فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. غير أنه لا نعلم له منه سماعًا، ولم يجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث؛ أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما، مرة من دهرهما فما فوقها فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئًا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا، حجة. وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر في رواية مثل ما ورد) (1) .
ثم ذكر مسلم أن مخالفه قد يحتج بكثرة الإرسال بين المحدثين قديمًا وحديثًا فيحتاج لذلك للبحث عن سماع الرواة، فقال مسلم على لسان المخالف له: (فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد فإن عزب عني معرفة ذلك أوقفت الخبر، ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) .
وقد أوضح مسلم أن مخالفه يرى أن ما لم يثبت فيه اللقاء من الأسانيد المعنعنة يعد ضعيفًا واهيًا. فقال: (فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل في فساد الحديث وتوهينه … ) (2) .
وذكر مسلم أسانيد لا يثبت فيها اللقاء وهي صحيحة عند أهل العلم ثم قال: (وهي في زعم من حكينا قوله من قبل واهية مهملة) (3) ، وقال أيضًا: (وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث بالعلة التي وصف) (4) .
هذا هو رأي المخالف كما عرضه مسلم، وعليه بنى رأيه هو، وحججه في--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/32) .
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/33) .
(4) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
الرد، وحرر محل النزاع مع مخالفه.
ثم أوضح الإمام مسلم رأيه في السند المعنعن، واحتج له بأدلة، وسنعرض هنا إلى ما قاله مسلم من كلام في تحديد مذهبه فقط دون ذكر أدلته لأن محلها الفصل الثالث الآتي - إن شاء الله -.
قال مسلم: (وهذا القول - يعني كلام خصمه - يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع. مستحدث غير مسبوق إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأما والمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بينا) (1) .
ثم ذكر رحمه الله في شأن الأئمة من أهل الحديث: (إنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله؛ فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم تسم من الأئمة) (2) .
ولما ساق عددًا من الأسانيد التي ذكر أن أهل العلم صححوها، ولا يثبت السماع أو اللقاء فيها بين التابعي والصحابي؛ بين سبب ذلك بقوله: (إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (3) .
وبما تقدم يعلم أن مسلمًا يتفق مع المخالف له فيما يلي:
1- الاحتجاج بما علم أن اللقاء فيه ثابت.--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/33) .
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
2- رد ما يشك في اتصاله لوجود دلالة بينة.
وأن الاختلاف بينهما كما يفهم من كلام مسلم في حديث المتعاصرين - إذا توفرت فيه الضوابط التي ذكرها - إذا لم يرد ثبوت اللقاء من طريق صحيح مرة فصاعدًا. فمسلم يقبل من الأسانيد ما كان هذا سبيله، وخصمه يرد ذلك ولا يقنع إلا بثبوت اللقاء ولو مرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
الفصل الثاني
ضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم
المبحث الأول: ثقة الرواة.
المبحث الثاني: العلم بالمعاصرة.
المبحث الثالث: تحديد المقصود بإمكانية اللقاء.
المبحث الرابع: السلامة من التدليس.
المبحث الخامس: عدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء.
المبحث الأول
ثقة الرواة
لا تكون المعاصرة كافية لاتصال السند المعنعن عند مسلم إلا إذا توفرت فيها أمور:
أولها: ثقة الرواة كما قال الإمام مسلم: (القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة … ) (1) .
ومفهوم كلام مسلم هذا أن الضعيف، والمجهول لا يدخلان هنا. لأنه في الأصل لا يحتج بحديثهما حتى مع ثبوت المعاصرة، ولكن إذا كانت المعاصرة غير--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
ثابتة فيضاف إلى التضعيف سبب آخر وهو عدم الاتصال على مذهب مسلم. والغالب في المجهولين عدم معرفة معاصرتهم لمن حدثوا عنه لقلة ما يرويه الواحد منهم، ولندرة المعلومات عنهم في كتب الجرح والتعديل.
ويبقى سؤال مهم يرد على معنى "الثقة" عند مسلم: هل يشمل الصدوق الذي خف ضبطه وانحط عن رتبة الحافظ المتقن أم لا؟
والذي أراه أن كلمة "الثقة" الواردة في سياق كلام مسلم يدخل فيها كل من يحتج به ويشمل ذلك الحافظ المتقن، والصدوق أيضًا، وقد قال مسلم في القسم الأول من الرواة الذين أخرج حديثهم في صحيحه واحتج به: (فأما القسم الأول، فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا لم يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم) (1) .
ومن تأمل هذا الكلام بأن له أنه ينطبق على الصدوق أيضًا لأن مرتبة الصدوق لا يدخل فيها من كان في رواياته اختلاف شديد، أو تخليط فاحش.
ويؤيد ما قلته أن مسلمًا أكمل كلامه الآنف بقوله: (فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان. كالصنف المقدم قبلهم) .
والصدوق غير مدفوع عن الحفظ والإتقان، وإنما يؤخذ عليه وجود بعض الأوهام في حديثه لخفة ضبطه وإتقانه، والذي ينطبق عليه كلام مسلم في قوله: (من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان) أولئك الأشخاص الذين سماهم في تتمة كلامه الآنف إذ قال: (وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم بشملهم كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حمال الآثار، ونقال الأخبار) .
وهؤلاء قد ضعفهم أهل العلم من أئمة الجرح والتعديل لذلك لم يصفهم مسلم إلا بالستر، والصدق، وتعاطي العلم، ولم يذكرهم بالحفظ والإتقان،--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/5) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
وهؤلاء الثلاثة لا يصلح أن يدخلوا في مرتبة الصدوق التي يحتج بحديثه في الجملة بدلالة أن مسلمًا قال في أحدهم وهو يزيد بن أبي زياد: (هو ممن اتقى حديثه الناس، والاحتجاج بخبره إذا تفرد للذين اعتبروا عليه من سوء الحفظ في رواياته التي يرويها) (1) .
وبما تقدم يتضح لنا أن الصدوق داخل عند مسلم في القسم الأول من الرواة الذين احتج بهم فتشملهم كلمة "الثقة" التي قالها مسلم في سياق كلامه عن الاكتفاء بالمعاصرة.
ومما يؤكد ما تقدم أن الإمام الحجة عبد الرحمن بن مهدي قال: (احفظ عن الرجل الحافظ المتقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا ذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه - يعني لا يحتج بحديثه -) (2) .
وقد احتج مسلم في "صحيحه" ببعض المحدثين الذين خف ضبطهم، ولم يكونوا من أهل الضبط التام، مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، ولكنه انتقى من أحاديثهم ما صح عنده وتجنب ما أخطأوا فيه، قال الخليلي في العلاء بن عبد الرحمن: (مديني مختلف فيه لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها كحديثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان". وقد أخرج مسلم في "الصحيح" المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذ) (3) .
وليس المقصود في هذا المقام ما صنع مسلم في "صحيحه"، وكيف كان منهجه فيه، وإنما بيان أن كلمة "الثقة" الواردة في سياق كلام مسلم تعني الراوي المحتج بحديثه من حيث العموم، ولا تعني الحافظ المتقن فقط.--------------------------------------------
(1) التمييز (ص215) بتصرف يسير.
(2) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/38) ، وفي تهذيب الكمال (1/162) تحقيق د. بشار معروف. قال ابن مهدي: (المحدثون ثلاثة: رجل حافظ … ) .
(3) الإرشاد (1/218-219) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
المبحث الثاني
العلم والمعاصرة
هذا هو الأمر الثاني الذي ذكره مسلم في قوله: (إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة … ) (1) .
ولا يكتفي أن تكون المعاصرة محتملة بل لابد من تحقق ثبوتها والعلم بها، ويدل على ذلك أمران:
الأول: أن مسلمًا قال: (وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد … أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا … ) (2) .
والملاحظ هنا أنه نص على أن "العلم قد أحاط بأنهما كانا في عصر واحد"، والذي رده المخالف هو المذهب الذي نصره مسلم واختاره.
فأفاد هذا النص الصريح من كلام مسلم أنه لابد من العلم بالمعاصرة.
الثاني: ذكر مسلم بأن أهل المعرفة بالحديث صححوا أسانيد لا يثبت فيها لقي التابعين للصحابة الذين رووا تلك الأحاديث وساق أمثلة من تلك الأسانيد، وفي جميع هذه الأسانيد التي ذكرها مسلم كانت المعاصرة ثابتة بيقين.
ومن ذلك قوله: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جر، ونقلا عنهم--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما. قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن الني صلى الله عليه وسلم حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (1) .
فمعاصرة أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ لأبي بن كعب رضي الله عنه لاشك في ثبوتها.
ومن ذلك قول مسلم: (وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًا، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا) .
فإذا كان عبد الرحمن بن أبي ليلى قد حفظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه المتوفى سنة ثلاث وعشرين، وصحب عليًا رضي الله عنه المتوفي سنة أربعين، فتكون معاصرته ثابتة بلا ريب لأنس بن مالك رضي الله عنه المتوفي سنة ثلاث وتسعين.
وقد قال مسلم بعد أن ساق تلك الأسانيد: (فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه، وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار، والروايات من صحاح الأسانيد.
لا نعلمهم وهنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (2) .
وهذه الجملة الأخيرة تؤكد أن كل الأسانيد التي ساقها مسلم مستدلاً بها؛ المعاصرة فيها متحققة الثبوت.
وقد نص بعض العلماء على أن المعاصرة لابد أن تكون ثابتة عند مسلم، ومن هؤلاء ابن رشيد الذي قال: (وحاصل هذا الدليل الرابع ادعاء الإجماع أيضًا على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وصمة التدليس إذا عنعنوا عن--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم وإن لم يعلم اللقاء ولا السماع) (1) ، وقال أيضًا: (لا يقبل معنعن من لم تصح له معاصرة) (2) يقصد أنه لم ينقل عن أحد من أئمة النقد قبول المعنعن مطلقًا ولو لم تصح المعاصرة وتثبت.
وقال الحافظ ابن حجر في العنعنة: (وشرط حملها على السماع ثبوت المعاصرة) (3) .
وقال الشيخ المعلمي: (لا يكفي احتمال المعاصرة) (4) ثم قال: (وأهل العلم كثيرًا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم، ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة) .
وثبوت المعاصرة عند مسلم تتم بأحد طريقين:
الأول: معرفة تاريخ ولادة الراوي، وتاريخ وفاة المروي عنه. كما قال مسلم: (وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا. وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) (5) .
فمسلم هنا تحقق من معاصرة عبيد لأم سلمة بمعرفة تاريخ ولادة عبيد بن عمير المولود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بمعرفة تاريخ وفاة أم سلمة رضي الله عنها التي تأخرت وفاتها إلى سنة اثنتين وستين. على الصحيح (6) ، ومسلم رحمه الله لم يذكر تاريخ وفاة أم سلمة رضي الله عنها، لأنه معروف مشتهر بين المحدثين أن وفاتها تأخرت بزمن طويل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثبوت المعاصرة من هذا الطريق واضح جدًا لا لبس فيه.
ومما يدخل تحت هذا الطريق معرفة قدم ولادة الراوي دون تحديد دقيق--------------------------------------------
(1) السنن الأبين (ص133) .
(2) السنن الأبين (ص35) .
(3) نزهة النظر (ص64) .
(4) التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/84) .
(5) مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(6) التقريب (ص754) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
لسنة الولادة كما قال مسلم في أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ أنهما أدركا الجاهلية، ورويا عن أبي بن كعب رضي الله عنه وأيضًا قوله في أبي عمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية، وروى عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأيضًا قوله في قيس بن أبي حازم وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه (1) .
فهؤلاء كلهم ولدوا قديمًا في الجاهلية ولكن دون تحديد لتاريخ ولادتهم فمعاصرتهم لأولئك الصحابة محل يقين.
الثاني: معرفة تاريخ وفيات الأقدم موتًا من مشايخ الراوي الذي سمع منهم، فإن معرفة ذلك تعين على التأكد من المعاصرة بين ذلك الراوي، وبعض من يروي عنهم. كما قال مسلم:
(وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليًا، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا) (2) .
فمعرفة ذلك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من أنه حفظ عن عمر رضي الله عنه، وصحب عليًا رضي الله عنه، ووفاتهما أقدم بكثير من تاريخ وفاة أنس رضي الله عنه جعلت معاصرة عبد الرحمن لأنس محل يقين.
وقال مسلم: (وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه) (3) .
والمتعارف عليه أن عليًا رضي الله عنه مات سنة أربعين، ومسلم يستدل بسماع ربعي من علي على معاصرة ربعي لعمران بن حصين وأبي بكرة وقد توفيا بعد علي رضي الله عنهم أجمعين - فقد مات عمران سنة اثنتين وخمسين (4) ،--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(2) انظر مقدمة صحيح مسلم (1/34) .
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(4) التقريب (ص429) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين (1) .
وهناك مسألة لها علاقة باشتراط العلم بالمعاصرة لاتصال السند المعنعن وهي: رواية التابعي عن صحابي مبهم بالعنعنة. هل يقبل مسلم هذا السند ولو لم يعلم بتحقق المعاصرة أم يشترط التصريح باللقاء أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم؟
الحقيقة لم أجد لمسلم كلامًا حول هذه المسألة، ولكن الظاهر من كلامه أن العلم بالمعاصرة شرط لاتصال السند المعنعن مطلقًا، فمقتضى كلام مسلم حول المعاصرة أن لا تقبل رواية التابعي عن صحابي مبهم إلا إذا علمت معاصرته له، فإن كانت المعاصرة على الاحتمال ولم يرد ما يثبتها فحينئذ لابد من التصريح باللقاء أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم.
وقد نظرت فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" من رواية التابعي عن صحابي مبهم فوجدته أخرج من ذلك أحاديث قليلة جدًا بعضها مصرح فيها باللقاء، وبعضها قد جاء عنده من طريق آخر التصريح باسم المبهم، وبعضها رويت بالعنعنة ولكنه أخرجها في المتابعات، ولم أجده أخرج في الأصول إلا حديثًا واحدًا من رواية امرأة من التابعين عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالعنعنة. وبيان ذلك كما يلي:
أ - أخرج مسلم في "صحيحه" ثلاثة أحاديث صرح فيها التابعي باللقاء من الصحابي المبهم وهي:
1- حديث تمامة بن حزن القشيري قال: (لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ؟ فدعت عائشة جارية حبشية فقالت: سل هذه فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكيه وأغلقه، فإذا أصبح شرب منه) (2) .
2- حديث طاووس أنه قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال--------------------------------------------
(1) التقريب (ص565) .
(2) صحيح مسلم (3/1590) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز") (1) .
3- حديث ابن شهاب الزهري أنه قال: (وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم … الحديث) (2) .
ب - أخرج مسلم في "صحيحه" حديثين من رواية التابعي عن صحابي مبهم، ولكن ذكر طرقًا أخرى فيها تصريح باسم الصحابي. وهما:
1- حديث عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: (أخذت {ق والقرآن المجيد} من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة) (3) .
وأخت عمرة هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها أخت عمرة لأمها (4) ، وقد ورد التصريح باسمها عند مسلم في رواية عبد الله بن محمد بن معن، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كلاهما عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، إلا أن عبد الله بن محمد بن معن لم يقل أم هشام وإنما قال عن بنت لحارثة بن النعمان. وقد أثبت البخاري سماعه منها (5) .
2- حديث عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة يبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم" (6) .
وأم المؤمنين هي حفصة رضي الله عنها، وقد ورد التصريح باسمها في رواية أخرى أخرجها مسلم وفيها يقول عبد الله بن صفوان: (أخبرني حفصة) (7) .
ج - أخرج مسلم في "صحيحه" ثلاثة أحاديث من رواية التابعي عن صحابي--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (4/2045) .
(2) صحيح مسلم (4/2245) .
(3) صحيح مسلم (2/595) .
(4) انظر تهذيب التهذيب (12/481) .
(5) انظر التاريخ الكبير (5/187) .
(6) صحيح مسلم (4/2210) .
(7) صحيح مسلم (4/2209) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
مبهم بالعنعنة، ولكنها في المتابعات، ومنها حديثان لم يسقهما مسلم لذاتهما وإنما وردا ضمنًا، وهذه الأحاديث هي:
1- حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية) (1) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم متابعة لحديث سهل بن أبي حلمة رضي الله عنه في القسامة الذي أخرجه قبل حديث أبي سلمة وسليمان بن يسار.
2- حديث خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد (أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين) (2) .
وهذا الرجل قيل هو ابن عباس (3) ، وهذا الحديث لم يخرجه مسلم لذاته، وإنما أخرج حديث الزهري عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه ف نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة متابعة وضمن حديث الزهري ورد حديث خالد بن المهاجر السابق، وحديث الزهري كما ساقه مسلم: (قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرض برجل - فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك.
قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين.
قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (3/1295) .
(2) صحيح مسلم (2/1026) . ويظهر في النص أن خالد بن المهاجر قد شهد المحاورة وحضرها.
(3) تحفة الأشراف (2/1026-1027) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها.
قال ابن شهاب: وأخبرني ربيع بن سبرة أن أباه قال: قد كنت استمتعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني عامر ببردين أحمرين ثم نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة) (1) .
3- حديث سماك بن حرب عن رجل من القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق معلق (أو مدلى) في الجنة لابن الدحداح (أو لأبي الدحداح) " (2) .
هذا الحديث لم يخرجه مسلم مستقلاً، وإنما ورد ضمن حديث يرويه شعبة عن سماك بن حرب عن جابر ابن سمرة قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح ثم أتى بغرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه قال (3) فقال رجل من القوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كم من عذق معلق (أو مدلى) في الجنة لابن الدحداح (أو لأبي الدحداح) " (4) .
وحديث شعبة عن سماك أخرجه مسلم متابعة لحديث مالك بن مغول عن سماك به، ولكن ليس في رواية ابن مغول زيادة سماك عن رجل من القوم … الحديث.
ويحتمل أن يكون الرجل الذي روى عنه سماك صحابيًا، ويحتمل غير ذلك، لأنه لم يصرح في الحديث بأنه صحابي، والظاهر أن مسلمًا لم يقصد إخراج هذه الزيادة وإنما وقعت ضمن الحديث الذي قصد إخراجه بغرض المتابعة، ولأن الحديث في أصوله هكذا لذا رواه على تلك الحال وغرضه الاستشهاد برواية شعبة عن سماك بن حرب، لما عرف من أن سماكًا كان بأخرة يتلقن (5) ، فساق مسلم--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (2/1026-1027) .
(2) صحيح مسلم (2/665) .
(3) القائل هو سماك بن حرب وليس جابر بن سمرة يوضح ذلك الرواية التي أخرجها أحمد في المسند (5/90) وفيها: (فقال رجل معنا عند جابر بن سمرة في المجلس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم … ) نبه إلى هذا الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (11/160) .
(4) صحيح مسلم (2/665) .
(5) انظر تهذيب التهذيب (6/234) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
رواية شعبة عنه ليبين أن هذا الحديث الذي رواه مالك بن مغول من صحيح حديث سماك.
وقد ثبت من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة" (1) ، فزيادة سماك عن الرجل عن رسول الله محفوظة ولاشك سواء كان الرجل الذي روى عنه سماك صحابيًا أو لم يكن.
5- أخرج مسلم في "صحيحه" في الأصول حديثًا واحدًا فقط من رواية تابعي عن صحابي مبهم بالعنعنة، وهذا الحديث هو حديث صفية بنت أبي عبيد الثقفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (2) . وقد رواه من طريق عبيد الله العمري عن نافع مولى ابن عمر عن صفية به.
وقد ذكر أبومسعود الدمشقي هذا الحديث في مسند حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها (3) ، ويظهر لي أن مسلمًا ترجح عنده أن المقصود ببعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة أو عائشة رضي الله عنهما وذلك لأن مسلمًا أخرج في صحيحه من طريق الليث بن سعد عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد حدثته عن حفصة أو عن عائشة أو عن كلتيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها" (4) .
وأخرج أيضًا من طريق عبد الله بن دينار عن نافع مثل رواية الليث، وأخرج من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري يقول سمعت نافعًا يحدث عن صفية بنت أبي عبيد أنها سمعت حفصة بنت عمر (5) ، وأخرج من طريق عبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني كلاهما عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في المسند (3/146) ، وابن حبان في صحيحه (9/144) ، والطبراني في المعجم الكبير (22/300) ، والحاكم في المستدرك (2/20) .
(2) صحيح مسلم (4/1751) .
(3) انظر تحفة الأشراف (13/124) .
(4) صحيح مسلم (2/1126) .
(5) صحيح مسلم (2/1127) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث الليث.
فالذي يغلب على الظن أن صفية قد روت حديث: "من أتى عرافًا … " عن حفصة أو عن عائشة لاسيما وأن راوي هذا الحديث عن نافع هو عبيد الله العمري، وهو أيضًا الذي روى حديث: "النهي عن الإحداد فوق ثلاثة أيام إلا على الزوج" عن نافع وقال فيه عن بعض أزواج النبي ولم يصرح بالاسم، ولكن الليث بن سعد، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري صرحوا باسم زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها حفصة أو عائشة.
وعلى كل الأحوال فإن صفية بنت أبي عبيد معاصرتها ثابتة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن عبد الله بن عمر قد تزوجها في عهد أبيه (1) ، وذكر ابن مندة أن صفية: (أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، وروت عن عائشة وحفصة، ولا يصح لها سماع من النبي صلى الله عليه وسلم) (2) ، ونفى الدارقطني أن تكون أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أنها تزوجت ابن عمر في عهد أبيه قال: (فيحمل قول من نفى الإدراك على السماع فكأنها لم تميز إلا بعد الوفاة النبوية) (3) ، وصحح ابن حجر سماعها من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فعلى ما ذكره ابن مندة ورجحه ابن حجر تكون صفية قد ثبتت معاصرتها لكل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الذين مات وهن في عصمته، وأغلب ظني أن مسلمًا احتج بالحديث لترجيحه أن المقصود ببعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إما حفصة وإما عائشة ويفسر ذلك ما وقع في حديث "الإحداد".
وبهذا نستطيع القول أن اشتراط العلم بالمعاصرة مطلوب حتى في رواية التابعي عن صحابي مبهم، ولا يكفي احتمال المعاصرة، فإن لم يعرف هل عاصر أم لا؟ فلابد من التصريح أو السماع من التابعي عن ذلك الصحابي المبهم الاسم.
قال الحافظ زين الدين العراقي مبينًا ذلك: (فرق أبوبكر الصيرفي من الشافعية في كتاب "الدلائل" بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعنًا أو مع--------------------------------------------
(1) انظر طبقات ابن سعد (8/472) .
(2) الإصابة في تمييز الصحابة (4/351) .
(3) الإصابة (4/352) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
التصريح بالسماع، فقال: وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل لأني لا أعلم سمع التابعي من ذلك الرجل إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت أمكانه منه لجعلته كمدرك العصر. قال: وإذا قال: سمعت رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل لأن الكل عدول. انتهى كلام الصيرفي. وهو حسن متجه وكلام من أطلق قبوله على هذا التفصيل) (1) .
وهذا التفصيل هو ظاهر كلام الإمام أحمد، فقد قال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم) .
فالإمام أحمد صحح رواية التابعي إذا قال: "حدثني" رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل في ذلك إذا روى التابعي حديثًا بالعنعنة عن صحابي مبهم.
وقد خالف ابن حجر في ذلك شيخه العراقي وقال: (حكى شيخنا كلام أبي بكر الصيرفي في ذلك وأقره. وفيه نظر لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حملت عنعنته على السماع، وإن قلت: هذا إنما يتأتى في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين، فلابد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي والغرض أنه لم يسمه حتى يعلم هل أدركه أم لا؟ فينقدح صحة ما قال الصيرفي.
قلت: سلامته من التدليس كافية في ذلك إذ مدار هذا على قوة الظن وهي حاصلة في هذا المقام) (2) .
وما رجحه ابن حجر هنا لا يتفق مع ترجيحه لمذهب البخاري في اشتراط اللقاء، بل ولا يتفق مع مذهب مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة لذا قال الشيخ المعلمي بعد أن نقل كلام ابن حجر السابق: (والعجب من الحافظ رحمه الله كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه ولو مع قيام القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم--------------------------------------------
(1) التقييد والإيضاح (ص74) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/562- 563) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
معاصرته أصلاً، فسبحان من له الكمال المطلق) (1) .
والشيخ المعلمي رغم تعجبه من تصرف ابن حجر إلا أنه في موضع آخر مال إلى رأيه مع بعض التوقف فقال: (لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان التابعي "عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم … " ونحو ذلك راجح (فتح المغيث) ص62، والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة، فالمدلس يعتد بأنه قد عرف منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة، وأهل العلم كثير ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته. فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة.
فأما إذا أبهم فلم يسم فهذا الاحتمال منتف لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنتفي القرينة وإذا انتفت ظهر السماع والإلزام والتدليس، والغرض عدمه. هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقف) (2) .
والراجح في نظري ما قاله أحمد بن حنبل، وأبوبكر الصيرفي والحافظ زين الدين العراقي من أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا صرح التابعي بلقائه أو سماعه من ذلك الصحابي.
ومقتضى كلام مسلم في اشتراط العلم بالمعاصرة، وظاهر صنيعه في "صحيحه" يستدل بهما على أن حديث التابعي عن صحابي مبهم لا يقبل إلا إذا تحقق ثبوت المعاصرة وإلا فلابد من التصريح باللقاء أو السماع إذا كانت المعاصرة غير معلومة، وأحاديث التابعين عن صحابة مبهمين التي أخرجها مسلم في صحيحه في غير المتابعات، وذكرتها قبل قليل دالة على ذلك.--------------------------------------------
(1) عمارة القبور (ل88 - 89) .
(2) التنكيل (1/84) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
المبحث الثالث
تحديد المقصود بإمكانية اللقاء
ورد في كلام مسلم عندما نقل اتفاق أهل الحديث على الاحتجاج بالسند المعنعن إذا رواه ثقة عن مثله قوله: (وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام … ) (1) .
وظاهر كلام مسلم هذا أن مجرد ثبوت المعاصرة كاف لإمكان اللقاء، وأن معنى إمكان اللقاء هو ثبوت المعاصرة فقط، ولكن ذكر مسلم نصًا آخر يختلف عما سبقه إذ قال في معرض بيانه أن المخالف لم يحتج بـ (كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به … ) (2) .
فهنا فرق مسلم بين العلم بالمعاصرة وجواز اللقاء فجعله زائدًا على العلم بالمعاصرة كما يقيده سياق النص، وإلى هذا ذهب العلائي والصنعاني في تحديدهما لمذهب مسلم في الحديث المعنعن.
فقال العلائي: (والقول الرابع: أنه يكتفي بمجرد إمكان اللقاء دون ثبوت أصله فمتى كان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، وكان لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكنًا من حيث السن والبلد كان الحديث متصلاً، وإن لم يأت أنهما اجتمعا قط، وهذا قول الإمام مسلم) (3) .
وكلام العلائي يفيد أن هناك أمر زائد على ثبوت المعاصرة، وهو أن يكون اللقاء ممكنًا من حيث بلد الراويين المعنعن، والمعنعن عنه: فإما أن يكونا من نفس البلد، أو تكون بلادهما متقاربة، أو يعلم دخولهما لبلد معين في زمن--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(3) جامع التحصيل (ص117) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
متقارب. ويفهم من كلام العلائي أن تباعد البلاد لا يجعل اللقاء ممكنًا.
وقال الصنعاني: (على أن المعاصرة لا تكفي مطلقًا بأن يكون أحدهما في بغداد، والآخر في اليمن، بل لابد من تقارب المحلات ليمكن اتصال الرواة) (1) .
والذي قاله العلائي والصنعاني في فهم كلام الإمام مسلم ملح نظر لما يلي:
1- إن اشتراط تقارب البلاد أو إمكان اللقاء بالنظر إلى بلاد المعنعن والمعنعن عنه لم ينص عليه الإمام مسلم في كلامه الوارد في مقدمة "صحيحه".
2- حدد مسلم رحمه الله المقصود بإمكان اللقاء في سياق كلامه في موضعين من "المقدمة" فقد قال: (وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد) (2) .
وقال بعد إخراجه للأسانيد التي صححها العلماء واللقاء غير ثابت بين رواتها من التابعين والصحابة: (إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (3) .
ففي هذين النصين اللذين يتضح من سياقهما أن اللقاء عند مسلم إنما يصبح ممكنًا بسبب ثبوت المعاصرة فقط.
3- إن قول مسلم عن المخالف له بأنه رد ولم يحتج بكل حديث معنعن (وقد أحاط العلم بأنهما قد كطان في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به) (4) . لا يدل على تقارب بلاد المتعاصرين، وإنما يدل على جواز السماع من بعضهما مطلقًا لعدم وجود مانع يمنع ذلك الجواز ويجعله مستبعدًا. ثم إن أقوى أنواع تفسير النصوص وإزالة اللبس عنها يكون بنفس كلام صاحب النص المراد تفسيره، وقد مر معنا أن مسلمًا وضح أن معنى إمكانية اللقاء وجواز السماع لكون المعنعن والمعنعن عنه في عصر--------------------------------------------
(1) توضيح الأفكار (1/43) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(4) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)