وهذا هو الراجح أن حديث سليمان عن أبيه متصل للقرائن السابقة، بل - أظن - أن تلك القرائن أقوى في إثبات الاتصال من مجرد ثبوت اللقاء أو السماع لمرة واحدة كما هو الحد الأدنى عند البخاري في الاحتجاج بالسند المعنعن، وتحسين البخاري لحديث سليمان عن أبيه في المواقيت يدل على أنه لم يهمل القرائن السابقة.
رابعًا: قال البخاري في عبد الله بن معبد الزماني: (ولا نعرف سماعه من أبي قتادة) (1) . وقال في موضع آخر: (ورواه عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء، ولم يذكر سماعًا من أبي قتادة) (2) .
وقد أخرج مسلم من طريق شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن صومه؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه: (رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وببيعتنا بيعة. قال فسئل عن صيام الدهر؟ فقال: "لا صام ولا أفطر (أو ما صام ما أفطر) " قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟ قال: "ومن يطق ذلك" قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ قال: "ليت أن الله قوانا لذلك". قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية" قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية".
وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهمًا) (3) .
وقد روي حديث أبي قتادة هذا من طريق آخر فيه اضطراب شديد (4) جعل الدارقطني بعد أن ذكر الاختلاف فيه يقول: (هو مضطرب ولا أحكم فيه--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (5/198) ، (3/68) .
(2) التاريخ الصغير (1/302) .
(3) صحيح مسلم (2/819) .
(4) انظر التاريخ الكبير (3/67-68) ، والسنن الكبرى للنسائي (2/150-152) ، والعلل للدارقطني (6/148-153) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
بشيء) (1) ، ومع ذلك فإن هذه الطريق تدور على حرملة بن إياس - وقيل إياس بن حرملة - الذي يرويه عن أبي قتادة، وقد قال البخاري في حرملة هذا: (لا يعرف له سماع من أبي قتادة) (2) .
ولكن حديث عبد الله بن معبد لأكثر فقراته شواهد، كالأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر (3) ، والترغيب في صوم يوم الاثنين (4) ، ويشهد لفضل صوم يوم عرفة حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام يوم عرفة غفر له ذنب سنتين متتابعتين" (5) . قال المنذري: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح) (6) .
وأما ما جاء في حديث عبد الله بن معبد من أن صوم عاشوراء يكفر السنة الماضية، فلم أجد شاهدًا يصلح للاعتبار في ذلك (7) ، وقد ألمح البخاري لهذا كما تقدم فإنه لما ذكر حديث عبد الله بن معبد خصه بقوله: (في صوم عاشوراء) ولم يقل في صوم عرفة أو نحو ذلك، ولعل البخاري فعل ذلك لأن عبد الله بن معبد قد انفرد عن أبي قتادة بذكر هذا الفضل في صوم عاشوراء مع عدم وجود الشاهد الذي يطمئن أن الحديث له أصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر العقيلي (8) ، وابن عدي (9) ، عبد الله بن معبد في كتابيهما لقول--------------------------------------------
(1) العلل للدارقطني (6/151) .
(2) التاريخ الصغير (1/302) .
(3) انظر الترغيب والترهيب للمنذري (2/120-124) .
(4) انظر الترغيب والترهيب للمنذري (2/124-126) .
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/97) ، وأبويعلى في المسند (13/542) ، والطبراني في المعجم الكبير (6/220) .
(6) الترغيب والترهيب (2/112) .
(7) ذكر المنذري في الترغيب (2/112) حديثًا لأبي سعيد الخدري وحسنه، ولكن بالمراجعة ظهر أن فيه من هو متروك، انظر مجمع الزوائد (3/189) ، ومجمع البحرين (3/142) .
(8) انظر الضعفاء الكبير (2/305) .
(9) انظر الكامل في الضعفاء (4/1539) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
البخاري فيه أنه لا يعرف له سماع من أبي قتادة.
ولكن قال النسائي بعد أن أخرج حديث عبد الله بن معبد عن أبي قتادة: (هذا أجود حديث في هذا الباب عندي) (1) .
ويظهر أن مسلمًا رحمه الله أخرج هذا الحديث في صحيحه لأن عددًا من أئمة الحديث رووه ولم يستنكروه كشعبة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي (2) ، ثم لأن الحديث في فضائل الأعمال.
خامسًا: قال البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (3) .
أخرج مسلم من طريق منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: (ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها قال: وإحداهما لحيانية. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب". قال: وجعل عليهم الدية) (4) .
وأصل حديث المغيرة بن شعبة محفوظ من غير طريق عبيد بن نضلة، فقد أخرج الشيخان عن المسور بن مخرمة قال: (استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة: عبد أو أمة. قال: فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة) (5) .
ويشهد لحديث المغيرة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان عنه:--------------------------------------------
(1) السنن الكبرى للنسائي (2/153) .
(2) انظر صحيح مسلم (2/818-820) .
(3) العلل الكبير للترمذي (2/587) . وعبيد يقال له ابن نضلة، وابن نضيلة.
(4) صحيح مسلم (3/1310-1311) .
(5) صحيح البخاري (12/257/ [6905] ) كتاب الديات، باب جنين المرأة، وصحيح مسلم (3/1311) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
(اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة بعد وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع) (1) .
وبهذا يظهر أن مسلمًا لم يعتمد على حديث عبيد عن المغيرة بل أخرج في الباب ما يدل على أن الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تلك الطريق التي تكلم البخاري فيها.
سادسًا: ذكر البخاري محمد بن المنكدر فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (2) .
وقد أخرج مسلم حديث محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره" (3) .
وهذا الحديث - يظهر لي - أن مسلمًا أخرجه شاهدًا للحديث الذي قبله في الباب وهو حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: (إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) حتى يخرج نقيًا من الذنوب) (4) .--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (12/263/ [6910] ) كتاب الديات، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد، وصحيح مسلم (3/309) .
(2) انظر التاريخ الكبير (3/80) .
(3) صحيح مسلم (1/216) .
(4) صحيح مسلم (1/215) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
وقد وجدت عروة بن الزبير - وهو ممن ثبت سماعه من حمران (1) - تابع محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان رضي الله عنه بمعنى الحديث السابق، فقد قال الإمام الشافعي: (أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثًا ثلاثًا ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه") (2) .
وبذلك يظهر أن حديث محمد بن المنكدر عن حمران محفوظ ولاشك، وأن مسلمًا لم يعتمد عليه فقط في الباب بل ذكر حديث أبي هريرة - وهو في معناه - أيضًا.
وهذه الأسانيد الستة هي مجموع ما تكلم البخاري فيه من حيث عدم ثبوت السماع من الأسانيد التي أخرجها مسلم في صحيحه، وقد بينت مواطن ذكرها في صحيح مسلم، وأوضحت أن مسلمًا رحمه الله قد احتاط ببراعة مدهشة لأحاديث كتابه الصحيح التي اكتفى فيها بالمعاصرة بين المعنعن والمعنعن عنه. فرحم الله الشيخين فلقد أتعبا من بعدهما.--------------------------------------------
(1) انظر التاريخ الكبير (3/80) .
(2) مسند الشافعي بترتيب السندي (1/31) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
الفصل السادس
العلماء الذين أيدوا مسلمًا
في هذه المسألة
ذهب مسلم رحمه الله إلى أن الاكتفاء بالمعاصرة في السند المعنعن هو قول الأئمة قاطبة، قال رحمه الله: (إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة) (1) .
وقال أيضًا: (وما علمنا أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد) (2) .
وقد ناقشت ما ورد في كلام الإمام مسلم هذا في مناقشة الدليل الأول من أدلة الإمام مسلم، وذلك في الفصل الثالث من هذا الباب.
وقد ذكر بعض العلماء من قال بمذهب مسلم في السند المعنعن من حيث الإجمال:--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/39-40) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/32) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
فقال ابن رشيد: (وقد تبع مسلمًا على مذهبه فرقة من المحدثين، وفرقة من الأصوليين) (1) .
وقال ابن القطان الفاسي في رواية مسروق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: (يجب على أصولهم أن يحكم لحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما؛ فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور) (2) .
وقال النووي في الحديث المعنعن: (والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا) (3) .
وقال ابن رجب الحنبلي: (وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم رحمه الله من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس) (4) .
هذا بالنسبة للقائلين بمذهب مسلم من حيث الإجمال، أما من حيث التفصيل فهم:
1- الإمام ابن حبان. قال ابن رجب: (وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم رحمه الله من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان) .
وقد تفحصت مقدمة صحيح ابن حبان فلم أجد له نصًا صريحًا في مسألة الحديث المعنعن، وإنما أشار إلى أنه يملي الأخبار في صحيحه (بأشهرها إسنادًا وأوثقها عمادًا، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها) (5) .
ومع كونه قد تأخر عن زمن الإمام مسلم، إلا أنه لم يعرض لمسألة الحديث المعنعن ولم يبين موقفه منها، ولا نستطيع الجزم بأن مذهبه في الحديث المعنعن--------------------------------------------
(1) السنن الأبين (ص49) .
(2) بيان الوهم والإبهام (1/132/ب) .
(3) تدريب الراوي (1/214) .
(4) شرح علل الترمذي (1/364) .
(5) صحيح ابن حبان (1/37) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
كمذهب مسلم تمامًا فإن ابن حبان إمام مجتهد له تفردات معروفة، ويحتاج الأمر إلى دراسة صحيحة لمعرفة ذلك على وجه الدقة.
ولكن استطيع القول أن موافقة من هذه المسألة أقرب لمذهب مسلم، وذلك لأني رأيته احتج في صحيحه بأحاديث تكلم فيها البخاري من حيث عدم ثبوت السماع، ومن ذلك:
أن البخاري قال في ترجمة عبد الله بن معبد الزماني: (لا نعرف سماعه من أبي قتادة) (1) ، وقد صحح ابن حبان حديث ابن معبد عن أبي قتادة (2) .
وقال البخاري أيضًا في ترجمة عبد العزيز بن النعمان: (لا يعرف له سماع من عائشة) (3) ، وقد صحح ابن حبان لعبد العزيز بن النعمان عن عائشة (4) .
وقال البخاري أيضًا: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (5) ، وقد صحح ابن حبان حديث عبيد عن المغيرة (6) .
وقال البخاري أيضًا في ترجمة عثمان بن شبرمة: (لا أدري سمع من عاصم أم لا؟) (7) ، وقد صحح ابن حبان حديث عثمان عن عاصم بن أبي النجود (8) .
2- أبوعبد الله الحاكم. قال العلائي عندما عرض لمذهب من اكتفى بمجرد إمكان اللقاء مع السلامة من التدليس: (وهذا قول مسلم، والحاكم أبي عبد الله) (9) .
ولم أجد لأبي عبد الله الحاكم كلامًا صريحًا حول هذه المسألة في كتابه--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (5/198) .
(2) صحيح ابن حبان (5/256، 259، 260) .
(3) التاريخ الكبير (6/9) .
(4) صحيح ابن حبان (2/246) .
(5) العلل الكبير للترمذي (2/587) .
(6) صحيح ابن حبان (7/603) .
(7) التاريخ الكبير (6/228) .
(8) صحيح ابن حبان (8/291) .
(9) جامع التحصيل (ص117) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
"معرفة علوم الحديث" ولكن ذكر في النوع الحادي عشر من علوم الحديث ما يلي: (وهذا النوع من هذه العلوم هو معرفة الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورع روايتها عن أنواع التدليس) (1) .
وفي هذا الكلام إطلاق شديد، ومقتضاه أن العنعنة من غير المدلس مقبولة مطلقًا، لذا قال البلقيني معقبًا عن كلام الحاكم: (وهذا ليس فيه تعرض لا للقاء ولا للمعاصرة (2) .
والأخذ بمقتضى إطلاق كلام الحاكم محل نظر ولا ريب، وقد بين في موضع آخر أن معنعنات غي المدلسين فيها ما ليس بمتصل (3) مما يدل على تقييد كلامه السابق.
وقال في تعريف المسند: (والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لسن يحتمله، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) .
وظاهر قوله: (لسن يحتمله) أنه يكتفي بالمعاصرة، ولكن ساق سندًا كمثال على ما قاله وبين أن جميع رواة السند سماعهم ثابت من بعضهم البعض.
وقد وقفت على نص للحاكم في كتابه المستدرك يفهم منه أنه يعمل بمذهب مسلم في الحديث المعنعن، فقد أخرج حديثًا لقتادة عن عبد الله بن سرجس.
ثم قال: (هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بجميع رواته، ولعل متوهمًا يتوهم أن قتادة لم يذكر سماعه من عبد الله بن سرجس، وليس هذا بمستبعد فقد سمع قتادة من جماعة من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتج مسلم بحديث عاصم عن عبد الله بن سرجس، وهو من ساكني البصرة) (5) .--------------------------------------------
(1) معرفة علوم الحديث (ص34) .
(2) محاسن الاصطلاح (ص160) .
(3) انظر معرفة علوم الحديث (ص18) .
(4) معرفة علوم الحديث (ص17) .
(5) المستدرك (1/ … 186) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
وينبغي أن يلاحظ هنا أن الحاكم يقبل معنعن قتادة فقد قال: (من المدلسين من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم؛ فمنهم من التابعين: أبوسفيان طلحة بن نافع وقتادة بن دعامة وغيرهما) (1) .
2- ابن حزم الظاهري. قال: (وإذا علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول فهو على اللقاء والسماع، لأن شرط العدل القبول، والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه منه، إلا أن يقوم دليل على ذلك من فعله، وسواء قال: "حدثنا" أو "أنبأنا" ولو علمنا أن أحدًا منهم يستجيز التلبيس بذلك كان ساقط العدالة في حكم المدلس) (2) .
وظاهر كلام ابن حزم أنه مؤيد لمذهب مسلم في الحديث المعنعن، ويؤكد ذلك أنه قال في رواية مسروق عن معاذ بن جبل أن مسروقًا لم يلق معاذًا (3) ، ولكنه تراجع عن ذلك وقال: (ثم استدركنا، فوجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلاشك قد أدرك معاذًا، وشهد حكمه وعمله المشهور المنتشر، فصار نقله لذلك ولأنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقلاً عن الكافة عن معاذ بلاشك، فوجب القول به) (4) .
4- ابن القطان الفاسي. ظاهر عمله أنه مؤيد لمذهب مسلم فقد انتقد ابن عبد الحق لأنه حكم على حديث مسروق عن معاذ بأنه منقطع، وقال: (ولم أقل بعد أن مسروقًا سمع من معاذ، وإنما أقول أنه يجب على أصولهم أن يحكم لحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما فإن الحكم--------------------------------------------
(1) معرفة علوم الحديث (ص103) .
(2) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/151) .
(3) المحلى (6/11) .
(4) المحلى (6/16) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور) (1) .
5- ابن دقيق العيد. فقد نقل قول الإمام أحمد، وموسى بن هارون في أن عراك بن مالك لم يسمع من عائشة ثم قال: (وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه، وأبوهريرة توفي هو وعائشة في سنة واحدة، فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلدة واحدة) (2) .
وهذا يفيد أنه يميل إلى مذهب مسلم، وقد حكى - باختصار - في كتابه "الاقتراح" الخلاف في الحديث المعنعن ولكنه لم يرجح بعبارة صريحة (3) .
6- شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد نقل قول البخاري: "لا يعرف لسلمة سماع عن أبي هريرة ولا ليعقوب سماع من أبيه" ثم رد بقوله: (وهذا غير واجب في العمل، بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي يدلس [كافية] (4)) .
7- ابن جماعة. رجح مذهب مسلم بقوله في مبحث المعنعن: (والصحيح الذي عليه جماهير العلماء والمحدثين والفقهاء والأصوليين أنه متصل إذا أمكن لقاؤهما مع برائتهما من التدليس) (5) .
8- الحافظ المزي. فقد نقل قول الإمام البخاري: "لا يعرف لجابان سماع من عبد الله" ثم علق على ذلك بقوله: (وهذه طريقة سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلل بها كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية، وبالله التوفيق) (6) .--------------------------------------------
(1) بيان الوهم والإبهام (1/132/ب) .
(2) نصب الراية (2/107) .
(3) الاقتراح في بيان اصطلاح (ص19) .
(4) هذه الكلمة ليست في المطبوع ولكن يقتضيها سياق الكلام. وربما كانت كلمة أخرى إلا أن المعنى واحد.
(5) المنهل الروي (ص48) .
(6) تهذيب الكمال (1/178) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
9- الحسين بن عبد الله الطيبي. رجح مذهب مسلم بمثل عبارة ابن جماعة السابقة وقد أخذها منه (1) .
10- ابن التركماني. ذكر قول البيهقي: "علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود" ثم رد عليه بقوله: (قدمنا أن مسلمًا أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع وادعى اتفاق أهل العلم فسماعه عن ابن مسعود ممكن بلاشك لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين) (2) .
فالظاهر من كلامه أنه يؤيد مذهب مسلم.
11- الحافظ ابن كثير. رجح مذهب مسلم بقوله في مبحث المعنعن: (والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس) (3) .
12- محمد بن إسماعيل الصنعاني. رجح مذهب مسلم بقوله: (مذهب مسلم لا يخلو من القوة لمن أتصف) (4) . وقد قال ذلك بعد أن أورد بعض انتقاداته على مذهب البخاري.
13- شبير أحمد العثماني الديوبندي: رجح مذهب مسلم - بعد أن عرض للخلاف في المسألة - بقوله: (فما اعترض به مسلم بن الحجاج على البخاري - رحمهما الله - في اشتراط اللقاء والسماع لقبول المعنعن، وعدم اكتفائه بالمعاصرة مع إمكان اللقاء والسماع قوي عندي) (5) .
14- الشيخ أحمد شاكر. رجح مذهب مسلم بقوله: (إذا قال الراوي: "عن فلان" أو"أن فلانًا قال كذا" فإن كان يروي ذلك عن شخص لم يعاصره، أو عاصره وثبت أنه لم يلاقه أصلاً. جزمنا بأن روايته منقطعة. وإن كان معاصرًا له ولم نعلم إن كان لقيه أو لا، أو علمنا أنه لقيه ولكن كان الراوي مدلسًا: توقفنا في روايته،--------------------------------------------
(1) الخلاصة في أصول الحديث (ص50) .
(2) الجوهر النقي (1/110) .
(3) الباعث الحثيث (ص43) .
(4) توضيح الأفكار (1/334) .
(5) فتح الملهم شرح صحيح مسلم (1/40) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
ولم نحكم لها باتصال، إلا إن ثبت أنه لقي من روى عنه وحدثه به. وإن كان الراوي غير مدلس، فالصحيح الراجح أنه يحكم لروايته بالاتصال وإن لم نعلم أنه لقي من روى عنه، فلعله لقيه ولم ينقل إلينان وهذا هو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج في صحيحه، ورد على من خالفه أشد رد وأقواه) (1) .
15- الشيخ عبد الرحمن المعلمي. رجح مذهب مسلم بقوله: (فالمختار ما قاله مسلم رحمه الله أن ثبوت اللقاء ليس بشرط [في] الصحة) (2) .
16- الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. فقد نقل قول البخاري: "لا أدري أسمع ممد بن عبد الله بن حسن من أبي الزناد أم لا؟ " ثم رد عليه بقوله: (هذه ليست بعلة إلا عند البخاري بناء على أصله المعروف وهو اشتراط معرفة اللقاء، وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم بمجرد إمكان اللقاء مع أمن التدليس كما هو مذكور في "المصطلح"، وشرحه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، وهذا متوفر هنا فإن محمد بن عبد الله لم يعرف بتدليس ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زمانًا طويلاً، فإنه مات سنة 145هـ وله من العمر 53، وشيخه أبوالزناد مات سنة 130هـ، فالحديث صحيح لا ريب فيه) (3) .
17- الشيخ عبد الفتاح أبوغدة. ظاهر صنيعه في رسالته (4) أنه يؤيد مذهب مسلم، ولم أر له عبارة صريحة في ذلك، إلا أنه رد على من قال بأن العلم باللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري ما يفهم منه أنه يؤيد مذهب مسلم، فقد قال: (يلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في "صحيحه" من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة: من قسم الحديث الضعيف في حكم البخاري، وفي حكم من مشى على قوله بعده، وهذا غير مقبول، لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره--------------------------------------------
(1) ألفية السيوطي بشرح أحمد شاكر (ص32) .
(2) عمارة القبور (ل87) .
(3) إرواء الغليل (2/79) .
(4) هي "التتمة الثالثة في بيان مذهب الإمام مسلم في الحديث المعنعن بشرطه وبيان المعني بالنقد والرد في كلامه، وهي ملحقة بكتاب الموقظة للذهبي الذي حققه الشيخ أبوغدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
العلماء من مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح" مع معرفته بشرطه في العنعنة.
فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن بين اختياره مذهب البخاري، وقوله في كتاب مسلم: "صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري لا يتصف بأصل الصحة؟! فتأمل وتدبر) (1) .
فهذا ما تيسر لي الوقوف عليه من أسماء المؤيدين لمذهب مسلم في الحديث المعنعن، من علماء الحديث أو ممن صنف في المصطلح، وإحصاء الأسماء متعذر، واحتمال زيادة أسماء أخرى في القائمة احتمال قائم، ولابد من التنبيه على أن جل المشتغلين بالحديث في هذا العصر - ممن لهم تصانيف متداولة - على مذهب مسلم.--------------------------------------------
(1) التتمة الثالثة (ص137) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
الفصل السابع
المأخذ على الإمام مسلم
وقع الإمام مسلم رحمه الله في أثناء كلامه على مسألة الحديث المعنعن في بعض الأمور التي أخذت عليه، وهي ثلاث مؤاخذات:
الأولى: أنه كان شديدًا في ألفاظه وعباراته تجاه مخالفه.
قال ابن الصلاح: (وأخذ مسلم في رد هذا على قائله وفي الطعن عليه، حتى أفرط وادعى أنه: قول ساقط مخترع، مستحدث، لم يسبق صاحبه إليه) (1) (2) .
وقال أيضًا: (وما أتى به مسلم من الإفراط في الطعن على مخالفه يليق بمن يخالف في مطلق العنعنة) .
وقال ابن رشيد: (وأنكر قول من خالفه إنكارًا شديدًا بألفاظ مخشوشنة، ومعان مستوبلة) (3) (4) .
وقال أبوغدة: (لقد بالغ الإمام - رحمه الله تعالى -، في الرد على مخالفه تجهيلاً وتقريعًا، وتهجينًا وتوبيخًا، فوصفه بأنه من منتحلي الحديث من أهل عصره، وبسوء الروية، وبأن قوله قول مخترع مستحدث مطرح من الأقوال الساقطة، وبأنه أقل من أن يعرج عليه ويثار ذكره، وينبغي أن يضرب عن حكايته صفحًا لفساده، ولإمانته وإخمال ذكر قائله، إذ الإعراض عنه أجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه … إلى آخر ما قاله وأطال به وأسهب) (5) (6) .
وقد اعتذر الأستاذ أبوغدة عن الإمام مسلم باعتذار جميل، فقال: (والحقيقة العلمية إذا تشبعت بها نفس العالم واقتنع بها، وخولف فيها، كثيرًا ما--------------------------------------------
(1) صيانة صحيح مسلم (ص218، 219) .
(2) السنن الأبين (ص48) .
(3) الموقظة (ص44) في الهامش.
(4)
(5)
(6)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
تدفعه إلى الشدة في الدفاع عنها، فالظاهر أن شدة مسلم ناشئة من هذا الباب) (1) (2) .
الثانية: أنه أقام رده على مخالفه باستخدام أسلوب الإلزام، فألزمه برد كل الأسانيد المعنعنة، وألزمه أيضًا بتضعيف أحاديث صححها أهل العلم ولا يثبت فيها اللقاء، وهذه الإلزامات غير ملزمة للمخالف.
وهذا الأسلوب كثيرًا ما يكون غير مفحم للخصم، وبرهان ذلك أن العلماء الذين ناقشوا مسلمًا أوضحوا أن ما ذكره مسلم غير ملزم للبخاري أو لمن مشى على قوله، وقد ذكرت ذلك أثناء مناقشة أدلة ملم فيما سبق.
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ما ذكرته عندما قال ردًا على مسلم: (وإنما كان يتم له النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه، فكان ذلك واردًا عليه، وإلا فتعليل البخاري لشرطه المذكور متجه) (3) (4) .
فالمسلك الذي سلكه مسلم غير دقيق، وكان الأولى أن يبين الأخطاء التطبيقية لمخالفه، لأن كثيرًا من الإلزامات - عند التحقيق - لا تكون ملزمة لمن وجهت إليه لذا قال العلماء: لازم المذهب ليس من المذهب، أو لازم القول ليس من القول.
الثالثة: وقع مسلم في بعض الأخطاء المؤثرة كنفيه القاطع أن يكون أحد من علماء الحديث المتقدمين فتش عن مواضع السماع في الأسانيد، وقد سقت نصوصًا كثيرة (5) (6) تبين أن مسلمًا رحمه الله لم يصب في نفيه ذلك.
كذلك ساق رحمه الله عدة أسانيد وذكر أن اللقاء فيها غير معلوم بين التابعي والصحابي وهي صحيحة عند أهل العلم، وقد ذكر عدد من العلماء أن اللقاء ثابت في بعض تلك الأسانيد، بل إن أحدها قد ثبت فيه السماع عند مسلم--------------------------------------------
(1) التتمة الثالثة الملحقة بكتاب الموقظة (ص115) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/598) .
(3) ينظر الباب الأول، الفصل الرابع "الجذور التاريخية للمسألة"، والباب الثالث، الفصل الثالث "أدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره من العلماء ومناقشتها" مناقشة الدليل الأول.
(4)
(5)
(6)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
في صحيحه!! وهو حديث النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري (1) (2) .
وقد قال ابن رشيد: (وأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد فقد خرجها البخاري، وخرجتها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك منصوصًا فيها على السماع فأثبت في آخر كتابك ما نفيت في أدلة، وأقررت بما أنكرت، وشهدت من نفسك على نفسك، فما ذنبهم إن حفظوا ونسيت) (3) (4) .
وقال الحافظ ابن حجر: (وأعجب من ذلك أنا وجدنا بطلان بعض ما نفاه في نفس صحيحه) (5) (6) .
وقد ذكرت في مناقشة أدلة الإمام مسلم تلك الأخطاء على جهة التفصيل فلا حاجة لإعادتها هنا.
والإمام مسلم من كبار مجتهدي الأمة الذين لا يغض من مكانتهم وجود بعض الأخطاء فيما قالوه أو اختاروه من آراء في مسائل الخلاف، ويكفي الإمام مسلم فخرًا أن اسمه يذكر على المنابر في بلاد الإسلام من مئات السنين لكونه أحد الأئمة الكبار الذين يتعبد المسلمون ربهم بتصحيحه لأحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم، وحتى غدا قول القائل هذا الحديث في صحيح مسلم علامة على الصحة، ومن بلغ هذه المنزلة العظمى في الدين لم يحتج إلى من يدافع عنه.
والأمر كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يشير إلى قبر الحبيب صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة صحيح مسلم (1/35) ، وصحيح مسلم (4/1793، 2176، 2177) .
(2) السنن الأبين (ص153 - 154) .
(3) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(4)
(5)
(6)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
الباب الرابع
الموازنة بين الرأيين والترجيح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
الفصل الأول
مواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين
أ - مواطن الاتفاق:
يظهر لنا مما تقدم في البابين الماضيين أن الإمامين البخار ومسلمًا يتفقان في مسألة السند المعنعن على ما يلي:
1- إن صيغة الأداء "عن" لا تفيد الاتصال إلا بشروط؛ فالبخاري يشترط العلم باللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه، ومسلم يشترط العلم بالمعاصرة مع أمور أخرى.
2- إذا ثبت أن المعنعن قد لقي المعنعن عنه فإن البخاري ومسلمًا يحتجان بذلك السند المعنعن إذا سلم من الموانع.
3- إن الثقة غير المدلس إذا روى حديثًا بالعنعنة عن شيخ قد عاصره ولقياه له محتملة جدًا لقوة القرائن، ولعدم ما يدل على الانقطاع؛ فإن مسلمًا يحتج بذلك الحديث. كما أنني وجدت البخاري احتج ببعض الأحاديث التي هي على هذا النحو.
4- إذا روى المعاصر المدلس الذي لم يثبت لقيه لمن روى عنه بالعنعنة، فلا يقبل ذلك بالاتفاق عند الشيخين.
5- إذا روى الثقة المعاصر عن آخر بالعنعنة، ولا يدري هل لقي من روى عنه أم لا؟، ثم جاء من طريق آخر إدخال واسطة بينهما، أو ورد عن الراوي الأول صيغة أداء تدل على الانقطاع، أو جاء عن أحد الأئمة المطلعين نص يدل على عدم السماع؛ فلا يحتج الشيخان بذلك ولا يقبلانه لضعفه عندهما.
ب - مواطن الاختلاف:
يختلف الإمامان فيما يلي:
1- يشترط الإمام البخاري لاتصال السند المعنعن العلم باللقاء ولو لمرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
واحدة فقط، وأما الإمام مسلم فيخالف في ذلك ويرى أن العلم بالمعاصرة من الراوي الثقة غير المدلس مع عدم وجود ما يدل على الانقطاع يكفي لاتصال السند المعنعن.
2- يحتج الإمام مسلم بالسند المعنعن إذا كان اللقاء فيه ممكنًا بين المعنعن والمعنعن عنه بالإضافة إلى أمور أخرى، وأما الإمام البخاري فقد احتج بأحاديث لم يثبت اللقاء فيها بين المعنعن والمعنعن عنه ولكن احتمال اللقاء يكون قويًا وظاهرًا - كما بينت ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني -.
فالإمام مسلم يرى أن اللقاء مادام ممكنًا ومحتملاً وليس هناك ما يدفعه فهو يكفي لاتصال السند المعنعن إذا توفرت فيه الأمور الأخرى التي نص عليها رحمه الله.
وأما الإمام البخاري فالأصل عنده أن السند المعنعن لا يحتج به إلا إذا علم اللقاء، ولكن إذا لم يثبت اللقاء في السند المعنعن وكان احتمال اللقاء قويًا مع السلامة من موانع الاحتجاج الأخرى فإن البخاري يحتج بذلك لاسيما إذا كان الحديث له شواهد، أو في أمر من الأمور التي لا يتشدد فيها أهل الحديث كأحاديث فضائل الأعمال والمغازي ونحوهما، كل ذلك بحسب قوة القرينة عنده رحمه الله.
فاختلاف الشيخين حول السند المعنعن الذي يكون اللقاء فيه ممكنًا وغير مستبعد، ولكن ليس في هذا السند قرائن تقوي احتمال اللقاء وإنما الأمر على الإمكان فقط فالإمام مسلم يحتج بذلك، وأما البخاري فلا.
وبهذا يظهر أن هوة الخلاف بين رأيي الشيخين - رحمهما الله - ضيقة، وأن نقاط الاتفاق بينهما أكثر من نقاط الخلاف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)