الساعة إلا حدث به. حفظه من حفظه ونسبه من نسبه … ) (1) .
وأخرج أيضًا حديثًا من طريق أبي إدريس الخولاني عن حذيفة بنحو ما تقدم (2) .
فأصل حديث عبد الله بن يزيد محفوظ عن حذيفة لذا قال المعلمي اليماني: (أخرج أولاً معناه مطولاً من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل عن حذيفة ثم ذكره فهو متابعة، والحديث مشهور عن حذيفة فإن صح قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لحذيفة فالجواب: أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة لم يحتج أهل العلم إلى الكلام فيه بل رووا الحديث على أنه متابعة فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع) (3) .
قصد المعلمي في المقطع الأخير من كلامه أن المتابعات لا بأس من ذكر الأسانيد غير المتصلة فيها، والجواب الذي ذكره المعلمي في غاية الوجاهة.
2- ويدخل فيما سبق قول مسلم: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب عليًا - عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا) (4) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أنس قال: (أمر أبوطلحة أم سليم أن تصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا لنفسه خاصة ثم أرسلني إليه - وساق الحديث - وقال فيه: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده وسمى عليه ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فدخلوا فقال: "كلوا وسموا الله" فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا) (5) .
ولم أجد سماع ابن أبي ليلى من أنس.--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (4/2217) .
(2) صحيح مسلم (4/2216) .
(3) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
(4) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(5) صحيح مسلم (3/1613) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
وتدل عبارة "وساق الحديث" أن مسلمًا اختصر الحديث وذلك لأنه ساقه متابعة وأخرج قبله من طريق مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: (قال أبوطلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم … الحديث) (1) وساقه بأطول مما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى السابق.
وقد أخرج مسلم (2) هذا الحديث أيضًا من طريق سعد بن سعيد حدثني أنس بن مالك، ومن طريق يحى بن عمارة المازني، ومن طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، ومن طريق عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، ومن طريق النضر بن أنس، ومن طريق يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنسًا، جميع هؤلاء الستة رووه عن أنس. فيكون رواه عن أنس سبعة من الثقات غير ابن أبي ليلى، وهذا في صحيح مسلم فقط، منهم ثلاثة صرحوا بأنهم سمعوا الحديث من أنس.
وذكر المعلمي أن رواية ابن أبي ليلى عن أنس أخرجها مسلم متابعة (3) .
ومن الواضح أن الحديث صحيح عن أنس بلاشك، فيكون استشهاد مسلم بهذا السند على ما ذكره من تصحيح أهل العلم بالحديث له استشهادًا ضعيفًا لأن المخالف لمسلم له أن يقول: حديث أنس صحيح عندي من غير طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى فإذا كنت تحتج بحديث أنس من طريق ابن أبي ليلى فأنا أحتج به أيضًا ولكن من الطرق الأخرى التي ثبت فيها السماع، وهذا ما صنعه البخاري فقد احتج في "صحيحه" (4) برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك، ولو فرض أن حديث ابن أبي ليلى لم يرو أصلاً لما كان لذلك أي أثر على صحة حديث أنس.--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (3/1612) .
(2) انظر صحيح مسلم (3/1612-1614) .
(3) انظر الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
(4) انظر صحيح البخاري (6/678/ [3578] ) كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
3- ويدخل فيما سبق أيضًا قول مسلم: (وأسند ربع بن خراش عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه) (1) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق شعبة عن منصور عن ربعي عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا" (2) ، ولم أجد سماع ربعي من أبي بكرة.
وحديث أبي بكرة هذا محفوظ من جهة أخرى، فقد أخرج البخاري ومسلم عن الحسن البصري عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فقلت أو قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟!
قال: "إنه أراد قتل صابحه" (3) .
وقد ألمح البخاري إلى وجود خلاف بين شعبة وسفيان الثوري في رفع حديث ربعي عن أبي بكرة فقال بعد أن أخرج حديث الأحنف السابق: (وقال غندر حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرفعه سفيان عن منصور) (4) .
ولاشك أن الحديث صحيح عن أبي بكرة، وأن حديث الأحنف عن أبي بكرة اتفق الشيخان على إخراجه فهو أصح من حديث ربعي بن حراش الذي أخرجه مسلم متابعة لحديث الأحنف عن أبي بكرة، وجزم المعلمي بأن مسلمًا أخرج حديث ربعي في المتابعات (5) .
فعدم العلم بسماع ربعي من أبي بكرة غير مؤثر على الحديث، ولو وجد--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(2) صحيح مسلم (4/2214) .
(3) أخرجه البخاري (1/106/ [31] ) ، كتاب الإيمان، باب {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ، وأخرجه مسلم (4/2213) .
(4) صحيح البخاري (13/35/ [7083] ) كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما.
(5) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
السماع لكان من تحصيل الحاصل لأن حديث أبي بكرة هذا محفوظ بلاشك، ولأن ليس لربعي عن أبي بكرة إلا هذا الحديث فقط كما نص مسلم على ذلك.
4- ومما يدخل في النوع قول مسلم: (وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا) (1) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق عمرو بن دينار أنه سمع نافع بن جبير يخبر عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" (2) .
وقد أخرج (3) مسلم هذا الحديث بعد أن ساق حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي شريح من طريقين عن أبي هريرة، وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري في "صحيحه" (4) أيضًا.
ولم أجد بعد البحث سماع نافع بن جبير من أبي شريح الخزاعي، ولكن رأيت البخاري (5) رحمه الله قد أخرج حديث أبي شريح الخزاعي هذا من طريق سعيد المقبري عنه بمثل حديث نافع بن جبير وسماع سعيد المقبري ثابت عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه فقد قال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: سمع سعيد المقبري من أبي شريح؟ قال: نعم) (6) . ويؤكد ذلك احتجاج البخاري بحديثه عن أبي شريح.--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(2) صحيح مسلم (1/69) .
(3) صحيح مسلم (1/68-69) .
(4) انظر صحيح البخاري (10/460/ [6018] ) كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره.
(5) انظر صحيح البخاري (10/460/ [6019] ) كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره.
(6) العلل لابن أبي حاتم (2/236) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
ومتن هذا الحديث قال عنه الذهبي: (فهذا متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ) (1) .
فلا وجه لإيراد مسلم رحمه الله لهذا السند لأن نافع بن جبير لم يرو عن أبي شريح إلا حديثًا - كما يدل عليه كلام مسلم -، وهذا الحديث الواحد محفوظ عن أبي شريح الخزاعي برواية سعيد المقبري الذي ثبت سماعه منه، ولم ينفرد نافع بن جبير بزيادة مهمة تجعل لحديثه ميزة على حديث سعيد المقبري.
وقال المعلمي: (أخرج مسلم حديث أبي هريرة: بمثل حديث أبي شريح. ثم أخرج حديث نافع عن أبي شريح، فهو شاهد، مع ثبوته عن أبي شريح من طريق سعيد المقبري سماعًا من أبي شريح) (2) .
5- ويدخل فيما سبق قول مسلم: (وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا) (3) .
أخرج مسلم في صحيحه حديث سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: (كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحافل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها، وما سوى ذلك) (4) .
ولم أقف على سماع سليمان بن رافع، ولكن الحديث رواه خلق (5) عن رافع بألفاظ مختلفة، وقد احتج البخاري في صحيحه بحديث رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض من طريقين عنه.--------------------------------------------
(1) جزء "حق الجار" للذهبي (ص14) .
(2) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(4) صحيح مسلم (3/1181) .
(5) انظر سنن النسائي (7/33-50) ، والسنن الكبرى للبيهقي (6/128-137) ، ومسند رافع في المعجم الكبير للطبراني (4/240-288) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
فأخرج من طريق الأوزاعي عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج سمعت رافع بن خديج بن رافع عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير: (لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقًا. قلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق. قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما تصنعون بمحاقكم؟ " قلت: نؤاجرها على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: "لا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها، أو أمسكوها" قال رافع: قلت سمعًا وطاعة) (1) .
وأخرج من طريق حنظلة بن قيس عن رافع بن خديج قال: (حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع؟: ليس بها بأس بالدينار والدرهم) (2) .
وقد أخرج مسلم في "صحيحه" (3) هذين الطريقين أيضًا، فمعنى الحديث محفوظ عن رافع بن خديج من غير طريق سليمان بن يسار، فالحكم باتصال حديث سليمان عن رافع أو عدمه لا يغير من صحة حديث رافع شيئًا.
وقد أشار المعلمي إلى أن حديث سليمان محفوظ بقوله: (وأخرج له عدة متابعات وشواهد) (4) يعني مسلمًا.
والأسانيد السابقة التي استشهد بها مسلم لا يتم له الاستدلال بها على ما ذكره من تصحيح أهل العلم لها، وعدم توهينها، لأن المخالف له لا يمانع من قبولها كمتابعة لثبوت الأحاديث عنده من طرق أخرى عن نفس الصحابة. ولو احتج بتلك الأسانيد محتج لوسعه ذلك لأنه احتج بأحاديث محفوظة بيقين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مأخذ عليها إلا احتمال عدم السماع، ويزول هذا الاحتمال--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (5/27/ [2339] ) كتاب الحرث والمزارعة، باب ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر.
(2) صحيح البخاري (5/31/ [2345] ) كتاب الحرث والمزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة.
(3) انظر صحيح مسلم (3/1183، 1184) .
(4) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
بوجود رواية أخرى عن ثقة صح سماعه عن ذلك الصحابي يروي نفس المتن أو قريب منه.
وإنما كان يتم للإمام مسلم رحمه الله الاستدلال على ما ذكره لو جاء بأحاديث لا يعلم فيها اللقاء ولا السماع، ولا تروى إلا بذلك السند، وقد صححها أهل العلم. أما وقد وجد في الأسانيد التي استشهد بها أنها مروية بطرق أخرى صحيحة عن نفس الصحابة فإن هذا مما يجعل المخالف له يقول: إنما قبل العلماء تلك الأحاديث لأنها ثابتة عن الصحابة المذكورين من جهات أخرى، فهم لم يصححوها لذاتها وإنما لأن التابعين صح سماعهم تابعوا أولئك الذين لم يثبت سماعهم، وللمخالف أن يقول أيضًا: هب أننا قبلنا الأسانيد التي استشهدت بها - رحمك الله - لأنها ثابتة عندنا من طرق أخرى، فهل نكون بذلك خالفنا شرطنا في الحديث المعنعن؟! أو هب أننا حكمنا عليها بالانقطاع ورددناها مع احتجاجنا بالطرق الصحيحة لتلك الأحاديث فهل نكون بذلك قد رددنا أحاديث احتج بها أهل العلم؟!
ثالثًا: أسانيد لمتونها شواهد:
ومن الأسانيد التي استشهد بها مسلم على أن أهل العلم صححوها، وليس يثبت فيها السماع أو اللقاء بين رواتها من التابعين والصحابة، أسانيد لم أجد فيها - بعد البحث - السماع ولا وجدت متابعة عن نفس الصحابي راوي الحديث، وإنما لمتون تلك الأسانيد شواهد.
1- ومن ذلك ما قاله مسلم في أبي رافع الصائغ فقد قال: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ وهما ممن أدرك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جرا ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (1) .
أبوعثمان النهدي ثبت سماعه من أبي كما تقدم، أما أبورافع الصائغ واسمه نفيع فحديثه عن أبي بن كعب لم يخرجه مسلم في "صحيحه"، وإنما أخرجه أحمد--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي بن كعب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يومًا) (1) .
ويشهد لهذا الحديث ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا) .
ويشهد له أيضًا حديث أنس بن مالك الذي قال فيه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا، فلم يعتكف، فاعتكف في العام المقبل عشرين ليلة) (3) رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان جميعهم من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أنبأنا حميد الطويل عن أنس به. وهذا سند صحيح صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان.
وقد قال الشيخ المعلمي معللاً عدم إخراج مسلم لحديث أبي رافع في "صحيحه": (لم يخرجه مسلم رحمه الله في الصحيح، وذلك يدل على توقف له فيه لأنه ليس هناك طريق أخرى صحيحة يوردها ويجعل هذه متابعة لها، والحديث في حكم وسنة، وقد أنصف بذلك) (4) .
2، 3- ومن ذلك قول مسلم: (وأسند أبوعمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، وأبومعمر عبد الله بن سخبرة كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرين) (5) .
الحديث الأول الذي أسنده أبوعمر الشيباني - واسمه سعد بن إياس - عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبدع بي فاحملني فقال: "ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (6) .
وله شواهد عدة من أقواها حديث أنس بن مالك قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يستحمله، فلم يجد عنده ما يتحمله، فدله على آخر فحمله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "إن الدال على الخير كفاعله") .
وهذا الحديث يرويه عن أنس اثنان هما شبيب بن بشر (7) ، قال الحافظ ابن حجر فيه: (صدوق يخطيء) (8) .
وزياد بن عبد الله النميري (9) ، قال الحافظ فيه--------------------------------------------
(1) مسند أحمد (5/141) ، مسند الطيالسي (ص75) ، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (ص93) ، وسنن أبي داود (2/331) ، وسنن ابن ماجة (1/562) ، والسنن الكبرى للنسائي (2/259، 270) ، وصحيح ابن خزيمة (3/346) ، وصحيح ابن حبان (5/268) ، والمستدرك للحاكم (1/439) ، والسنن الكبرى للبيهقي (4/314) ، والمختار للضياء المقدسي (4/45-48) .
(2) صحيح البخاري (4/334/ [2044] ) ، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأوسط.
(3) سنن الترمذي (3/166) ، وصحيح ابن خزيمة (3/346) ، وصحيح ابن حبان (5/268) .
(4) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل2) .
(5) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(6) صحيح مسلم (3/1506) ، وأخرج الحديث أيضًا عبد الرزاق في مصنفه (11/107) ، وأحمد في المسند (4/120) ، (5/272، 273، 274) ، وأبوداود في سننه (4/496) ، والترمذي (5/41) ، وابن أبي عاصم في الجهاد (1/268) ، والطيالسي في مسنده (ص85) ، والبخاري في الأدب المفرد (ص96) ، وابن حبان في صحيحه (3/89) ، والطبراني في معجمه الكبير (17/225-228) ، وأبوالشيخ في الأمثال (ص213) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1/85) ، وأبوعوانة في مسنده (5/64-65) ، والدولابي في الكنى (2/44) ، وتمام الرازي في الفوائد (1/290) ، وابن الأعرابي في معجمه (2/173) ، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص16-17) ، وأبونعيم في الحلية (6/266) ، وفي أخبار أصبهان (2/265) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/28) ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (11/353) ، (7/383) .
(7) أخرج حديثه الترمذي في سننه (5/41) ، والضياء المقدسي في المختارة (6/184) .
(8) التقريب (ص263) .
(9) أخرج حديثه أبويعلى في مسنده (7/275) ، والبزار كما في كشف الأستار (2/399) ، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (ص78) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
(ضعيف) (1) ، فالحديث بذلك حسن، وقد قواه الضياء المقدسي بإخراجه له في "المختارة"، والشيخ الألباني في "الصحيحة" (2) .
وقد قال الشيخ المعلمي عن حديثي أبي عمرو الشيباني: (كلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها"، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه") (3) .
والحديث الثاني الذي أسنده أبوعمرو الشيباني عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة
كلها مخطومة") (4) .
ومضاعفة الثواب لمن أنفق في سبيل الله جاء في قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (5) .
ويشهد لحديث أبي مسعود من حيث المعنى حديث خريم بن فاتك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبع مائة ضعف) (6) وهو مروي من طريق الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن يسير بن--------------------------------------------
(1) التقريب (ص220) .
(2) السلسلة الصحيحة (4/220) .
(3) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(4) صحيح مسلم (3/1505) ، وأحمد في المسند (4/121) ، (5/274) ، والدارمي في سننه (2/203) ، وابن أبي شيبة في المصنف (5/348) ، وابن أبي عاصم في الجهاد (1/270، 271) ، والنسائي في سننه (6/49) ، وأبوعوانة في مسنده (5/63-64) ، وابن حبان في صحيحه (7/80) ، والطبراني في معجمه الكبير (17/228 - 229) ، والحاكم في مستدركه (2/90) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/172) ، وفي شعب الإيمان (4/31) .
(5) سورة البقرة آية رقم (261) .
(6) أخرجه أحمد في المسند (4/345) ، وابن أبي شيبة في المصنف (5/318) ، والترمذي في سننه (4/167) ، وابن أبي عاصم في الجهاد (1/243) ، وابن حبان في صحيحه (8/17) ، والحاكم في المستدرك (2/87) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
عميلة عن خريم به، وقد قال الإمام الدارقطني عن هذا السند في كتابه "الإلزامات": (كلهم ثقات) (1) .
قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي عمرو الشيباني السابق: (ودليل الثاني قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (2) .
أما الحديث الأول لأبي معمر عبد الله بن سخبرة عن أبي مسعود الأنصاري فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليليني منكم ألوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبومسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا) (3) .
ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً باديًا--------------------------------------------
(1) الإلزامات للدارقطني (ص97) .
(2) الأحاديث الذي استشهد بها مسلم (ل3) .
(3) صحيح مسلم (1/323) ، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2/45، 52) ، والحميدي في مسنده (1/216) ، والطيالسي في مسنده (ص85) ، وأحمد في المسند (4/122) ، وابن أبي شيبة في المصنف (1/351) ، والدارمي في سننه (1/233) ، وأبوداود في سننه (1/180) ، وابن ماجة في سننه (1/312) ، والنسائي في سننه (2/87، 90) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/20) ، والطبراني في معجمه الكبير (17/214) ، وابن حبان في صحيحه (3/301) ، وابن الجارود في المنتقى (ص116) ، وأبوعوانة في سننه (2/41) ، وابن المنذر في الأوسط (4/177) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/97) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
صدره من الصف فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم") (1) .
ويشهد له أيضًا حديث ابن مسعود الذي أخرجه مسلم من طريق إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم (ثلاثًا) وإياكم وهيشات الأسواق) (2) . وفي سنن الترمذي وصحيح ابن خزيمة زيادة: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .
وقال الشيخ المعلمي: (أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدة أحاديث صحيحة تؤدي معناه فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير فهو إذًا في معنى المتابعة) (3) .
وأقرب الشواهد - في نظري - حديث ابن مسعود برواية الترمذي وابن خزيمة.
وأما الحديث الثاني لأبي معمر عن أبي مسعود فلم يخرجه مسلم ولكنه على شرطه لأن العلماء الذين أخرجوه في كتبهم ساقوه من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("لا تجزيء صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود") (4) .--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (1/324) ، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2/45) ، وابن الجعد في مسنده (1/408) ، وابن حبان في صحيحه (3/302) ، وأبوعوانة في مسنده (2/40) ، والدارقطني في سننه (1/283) .
(2) صحيح مسلم (1/323) ، وأخرجه أبوداود (1/180) ، والترمذي في سننه (1/440) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/32) ، وابن حبان في صحيحه (3/302) ، وأبوعوانة في مسنده (2/42) .
(3) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(4) أخرجه أبوداود الطيالسي في مسنده (ص85) ، وعبد الرزاق في مصنفه (2/150) ، والحميدي في مسنده (1/216) ، وأحمد في المسند (4م119، 122) ، والدارمي في سننه (1/304) ، وأبوداود في سننه (1/226) ، والترمذي في سننه (2/51) ، وابن ماجة في سننه (1/282) ، والنسائي في سننه (2/214) ، وابن الجارود في المنتقى (ص76) ، والطحاوي في مشكل الآثار (3/97-98) ، وابن خزيمة في صحيحه (1/300) ، وابن حبان في صحيحه (3/184) ، والطبراني في المعجم الكبير (17/212-214) ، والدارقطني في سننه (1/348) ، وأبونعيم في الحلية (8/116) ، والبيهقي في السنن الكبرى (2/88، 117) ، والخطيب في الكفاية (ص180) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
ويشهد له من حيث المعنى حديث أبي هريرة المتفق عليه في المسيء صلاته وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: ("ارجع فصل، إنك لم تصل" (ثلاثًا) فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (1) .
ويشهد له أيضًا ما أخرجه البخاري بإسناده عن زيد بن وهب قال: (رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم) (2) . وفي لفظ آخر عند البخاري أيضًا: (ولو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم) (3) . وهذا له حكم المرفوع، قال ابن حجر: (وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال: سنة محمد أو فطرته كان حديثًا مرفوعًا) (4) .
ومن الشواهد لحديث أبي معمر الثاني، ما أخرجه الإمام أحمد في المسند من طريق ملازم بن عمرو ثنا عبد الله بن بدر أن عبد الرحمن بن علي حدثه أن أباه علي بن شيبان حدثه أنه خرج وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فصلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (2/323/ [793] ) ، كتاب الأذان، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، وصحيح مسلم (1/298) .
(2) صحيح البخاري (2/321/ [791] ) ، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع.
(3) صحيح البخاري (2/244/ [808] ) ، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع.
(4) فتح الباري (2/321) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
الركوع والسجود) (1) . وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبوصيري (2) .
وقد قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي معمر السابق: (وأما الحديث الثاني فلم يخرجه مسلم ولعل ذلك لأنه حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا، ومن شواهده حديث المسيء صلاته، لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصر لأنه لم يقم صلبه في الركوع والسجود، وإن وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح"، ومن شواهده قول زيد بن وهب: رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولم مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم أخرجه [البخاري] ولكن في الحكم له بالرفع خلاف) (3) .
والذي أراه أن حديث علي بن شيبان رضي الله عنه شاهد صريح صحيح لحديث أبي معمر، ولا أعلم على وجه اليقين لماذا لم يخرج مسلم حديث أبي مسعود السابق.
وقول المعلمي: (لم يقع في روايتهما … ) يعني بصريح العبارة، وإلا فإن معنى الحديث واضح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسيء صلاته بالإعادة ثم بين له وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود فدل ذلك على أن من لم يتم ركوعه وسجوده وصلاته غير مجزئة وعليه الإعادة، وهذا ما فهمه الإمام البخاري فقد ترجم للباب الذي ذكر فيه حديث أبي هريرة في المسيء صلاته بقوله: (باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة) .
وأما قول المعلمي: (ولكن في الحكم له بالرفع خلاف) فهذا صحيح ولكن صنيع الإمام البخاري يدل على أنه يرى أن الحديث في حكم المرفوع فقد ساقه بإسناده في صلب كتابه "الصحيح" في موضعين، وعادته أن لا يذكر في صلب--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في المسند (4/23) ، وابن أبي شيبة في المصنف (2/193) ، (14/156) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/297) ، وابن ماجة في سننه (1/282) ، وابن خزيمة في صحيحه (1/300، 333) ، وابن حبان في صحيحه (3/183) .
(2) مصباح الزجاجة (1/108) .
(3) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
صحيحه إلا الأحاديث المرفوعة، لذا سمى كتابه "الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وما فعله البخاري هو الراجح.
4- ومن ذلك أيضًا قول مسلم: (وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) (1) .
وقد أخرج مسلم حديث عبيد بن عمير قال: قالت أم سلمة: (لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ " مرتين، فكففت عن البكاء فلم أيك) (2) .
ومضمون الحديث النهي عن البكاء الذي يصاحبه نوح على الميت، وهذا المعنى له شواهد صحيحة كثيرة من ذلك ما أخرجه البخاري في "باب ما ينهى من النوح والبكاء، والزجر عن ذلك" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لما جاء قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس النبي صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن - وأنا أطلع من شق الباب - فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر - وذكر بكاءهن - فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل، ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني فزعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فاحث في أفواههن التراب) (3) .--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2) صحيح مسلم (2/635) ، وأخرجه الحميدي في مسنده (1/139) ، وأحمد في المسند (6/289) ، وابن أبي شيبة في المصنف (3/391) ، وأبويعلى في مسنده (12/381، 388) ، والطبراني في المعجم الكبير (23/277) ، والبيهقي في السنن الكبرى (4/63) .
(3) صحيح البخاري (3/210/ [1305] ) كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
وذكر في الباب نفسه عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح … ) (1) .
وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الحبوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (2) . ودعوى الجاهلية أي النياحة (3) .
وفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي موسى الأشعري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة) (4) . والصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء (5) .
والشواهد من الأحاديث الصحيحة في النهي عن النياحة كثيرة جدًا (6) ، وإن كان ليس فيها ما يقرب من حديث عبيد بن عمير من حيث اللفظ إلا أنها تشهد له من حيث المعنى.
قال الشيخ المعلمي في ذلك: (هو في النهي عن النياحة، وهو ثابت بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة، وذلك أيضًا ثابت) (7) .
وبهذا يتضح أن حديث عبيد بن عمير عن أم سلمة لم يتضمن حكمًا شرعيًا لا يوجد في غيره.
5- ومن ذلك أيضًا قول مسلم: (وأسند ريعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين) (8) .--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري (3/210/ [1306] ) كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك.
(2) صحيح البخاري (3/198/ [1298] ) كتاب الجنائز، باب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة.
(3) فتح الباري (3/196) .
(4) صحيح البخاري (3/197/ [1296] ) كتاب الجنائز، ما ينهى عن الخلق عند المصيبة.
(5) فتح الباري (3/198) .
(6) انظر الترغيب والترهيب للمنذري (4/348-354) .
(7) الأحاديث التي استشهد بها مسلم (ل3) .
(8) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
ولم يخرج مسلم هذين الحديثين في صحيحه. فأما الحديث الأول فرواه ربعي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ("لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله - أو قال: - يحبه الله ورسوله فدعا عليًا، وهو أرمد، ففتح الله على يديه) (1) .
ولهذا الحديث عدة شواهد من أصحها ما أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ("لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه". قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس قدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ ". فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله. قال: "فأرسلوا إليه فأتوني به"، فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن له وجع فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (2) .
وأخرج البخاري ومسلم أيضًا عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (كان علي قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله - أو قال: يحب الله ورسوله - يفتح الله عليه"، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية ففتح الله عليه) (3) .--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي في خصائص علي (ص45) ، والطبراني في معجمه الكبير (18/237، 238) .
(2) صحيح البخاري (7/87/ [3701] كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، وصحيح مسلم (4/1872) .
(3) صحيح البخاري (7/87/ [3702] كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، وصحيح مسلم (4/1872) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
وأخرج مسلم أيضًا شاهدين آخرين عن سعد بن أبي وقاص (1) ، وأبي هريرة (2) رضي الله عنهما، فالحديث محفوظ وصحيح، بل في حديثي سهل بن سعد، وسلمة بن الأكوع ما ليس في حديث عمران بن حصين من تفصيل لمناسبة الحديث، وحسن سياق للقصة.
وأما الحديث الثاني فرواه ربعي عن عمران بن حصين: (أن حصينًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، لعبد المطلب كان خيرًا لقومك كان يطعم الكبد والسنام، وأنت تنحرهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله أن يقول له. فقال: ما تأمرني أن أقول، قال: "قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري". قال: فانطلق فأسلم الرجل ثم جاء فقال: إني أتيتك فقلت لي قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري فما أقول الآن، قال: "قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت") (3) .
ويشهد له ما رواه شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: ("يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال أبي: سبعة ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: "فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك"؟. قال: الذي في السماء. قال: "يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك". قال: فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، فقال: "قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي") (4) .--------------------------------------------
(1) انظر صحيح مسلم (4/1871) .
(2) انظر صحيح مسلم (4/1871-1872) .
(3) أخرجه أحمد في المسند (4/444) ، وابن أبي شيبة في المصنف (10م267) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/323) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص547) ، وابن حبان في صحيحه (2/128) ، والطبراني في معجمه الكبير (18/438) ، والدعاء (3/1451) ، والحاكم في المستدرك (1/510) ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/1450) .
(4) أخرجه الترمذي في سننه (5/519-520) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/323) ، والطبراني في المعجم الكبير (4/27) ، (18/103، 174) ، وفي الدعاء له (3/1450) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
وهذا السند فيه مقال لأن شبيب بن شيبة صدوق يهم (1) ، ولأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين في قول أكثر النقاد (2) ، ولكن قال الحافظ ابن حجر: (وهو شاهد جيد لحديث إسرائيل) (3) يعني الحديث الثاني لربعي الذي ذكرته آنفًا فإن إسرائيل رواه عن منصور عن ربعي به وهذه إحدى روايات هذا الحديث.
وللحديث شاهد آخر قوي رواه مطرف بن الشخير - وقد سمع من عمران (4) - عن عمران بن حصين قال: (كان عامة دعاء نبي الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لي ما أخطأت وما تعمدت، وما أسررت، وما أعلنت،
وما جهلت، وما تعمدت") (5) .
وللحديث شاهد آخر قوي رواه محمد بن سيرين - وقد سمع من عمران (6) - عن عمران بن حصين قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمران قل: اللهم إني أستهديك لأرشد أمري، وأستجيرك من شر نفسي") (7) .
فحديث ربعي عن عمران صحيح، وهو في الدعاء لذا قال المعلمي في الحديثين اللذين يرويهما ربعي عن عمران بن حصين رضي الله عنه: (لم يخرجهما مسلم، ولا فيهما حكم، وقد توبع ربعي على كل منهما) (8) .
وبالنظر إلى ما تقدم في النوع الثالث من الأسانيد التي استشهد بها مسلم نرى أن جميع الأحاديث التي وردت بتلك الأسانيد لها شواهد قوية مما يجعل--------------------------------------------
(1) التقريب (ص263) .
(2) انظر جامع التحصيل (ص164) .
(3) تهذيب التهذيب (2/384) .
(4) انظر صحيح البخاري (2/316/ [786] ) كتاب الآذان، باب إتمام التكبير في السجود.
(5) أخرجه أحمد في المسند (4/437) ، والطبراني في المعجم الكبير (18/115) ، والمعجم الصغير (2/8) ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/337) .
(6) انظر جامع التحصيل (ص264) .
(7) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (18/186) ، والمعجم الصغير (2/266) .
(8) الأحاديث الذي استشهد بها مسلم (ل4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
احتمال عدم السماع فيها لا يصلح أن يكون سببًا لعلتها لكون الحديث صحيحًا ومحفوظًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تلك الطريق، فمن قبل مثلاً حديث أبي رافع الصائغ عن أبي بن كعب مع عدم وجود دليل على سماعه من أبي رضي الله عنه فقد قبل حديثًا صحيحًا لأن أبا رافع ثقة من كبار التابعين، ولم يرو عن أبي رضي الله عنه إلا حديثًا واحدًا - كما قال مسلم -، وهذا الحديث ثابت محفوظ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فالعلماء الذين صححوا تلك الأسانيد ولم يوهنوها، رغم عدم وجود دليل على السماع فيها بين التابعي والصحابي لا يستبعد أن يكونوا فعلوا ذلك لأن أصول الأحاديث المروية بتلك الأسانيد لها شواهد قوية ولأن جميع رواة تلك الأسانيد من التابعين الثقات الأثبات فليس فيهم من تكلم فيه بقدح، كما وأن بعض تلك الأحاديث ليست من أحاديث الأحكام.
وقد ذكر الإمام مسلم في "صحيحه" أحاديث لبعض الضعفاء، إذا كان أصل الحديث الذي رووه معروفًا من رواية الثقات (1) ، فهو لم يحتج بهؤلاء الضعفاء استقلالاً، وإنما لأن ما رووه محفوظ ومعروف من رواية الثقات.
وهذا الإمام البخاري وهو ممن يشترط اللقاء في السند المعنعن يقوي حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة (2) ، مع قوله: (سليمان لم يذكر سماعًا من أبيه) (3) ، وذلك لأن لحديث سليمان بن بريدة هذا شواهد قوية تدل على أن أصل الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فتقوية الأحاديث التي فيها بعض النظر بالشواهد القوية منهج سار عليه أئمة--------------------------------------------
(1) انظر كتاب الضعفاء لأبي زرعة الرازي وأجوبته على أسئلة البرذعي (2/676) والقصة مشهورة في اعتذار مسلم من انتقاد أبي زرعة له لإخراجه في "صحيحه" عن بعض الضعفاء.
(2) العلل الكبير للترمذي (1/203) .
(3) التاريخ الكبير (4/4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)