قال لي، ونحو ذلك من عبارات الاتصال وثبوت اللقاء، ولكنه حكم على حديث يرويه سليمان بن بريدة عن أبيه بأنه حسن (3) ، فلماذا صنع ذلك؟
يظهر من الحديث السابق أن البخاري يناقض نفسه، وقد يقول البعض: إن هذا ما يؤيد رأي ابن كثير ومن تبعه بأن البخاري ثبوت اللقاء في أعلى الصحة وليس في أصل الصحة، ولكن أقول: ظهر لي أن البخاري قوى حديث سليمان عن أبيه، مع كلامه الدال على أن سليمان بن بريدة لم يذكر سماعًا من أبيه لقرائن من أهمها:
1- إن السماع بين سليمان ووالده أقوى بكثير من عدم السماع لما يلي:
أ - أن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه هو والد سليمان.
ب - أن سليمان أدرك من حياة أبيه أكثر من أربعين سنة، فقد ولد سنة 15 للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومات سنة 105هـ وله ن العمر تسعون سنة (4) .
وأما بريدة بن الحصيب رضي الله عنه والد سليمان فقد مات سنة 63هـ (5) ، فيكون سليمان أدرك من حياة والده ثماني وأربعين سنة.--------------------------------------------
(1) هو سليمان بن بريدة وليس هو عبد الله يظهر هذا من صحيح مسلم (1/428) وسسن النسائي (1/258) وصحيح ابن خزيمة (1/166) .
(2) العلل الكبير للترمذي (1/202-203) .
(3) رأيت البخاري حكم على عدد من الأحاديث التي أخرجها في صحيحه بنفس السند بأنها حسنة، انظر مثال ذلك: العلل الكبير (1/257) ، وقارنه بصحيح البخاري (8/431 [4819] ) .
(4) تهذيب التهذيب (4/174) ، وتقريب التهذيب (ص250) .
(5) تهذيب التهذيب (1/433) ، وتقريب التهذيب (ص121) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
فالظن الغالب أن يكون سليمان قد سمع من أبيه لاسيما وقد أدرك من حياته عمرًا طويلاً، ويبعد جدًا أن يكون الابن يمكث في الحياة أكثر من أربعين سنة ولا يرى أباه ويجتمع به هذا بعيد الحدوث جدًا، ولو وقع ذلك أو حدث لبين علماء الحديث ورواته هذا الأمر ولاشتهر لاسيما وأن أحاديث سليمان عن أبيه ليست قليلة وهي مشهورة ومتداولة بكثرة بين رواة الحديث ونقاده (1) .
2- … إن الحديث له شواهد عديدة تدل على أنه صحيح، وأن سليمان بن بريدة لم ينفرد بهذا الحديث.
وحديث سليمان عن أبيه هو أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: "اشهد معنا الصلاة" فأمر بلالاً فأذن بغلس (2) .. الحديث.
ويشهد له حديث أبي موسى (3) ، وحديث جابر (4) ، وحديث أبي هريرة (5) .
فالإمام البخاري إنما قوى حديث سليمان بن بريدة هذا لما يعضده من شواهد صحيحة وقرائن قوية تدل على أن احتمال السماع أقوى من عدمه.
الحديث الثاني:
قال البخاري: (حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن--------------------------------------------
(1) ذكر عن إبراهيم الحربي قوله: (عبد الله أم من سليمان ولم يسمعا من أبيهما) كما في تهذيب التهذيب (5/158) ، ، لكن لم يذكر دليله على ما يقول وأيضًا لم يتابعه على هذا القول أحد ممن صنف في المراسيل ولا غيرهم، ويعارض هذا أن الإمام مسلم وغيره ممن صنف في الصحيح - ماعدا البخاري - قد أخرجوا أحاديث لسليمان عن أبيه.
(2) صحيح مسلم (1/429) ، الترمذي (1/286) ، النسائي (1/258) ، ابن خزيمة (1/166) ، ابن حبان (3/35) ، المنتقى لابن الجارود (ص60) .
(3) انظر مسلم (1/429) ، والنسائي (1/260) .
(4) انظر سنن الترمذي (1/281) ، وسنن النسائي (1/251) ، وصحيح ابن خزيمة (1/182) ، وصحيح ابن حبان (3/16) ، والحاكم في المستدرك (1/195) .
(5) انظر سنن النسائي (1/249) ، وصحيح ابن حبان (3/24) ، والحاكم في المستدرك (1/194) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
محمد بن عقيل أم لا؟، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح) (1) .
فالبخاري يحسن (2) الحديث، مع تشككه في سماع عبد الله بن محمد بن عقيل من إبراهيم بن محمد بن طلحة، ويظهر لي أن بعض القرائن هي التي حملت البخاري على تحسين هذا الحديث، وأهمها ما يلي:
1- إن احتمال السماع أقوى من عدم السماع، وذلك يظهر بمعرفة وفاة إبراهيم بن محمد بن طلحة فقد مات كما قال علي بن المديني وغيره سنة 110هـ (3) ، وقد ثبت أن ابن عقيل سمع ممن هو أقدم وأكبر سنًا من إبراهيم بن محمد، فقد قال البخاري في ترجمة ابن عقيل: (سمع ابن عمر، وجابرًا، والطفيل بن أبي) (4) فإذا عرفنا أن ابن عمر مات سنة 73هـ، وفرضنا أن ابن عقيل سمع منه وعمره ثمان سنوات - مع بعد هذا الاحتمال - فتكون ولادة ابن عقيل 65هـ، ويكون أدرك من حياة محمد بن إبراهيم بن طلحة ما يقارب الخمس والأربعين سنة وهو معه في نفس البلد.
وأظن أن البخاري أعطى اعتبارًا عندما حسن هذا الحديث لكون السند مدنيًا فإن الحديث أهل المدينة وضعية تختلف عن أحاديث البلدان الأخرى، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة) (5) ، ولم يكن التدليس في المدينة معروفًا. قال الحاكم:--------------------------------------------
(1) العلل الكبير للترمذي (1/187-818) ، في السند عبد الله بن محمد بن عقيل قال عنه البخاري: مقارب الحديث، وهو مختلف فيه، التهذيب (6/15) .
(2) قد يفهم من نص البخاري السابق الاستثناء أي كأنه قال: هذا حديث حسن لولا هذه العلة، ولكن رأيت الترمذي في سننه (1/226) جزم بتحسين البخاري للحديث وحذف كلامه حول سماع ابن عقيل من ابن طلحة، ونقل تحسين البخاري بالجزم كل من البيهقي فيمعرفة السنن والآثار (2/159) ، وابن عبد الهادي في المحرر (1/148) ، وابن حجر في بلوغ المرام حديث رقم (151) .
(3) تهذيب التهذيب (1/154) .
(4) التاريخ الكبير (5/183) .
(5) صحة أصول مذهب أهل المدينة (ص33) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
(أهل الحجاز والحرمين، ومصر والعوالي ليس التدليس مذهبهم) (1) .
2- تصحيح الإمام أحمد بن حنبل لهذا الحديث، ولا يخفى ما للإمام أحمد من مكانة في علم الحديث، يعطي إشارة إلى أن الحديث يحتج به.
3- وجود شواهد لأكثر فقرات هذا الحديث الذي يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: (كنت استحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش … فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، في علم الله ثم اغتسلي … " الحديث) (2) .
ويشهد لهذا الحديث حديث عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش (3) ، وحديث عائشة في شأن حبيبة (4) ، وحديث عائشة عن امرأة استحيضت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) .
فالبخاري إنما حسن هذا الحديث مع اطلاعه على أن ابن عقيل لم يرد ما يثبت سماعه أو لقاءه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لأن احتمال السماع أقوى من عدمه، ولأن شيخ البخاري الإمام أحمد قد صحح الحديث، ولأن للحديث شواهد صحيحة.
الحديث الثالث:
سأل الترمذي الإمام البخاري عن حديث يرويه عطاء بن يسار عن أبي واقد--------------------------------------------
(1) معرفة علوم الحديث (ص111) .
(2) أخرجه الترمذي (1/221/ [128] ) واللفظ له، وأبوداود (1/76) ، وأحمد (6/381، 439) ، والحاكم (1/173) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/338) .
(3) البخاري (1/396/ [228] ) ، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، ومسلم (1/262) .
(4) البخاري (1/508/ [327] ) ، كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة، ومسلم (1/263) .
(5) انظر سنن أبوداود (1/79) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
الليثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) (1) .
فقال: "أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم) (2) .
فالبخاري هنا أقر بأن الحديث محفوظ، ولم يتطرق إلى ثبوت سماع عطاء من أبي واقد الليثي لأن عطاءًا قديم.
فلماذا اكتفى بمجرد الإدراك لتقوية هذا الحديث؟
وقيل الإجابة لا يفوتني أن أذكر أنني لم أقف على ما يثبت سماع عطاء من أبي واقد، ولا ما ينفيه. فبقي الأمر على الاحتمال، والمؤكد أن عطاء بن يسار أدرك أبا واقد الليثي.
وللإجابة على السؤال السابق. أقول ظهر لي أن الإمام البخاري قوى حديث أبي واقد مع أن اللقاء بين عطاء وأبي واقد لم يثبت لأمرين هما:
1- أن اللقاء أقوى احتمالاً من عدمه، فأبو واقد الليثي توفي سنة 68هـ (3) ، وعطاء بن يسار ولد سنة 19هـ (4) فيكون أدرك من حياة أبي واقد ما يقارب الخمسين سنة، وهما من نفس البلد فكلاهما مدني، فيبعد أن لا يلتقيا خلال هذه المدة الطويلة من الزمن وهما في نفس البلد، مع توفر دواعي الالتقاء وانتفاء موانعه. فاحتمال اللقاء بينهما قوي جدًا.
2- ورد للحديث شاهد من رواية أبي سعيد الخدري (5) مرفوعًا، مما يقوي الظن بأن الحديث محفوظ وينفي التفرد عن حديث أبي واقد الليثي.--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (4/74/ [1480] ) ، وأبوداود (3/111/ [2858] ) .
(2) العلل الكبير للترمذي (2/633) .
(3) انظر المعجم الكبير للطبراني (3/242-243) ، تهذيب التهذيب (12/270) .
(4) انظر تهذيب التهذيب (7/218) .
(5) انظر مستدرك الحاكم (4/239) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني في غاية المرام (ص43) ، وفيما قالاه نظر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
الحديث الرابع:
قال البخاري: (عبد الله بن بريدة بن حصيب الأسلمي قاضي مرو عن أبيه، سمع سمرة وعمران بن الحصين) (1) .
ذكرت فيما سبق أن قول البخاري "عن" بدل سمع فيما يرويه صاحب الترجمة عن شيوخه تدل على أن البخاري لم يثبت عنده سماع صاحب الترجمة ممن روى عنه وإلا لقال: "سمع" بدل "عن" (2) .
وهنا أشار الإمام البخاري أن عبد الله بن بريدة روى عن أبيه بالعنعنة مما يدل على أن البخاري لم يقف على ما يثبت سماع عبد الله من أبيه، ورغم هذا فقد أخرج البخاري في صحيحه لعبد الله بن بريدة حديثين ليس فيهما ما يثبت السماع أو اللقاء بينهما وهما:
أ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًا إلى خالد ليقبض الخمس … " (3) .
ب - عن ابن بريدة عن أبيه قال: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة" (4) .
فعلى أي شيء اعتمد البخاري في تصحيحه لهذين الحديثين؟
يبدو أن البخاري أخرج هذين الحديثين لعبد الله بن بريدة عن أبيه مع عدم ثبوت سماع من أبيه لأمرين:
1- أن احتمال سماع عبد الله من أبيه أقوى بكثير من احتمال عدم السماع فقد أدرك عبد الله بن بريدة من حياة والده ما يقارب الثماني والأربعين سنة، فقد ولد عبد الله سنة 15هـ (5) ، وتوفي بريدة سنة 63هـ (6) ، ثم إن بريدة هو والد--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (5/51) .
(2) انظر الباب الثاني، الفصل الأول، المبحث الثاني، القسم الثاني، فقرة رقم (5) .
(3) صحيح البخاري (7/664/ [4350] ) ، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع.
(4) صحيح البخاري (7/760/ [4473] ) ، كتاب المغازي، باب كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم؟.
(5) انظر تهذيب التهذيب (5/157-158) ، تقريب التهذيب (ص297) .
(6) انظر تهذيب التهذيب (1/433) ، تقريب التهذيب (ص121) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
عبد الله، فمدة الإدراك طويلة، وموانع الالتقاء والاجتماع بين عبد الله وأبيه معدومة، فكونه سمع من أبيه أرجح من عدم سماعه منه (1) .
2- أن البخاري لم يعتمد على الحديث الأول أو الثاني في بابهما، فالحديث الأول أورده البخاري في باب "بعث علي وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع" وقد خرج في هذا الباب خمسة أحاديث كان منها حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، فلم يكن هو عمدته في الباب.
والحديث الثاني أورده في باب "كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم؟ " وقد خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث كان منها حديث عبد الله بن بريدة عنه أبيه، فلم يكن هو عمدته في الباب كذلك.
ثم إن هذين الحديثين مما يجوز فيهما التساهل لإخراج البخاري لهما في كتاب المغازي فلا ينبني عليهما كبير أثر في أحكام الشرع.
الحديث الخامس:
قال علي بن المديني في قيس بن أبي حازم: (وروى عن بلال ولم يلقه) (2) .
وقد أخرجه البخاري في صحيحه عن قيس أن بلالاً قال لأبي بكر: "إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله" (3) .--------------------------------------------
(1) ينبغي أن أنبه هنا أن الإمام أحمد سئل: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: "ما أدري. عامة ما يروى عن بريدة عنه، وضعف حديثه"، وقد قال إبراهيم الحربي عن عبد الله وسليمان أنهما "لم يسمعا من أبيهما" انظر تهذيب التهذيب (5/158) ، وقد وقفت على تصريح عبد الله بالسماع من أبيه في مسند أحمد (5/347، 354، 360) ولكن جميعها من طريق الحسين بن واقد عنه والحسين بن واقد مع كونه صدوقًا إلا أن الإمام أحمد قال: "ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة" انظر العلل لعبد الله بن أحمد (1/115، 239) وقال: "في أحاديثه زيادة ما أدري أي شيء هي ونفض يده" تهذيب التهذيب (2/374) ، لذا لم أطمئن لإثبات سماع عبد الله من أبيه من طريق الحسين بن واقد، وأظن أن هذا رأي البخاري بدليل أنه قال: "عن أبيه" ولم يقل: "سمع أباه".
(2) العلل لابن المديني (ص50) .
(3) صحيح البخاري (7/125/ [3755] ) ، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)