الفصل الثالث
أدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره
من العلماء ومناقشتها
المبحث الأول: ذكر الأدلة.
المبحث الثاني: مناقشة الأدلة.
المبحث الأول
ذكر الأدلة
استدل الإمام مسلم لمذهبه في السند المعنعن بأدلة ترجع في حقيقتها إلى ثلاثة أدلة، وهي في واقع الأمر مناقشة لمخالفه وإلزام له ببعض الأمور.
وقد ذكر بعض العلماء المؤيدين لمذهب مسلم أدلة أخرى لم يذكرها لتقوية رأيه في الاكتفاء بالمعاصرة.
وسيكون هذا المبحث مقتصرًا على ذكر الأدلة بالتفصيل وهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الأدلة التي ذكرها مسلم.
القسم الثاني: الأدلة التي ذكرها بعض المؤيدين لمسلم.
القسم الأول: الأدلة التي ذكرها مسلم:
لم يرتب الإمام مسلم أدلته بالتسلسل، ولكن الناظر فيها يمكنه حصرها في ثلاثة أدلة. هي:
الدليل الأول: قال الإمام مسلم (فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه: قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
الثقة حجة يلزم به العمل. ثم أدخلت فيه الشرط بعد فقلت: حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرة فصاعدًا أو سمع منه شيئًا، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهلم دليلاً على ما زعمت.
فإن ادعى قول أحد من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبرة، طولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا) (1) .
وقال في موضع آخر: (وما علمنا أحدًا من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد كما ادعاه الذي وصفنا من قبل.
وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته. ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس.
فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم نسم من الأئمة) (2) .
الدليل الثاني: قال مسلم: (فيقال له: فإن كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه، لزمك أن لا تثبت إسنادًا معنعنًا حتى ترى في السماع من أوله إلى آخره.
وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فبيقين نعلم أن هشامًا قد سمع من أبيه وأن أباه قد سمع من عائشة كما نعلم أن عائشة قد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر أخبره بها عن أبيه، ولم يسمعها هو من أبيه لما أحب أن يرويها مرسلاً ولا يسندها إلى من سمعها منه.--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/32-33) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه فهو أيضًا ممكن في أبيه عن عائشة، وكذلك كل إسناد لحديث ليس فيه ذكر سماع بعضهم من بعض.
وإن كان قد عرف في الجملة أن كل واحد منهم قد سمع من صاحبه سماعًا كثيرًا، فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يرسله عنه أحيانًا، ولا يسمى من سمع منه، وينشط أحيانًا فيسمى الرجل الذي حمل عنه الحديث ويترك الإرسال.
وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض من فعل ثقات المحدثين وأئمة أهل العلم، وسنذكر من رواياتهم على الجهة التي ذكرنا عددًا يستدل بها على أكثر منها إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك أن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعًا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله ولحرمه بأطيب ما أجد".
فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبوأسامة عن هشام قال أخبرني عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض".
فرواها بعينها مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة عن عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم؟
فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: أخبرني أبوسلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة أخبرته "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم".
وروى ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر قال: "أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
فرواه حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم.
فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل في فساد الحديث وتوهينه إذا لم يعلم أن الراوي قد سمع ممن روى عنه شيئًا إمكان الإرسال فيه لزمه ترك الاحتجاج في قياد قوله برواية من يعلم أنه قد سمع ممن روى عنه. إلا في نفس الخبر الذي فيه ذكر السماع لما بينا من قبل عن الأئمة الذين نقلوا الأخبار، أنهم كانوا لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالاً ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا كما شرحنا ذلك عنهم) (1) .
الدليل الثالث: ذكر مسلم أن هناك أسانيد لا يثبت فيها سماع الراوي من المروي عنه وهي عند أئمة الحديث من الأسانيد الصحيحة التي يحتج بها، وذكر أمثلة على ذلك فقال:
(فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري - وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد روى عن حذيفة وعن أبي مسعود الأنصاري عن كل واحد منهما حديثًا يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها.
ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا أنه طعن في هذين الخبرين اللذين رواهما عبد الله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود بضعف فيهما. بل هما وما أشبههما عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث من صحاح الأسانيد وقويها يرون استعمال ما نقل بها والاحتجاج بما أتت من سنن وآثار.
وهي في زعم من حكينا قوله من قبل: واهية مهملة حتى يصيب سماع الراوي عمن روى. ولو ذهبنا نعدد الأخبار الصحاح عند أهل العلم - ممن يهن بزعم هذا القائل - ونحصيها لعجزنا عن تقصي ذكرها وإحصائها كلها. ولكنا--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/30-32) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
أحببنا أن تنصب منها عددًا يكون سمة لما سكتنا عنه منها.
وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ - وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جرا، ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما - قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا.
ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيا أو سمعا منه شيئًا.
وأسند أبوعمر الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، وأبومعمر عبد الله بن سخبرة كل واحدة منهما عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرين.
وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأسند قيس بن أبي حازم - وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أخبار.
وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب عليًا - عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا.
وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب وروى عنه.
وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا.
وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا.
وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث.
فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه.
وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد لا نعلمهم وهنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه) (1) .
القسم الثاني: الأدلة التي ذكرها بعض المؤيدين لمسلم:
ذكر الشيخ المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله، والأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبوغدة بعض الأدلة في تأييد الاكتفاء بالمعاصرة لم يذكرها الإمام مسلم رحمه الله فسأذكرها هنا في الدليل الرابع، والخامس، والسادس، لأنها مكملة لما ذكره مسلم.
الدليل الرابع: أن الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي. قال الشيخ المعلمي مبينًا ذلك:
(الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي أو أدركه، فتأمل هذا وافرض أمثلة بريئة عن القرائن من الطرفين.
كأن تكون ببلدة فتسمع برجل غريب جاءها، وبعد أيام تلقاه فيخبرك عن أناس عن أهل تلك البلدة أن فلانًا قال كذا، وفلانًا قال كذا من دون أن يصرح بسماع، ولا علمت لقاءه لهم، ولكنك تعتقد أنه لا مانع له من لقائهم.
ثم توسع في الأمثلة ولاحظ أنها واقعة في عصر التابعين حين لا برق ولا بريد ولا صحافة ولا تأليف، وإنما كان يتلقى من الأفواه، والناس مشمرون لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ثم لاحظ أنه لم يكن يوجد منهم إلا نادرًا من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه إذا كانا متعاصرين، وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين مع عدم اللقاء. فإذا كان الحال ما ذكر وثبت أن أحد المتعاصرين روى عن الآخر بلا تصريح بسماع ولا عدمه كان المتبادر السماع.--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/33-35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كل عام فكيف إذا كان أحدهما ساكن أحد الحرمين. فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما، وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلد قد زاره الآخر فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا فإنه يكاد يقطع باللقاء.
وزد على هذا أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف لا تكاد تجد أحدًا إلا وهو يقول: عن فلان أن فلانًا أخبره عن فلان مثلاً. مع أن السلف كانوا أهل تثبيت واحتياط.
إذا تقرر هذا فما المانع من الأخذ بهذه الأدلة الظاهرة المحصلة للظن المستوفية لنصاب الحجية.
إن قيل: كان اصطلاح السلف خلاف ما يقتضيه الأصل بدليل شيوع الإرسال فيهم. قلت: أما الإرسال الجلي فمسلم، ولكن أقل من الإسناد كما يعلم بالاستقراء فهو كالمجاز لا يقدح شيوعه في تقديم الحقيقة عليه، وأما الخفي فقليل حتى أنه أقل من التدليس.
فإذا قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري - رحمهما الله تعالى - إلى اشتراط اللقاء يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف. قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال مع أن مسلمًا رحمه الله نقل في مقدمة صحيحه الإجماع على عدم اشتراط اللقاء - أي قبلهما - كما أشار إليه بالتشنيع على بعض معاصريه فقيل: إنه أراد به البخاري، ولا مانع من أن يريده وشيخه ابن المديني فقد كان أيضًا معاصرًا له.
فلا يخدش خلافهما وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق على أن أقل ما يثبت بنقل مسلم أن الغالب في عهد السلف أن تكون الرواية على السماع.
والبخاري وشيخه لا ينكران أن الظاهر من الرواية السماع بدليل تصحيحهما لعنعنة الملاقي غير المدلس، فلولا وفاقهما على أن الظاهر من الرواية السماع لكانا إنما يعتمدان مجرد اللقاء فيلزمهما أن يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه. وهذا كما ترى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
وإنما اشترطا ثبوت اللقاء لأن الدلالة معه تكون أقوى وأظهر، وهذا صحيح غالبًا، ولكنه لا يقتضي إهدار الحاصلة مع عدم ثبوت اللقاء مادامت دلالة ظاهرة محصلة للظن مستكملة النصاب كما مر) (1) .
الدليل الخامس: أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس فلا يجوز اتهام الراوي به لأن الأصل السلامة منه.
قال المعلمي: (الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس - كما سيأتي - فالثقة أشد تباعدًا عنه تدينًا وخوفًا من نقد النقاد الذين كانوا يومئذ بالمرصاد بخلاف التدليس فإنه أشد خفاء على الناقد …
[وقد قالوا] : بأن احتمال العنعنة لعدم السماع مع ثبوت اللقاء اتهام للراوي بالتدليس، والفرض سلامته منه، بخلاف احتمالها مع عدم ثبوت اللقاء، فإنما فيها اتهامه بالإرسال الخفي قط.
ويرد بأنه قد نقل محققون من أهل الفن أن الإرسال الخفي تدليس، منهم ابن الصلاح والنووي والعراقي وقال: "إنه المشهور بين أهل العلم بالحديث" (2) .
ولنا بحث في تحقيق ذلك والإجابة عما ذكره الحافظ (3) رحمه الله لا حاجة لإثباته هنا لأن الخلاف لفظي للاتفاق على أن في الإرسال الخفي إيهامًا فاتهام الراوي به كاتهامه بالتدليس فإذا اتهمتم الراوي بأنه يرسل خفيًا وإن لم يوصف به فيلزمكم أن تتهموا الراوي بأنه مدلس وإن لم يوصف به فإن قلتم: أن الأصل في الثقة عدم التدليس. قلنا: وكذا الإرسال الخفي.
فإن قلتم: الإيهام في الإرسال الخفي أضعف منه في التدليس فهو أقرب إلى اتصال الثقة به. قلنا: مسلم غالباً، ولكن هذا لا يقتضي أن لا يكون الأصل في الثقة عدم مادام فيه إبهام وتغرير وغش مناف لكمال الثقة مع أن الإبهام في الإرسال الخفي لأمرين كلاهما خلاف الواقع: السماع لذلك الحديث واللقاء.
بخلاف التدليس فإنه وإن دل على الأمرين فاللقاء موافق للواقع فتبين أن--------------------------------------------
(1) عمارة القبور (ل82-84) .
(2) انظر التقييد والإيضاح (ص98) .
(3) انظر النكت على كتاب ابن الصلاح (2/615) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس كما قاله ابن عبد البر في التمهيد (1) ، ونحوه ليعقوب بن شيبة انظر فتح المغيث (ص74-75) ، وعليه فالثقة أشد بعدًا عنه تدينًا وخوفًا من نقد النقاد كما مر.
فإذا اتهمتم الثقة به من غير أن يوصف به لزمكم من باب أولى اتهام الثقة بالتدليس، وإن لم يوصف به. فإن قيل: لعل السامع يكون عالمًا لعدم اللقاء فلا إيهام فلا إرسال خفيًا. قلنا: وكذلك لعل السامع يكون عالمًا بعدم السماع مطلقًا أو لذلك الحديث فلا إبهام فلا تدليس.
والتحقيق أنه لو كان الراوي يعلم بعدم اللقاء أو عدم السماع وهو ثقة غير مدلس لبينه لمن يأخذ عنه، ولو فرض أن الثاني كان عالمًا بذلك فاستغنى عن التبيين فيلزم الثاني أن يبينه للثالث وهكذا.
فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس والإرسال الخفي إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن عاصره وأمكن لقاؤه له، ولم ينص أحد من رجال السند، ولا غيرهم على عدم اللقاء؛ فهو كما إذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن لقيه وأمكن سماعه لذلك الحديث منه، ولم ينص أحد من رجال السند أو غيرهم على عدم السماع.
ففي قبول الأول احتمال اللقاء والسماع، وفي رده اتهام الثقة بإيهام اللقاء والسماع قبول الثاني احتمال السماع فقط، وفي رده اتهام الثقة بإبهام السماع فقط فهذه بتلك.
فإذا لاحظنا قلة الإرسال الخفي في السلف، واعتيادهم للإسناد، وخوفهم من نقد النقاد كان الأمر واضح. فكيف إذا اعتبرنا القرائن الدالة على اللقاء كما سبق بيانها أول البحث) (2) .
الدليل السادس: ذكره الشيخ عبد الفتاح أبوغدة على سبيل الإلزام لمن--------------------------------------------
(1) انظر التمهيد (1/15) ، وابن عبد البر نقل كلامًا لغيره وليس له وانظر التمهيد (1/16-17) .
(2) عمارة القبور (ل85- 87) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
رجح أن البخاري يشترط اللقاء في أصل الصحة وليس في أعلى الصحة فقال: (يلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في "صحيحه" من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة: من قسم الحديث الضعيف في حكم البخاري، وفي حكم من مشى على قوله بعده!!
وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح"، مع معرفتهم بشرطه في العنعنة، وكثيرًا ما قالوا في الحديث: صحيح على شرط مسلم. وقد عدوا مراتب الصحيح فقالوا فيها: أصحها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم.
فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن، بين اختياره مذهب البخاري وقوله في كتاب مسلم: "صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري - على مقتضى قول ابن حجر - لا يتصف بأصل الصحة؟! فتأمل وتدبر) (1) .
ومراد الشيخ عبد الفتاح من هذا الإلزام ترجيح مذهب مسلم لأن القول بخلافه يوقع في التناقض.
هذه بعض أدلة من اكتفى بالمعاصرة للاحتجاج بالسند المعنعن، وعددها ستة أدلة ثلاثة منها لمسلم، والثلاثة الباقية لغيره.
المبحث الثاني
مناقشة الأدلة
ناقش بعض العلماء الإمام مسلم، وردوا عليه ما احتج به لتأييد مذهبه في السند المعنعن وسأذكر أقوالهم هنا - إن شاء الله -، ثم أذكر ملاحظاتي على كلام--------------------------------------------
(1) التتمة الملحقة بكتاب "الموقظة" (ص137) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
الشيخين المعلمي وأبي غدة، وذلك على حسب التقسيم في المبحث السابق.
القسم الأول: مناقشة الأدلة التي ذكرها مسلم:
الدليل الأول: هذا الدليل ذو شقين:
الشق الأول: ورد في قول مسلم رادًا على مخالفه: (قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل. م أدخلت فيه الشرط بعد … ) (1) .
وقد رد ابن رشيد على قول مسلم هذا بحجة قوية جاءت في قوله: (ولسنا ننازعك في أن أخبار الآحاد حجة يجب العمل بها بالإجماع في الجملة، وإنما ننازعك في قبول المعنعن منها مكتفى فيه بالمعاصرة فقط، وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا. فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن من غير المدلس إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه … وتبين الآن أنا قائلون بمحل الإجماع وأنا لم نرد شرطًا بل أنت نقصته، ففلجت حجة خصمك عليك) (2) .
وقد تابع العلائي ابن رشيد في الرد على مسلم بهذه الحجة (3) .
الشق الثاني: ذكر مسلم رحمه الله أنه لا يعلم أحدًا من أئمة السلف فتش عن موضع السماع في الأسانيد كما ذهب إليه مخالفه، وإنما تفقدوا السماع ممن عرف بالتدليس فقط ومقتضى كلام مسلم أن هذا إجماع من السلف.
ورد ابن رشيد على ذلك بقوله: (والجواب عن هذا الاستدلال: أنا لا نحكم دعواك الإجماع في محل النزاع لما نلقناه في ذلك عمن سلف كالبخاري أستاذك، وعلي بن المديني أستاذ أستاذك، ومكانهما من هذا الشأن شهرته مغنية عن ذكره … وإذا ثبت نقل الشرط الذي طالبتنا به بطل الإجماع الذي ادعيته في محل--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(2) السنن الأبين (ص76) .
(3) جامع التحصيل (ص118) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط) (1) .
وذكر العلائي قول مسلم: "إن تفقد الأئمة لمن أتى بلفظ "عن" إنما حين يعرف بالتدليس"، ثم رد عليه بقوله: (فإن أراد به الجميع فهو ممنوع فإن من مخالفيه في المسألة جبلي العلم علي بن المديني والإمام البخاري فلا إجماع في المسألة، وإذا كان البعض فلا دليل فيه) (2) .
وذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وغيرهم تدل على اشتراطهم السماع. ثم أعقب ذلك بقوله: (فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاري، وغيره، فكيف يصح لمسلم رحمه الله دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟!
بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة مع إدراكه له.
وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء) (3) .
(وأما إنكار مسلم أن يكون هذا قول شعبة أو من بعده فليس كذلك، فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه ولكن لم يثبته، كسماع مجاهد عن عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: "أدرك أبوالعالية عليًا ولم يسمع منه"، ومراده أنه لم يرد سماعه ولم يكتف بإدراكه فإن--------------------------------------------
(1) السنن الأبين (ص73-74) .
(2) جامع التحصيل (ص120) .
(3) شرح علل الترمذي (1/372-373) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
سمع ممن هو أقدم موتًا، فإنه قيل: إنه سمع من أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما (1) .
وما ذكره الحافظ ابن رجب من أن اشتراط السماع أو اللقاء ينبغي أن يكون إجماعًا من أهل العلم فلا يسلم لأن هذه المسألة خلافية فلا تصح دعوى الإجماع فيها لا من مؤيدي البخاري ولا من مؤيدي مسلم.
وما ذكره الإمام مسلم رحمه الله من أنه "لا يعلم عن أحد من أئمة السلف أنهم فتشوا عن السماع في الأسانيد وإنما كان تفقد من تفقد منهم السماع إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس وهر به" لا يسلم به فقد ذكرت في الفصل الرابع من الباب الأول نصوصًا عن شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان تدل على أنهما قد فتشا عن السماع في أسانيد رواة لم يكونوا مدلسين.
وإضافة إلى النصوص التي ذكرتها في فصل "الجذور التاريخية للمسألة" سأذكر هنا نصوصًا عن بعض أئمة المحدثين تدل على أنهم قد فتشوا عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس وشهر به.
1- قال الإمام مالك: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) (2) .
وسعيد بن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر (3) ، وزيد بن ثابت اختلف في وفاته ما بين سنة خمس وأربعين إلى سنة خمس وخمسين (4) ، وسعيد بن المسيب من أحرص الناس على العلم، فيبعد جدًا أن لا يسمع من زيد بن ثابت الذي هو من أعلم الصحابة خاصة في القرآن والفرائض، لاسيما وهما من المقيمين في المدينة.
أضف إلى ذلك أن بعض العلماء قد نص على سماع سعيد من زيد، ومن أولئك علي بن المديني الذي قال في أصحاب زيد بن ثابت: (فأما من لقيه منهم،--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/372-373) .
(2) الجرح والتعديل (1/23) .
(3) انظر تهذيب التهذيب (4/85) .
(4) سير أعلام النبلاء (2/441) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
وثبت عندنا لقاؤه: سعيد بن المسيب … ) (1) .
وكذلك الذهبي صرح أن سعيدًا سمع من زيد بن ثابت (2) . وقد وجدت حديثًا فيه إثبات سماع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (3) عن سعيد بن المسيب قال: (كنت مع قوم اختلفوا في صلاة الوسطى، وأنا أصغر القوم، فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن صلاة الوسطى، قال: فأتيته فسألته..) .
فيكون الإمام مالك قد فتش عن السماع فلم يجده فقال: (لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت) ، وفي هذا استدراك على ما قاله مسلم عن أئمة السلف وقد ذكر منهم مالك.
2- قال عبد الرحمن بن مهدي: (شهدت سفيان - الثوري - عند العمري - عبد الله بن عمر - فجعل يوقفه في كل حديث توقيفًا شديدًا) (4) .
ومعنى يوقفه توقيفًا شديدًا أي لا يدعه يذكر حديثًا حتى يسأله هل سمعته؟ أو يقول له قل: حدثني، قل: سمعت. وقد أخرج ابن أبي حاتم قبل هذا النص نصًا آخر عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا يقول فيه: (كنت مع سفيان عند عكرمة - بن عمار - فجعل يوقفه على كل حديث على السماع) .
وفي تفقد سفيان الثوري وهو أحد أئمة المحدثين عن السماع من محدث ثقة مثل العمري لا يعرف بالتدليس ما يدل على أن البحث عن السماع في الأسانيد التي لم يروها من عرف بالتدليس كان أمرًا معروفًا وموجودًا عند علماء الحديث.
قال يحيى بن سعيد القطان: (شهدت سفيان - الثوري - يقول لأبي الأشهب - جعفر بن حيان السعدي -: قال: سمعت، قل: سمعت) (5) .--------------------------------------------
(1) العلل لابن المديني (ص45) .
(2) انظر سير أعلام النبلاء (4/218) .
(3) انظر المعجم الكبير (5/121) . والسند رجاله ثقات إلا عثمان بن عثمان الغطفاني قال فيه الحافظ في التقريب (ص385) : (صدوق ربما وهم) .
(4) الجرح والتعديل (1/68) .
(5) الجرح والتعديل (1/82) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
ولم ينسب أبوالأشهب إلى التدليس فيكون في هذا النص أيضًا دليل على تفقد سفيان الثوري للسماع من محدث ثقة غير مدلس.
3- قال شعبة بن الحجاج: (كل شيء حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان إلا شيئًا أبينه لكم) (1) .
وأكد ذلك يحيى بن سعيد القطان بقوله: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذلك الرجل أنه سمع فلانًا؟، قد كفاك أمره) (2) .
وشعبة مشهور بتفقد سماعات الرواة مدلسين وغيرهم حتى أنه قال لرجل قال له: قل حدثني أو أخبرني: (فقدتك وعدمتك وهل جاء بهذا أحد قبلي) (3) .
واعتمد كبار النقاد وأئمة الحديثث على شعبة في ذلك فهذا ابن أبي حاتم يسأل أباه: عن أبي مالك غزوان الغفاري هل سمع من عمار بن ياسر شيئًا فيجيبه: (ما أدري ما أقول لك قد روى شعبة عن حصين عن أبي مالك سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه) (4) .
يقصد لو كان التصريح بالسماع بين أبي مالك وعمار خطأ لما رواه شعبة بلفظ سمعت.
ومن الشواهد على حرص شعبة على السماع وتفتيشه عنه ما يلي:
قال أبوداود الطيالسي: (ثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وهبته". قال شعبة قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعته منه؟ قال: نعم، سأله ابنه عنه) (5) بل قيل إن شعبة استحلف عبد الله بن دينار في سماعه لهذا الحديث من ابن عمر (6) .
وقال شعبة: (سألت أبا إسحاق - السبيعي - عن عبد الله بن عطاء الذي--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (1/173) .
(2) الجرح والتعديل (1/162) .
(3) الجرح والتعديل (1/166) .
(4) العلل لابن أبي حاتم (1/24) .
(5) الجرح والتعديل (1/163-164) .
(6) الجرح والتعديل (1/170) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
روى عن عقبة: "كنا نتناوب رعية الإبل". قال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله فقلت: سمعته من عقبة؟ فقال: لا. حدثنيه سعد بن إبراهيم، فلقيت سعد بن إبراهيم فسألته. فقال: حدثني زياد بن مخراق، فلقيت زيادًا فقال: حدثني عن شهر بن حوشب) (1) .
وقال يحيى بن كثير العنبري: (ثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الجر". قال شعبة: فقلت لقتادة: ممن سمعته؟ قال: حدثنيه أيوب السختياني قال شعبة: فأتيت أيوب فسألته فقال: حدثنيه أبوبشر. قال شعبة: فأتيت أبابشر فسألته فقال: أنا سمعت سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نبيذ الجر) (2) .
وهذا كله يدل على أن مسلمًا رحمه الله لم يصب في نفيه أن أحدًا من أئمة السلف، وسمى منهم شعبة لم يفتشوا عن السماع في الأسانيد إلا من المدلسين.
4- قال يحيى بن سعيد القطان: (قالوا: إن أبا حاتم سويدًا سمع من أبي المليح في بيض النعام. فسألته فقال: لم أسمعه حدثني زياد بن أبي المليح) (3) .
وسويد هو ابن إبراهيم الجحدي أبوحاتم الحناط، ولم ينعته أحد بالتدليس.
وقال البخاري: (وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع أبوالشعثاء من سلمان) (4) .
أبوالشعثاء هو سليم بن أسود المحاربي ثقة لم يوصف بالتدليس. وهو--------------------------------------------
(1) التاريخ الصغير (2/62-63) . وقصة شعبة في التفتيش عن سماع هذا الحديث مشهور جدًا انظرها في الضعفاء لابن حبان (1/28-30) ، والمحدث الفاصل (ص313) ، والجرح والتعديل (1/167) ، والكامل في الضعفاء (4/1354) ، والتمهيد لابن عبد البر (1/48-51) ، والمعرفة والتاريخ (2/426) .
(2) الجرح والتعديل (1/69) .
(3) التاريخ الكبير (4/148) .
(4) التاريخ الصغير (1/208) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
معاصر لسلمان الفارسي، لأن سمع (1) من ابن مسعود رضي الله عنه، وقد مات ابن مسعود، سنة اثنتين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين (2) ، وأما سلمان الفارسي فقد مات سنة أربع وثلاثين (3) . فلم يكتف يحيى بن سعيد بالمعاصرة بل ولا بذكر السماع من طريق فيه نظر.
وقال البخاري: (اسم أبي ظبيان: حصين بن جندب الجنبي الكوفي. سمع سلمان وعليًا. وسمع منه إبراهيم والأعمش ووقاء بن إياس. وكان يحيى بن سعيد ينكر أن يكون سمع من سلمان) (4) .
وقد أثبت البخاري سماع أبي ظبيان من سلمان كما هو ظاهر هنا، وأيضًا نص على ذلك في تاريخه الكبير (5) . ففي إنكار يحيى بن سعيد لذلك دلالة على أنه فتش عن السماع في سند يرويه ثقة لم يعرف بالتدليس. ويحيى بن سعيد القطان أحد الأئمة الذين سماهم مسلم باعتباره أحد أئمة السلف الذين لم يفتشوا عن السماع إلا من مدلس.
وبما تقدم يتضح أن الدليل الأول الذي ذكره الإمام مسلم لا يسلم من اعتراضات قوية تجعله دليلاً لا يوافق عليه.
الدليل الثاني: وفحوى هذا الدليل أن من اشترط ثبوت اللقاء ولو مرة في السند المعنعن لاحتمال الإرسال يلزمه أن لا يثبت سندًا معنعنًا حتى يرى فيه السماع من أوله إلى آخره لأن احتمال الإرسال فيه جائز وممكن وقد وقع ذلك من أئمة ثقات معروفين بالملازمة وكثرة السماع عن شيوخهم الذين رووا عنهم، وقد وجد إرسال هؤلاء الأئمة عن شيوخهم أولئك في بعض مروياتهم، وضرب مسلم على ذلك أمثلة.
وقد رد عدد من العلماء على هذا الإلزام فقال ابن الصلاح: (والجواب عما--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) التقريب (ص323) .
(3) التقريب (ص246) .
(4) التاريخ الصغير (1/240) .
(5) التاريخ الكبير (1/240) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
احتج به مسلم: أنا قبلنا المعنعن وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي ممن لم يعرف منه تدليس، لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلسًا، والظاهر سلامته من وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يعلم تلاقيهما) (1) .
وأجاب النووي على إلزام مسلم بقوله: (إذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال والباب مبني على غلبة الظن فاكتفيا به. وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال ويصير كالمجهول فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله) (2) .
وقد أجاب العلائي عما ألمح إليه مسلم من أن احتمال الإرسال في معنعن من ثبت لقيه مثل احتمال الإرسال في معنعن المعاصر غير المدلس فلا فرق بينهما بقوله: (الفرق بين المقامين بأن الراوي إذا ثبت لقاؤه لمن عنعن عنه ومشافهته له وكان بريئًا من تهمة التدليس فالظاهر من حاله فيما أطلقه بلفظ "عن" الاتصال وعدم الإرسال حتى يتبين ذلك بدليل - كما في الأمثلة التي ذكرها - وهي منغمرة في جنب الغالب الكثير من الأسانيد، فلا يعترض بها على الغالب لندرتها بخلاف إرسال الراوي عمن لم يلقه فإنه كثير جدًا بلفظ "عن" فلا يلزم من عدم التوقف في ذلك عدم التوقف في هذا ومع ظهور الفرق بينهما فلا نقض) (3) .
وبين الحافظ ابن حجر أن إلزام مسلم لمخالفه بعدم الاحتجاج بأي سند معنعن ليس بلازم فقال: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه، لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلس) (4) .
وما أبداه هؤلاء العلماء في ردهم على مسلم من حجج قوية يظهر ضعف--------------------------------------------
(1) صيانة صحيح مسلم (ص128) .
(2) شرح صحيح مسلم للنووي (1/128) .
(3) جامع التحصيل (ص119-120) .
(4) نزهة النظر (ص31) . ونحو كلامه هذا قاله في النكت على ابن الصلاح (2/596) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
الدليل الثاني الذي هو إلزام للمخالف بما لا يلتزمه. فإن للمخالف لمسلم أن يقول: قد ألزمتني بأمر لم ألتزمه وأراه غاية التعنت أن يرد كل سند معنعن قد ثبت سماع رواته من بعض لاحتمال عدم السماع في بعض ما يروى بذلك السند، وأنا لا أقبل ذلك لأن الاحتمال هنا نادر والحكم للغالب لا للنادر ثم إن في الأخذ بذلك رد لكثير من الأسانيد التي تداولها علماء أهل الحديث وصححوها واحتجوا بها وينبغي أن يكون الإلزام ملزمًا للمخالف حقًا، فما ذكره مسلم رحمه الله غير ملزم لمخالفة لوجود الفرق بين الأمرين.
وظاهر صنيع مسلم أنه يحكم مطلقًا للزائد في السند الذي ثبت تلاقي رواته مثل إذا جاء طريقان أحدهما فيه فلان عن فلان، والثاني فيه زيادة رجل أو أكثر بين المعنعن والمعنعن عنه في الطريق الأول، فيحكم على السند الأول بأنه غير متصل وعلى السند الثاني الذي فيه الزيادة بأنه صحيح الاتصال. والصواب أن في المسألة تفصيلاً.
قال ابن رشيد منتقدًا مسلمًا: (فحاصل ما أتيت بها أيها الإمام من الأمثلة أن من علم سماعه من إنسان ثم اختلفت الرواة عنه، فزاد بعضهم بينهما رجلاً أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومثلت ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة، فإنه يحكم لمن زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال.
وهذه المسألة أيها الإمام من معضلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يعز لدائها وجود الدواء، ويتعذر في كثير منها الشفاء، فكيف يصح أن يجعل ما هذه حالة دليلاً في محل النزاع أو يحكم فيه حكمًا جمليًا، وليت الحكم التفصيلي يكشف بعض أمره.
فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رواة لقي بعضهم بعضًا ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصًا على التحديث فيه أو معنعنًا أيضًا، نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح فحكمنا لمن يرجح قوله من الزائد أو الناقص أو لمن تيقنا صوابه؛ كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلاً أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ كما قد نحكم بذلك إذا كان الحديث بلفظ "نا"، ثم زاد أحدهما راويًا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معًا، وقد بان ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة.
فإن أشكل الأمر توقفنا وجعلنا الحديث معلولاً، إذ كل واحد من الطريقين متعرض لأن يعترض به على الآخر إذ لعل الزائد خطأ، وإذا قال الراوي الزائد: "حدثنا"، يبقى احتمال أن يكون الحديث عنده عنهما معًا. فأما أن يحكم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقًا ففيه نظر) (1) . (ولسنا ننفي أن يحصل ظن في بعض الأحاديث بأن الحكم لمن زاد كما قد يرجح أيضًا في بعض أن الحكم لمن نقص فتعميم الحكم في المسألة لا يصح) (2) .
وما قاله ابن رشيد هو المتعين، ومصداق ذلك في الأحاديث التي ذكرها مسلم على سبيل المثال؛ فإن بعضها الراجح فيها قول من زاد في السند، وبعضها الراجح فيها أنها متصلة بالزيادة ودونها، وذلك كما يلي:
الحديث الأول: قال مسلم: (فمن ذلك أن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعًا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله ولحرمه بأطيب ما أجد".
فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبوأسامة عن هشام قال أخبرني عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم) (3) .
قال الشيخ المعلمي: (هذا تدليس من هشام، وراجع ترجمة هشام في مقدمة الفتح، ومعرفة الحديث للحاكم) (4) .
وقصد الشيخ المعلمي أن هشام بن عروة قد نسب إلى التدليس فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (قال يعقوب بن شيبة: هشام ثبت ثقة لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر--------------------------------------------
(1) السنن الأبين (ص80-81) .
(2) السنن الأبين (ص86) .
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(4) الأحاديث التي استشهد بها مسلم رحمه الله تعالى في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء (ل1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)