المبحث الثالث
معالم في النصوص النقدية
هذا المبحث خصصته لملاحظاتي التي سجلتها خلال دراستي لنصوص البخاري النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء.
وهذه الملاحظات نتيجة التأمل والتدبر في النصوص التي جمعتها من كلام البخاري، ومن المعلوم أن باب الملاحظات واسع، وتزداد الملاحظات كلما أعطى التأمل حقه من الوقت، وأيضًا عندما يختلف الأشخاص فتطرح أسئلة افتراضية مختلفة، وتوضع احتمالات أخرى عديدة فيتحصل في النهاية كم من الملاحظات ضخم بل أن الشخص نفسه إذا تقدمت به السنوات وازداد معرفة وخبرة أضاف وحذف فيما سجله من قبل، وهذا باب لا يمكن حصره أو ضبطه لأن الكمال للخالق سبحانه.
وأهم المعالم المنهجية التي لاحظتها في نصوص البخاري النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء ما يلي:
أولاً: طبق البخاري نقده على جميع الرواة الضعفاء والمجهولين والثقات سواء أكانت المعاصرة ثابتة لمن رووا عنه أو كانت محتملة ولا دليل بنفيها، وشمل ذلك حتى المدلسين ومن في حكمهم ممن يرسل كثيرًا كما تقدم بيان ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل.
ثانيًا: استخدم البخاري في نقده لسماعات الرواة عبارة "لا أدري سمع من فلان أم لا؟ "، وعبارات أخرى مشابهة لها، والحقيقة أن هناك احتمالين لمعنى تلك العبارة، الاحتمال الأول: أن البخاري يكون متوقفًا فيمن نقد سماعهم كما هو ظاهر العبارة، ولما قال مسلم عند عرضه لقول ومذهب خصمه:
(فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئًا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا حجة، وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
لشيء من الحديث قل أو كثر. في رواية مثل ما ورد) (1) .
وقال أيضًا في معرض نقل قول خصمه: (فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء، ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد. فإن عزب عني معرفة ذلك، أوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) (2) . والتوقف بمعنى التردد والشك مع عدم الاحتجاج.
والاحتمال الثاني: أن البخاري يعتبر ذلك انقطاعًا باعتبار أن السند إما متصل أو غير متصل، وما ليس بمتصل فهو منقطع كما هو رأي الذهبي، والحافظ ابن حجر.
فقد ذكر الذهبي قول ابن القطان: (ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان، الحمل على الوصل كرأي مسلم والجمهور، أو القول لم يثبت سماع هذا من هذا، كرأي ابن المديني والبخاري، ولا يقولون إنه منقطع) . فعقب عليه بقوله: (قلت: بل رأيهما دال على الانقطاع) (3) .
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن مرة أو ابن أبي مرة الزوفي: (أشار البخاري إلى أن في روايته انقطاعًا) (4) ، والبخاري إنما قال: (لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (5) يعني عبد الله بن راشد عن عبد الله بن مرة عن خارجة. فأي الاحتمالين أرجح؟
الذي أراه أن ما انتقده البخاري من سماعات الرواة فإنما هو لضعف في تلك الأسانيد عنده، لا أشك في ذلك لأن البخاري صرح في عدة نصوص بضعف تلك الأسانيد مبديًا السبب "لأن فلانًا لا يعرف سماعه من فلان" (6) ، وأيضًا نص مسلم على هذا فقال: (فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل، في فساد الحديث--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(3) نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإبهام (ص83-84) .
(4) التقريب (ص322) .
(5) التاريخ الكبير (5/192-193) .
(6) انظر المبحث الأول من الفصل الثالث في الباب الثاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
وتوهينه) (1) ، وقال بعد أن ساق أسانيد قبلها العلماء: (وهي في زعم من حكينا قوله من قبل واهية مهملة، حتى يصيب سماع الراوي عمن روى) ثم قال: (وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث بالعلة التي وصف أقل من أن يعرج عليه ويثار ذكره) .
فمعنى التوقف الذي ذكره مسلم في مقدمته ترك الاحتجاج بالخبر الذي لا يثبت فيه اللقاء فيكون بهذا موقوفًا عن الاحتجاج لضعف فيه.
وما ذهب إليه الذهبي وابن حجر من أن البخاري يرى ما لم يثبت فيه السماع أو اللقاء يعد منقطعًا، لا أميل إليه لأن البخاري يصرح عن الانقطاع بألفاظ صريحة وقاطعة مثل قوله في تاريخه: (عطاء أن أبا هريرة، ولم يسمع منه) (2) ، وقوله: (معمر لم يسمع من خبيب) (3) ، وقوله: (ولا يصح سماع الحسن من أبي هريرة) (4) ما من لم يثبت سماعه فلا يقول فيه: "لم يسمع من فلان"، وإنما يختار عبارات دالة على مقصوده مثل: "لا أدري سمع فلان من فلان أم لا؟ " و"لا يعرف سماع فلان من فلان" و "لم يذكر سماع" ونحو ذلك، ومن تأمل هذا الموضع يتضح له الفرق بين المنقطع المعلوم الانقطاع، وبين وما لم يثبت فيه السماع فلا يسمى منقطعًا كما قال ابن القطان، لأن من لم يثبت له سماع ممن روى عنه ففي ذلك شبهة عدم اتصال السند، أما المنقطع فعدم الاتصال يكون محل يقين وجزم، ولعل قصد الذهبي وابن حجر أن ما لم يثبت فيه السماع في حكم المنقطع من حيث عدم الاحتجاج به.
ثالثًا: استعمل الإمام البخاري عدم ثبوت السماع أحيانًا للترجيح أو لتعضيد علة أخرى.
فمن الأمثلة على استعمال عدم ثبوت السماع للترجيح ما قاله: (قال لي ابن--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/32، 33، 35) .
(2) التاريخ الكبير (4/15) .
(3) التاريخ الكبير (4/28) .
(4) التاريخ الكبير (2/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
سلام أنا مخلد بن يزيد أنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جلس فقال: سبحانك ربنا وبحمدك، فهو كفارة".
وقال موسى عن وهيب نا سهيل عن عون بن عبد الله بن عتبة - قوله -، ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل، وحديث وهيب أولى) (1) .
وكما هو ظاهر فالسند الأول صحيح إلى سهيل، وكذلك الثاني، ولكن الأول فيه موسى بن عقبة وليس لموسى عن سهيل إلا هذا الحديث الواحد فقط (2) ، وأما وهيب بن خالد فهو معروف بالرواية عن سهيل بن أبي صاالح وله في الكتب الستة فقط عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة (3) أحد عشر حديثًا، فروايته أولى لاسيما وأن موسى بن عقبة - كما ذكر البخاري - لم يذكر سماعًا من سهيل فيترجح هنا احتمال الخطأ في رواية موسى بن عقبة عنه، وكما رأينا في النص السابق فإن البخاري ذكر مخالفة وهيب ثم عقب على ذلك بقوله: (ولم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل، وحديث وهيب أولى) فظاهر عبارته أن سبب ترجيحه لحديث وهيب لأن موسى بن عقبة لم يذكر سماعًا من سهيل، ولاشك أن السند الذي ثبت فيه السماع أولى بالتقديم من سند لم يثبت فيه السماع.
وقد استخدم الامام البخاري عدم ثبوت السماع لتعضيد علة أخرى، وذلك في عدد من النصوص منها:
1- أخرج البخاري في تاريخه من طريق قتادة عن الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة السدوسي أنه قال: توفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين. ثم قال: (ولا يتابع عليه، ولا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (4/105) ، ومثله في التاريخ الكبير (2/40) .
(2) في النكت على كتاب ابن الصلاح (2/719) نقل ابن حجر قول البخاري في شأن سند موسى بن عقبة عن سهيل: (لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا) .
(3) انظر تحفة الأشراف (9/420-421) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس، وعائشة، ومعاوية: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وهذا أصح) (1) .
ولاشك أن رواية الحسن عن دغفل تخالف ما ثبت عن عائشة وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم في تحديد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته، ومما يؤكد ضعف رواية الحسن عن دغفل ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماع الحسن من دغفل.
2- … ساق البخاري من طريق يزيد بن عمرو الأسلمي عن عبد العزيز عن عقبة بن سلمة بن الأكوع قال: صليت مع عبد الله بن رافع بن خديج العصر بالضربة، وأهل البادية يؤخرون فأخرها جدًا فقلت له: فقال: مالي وللبدع هذه صلاة آبائي مع النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال البخاري: (ويزيد هذا غير معروف سماعه من عبد العزيز، وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر، والشمس طالعة في حجرتي قبل أن يظهر الفيء) (2) .
وحديث عبد الله بن رافع مخالف للأحاديث الصحيحة التي جاء فيها التعجيل بصلاة العصر كما ألمح لذلك البخاري بذكره لحديث عائشة، وأيضًا بقوله: (ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه كان يعجل العصر. حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا أبوالنجاشي قال سمعت رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر فننحر جزورًا فنقسم عش قسم فنأكل لحمًا نضيجًا قبل أن تغرب الشمس، وقال حفص بن عبيد الله: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس) (3) .
فحديث عبد الله بن رافع مخالف للأحاديث الصحيحة، وفيه علة أخرى هي عدم ثبوت سماع يزيد بن عمرو من عبد العزيز وهذا مما يؤكد ضعف الحديث ويزيده وهنًا على وهنه.--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (3/255) . وبنحوه في التاريخ الصغير (1/56) ، وينظر التاريخ الصغير (1/53-56) فقد ساق روايات الصحابة في تحديد عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته.
(2) التاريخ الصغير (2/62) .
(3) التاريخ الصغير (2/61-62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
3- ذكر البخاري حديث عمرو البكالي عن عبد الله بن مسعود أنه رأى رجالاً كأنهم الزط ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم … الحديث، وقال البخاري بعده: (ولا يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود) (1) .
ثم قال البخاري: (وقال لنا موسى لنا وهيب عن داود عن عامر عن علقمة قال قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه أحد فقدناه بمكة فقلنا: اغتيل أو استطير فانطلقنا نطلبه في الشعاب فأقبل من قبل حراء فقلنا: أشفقنا عليك فبتنا بشر ليلة فقال: أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم فإذا آثارهم وآثار نيرانهم.
وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال قلت لأبي عبيدة: أكان أبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا) (2) .
والظاهر من تصرف البخاري أنه يرى أن أصحاب عبد الله بن مسعود وأهل بيته وهم أعلم به من غره أثبتوا أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يشهد ليلة الجن، وخالف في ذلك عمرو البكالي بالحديث الذي رواه، ومما يؤكد ضعف رواية عمرو البكالي عدم ثبوت سماعه من ابن مسعود، فضلاً عن مخالفة الثقات لما رواه.
4- قال البخاري: (خثيم بن مروان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشد المطي إلا إلى مسجد الخيف، ولا يعرف لخثيم سماع من أبي هريرة) (3) .
ولا ريب أن هذه اللفظة منكرة أعني "مسجد الخيف" فإن المحفوظ ما رواه الثقات عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى" (4) .--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (2/200) ، ومثله في التاريخ الصغير (1/234) .
(2) التاريخ الكبير (2/201) ، ومثله في التاريخ الصغير (1/233-234) .
(3) التاريخ الكبير (3/210) .
(4) صحيح البخاري (3/76/ [1189] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
ومما يؤكد الضعف والنكارة ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماع خثيم من أبي هريرة.
5- روى أبوخالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس مرفوعًا "إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعًا فإنه إذا نام استرخت مفاصله". قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة. قلت: أبوخالد كيف هو؟ قال: صدوق، وإنما يهم في الشيء) (1) .
أبوخالد خالف من هو أوثق منه وأكثر ملازمة لقتادة وهو سعيد بن أبي عروبة وخاصة ما رواه قبل اختلاطه، ثم مما يؤكد ضعف رواية أبي خالد الدالاني ما ذكره البخاري من عدم ثبوت سماعه من قتادة.
وفي كل النصوص السابقة ظهر لنا أن الإمام البخاري استخدم عدم ثبوت السماع لتعضيد علة أخرى وذلك لأن التضعيف بسببين أقوى من التضعيف بسبب واحد.
ومن الأمثلة التي تندرج تحت هذه الجزئية ما ذكرته في المبحث الأول من هذا الفصل من أن البخاري يعطف نقده لسماع بعض الرواة على ألفاظ نقدية أخرى مثل التدليس، والاضطراب، والجهالة وعدم المتابعة، والنكارة، وكل ذلك ليؤكد ضعف الرواية بأكثر من سبب.
رابعًا: معظم الذين انتقد البخاري سماعهم هم من المقلين في الرواية أصلاً، أو من المقلين عن نفس الشيخ الذي تكلم البخاري في السماع منه.
وبالتتبع لم أر البخاري تكلم في راو قد أكثر من شيخ معين من حيث عدم ثبوت السماع إلا ما قاله في سليمان بن بريدة عن أبيه: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) صحيح البخاري (3/76/ [1189] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (2) . وسليمان قد روى عن أبيه كما في الكتب الستة ما عدا صحيح--------------------------------------------
(1) العلل الكبير للترمذي (1/149) .
(2) التاريخ الكبير (4/4) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
البخاري - لأنه لم يخرج له - سبعة عشر حديثًا صحيح البخاري (3/76/ [1189] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (1) ، فهو من حيث الكثرة عن أبيه يأتي بعد أخيه عبد الله بن بريدة.
وقد نص البخاري في بعض نصوصه على قلة الرواية عمومًا أو خصوصًا فيمن انتقد سماعهم، فقد قال في ترجمة عبد الله بن راشد الزوفي: (ولا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس له إلا حديث في الوتر) صحيح البخاري (3/76/ [1189] ) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (2) . وقال في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: (ولا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (3) .
وقال: (ولا أعرف لابن جريج عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث، ولا أعرف له سماعًا منه) (4) ، وقال في رواية موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح: (لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا إلا أنه معلول) (5) وقد قال في هذا السند نفسه: (لم يذكر موسى بن عقبة سماعًا من سهيل) (6) .
خامسًا: لم يتكلم البخاري في سماعات الصحابة بعضهم من بعض، ولكن استخدم عدم ثبوت السماع لنفي الصحبة.
وقد اتفق المحدثون على أن مرسل الصحابي في حكم الموصول (7) ، فلهذا لم يتكلم البخاري في سماع بعض الصحابة من بعض، وعندما قال البخاري في عبد الله بن سراقة الأزدي: (لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (8) اشتبه اسمه باسم راو من الصحابة يدعى عبد الله بن سراقة العدوي، فقال ابن عساكر: (فلو كان ابن سراقة هذا عند البخاري هو العدوي لم يقل؛ لا يعرف له سماع من أبي عبيدة فإن--------------------------------------------
(1) تحفة الأشراف (2/69-76) .
(2) التاريخ الكبير (5/88) .
(3) التاريخ الكبير (5/193) .
(4) العلل الكبير للترمذي (2/911) .
(5) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (2/719) .
(6) التاريخ الكبير (4/105) .
(7) التاريخ الكبير (4/105) .
(8) التاريخ الكبير (5/97) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
عبد الله بن سراقة العدوي صحابي شهد وأبوعبيدة بن الجراح جميعًا بدرًا) (1) ، وقصد ابن عساكر أنه من غير الممكن أن يتكلم البخاري في سماع صحابي من صحابي آخر.
ولكن البخاري استخدم عدم ثبوت السماع لنفي الصحبة فقال في ترجمة خداش بن أبي سلامة: (لم يتبين سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم) (2) .
وقال في ترجمة عبد الله بن عكيم الجهني: (أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف له سماع صحيح) (3) .
وقال في ترجمة بن هلال: (لم يذكر عبد الله بن هلال سماعًا من النبي صلى الله عليه وسلم) (4) .
وقال في ترجمة أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص: (ولم يصح سماع جده من النبي صلى الله عليه وسلم) (5) .
وليس عدم ثبوت السماع ينفي الصحبة عند البخاري فقط، فقد استخدمه علماء آخرون لهذا الغرض أيضًا.
سادسًا: فلما استخدم البخاري عدم ثبوت السماع في نقد الأحاديث غير المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن للأحاديث المرفوعة أهمية تفوق الموقوفات وغيرها، لأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد، والتحرج فيه مطلوب من كل مكلف فما بالك بطالب العلم؟!.
والأحاديث التي تكلم البخاري في سماع بعض رواتها وهي غير مرفوعة أربعة، وهي:
1- قال البخاري: (زياد بن مالك عن ابن مسعود وعلي: على القارن أن--------------------------------------------
(1) تاريخ دمشق لابن عساكر (9/336) .
(2) التاريخ الكبير (3/320) .
(3) التاريخ الكبير (5/39) ، والضعفاء الصغير (ص66) .
(4) التاريخ الكبير (5/26) .
(5) التاريخ الكبير (1/422) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
يطوف طوافين، قال هشيم عن منصور عن الحكم، ولا يعرف لزياد سماع من علي وعبد الله، ولا للحكم منه) (1) .
والثابت في السنة أن على القارن طوافًا واحدًا فقط (2) ، وما ذكر هنا عن ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما مخالف لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان عليه الصلاة والسلام قارنًا على الراجح من أقوال أهل العلم، وأرى أن البخاري نبه على هذا الحديث بسبب المخالفة، وبها يضعف الحديث، ومما يؤكد الضعف عدم ثبوت السماع.
2- … قال البخاري: (عبد الرحمن المدني، قال ابن عبد الوهاب حدثنا حزم حدثنا أشعث الحداني حدثنا عبد الرحمن المدني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال عثمان: أيقظني للسحور. رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: إنك تفطر عندنا الليلة، فما غابت حتى قتل. لا أعرف له سماعًا من أبي هريرة) (3) .
3- … قال البخاري: (وقال سلم بن جعفر عن الجريري نا سيف الدوسي عن عبد الله بن سلام قال: إن محمدًا يوم القيامة بين يدي الرب عز وجل، ولا يعرف لسيف سماع من ابن سلام) (4) .
4- … قال البخاري: (الحكم بن مسعود الثقفي، قال بشر بن محمد أخبرنا ابن المبارك قال أخبرنا معمر سمع سماك بن الفضل الخولاني عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم، فقال له رجل: قضيت عام أول فلم تشرك. قال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا، وقال عبد الله الجعفي حدثنا هشام حدثنا معمر مثله، وقال بعضهم: مسعود بن الحكم، ولا يصح، ولم يتبين سماع وهب من الحكم) (5) .--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (3/372) .
(2) انظر فتح الباري (3/577- 579) ، كتاب الحج، باب طواف القارن. وقد ضعف ابن حجر رواية ابن مسعود وعلي السابقة.
(3) التاريخ الكبير (5/371) .
(4) التاريخ الكبير (4/158) .
(5) التاريخ الكبير (2/332) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
سابعًا: انتقد البخاري بعض الأسانيد بعدم ثبوت السماع فيها، مع أن متون تلك الأسانيد ثابتة من طرق أخرى، ومن ذلك:
1- … ذكر الترمذي حديث سعيد بن أبي عروبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها … " الحديث. ثم قال الترمذي: (فسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث مشهور من حديث الأعمش، ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش وهو يدلس، ويروي عنه) (1) .
والحديث كما قال البخاري مشهور عن الأعمش (2) ، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه به (3) ، فالحديث ثابت من غير الطريق التي انتقدها البخاري.
2- … روى الحسن البصري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما مرفوعًا حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وقد قال البخاري في هذا السند: "والحسن لا يعرف له سماع من أسامة" (4) .
وقد صحح البخاري حديث أفطر الحاجم والمحجوم من غير هذه الطريق (5) .
3- … نقل الترمذي في باب "ما جاء في دية الجنين" قول البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (6) .
ونص حديث عبيد عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه كما في صحيح--------------------------------------------
(1) العلل الكبير للترمذي (2/877) .
(2) انظر صحيح مسلم (1/544) .
(3) انظر صحيح البخاري (8/697/ [5032] ) ، كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، وصحيح مسلم (1/544) .
(4) التاريخ الكبير (2/180) .
(5) انظر العلل الكبير للترمذي (1/362) .
(6) انظر العلل الكبير للترمذي (2/587) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
مسلم (1) عن المغيرة قال: "ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية. قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل، ولا شرب، ولا استهل، فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب".
وقد أخرج البخاري في صحيحه (2) أصل حديث المغيرة هذا، من غير طريق عبيد بن نضلة، كما أخرج أيضًا هو ومسلم في صحيحهما (3) حديث أبي هريرة وهو كحديث عبيد عن المغيرة.
4- … روى محمد بن صفوان الجمحي عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة"، فقال البخاري: (لم يذكر سماعًا من سعيد فلا أدري أسمع منه أم لا؟ " (4) .
وقد صحح البخاري (5) حديث سعد هذا ولكن من غير طريق محمد بن صفوان عن ابن المسيب، وكذلك مسلم (6) في صحيحه، بل عده بعض أهل العلم من المتواتر (7) .
5- … حديث كفارة المجلس الذي رواه موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا.--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (3/1310) .
(2) انظر صحيح البخاري (12/257/ [6905-6908] ) ، كتاب الديات، باب جنين المرأة.
(3) انظر صحيح البخاري (12/263/ [6909، 6910] ) ، كتاب الديات، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد، وصحيح مسلم (3/1309) .
(4) التاريخ الكبير (1/115) .
(5) صحيح البخاري (7/77/ [3706] ، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، وكتاب المغازي (7/716/ [4416] ) ، باب غزوة تبوك.
(6) انظر صحيح مسلم (4/1870) .
(7) انظر قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي (ص281-282) ، ونظم المتناثر للكناني (ص206-207) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
قال البخاري: (ولم يذكر موسى سماعًا من سهيل) (1) .
وحديث كفارة المجلس قد ثبت من غير الطريق التي انتقدها البخاري، وأقوى أحاديث كفارة المجلس حديث عائشة، والسائب بن يزيد، وأبي برزة الأسلمي، وجبير بن مطعم (2) .
ثامنًا: لم يقتصر نقد البخاري على أحاديث الأحكام بل هناك أحاديث انتقدها من حيث عدم ثبوت السماع، وهي في الترغيب والترهيب (3) ، والمناقب (4) ، والفتن وأهوال يوم القيامة (5) ، والسيرة والمغازي (6) ، والذكر والدعاء (7) ، ونحو ذلك (8) .
وتبلغ نسبة ذلك ما يقارب 50%، والباقي أحاديث أحكام، ومن المعلوم أن البخاري في بعض الأحيان ينتقد السماع، ولا يذكر حديثًا لمن انتقد سماعه - كما بينت ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل-، والنظر هنا متجه نحو النصوص التي ذكر البخاري فيها الأحاديث.
وفي هذا ما يدلنا على أن الإمام البخاري رحمه الله عمم تطبيق مبدأ--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (4/105) .
(2) انظر فتح الباري (13/555) ، وقد توسع الحافظ ابن حجر في ذكر أحاديث وطرق "كفارة المجلس" في النكت على كتاب ابن الصلاح (2/726-743) .
(3) انظر التاريخ الكبير (1/32) ، (1/453) ، (2/27) ، (3/16-17) ، (4/204) ، (4/219) ، (4/304-305) . وانظر العلل الكبير للترمذي (1/422) ، (2/877) .
(4) انظر التاريخ الكبير (1/115) ، (2/2-3) ، (5/9- 10) ، (7/40) .
(5) انظر التاريخ الكبير (2/170) ، (3/197) ، (4/12) ، (4/158) ، (4/221) ، (5/97) ، (6/227-228) .
(6) انظر التاريخ الكبير (1/71) ، (1/82) ، (2/200) ، (2/201) ، (3/254-255) ، والتاريخ الصغير (1/250) ، وانظر كذلك العلل الكبير للترمذي (2/750) .
(7) انظر التاريخ الكبير (4/104-105) ، (4/266) ، وانظر العلل الكبير للترمذي (2/911) .
(8) انظر التاريخ الكبير (1/144) في الزهد، (5/371) في الرؤيا، (5/447) في الأنبياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
اشتراط اللقاء على الرواة دون النظر فيما رووا من منون هل هي من الأحكام أو من الفضائل ونحوها؟
ولا يعني ذلك أن البخاري ليس من القائلين بالتخفيف في شروط قبول أحاديث الفضائل وما يجري مجراها - كما هو مذهب جمهور المحدثين -، ولكن القصد التنبيه على أن نقده لسماع الرواة لم يقتصر على ما روي في أحاديث الأحكام فقط لمظنة التشدد فيها أكثر مما سواها.
تاسعًا: غالب الذين انتقد البخاري سماعهم هم من التابعين (1) وتلامذتهم، وأما تلامذة التلامذة فانتقاد البخاري لسماعهم قليل (2) .
والعنعنة بصورة عامة تكثر في الأسانيد في طبقة التابعين وأتباعهم، ثم تقل في الطبقات الأخرى حتى تكاد تتلاشى في الطبقات المتأخرة، وهذا الأمر يتجلى لكل من تأمل الأسانيد وتفحصها.
ولعل فيما ذكر ما يفسر لنا هذه الظاهرة في نصوص البخاري النقدية.
عاشرًا: انتقد الإمام البخاري بعض أسانيد أهل المدينة (3) (4)
من حيث عدم ثبوت السماع فيها. ومن المعلوم عند أهل الحديث أن أهل المدينة أصح حديثًا من--------------------------------------------
(1) بعض أولئك لا نستطيع إثبات كونهم من التابعين لأنه ليس لهم إلا حديث واحد عن الصحابي الذي رووا عنه وغير معروف ولا ثابت سماعه من ذلك الصحابي، فكيف نثبت له منزلة التابعية؟ ولكن ندخله في التابعين مجازًا كما قال أبوحاتم الرازي - في بعض من لم تثبت له الصحبة وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل في المسند مجازًا، انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص92) .
(2) انظر التاريخ الكبير (1/453) ، (1/17) ، (3/203) ، (3/283-284) ، (4/104-105) ، (6/185) ، (6/227-228) .
(3) انظر التاريخ الكبير (1/32) ، (1/115) ، (1/139) ، (2/294) ، (3/80) ، (3/450) ، (3/512) ، (4/76) ، (4/77) ، (4/104-105) ، (4/221) ، (5/9-10) .
(4) وانظر التاريخ الصغير (1/43) .
وانظر جزء القراءة خلف الإمام (ص15، 59) .
وانظر العلل الكبير للترمذي (1/187-188) ، (2/622) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
غيرهم من أهل الأمصار، كما أن التدليس لم ينتشر عندهم بل لا يكاد يعرف عنهم تدليس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة) (1) .
وقال الحاكم: (أهل الحجاز، والحرمين، ومصر، والعوالي ليس التدليس من مذهبهم) (2) ثم قال: (وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة) .
ولاشك أن الأسانيد المدنية التي انتقدها البخاري أقل من الأسانيد الكوفية، والبصرية، وفي انتقاد البخاري لبعض الأسانيد المدنية ما يدل على تعميمه لاشتراط اللقاء على جميع رواة البلدان سواء عرفوا بالتدليس أو لم يعرفوا به.--------------------------------------------
(1) رسالة صحة أصول مذهب أهل المدينة (ص33) ، وانظر للاستزادة معرفة السنن والآثار (1/152) .
(2) معرفة علوم الحديث (ص111) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
الفصل السادس
العلماء الذين أيدوا البخاري
في هذه المسألة
ذكر عدد من العلماء على سبيل الإجمال أن اشتراط اللقاء لاتصال السند المعنعن هو قول كثير من الأئمة، وأعيان الحفاظ.
قال ابن عبد البر: (اعلم - وفقك الله - أتى تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم، ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة هي:
1- عدالة المحدثين في أحوالهم.
2- ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة.
3- وأن يكونوا براء من التدليس) (1) .
وقال أيضًا: (جمهور أهل العلم على أن "عن" و "أن" سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى يتبين فيه علة الانقطاع) (2) .
وقال الخطيب البغدادي: (وأهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أن قد أدرك الذي حدث عنه، ولقيه، وسمع عنه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه به أن يسقط ذلك ويروي الحديث عاليًا--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/12) .
(2) التمهيد (1/26) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
فيقول حدثنا فلان عن فلان - أعني الذي لم يسمعه منه - لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفنا الاتصال وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده) (1) .
وقال ابن الصلاح في الإسناد المعنعن: (والصحيح والذي عليه العمل أنه من قبيل الاسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم … وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا مع براءتهم من وصمة التدليس. فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك) (2) .
وقال ابن الصلاح: (والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم، علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما) (3) .
وقال النووي: (وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما) (4) .
وقال ابن رشيد عن مذهب ابن المديني والبخاري: (وهو رأي كثير من المحدثين) (5) .
وقال العلائي في من اشترط اللقاء لاتصال السند المعنعن: (وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة) (6) .
وقال ابن رجب: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص328) .
(2) علوم الحديث (ص56) .
(3) صيانة صحيح مسلم (ص128) ، وانظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص60) بنحو هذه العبارة.
(4) شرح صحيح مسلم للنووي (1/128) . وانظر أيضًا التقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي (1/216) فقد عزاه للمحققين.
(5) السنن الأبين (ص31) .
(6) جامع التحصيل (ص116) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) (1) .
وقال الحافظ ابن حجر: (ومما يرجح به كتاب البخاري اشتراط اللقي في الإسناد المعنعن، وهو مذهب علي بن المديني شيخه، وعليه العمل من المحققين من أهل الحديث) (2) .
ما سلف نقله من نصوص فيها إثبات أن اشتراط اللقاء أو السماع لاتصال السند المعنعن ليس قول البخاري، وشيخه علي بن المديني فقط، بل هو قول كثير من أئمة الحديث، ومن هؤلاء الأئمة:
1- شعبة بن الحجاج: وقد نقلت عنه عدة نصوص في الفصل الرابع من الباب الأول، فأغني ذلك عن إعادتها هنا خشية التكرار.
2- يحيى بن سعيد القطان، وكذلك نقلت عنه عدة نصوص في الفصل نفسه.
3- علي بن المديني، مشهور بذلك، ويراجع الفصل الأول من الباب الثاني فقد نقلت عنه بعض النصوص هناك.
4- الإمام الشافعي. قال رحمه الله تعالى: (ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن مضي، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عن من لو تركه عليه كان خيرًا له.
وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا"، وقوله: "حدثني فلان عن فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عن من لقي إلا ما سمع منه، ممن عناء (3) بهذه الطريق، قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان") (4) .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله معلقًا على كلام الشافعي: (وظاهر هذا أنه لا يقبل النعنعة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه، وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه،--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/365) .
(2) تغليق التعليق (5/427) .
(3) في بعض نسخ الرسالة كما في هامش المحقق "فمن عرفناه"، وكذلك في شرح العلل لابن رجب (1/359) .
(4) الرسالة (ص378-379) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
وفيه زيادة أخرى عليه، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضًا، ولا يحدث إلا بما سمعه.
وقد فسره أبوبكر الصيرفي في شرح الرسالة: باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف، فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره. قال: وهذا الذي قاله صحيح) (1) .
وقال الحافظ ابن حجر مبينًا موافقة رأي الشافعي للقول باشتراط اللقاء في السند المعنعن: (وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي رضي الله عنه) (2) ، ثم نقل كلام الشافعي السابق وعلق عليه بقوله: (فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول عن فيما سمع، فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملت عنعنة غير المدلس على السماع مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك أيضًا) (3) .
وقال السخاوي: (بل هو مقتضى كلام الشافعي، كما قاله شيخنا (4) ، واقتضاه ما في شرح الرسالة لأبي بكر الصيرفي) (5) .
وقد وجدت للإمام الشافعي بعض النصوص النقدية فيها تأكيد لكلام ابن رجب وابن حجر.
في النص الأول: قال الشافعي في حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين (6) : (هذا ثابت إن كان عبيد الله لقي أبا واقد الليثي) (7) .--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب (1/360) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/595) .
(3) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(4) هو الحافظ ابن حجر.
(5) فتح المغيث (1/165) .
(6) انظر صحيح مسلم حديث رقم [891] .
(7) معرفة السنن والآثار (5/78) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
والملاحظ هنا أن الشافعي رحمه الله علق ثبوت الحديث على لقي عبيد الله لأبي واقد ولم يعلقه على المعاصرة أو الإدراك، وذلك لأن عبيد الله لم يدرك أيام عمر ومسألته أبا واقد.
وقال النووي في شأن عبيد الله: (إنه أدرك أبا واقد بلاشك، وسمعه بلا خلاف) (1) .
وفي النص الثاني: قال الشافعي في حديث تميم الداري سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته" (2) : (إنه ليس بثابت إنما يرويه عبد العزبز بن عمر عن ابن موهب، عن تميم الداري، وابن موهب ليس معروفًا عندنا، ولا نعلمه لقي تميمًا الداري، ومثل هذا لا يثبت عندنا، ولا عندك من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلاً) (3) .
والملاحظ هنا أن الشافعي ضعف هذا الحديث لسببين: الجهالة، وعدم ثبوت اللقي، وجعل ما لا يثبت اللقاء فيه ليس بمتصل.
قال البيهقي بعد أن ذكر سندًا فيه تصريح ابن موهب بالسماع من تميم: (هذا خطأ. ابن موهب لم يسمع من تميم، ولا لحقه) .
وفي النص الثالث قال الشافعي: (لا نعلم عبد الرحمن بن أبي ليلى رأى بلالاً قط، عبد الرحمن بالكوفة وبلال بالشام، وبعضهم يدخل بينه وبين عبد الرحمن رجلاً لا نعرفه وليس يقبله أهل الحديث) (4) .
وفي هذا النصوص ما يؤيد أن الشافعي رحمه الله من القائلين باشتراط ثبوت اللقاء لاتصال السند المعنعن.
5- … يحيى بن معين. سئل يحيى: (يصح لسعيد بن المسيب سماع من عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ قال: لا) (5) .
وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله--------------------------------------------
(1) شرح النووي على شرح صحيح مسلم (6/181) .
(2) انظر سنن أبي داود (3/127) ، وسنن الترمذي (4/427) .
(3) معرفة السنن والآثار للبيهقي (14/412) .
(4) معرفة السنن (2/757) .
(5) المراسيل لابن أبي حاتم (ص64) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)