واحد، ولم يزد على ذلك شيئًا آخر.
4- احتج مسلم في صحيحه بأحاديث، وجدنا فيها المعنعن والمعنعن عنه من بلدين مختلفين متباعدين، ومن ذلك:
أخرج مسلم في صحيحه حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة مرفوعًا في أن أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم (1) .
وحميد بن عبد الرحمن الحميري بصري، وأبوهريرة رضي الله عنه مدني، وقد ذكر مسلم في المقدمة (2) حديث حميد عن أبي هريرة من ضمن الأحاديث التي لا يعلم فيها لقاء التابعي للصحابي.
وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا حديث عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة مرفوعًا في فضل صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء (3) .
وعبد الله بن معبد بصري، وأبوقتادة مدني، وقد نص البخاري على أنه لا يعرف لعبد الله بن معبد سماع من أبي قتادة (4) .
وأخرج مسلم في صحيحه أيضًا حديث أبي أيوب يحيى بن مالك المراغي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا في مواقيت الصلاة (5) .
وأبوأيوب المراغي بصري، وعبد الله بن عمرو العاص تنقل بين الشام ومصر والطائف، ومات في مصر - على الصحيح (6) -، وقد قال المنذري: (أبوأيوب ثقة ما أراه سمع عبد الله) (7) .
واحتجاج مسلم بهذه الأحاديث مما يدل على أن المقصود بإمكان اللقاء ليس--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (2/821) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/35) .
(3) صحيح مسلم (2/818) .
(4) التاريخ الكبير (3/68) .
(5) صحيح مسلم (1/426) .
(6) تهذيب التهذيب (5/338) .
(7) الترغيب والترهيب (1/282) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
تقارب البلاد وإنما أن يكون اللقاء محتملاً وغي مستبعد، ولاحظ دلالة قوله: "فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا" فإنه فسر الإمكان لكونهما في عصر واحد.
فالراجح أن معنى إمكانية اللقاء عند مسلم ليست تقارب البلاد، وإنما اتفاق العصر. فاللقاء يكون ممكنًا أو متباعدة مادام اللقاء محتملاً وغير مستبعد مع مراعاة الضوابط الأخرى، وهذا الذي يدل عليه قول مسلم: (أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي بينا) (1) .
وما رجحته هو ظاهر كلام ابن حجر، والمعلمي.
فقد قال ابن حجر: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة) (2) .
وقال المعلمي مبينًا أن تباعد البلاد غير ضار في قبول معنعن المتعاصرين: (ثم لاحظ أنه لم يكن يوجد منهم - أي التابعين - إلا نادرًا من لم يزد الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه إذا كانا متعاصرين، وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين مع عدم اللقاء.
فإذا كان الحال ما ذكر، وثبت أن أحد المتعاصرين روى عن الآخر بلا تصريح بسماع، ولا عدمه كان المتبادر السماع. فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كل عام فكيف إذا كان أحدهما ساكن أحد الحرمين فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما، وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلد قد زاره الآخر.
فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا فإنه يكاد يقطع باللقاء) (3) .
يشهد لذلك قول أيوب: (كانوا يحجون للقي) (4) .--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/29-30) .
(2) نزهة النظر (ص31) .
(3) عمارة القبور للمعلمي (ل83) .
(4) العلل لأحمد (2/324) تحقيق د. وصي الله عباس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
وقد بين المعلمي رحمه الله أن احتمال اللقاء يكون على ثلاث درجات من حيث القوة في قوله:
(المعاصرة المعتد بها على قول مسلم ضبطها بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد … " وجمعه بين "جائز وممكن" يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك.
والمعنى يؤكد هذا فإنه قد ثبت ن الصيغة - يعني "عن" - بحسب العرف - ولاسيما عرف المحدثين، وما جرى عليه عملهم - ظاهرة في السماع (1) فهذا الظهور يحتاج إلى دافع.
فمتى لم يعلم اللقاء فإن كان مع ذلك مستبعدًا، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور عدم اللقاء يدافع ظهور الصيغة، وقد يكون الراوي عند ظهور عدم اللقاء قرينة على أنه لم يرد صيغة السماع.
وإن احتمل اللقاء احتمالاً لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له.
فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا فلا محيص عن الحكم بالاتصال، وذلك كمدني روىعن عمر، ولم يعلم لقاؤه له نصًا لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلاً فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا.
فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار فإنه يحكم باللقاء حتمًا، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي--------------------------------------------
(1) هذا فيه نظر لأن الصيغة "عن" استخدمت في الأسانيد غير المتصلة بكثرة، وهي تحتمل السماع بقرائن، وتدل عليه بشروط، أما مجردة من القرائن والشروط، فهي غير ظاهرة في السماع لاحتمالها الاتصال وعدمه ولا مرجح لأحدهما. قال السخاوي في فتح المغيث (1/167) : ("عن" لا إشعار لها بشيء من أنواع التحمل، ويصح وقوعها فيما هو منقطع، كما إذا قال الواحد منا مثلاً عن رسول الله أو عن أنس أو نحوه) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
روى عن يمان لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع) (1) ، وذلك لكون (قيس ولد بعد عمرو، ومات قبله، وكان معه بمكة، وسمع كل منهما من عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم، وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام، والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من "طبقات ابن سعد" (2) ، وكان قيس قد خلف عطاءًا في مجلسه كما ذكره "ابن سعد" (3) أيضًا، وسمع عمرو من ابن عباس، وجابر، وابن عمر، وغيرهم ولم يدركهم قيس.
فهل يظن بقيس أنه لم يلق عمرًا، وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟! أو لم يكونا يصليان معًا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟! أو لم يكونا يجتمعا في حلقة عطاء وغيره في المسجد، ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أو يظن بقيس أنه استنكف من السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالاً؟!) (4) .
وبما تقدم من كلام الشيخ المحقق عبد الرحمن المعلمي نعلم أن "إمكانية اللقاء" بين المعنعن والمعنعن عنه التي يحتج بها الإمام مسلم على درجتين:
الدرجة الأولى: أن يكون اللقاء ممكنًا جدًا لقوة القرائن التي من أهمها اشتراك المتعاصرين في البلدة نفسها التي ينتمي لها كل واحد منهما.
الدرجة الثانية: أن يكون اللقاء ممكنًا ومحتملاً لا يترجح أحد طرفيه لا الثبوت، ولا العدم، ويكون المعنعن غير مدلس يترجح - عند مسلم - احتمال اللقاء على عدمه.
ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن الأئمة الذين لا يكتفون بالمعاصرة، ويشترطون ثبوت السماع يرون تباعد البلاد بين المتعاصرين قرينة على عدم--------------------------------------------
(1) التنكيل (1/83-84) .
(2) انظر طبقات ابن سعد (5/479-480) .
(3) انظر طبقات ابن سعد (5/483) .
(4) التنكيل (2/165) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
السماع، ولا يفتحون باب الاحتمالات لإمكان أن يلتقي المتعاصران في موسم الحج، أو في مكان ما.
قال الحافظ ابن رجب: (ومما يستدل به أحمد، وغيره من الأئمة على عدم السماع، والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده لم يعلم أنه رجل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه.
نقل مهنا عن أحمد قال: "لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام، وزرارة بصري".
وقال أبوحاتم في رواية ابن سرين عن أبي الدرداء: "قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة" (1) .
وقال ابن المديني: "لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس، كان الضحاك يكون بالبوادي".
وقال الدارقطني: "لا يثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء لأنهما لم يلتقيا" ومراده أنه لم يثبت التقاؤهما، لا أنه ثبت انتفاؤه، لأن نفيه لم يرد قط) (2) .
المبحث الرابع
السلامة من التدليس
يشترط في الاكتفاء بالمعاصرة أن يكون المعنعن غير مدلس، قال مسلم عن أئمة الحديث:
(وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس.--------------------------------------------
(1) المراسيل بن أبي حاتم (ص151) .
(2) شرح علل الترمذي (1/368-369) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم نسم من الأئمة) (1) .
والتدليس المقصود هنا تدليس الإسناد لأنه هو المرتبط بالعنعنة، ويلاحظ في هذا النص أنه قيد بمن "شهر به"، ومفهوم ذلك أن من لم يشتهر بالتدليس تحمل عنعنته عمن عاصر على الاتصال. فما هو المقصود من الشهرة بالتدليس؟
ذكر ابن رجب في بيان المراد من كلام مسلم السابق احتمالين، ولم يرجح أحدهما على الآخر. قال: (وهذا يحتمل أن يريد به كثرة التدليس ويحتمل أن يريد به ثبوت ذلك عنه وصحته) (2) .
والذي يظهر لي أن مقصود ذلك عند مسلم أن يصف أكثر من إمام من أئمة النقاد ذلك الراوي بالتدليس فيشتهر أمره ويعرف بأنه مدلس، ولا يلزم أن يكون مكثرًا من التدليس حتى يشتهر به.
فهذا سفيان الثوري مشهور بالتدليس، وقد صرح الإمام البخاري بأنه قليل التدليس (3) .
وكذلك ابن جريج مشهور بالتدليس، وقد صرح ابن حجر بأن تدليسه قليل (4) .
والتدليس كما عرفه الخطيب البغدادي: (رواية المحدث عمن عاصره، ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، هذا هو التدليس في الإسناد) (5) .
وكذلك عرفه ابن الصلاح فقال: (تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/33) .
(2) شرح علل الترمذي (1/354) .
(3) انظر العلل الكبير للترمذي (2/966) .
(4) انظر فتح الباري (3/482) ، (4/274) .
(5) الكفاية (ص38) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه) (1) .
وعرف الذهبي الحديث المدلس بقوله: (ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه) (2) .
وقال في أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: (إلا أنه يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم) (3) .
وقال الحافظ العراقي معلقًا على قول ابن الصلاح الآنف: (هكذا حد المصنف - يعني ابن الصلاح - القسم الأول من قسمي التدليس اللذين ذكرهما، وقد حده غير واحد من الحفاظ بما هو أخص من هذا، وهو أن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، هكذا حده الحافظ أبوالحسن بن محمد بن عبد الملك بن القطان في كتاب بيان الوهم والإبهام.
قال ابن القطان: والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه. انتهى.
ويقابل هذا القول في تضييق حد التدليس القول الآخر الذي حكاه ابن عبد البر في التمهيد (4) أن التدليس أن يحدث الرجل بما لم يسمعه. قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد لا مالك، ولا غيره.
وما ذكره المصنف في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرت قول البزار، وابن القطان كيلا يغتر بهما من وقف عليهما فيظن موافقة أهل الشأن لذلك) (5) .
ويستخلص من النصوص المتقدمة أن التدليس لفظ يطلق على صورتين:
الصورة الأولى: إذا روى الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه.--------------------------------------------
(1) علوم الحديث (ص66) .
(2) الموقظة (ص47) .
(3) الميزان (2/426) .
(4) انظر التمهيد (1/15) وقد نقل العراقي عبارة ابن عبد البر بالمعنى.
(5) التقييد والإيضاح (ص97-98) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
الصورة الثانية: إذا روى الراوي عمن عاصره ولم يلقه.
وذهب الحافظ ابن حجر إلى أن الصورة الثانية لا تسمى تدليسًا بل هي المرسل الخفي، وهو في تحديده للتدليس في الصورة الأولى فقط موافق للبزار وابن القطان الفاسي.
قال ابن حجر: (والذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم - أي أهل الحديث - أن التدليس مختص باللقي، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل المرسل لا من قبيل المدلس.
وقد قال الخطيب - في باب المرسل من كتابه الكفاية (1) -: "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس وهو: رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه، ثم مثل للأول سعيد بن المسيب وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري. ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد". انتهى.
فقد بين الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك مرسل لا مدلس.
والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن من ذكر بالتدليس أو الإرسال إذا بالصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال) (2) .
وفيما ذهب إليه الحافظ ابن حجر نظر لما يلي:
1- أن الخطيب البغدادي قد أدخل في تعريفه للتدليس رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه (3) .
وأيضًا فقد ذكر الخطيب في فصل "ذكر شيء من أخبار المدلسين" (4) كلام--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص423) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/623) .
(3) الكفاية (ص38) .
(4) الكفاية (ص396) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
الإمام أحمد بن حنبل فيمن روى عنهم سعيد بن أبي عروبة وحدث عنهم ولم يسمع منهم شيئًا. فدل هذا على أنه تدليس عند الخطيب وليس إرسال.
ولكن يلاحظ أن المحدث إذا حدث عمن عاصره ولم يلقه يعد مدلسًا بشرط الإبهام أي يوهم المتلقي عنه أنه قد سمع وهو لم يسمع وهذا نص عليه الخطيب في قوله: "فيتوهم أنه سمع منه". وبهذا يندفع التناقض عن كلام الخطيب البغدادي الذي نقله ابن حجر.
2- أن وصف من روى عمن عاصره ولم يلقه بالتدليس هو المشهور عن أهل الحديث وأئمته كما قال العراقي (1) ، ودلت عليه نصوص بعض كبار الأئمة ومن ذلك:
قول الإمام يعقوب بن شيبة: (فأما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء) (2) .
وقول ابن حبان: (ومنهم المدلس عمن لم يره كالحجاج بن أرطاة وذويه كانوا يحدثون عمن لم يروه ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم) (3) .
وقول ابن عدي بعد أن ذكر من لم يلقهم سعيد بن أبي عروبة: (وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت الناس رواية عنه، وثبتًا عن كل من روى عنه إلا من دلس عنهم وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم) (4) .
وقول أبي عبد الله الحاكم: (الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولانازل) (5) .--------------------------------------------
(1) التقييد والإيضاح (ص97-98) .
(2) الكفاية (ص399-400) .
(3) كتاب المجروحين (1/80) .
(4) الكامل في الضعفاء (3/1233) .
(5) معرفة علوم الحديث (ص109) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
وقول ابن رجب: (وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضًا) (1) .
فالراجح عندي في تعريف التدليس ما ذكره الخطيب البغدادي وابن الصلاح، ولكن بشرط لابد من التأكيد عليه في الصورة الثانية وهو الإبهام من الراوي بأنه قد سمع وهو لم يسمع. قال الشيخ المعلمي: (والرواية عن المعاصر على وجه الإبهام تدليس أيضًا عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإبهام عمن قد سمع منه) (2) .
وقد نبه المعلمي إلى أن هذا رأي الإمام مسلم فقال: (وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليٍسًا إذا كان على وجه الإبهام، ويوافقه ما في (الكفاية) للخطيب ص357.
وذكر مسلم أمثله (3) فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن سمعوا منه ولم تعد تدليسًا ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإبهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع.--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/358) .
(2) التنكيل (1/82) .
(3) انظر مقدمة صحيح مسلم (1/31-32) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي (1) أن التدليس يثبت بمرة لأنا نقول: هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإبهام، والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل
إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين) (2) .
ومما يجب التنبيه عليه هنا أن من لم يصفه أحد أئمة الجرح والتعديل بالتدليس فلا ينبغي أن يوصف بذلك، فإن بعض الرواة يقع فيما يروونه ما يتطابق مع تعريف التدليس، ولم نجد من الأئمة من وصفهم، كما هو الحال في رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه لم يسمع منه إلا القليل وروى عنه الكثير، ولم أجد من وصف سعيدًا بالتدليس رغم وجود صورة التدليس فيما رواه؛ فلا يجوز لأحد أن يصف راويًا بالتدليس إلا من وصفه الأئمة من أهل الحديث بالتدليس.
ويبقى سؤال حول من عرف بالإرسال هل يكون حكمه حكم المدلس عند مسلم في عدم الاكتفاء بمعاصرته وضرورة البحث عن سماعه فيمن روى عنهم؟
الحقيقة أن مسلمًا لم يتطرق لهذا في كلامه، ولكن القياس الصحيح يملي علينا أن نجعل من عرف بالإرسال وهو التحديث بما لم يسمعه أن يكون حكمه حكم المدلس لأنهما يشتركان في التحديث بما لم يسمعا، فيكون احتمال الإرسال قويًا فيمن عرف بالإرسال، ويجب أن ينزل منزلة المدلس من حيث عدم الاكتفاء بمعاصرته وضرورة البحث عن سماعه قياٍسًا على كلام مسلم في المدلس لاشتراكهما في علة الحكم.
ويؤيد ذلك قول العلائي: (حكم المدلس حكم المرسل) (3) .
ويؤيده أيضًا قول المعلمي في رواية القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد الخدري: (لقاء القاسم لأبي سعيد مظنون، وبما أنه روى عنه بالعنعنة وهو ثقة غير--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة للشافعي (ص379) .
(2) التنكيل (1/82) .
(3) جامع التحصيل (ص132) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
مدلس، ولا معروف بالإرسال الخفي فالظاهر السماع، وإن لم يعلم صريحًا، فعدم العلم ليس علمًا بالعدم) (1) .
وفي موضع آخر قال المعلمي: (فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس أو الإرسال الخفي إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن عاصره وأمكن لقاؤه له … ) (2) .
فبين المعلمي في هذين النصين أن من أرسل إرسالاً خفيًا لا يكتفي بعنعنته لمن عاصر كالمدلس.
وإلى هذا ذهب الدكتور نور الدين عتر فبعد أن ذكر أن من شرط قبول العنعنة من المعاصرة عند مسلم ألا يكون مدلسًا قال: (ويلحق بذلك من عرف بالإرسال كالحسن والزهري) (3) .
وهذا هو الراجح - في نظري - أن من عرف بالإرسال مطلقًا، أو ثبت أنه أرسل إرسالاً خفيًا فهو كالمدلس من حيث عدم قبول معنعنه لمن عاصر لأن من فرق بين ذلك فقد فرق بين متماثلين، ولأن ذم التدليس دون الإرسال ليس فرقًا مؤثرًا في علة الحكم التي هي قوة احتمال عدم السماع فيما رووه بصيغة غير صريحة في الاتصال. والله أعلم.
المبحث الخامس
عدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء
بشترط مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة أن لا يوجد دليل على عدم سماع المعنعن من المعنعن عنه. قال مسلم في ثبوت المعاصرة: (فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم--------------------------------------------
(1) عمارة القبور (ل82) .
(2) عمارة القبور (ص86) .
(3) شرح علل الترمذي (1/371) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بينا) (1) .
ولم يبين مسلم رحمه الله الدلالة البينة على عدم السماع، ولكنها واضحة لمن تأمل كلام الأئمة، واعتنى بأقوال أئمة النقد والتعليل.
ويعرف عدم سماع الراوي عمن روى عنه بالطرق التالية:
أولاً: ورود نص بعدم السماع.
ثانيًا: ورود ما ينفي السماع تاريخيًا.
ثالثًا: أن يذكر الراوي صيغة أداء تدل على نفي السماع.
رابعًا: إدخال واسطة بين المعنعن والمعنعن عنه في بعض الطرق (2) .
أولاً: ورود النص بعدم السماع:
من الدلائل المبينة على عدم السماع، ورود نص بلفظ صريح يتضمن نفي السماع أو اللقاء، وتتم معرفة ذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: أن ينص الراوي بأنه لم يسمع من ذلك الشيخ.
مثال ذلك الحجاج بن أرطاة قال لهشيم: (سمعت من الزهري؟ قال: نعم فقال: لكني لم أسمع منه شيئًا) (3) .
وسئل سعيد بن عامر الضبعي هل سمع ن يونس بن عبيد؟ فقال: (لا، ولكن أخبرني عنه رجل) (4) .
وسأل عمرو بن مرة أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود: (تحفظ عن أبيك شيئًا؟ قال: لا) (5) .
الأمر الثاني: أن ينص إمام أو أكثر من ذوي الاطلاع على عدم سماع الراوي من ذلك الشيخ.--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(2) هذه الأمور الأربعة نص عليها ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإبهام (1/88/ب) .
(3) المراسيل لابن أبي حاتم (ص45) .
(4) المعرفة والتاريخ (2/32) .
(5) تاريخ ابن معين برواية الدوري (2/288) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
مثال ذلك رواية الحسن البصري عن أبي هريرة: نص يونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وعلي بن زيد بن جدعان، وبهز بن حكيم، وابن معين، وابن المديني، وأبوزرعة، وأبوحاتم (1) ، وغيرهم على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، بل قال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: إن سالمًا الخياط روى عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة. قال: هذا ما يبين ضعف سالم) (2) .
ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه: فقد نص ابن معين، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبوحاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبوداود على أنه لم يسمع من أبيه (3) .
وكذلك رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير: قال فيها أبوحاتم: (حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هوأكبر منه غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث يكون حجة) (4) .
ثانيًا: ورود ما ينفي السماع تاريخيًا:
إذا ثبت أن الراوي لم يدرك الشيخ الذي روى عنه بأنه يكون الشيخ مات قبل ولادة الراوي، أو لكون الشيخ قد مات، والراوي لم يزل صغيرًا، فإن ذلك دلالة بينة على عدم السماع وضحت لنا بطريق التاريخ.
وتتم معرفة ذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: عدم إدراك الراوي للشيخ الذي روى عنه.
مثال ذلك: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي روى عن علي رضي الله عنه، ولم يسمع منه، لأن عليًا رضي الله عنه قتل سنة أربعين، وإبراهيم لم يسمع من أبيه (5)--------------------------------------------
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص38-39) .
(2) المراسيل لابن أبي حاتم (ص39) .
(3) تهذيب التهذيب (12/117) .
(4) المراسيل لابن أبي حاتم (ص153) .
(5) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص19) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
الذي مات سنة إحدى وخمسين (1) ، لأنه ولد بعد وفاة أبيه (2) .
ومثال ثان: روى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعن جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يسمع منهما (3) لأنه ولد في خلافة عثمان رضي الله عنه (4) .
ومثال ثالث: روى سعيد بن المسيب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم يسمع منه (5) ، لأن سعيدًا ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر رضي الله عنه (6) .
الأمر الثاني: صغر سن الراوي عند موت الشيخ الذي روى عنه.--------------------------------------------
(1) التقريب (ص139) .
(2) انظر تهذيب التهذيب (1/112) .
(3) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص71) .
(4) سير أعلام النبلاء (4/458) .
(5) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص65) .
(6) انظر تهذيب التهذيب (4/85) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
مثال ذلك: حديث سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب. قال ابن معين: (وسعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرًا، قلت ليحيى - القائل هو الدوري -: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. فقال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا) (1) .
وسئل أبوحاتم هل يصح لسعيد بن المسيب سماع من عمر. فقال: (لا. إلا رأيته على المنبر ينعي النعمان بن مقرن) (2) .
وقال الشيخ أحمد شاكر - وهو من المؤيدين لمذهب مسلم -: (سعيد بن المسيب لم يدرك عمر إلا صغيرًا، فروايته عنه مرسلة إلا رواية صرح فيها أنه يذكر فيها يوم نعي عمر النعمان بن مقرن على المنبر) (3) .
وكذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد مات عمر ولعبد الرحمن من العمر ست سنوات (4) . لذا نص ابن معين، وأبوحاتم على أنه لم يسمع من عمر (5) . وقال الخليلي: (الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر) (6) .
قال الشيخ أحمد شاكر في إسناد عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر: (إسناده ضعيف لانقطاعه فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى كان صغيرًا جدًا في حياة عمر، ولد لست بقين من خلافته … ) (7) .
وأيضًا إبراهيم النخعي لم يصححوا سماعه من عائشة رضي الله عنها لأنه دخل عليها وهو صغير. قال ابن معين: (إبراهيم النخعي أدخل على عائشة وهو صبي) (8) ، وقال أبوحاتم: (لم يلق إبراهيم النخعي أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئًا، فإنه أدخل عليها وهو صغير) (9) . وقال المزي: (ودخل على عائشة أم المؤمنين، وروى عنها، ولم يثبت له منها سماع) (10) .
ثالثًا: أن يذكر الراوي صيغة أداء تدل على نفي السماع:
إذا ذكر الراوي صيغة أداء تدل على نفي السماع مثل "نبئت" أو "حدثت" أو "بلغني"، ونحو ذلك، فإن ذلك يعتبر دلالة بينة على عدم سماعه من الشيخ الذي روى عنه.
مثال ذلك: قول أحمد بن حنبل: (لم يسمع محمد بن سيرين من ابن عباس يقول في كلها: "نبئت عن ابن عباس" (11) .--------------------------------------------
(1) تاريخ ابن معين برواية الدوري (2/208) .
(2) المراسيل لابن أبي حاتم (ص65) .
(3) مسند الإمام أحمد (1/202) تحقيق أحمد شاكر.
(4) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص109) .
(5) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص108) .
(6) تهذيب التهذيب (6/262) .
(7) مسند الإمام أحمد (1/238) تحقيق أحمد شاكر.
(8) تاريخ ابن معين برواية الدوري (2/16) بتصرف يسير.
(9) المراسيل لابن أبي حاتم (ص18) .
(10) تهذيب الكمال (2/235) تحقيق د. بشار عواد معروف.
(11) المراسيل لابن أبي حاتم (ص150)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
وقال عمر بن الواحد: (حدثنا عن عطاء الخراساني … ) (1) وصيغة الأداء هذه تدل على أن عمر بن عبد الواحد لم يسمع من عطاء الخرساني.
وقال أحمد بن حنبل: (بلغني عن سلام بن أبي مطيع … ) (2) وهذه الصيغة تدل على أن الإمام أحمد لم يسمع سلام بن أبي مطيع.
وتلك الصيغ ظاهرة في الدلالة على عدم السماع بين المتعاصرين اللذين لم يثبت لقاؤهما لبعضهما حتى لو كانت أكثر الطرق بالعنعنة، وورد في سند أو طريق واحد لفظ مثل "نبئت" أو "حدثت"، فإن ذلك حجة عدم السماع بين المعنعن والمعنعن عنه في الطرق الأخرى.
رابعًا: إدخال واسطة بين المعنعن والمعنعن عنه في بعض الطرق:
إذا روى رجل عن آخر حديثًا ولم يثبت سماع أو لقاء أحدهما من الآخر، ثم جاء من طريق آخر إدخال شخص واحد أو أكثر بين ذلك الرجل والمروي عنه فإن هذا مما يستدل به أئمة النقد والتعليل على الانقطاع بين ذلك الرجلين.
قال ابن الصلاح في بيان معرفة المرسل الخفي: (ومنه ما كان الحكم بإرساله محالاً على مجيئه من وجه آخر بزيادة شخص واحد أو أكثر في الموضع المدعى فيه الإرسال كالحديث عن عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق، فإنه حكم فيه بالإنقطاع والإرسال بين عبد الرزاق والثوري، لأنه روى عن عبد الرزاق قال حدثني النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري عن أبي إسحاق. وحكم أيضًا فيه بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق، لأنه روي عن الثوري عن شريك عن أبي إسحاق) (3) .
وقال ابن رجب: (فإن كان الثقة يروي عمن عاصره - ولم يثبت لقبه له - ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه.
قال أحمد: "البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة.--------------------------------------------
(1) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/358) .
(2) العلل لأحمد برواية ابنه عبد الله (1/368) .
(3) علوم الحديث (ص262) بتصرف يسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
قال: وفي حديث زائدة عن السدي عن البهي قال: حدثتني عائشة. قال: وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدع منه "حدثتني عائشة" ينكره") (1) .
ونصوص كبار الأئمة في ذلك كثيرة جدًا نذكر بعضها على سبيل المثال:
سئل يحيى بن معين: عبد الله بن نجي سمع من علي؟ فقال: (لا. بينه وبين علي أبوه) (2) .
وسئل ابن معين عن حديث سالم بن أبي الجعد عن كعب بن مرة البهري؟ فقال: (هو مرسل قد أدخل شعبة بينهما شرحبيل بن السمط) (3) .
وسئل أحمد بن حنبل: أبووائل سمع من عائشة؟ فقال: (ما أرى. أدخل بينهما مسروق في غير شيء) (4) .
وسئل أحمد بن حنبل عن سماع حميد بن هلال من هشام بن عامر؟ فقال: (ما أراه سمع منه وذاك أنه يدخل بينهما رجل وبعضهم يقول: أبوالدهماء) (5) .
وقال أبوحاتم: (طلحة بن مصرف أدرك أنسًا، وما أثبت له سماع منه، يروي عن خثيمة عن أنس، وعن يحيى بن سعيد عن أنس) (6) .
وموقف الإمام مسلم من رواية المحدث عمن عاصره - ولم يثبت لقيهما - إذا جاء في بعض الطرق زيادة رجل أو أكثر بينهما أن ذلك يعد دلالة بينة على عدم السماع واللقاء كما هو موقف كبار أئمة النقد* (7) .--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/369) . والنص المنقول عن أحمد في المراسيل لابن أبي حاتم (ص101) .
(2) المراسيل لابن أبي حاتم (ص96) .
(3) جامع التحصيل (ص179) .
(4) المراسيل لابن أبي حاتم (ص77) .
(5) مسائل أحمد لأبي داود (ص325) .
(6) المراسيل لابن أبي حاتم (ص90) .
(7) المراسيل لابن أبي حاتم (ص151) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
دليل ذلك أن مسلمًا قال: (ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه) (1) .
ومحمد هو محمد بن علي بن عبد الله حفيد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ولد سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ستين (2) . أي قبل موت جده بثمان أو عشر سنوات.
والسبب الذي حمل مسلمًا على أن يقول: (لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه) هو أن محمد بن علي يروي عن أبيه عن عبد الله بن عباس كما في صحيح مسلم (3) ، ولم يرد ما يثبت أن محمدًا سمع أو لقي جده عبد الله بن عباس، فدل ذلك على أن حديثه عن جده منقطع مع وجود ما يدل على تحقق المعاصرة. إذ لو كان محمد سمع من جده عبد الله بن عباس لما احتاج أن يذكر أباه، ويبعد احتمال أن يكون سمع من ابن عباس، لأنه لا يثبت له سماع منه.
ويدل صنيع مسلم على أنه إذا وجدت واسطة في السند بين المنعنعن والمعنعن عنه كان ذلك قرينة قوية على عدم السماع. فلابد لقبول الخبر من ثبوت السماع أو اللقاء بينهما.
وعدم التنبه لهذه القضية وأثرها في عدم الاكتفاء بالمعاصرة أوقع بعض العلماء الأفاضل في خطأ. كما وقع من ابن دقيق العيد رحمه الله عندما علق على قول الإمام أحمد وغيره: عراك بن مالك لم يسمع من عائشة بقوله: (قد ذكروا سماعه من أبي هريرة ولم ينكروه، وأبوهريرة توفي هو وعائشة في سنة واحدة، فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلد واحدة) (4) .
ولا يستقيم الاحتجاج بالمعاصرة هنا لأن عراك بن مالك لم يثبت لقيه لعائشة رضي الله عنها، ولأنه جاء في بعض الطرق إدخال واسطة بينهما لذا قال الإمام--------------------------------------------
(1) التمييز (ص215) .
(2) تاريخ دمشق لابن عساكر (15/748) .
(3) انظر صحيح مسلم (1/530) .
(4) نصب الراية (2/106-107) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
أحمد: (عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة) (1) .
ومما يجدر التنبيه عليه أن المحدث غير المدلس إذا كان قد سمع من شيخه، ثم جاء من طريق آخر ذكر واسطة بينهما بزيادة رجل أو أكثر فإن العلماء في الغالب يعدون هذا من المزيد في متصل الأسانيد. والفرق بينه وبين ما تقدم أوضحه العلائي بقوله: (وحاصل الأمر أن الراوي متى قال عن فلان ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة، إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة، وحكم المدلس حكم المرسل) (2) . (فأما متى كان يلفظ حدثنا ونحوه ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة رجل بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد) (3) .--------------------------------------------
(1) المراسيل (ص134) .
(2) جامع التحصيل (ص131-132) .
(3) جامع التحصيل (ص126) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)