وقد بحثت في مصنفات البخاري فلم أقف له على رأي حول سماع قيس من بلال، ولم أجد ما يثبت لقاء قيس بن أبي حازم لبلال رضي الله عنه، فلماذا صحح البخاري هذا الحديث مع أن الغالب أنه قد اطلع على كلام شيخه؟
يحتمل أن البخاري أخرج الحديث السابق اعتمادًا على ثبوت سماع قيس من أبي بكر (1) ، وله نظائر في صحيحه (2) على ذلك، ولكن العبارة برمتها لبلال وليس لأبي بكر رضي الله عنه فيها كلمة واحدة.
وأكبر ظني أن الإمام البخاري اعتمد في إخراج الحديث السابق على ما يلي:
1- … أن احتمال سماع قيس بن أبي حازم من بلال أقوى بكثير من عدمه، فإن قيسًا أدرك الجاهلية وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فوجده قد توفي (3) . وقد ثبت سماعه من أبي بكر وعمر (4) وغيرهما من كبار الصحابة (5) ، فدخل المدينة في أول خلافة أبي بكر رضي الله عنه والصحابة بها متوافرون.
وأما بلال رضي الله عنه قد مات سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر للهجرة (6) ، فاحتمال لقاء قيس لبلال أرجح وأقوى من احتمال عدم لقائهما، ولعل هذا الذي جعل العلائي يرد على ابن المديني بقوله: (في هذا القول نظر فإن قيسًا لم يكن مدلسًا، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بها مجتمعون فإذا روى عن أحد الظاهر سماعه منه) (7) .
2- … الحديث في باب المناقب، وقد جوز عدد من أهل الحديث وعلمائه التساهل في هذا الباب فلا ضير على البخاري أنه أورد في المناقب حديثًا مثل--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (7/145) وفيه إثبات سماع قيس من أبي بكر.
(2) هدي الساري (ص381، 387، 392، 394، 398) .
(3) انظر تاريخ بغداد (12/452) .
(4) انظر العلل لابن المديني (ص49) ، التاريخ الكبير للبخاري (7/145) .
(5) انظر العلل لابن المديني (ص49 - 50) .
(6) انظر تهذيب التهذيب (1/503) .
(7) جامع التحصيل (ص257) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
حديث قيس بن أبي حازم فيكون تساهل البخاري كتشدد البعض من المحدثين، وهذا منتهى الإتقان.
3- … إن الحديث موقوف على بلال وليس مرفوعًا من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن مقام الأحاديث المرفوعة ومنزلتها من الدين توجب إيلاءها قدرًا من العناية والاحتياط يفوق ما عداها، فلكل قدره كما قال تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرًا} (1) .
الحديث السادس:
ومن الأحاديث التي صححها البخاري، وفي ثبوت اللقاء بين بعض رواتها نظر. حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفلان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (2) وفيه قال سعد بن عبيدة - راوي الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي -: (وأقرأ أبوعبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج) (3) .
ولم أجد بعد التفتيش الشديد تصريح لأبي عبد الرحمن من طريق صحيح بأنه سمع أو التقى عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلا ما جاء في "الكامل" (4) لابن عدي من تصريح أبي عبد الرحمن بالسماع من عثمان، ولكن السند إلى أبي عبد الرحمن ضعيف جدًا فيه عبد الله ابن أبي مريم قال فيه ابن عدي: (يحدث بالبواطيل) وقال أيضًا: (إما يكون مغفلاً أو متعمدًا) .
بل ثبت عن شعبة بن الحجاج أنه قال: (لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من عثمان) (5) ، وأقر الإمام أحمد بن حنبل قوله (6) ، وجزم يحيى بن معين أيضًا--------------------------------------------
(1) سورة الطلاق، آية 3.
(2) صحيح البخاري (8/692/ [5027] ، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
(3) الكامل في الضعفاء (4/1568) .
(4) المسند للإمام أحمد (1/336/ [412] ) بتحقيق أحمد شاكر، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص94) .
(5) المراسيل لابن أبي حاتم (ص95) .
(6) فتح الباري (8/693) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
بعدم سماع أبي عبد الرحمن من عثمان (1) ، وسئل أبوحاتم الرازي عن سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فقال: (روى عنه، ولا يذكر سماعًا) (2) .
وكلام هؤلاء الأئمة الأعلام يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر في سبب تصحيح الإمام البخاري لهذا الحديث فقد قال: (ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصلة، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة وهي: أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان، ولم يوصف بالتدليس، اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان رضي الله عنه، ولاسيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ على عثمان (3) ، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال: إنه لم يسمع منه) (4) .
ويدل كلام الحافظ ابن حجر هنا على أنه يرجح أن البخاري اعتمد في تصحيح هذا الحديث على قوة القرائن الدالة على احتمال لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان رضي الله عنه لا على ثبوت ذلك بنص صريح يدل على السماع أو اللقاء.
وهناك نص كنت أدخلته هنا في هذا الفصل ثم اتضح لي عدم صلاحيته لثبوت السماع فيه، ولكني آثرت ذكره مع التنبيه عليه حتى لا يستدرك علي.
فقد قال البخاري: (لا أعرف لأبي إسحاق سماعًا من سعيد بن جبير) (5) .
وقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال: (سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ--------------------------------------------
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص94) .
(2) ورد من طرق لا تسلم من مقال، انظر معرفة القراء الكبار للذهبي (1/52-57) ، والثابت أن أبا عبد الرحمن قرأ القرآن على علي رضي الله عنه.
(3) فتح الباري (8/693-694) .
(4) العلل الكبير للترمذي (2/965) .
(5) صحيح البخاري (11/91/ [6299] ، كتاب الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) (1) .
وأبوإسحاق السبيعي معروف بالتدليس، حتى أن الحافظ ابن حجر عده في الطبقة الثالثة من المدلسين (2) ، وليس في صحيح البخاري التصريح بسماع أبي إسحاق، كما أن الحديث ليس في "الصحيح" من رواية شعبة عن أبي إسحاق.
ولكن وجدت تصريح أبي إسحاق بسماعه من سعيد بن جبير خارج "صحيح البخاري"، عند البخاري في "تاريخه الصغير" (3) ، وعند الإمام أحمد في "السند" (4) ، والحاكم في "المستدرك" (5) .
وهو أيضًا برواية شعبة (6) الذي قال: (كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة) (7) .
وبهذا يعلم أن البخاري قال قولاً ثم تبين له أن الصواب في خلافه فأثبت في صحيحه ما رآه صوابًا، وهذه الحالة تشبه ما قاله البخاري عندما قوى حديثًا لعثمان بن محمد الأخنس قال: (كنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري) (8) .
ومما يحسن التنبيه عليه قبل أن أختم هذا الفصل لغفلة بعض الناس عنه أن البخاري يخرج في صحيحه متابعات لا يتوفر فيها ثبوت اللقاء، وليس ذلك لأن البخاري يستجيز الاحتجاج بإمكان اللقاء كمسلم، وإنما لأن أمر المتابعات مبني--------------------------------------------
(1) تعريف أهل التقديس (ص101) .
(2) تعريف أهل التقديس (ص101) .
(3) التاريخ الصغير (1/161) .
(4) مسند أحمد (5/181/ [3543] تحقيق أحمد شاكر.
(5) المستدرك للحاكم (3/533) .
(6) انظر ما تقدم مسند أحمد، والمستدرك، وأيضًا مسند الطيالسي (ص343) ، والمعجم الكبير للطبراني (10/289) .
(7) معرفة السنن والآثار للبيهقي (1/152) ، وتعريف أهل التقديس لابن حجر (ص151) .
(8) العلل الكبير للترمذي (1/437) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
على المسامحة فيجوز إيراد ما كان ضعيفًا في المتابعات مادام هذا الضعف مما ينجبر. قال ابن الصلاح: (ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد) (1) .
وقال الحافظ ابن حجر: (والبخاري يرى الانقطاع علة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم) (2) .
فلا ينبغي والأمر كذلك أن يحتج على البخاري بحديث علقه (3) أو ذكره متابعة بأنه خالف مذهبه في اشتراط اللقاء لإيراده لهذا الحديث الذي لم يدخله في أصل كتابه الصحيح، وإنما يحتج عليه بالأحاديث التي أخرجها مسندة في صحيحه.
والذي حملني على هذا التنبيه أني رأيت الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة ذكر حديثًا أخرجه البخاري بقوله: (حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو (4) عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه.
وتابعه ومعمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم) (5) .
ثم نقل كلامًا لابن حجر في شرح صنيع البخاري السابق، قال ابن حجر: (وقال الأصيلي: متابعة معمر مرسلة، لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قلت: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سن ستين، وأبومسلمة مدني، ولم يوصف بالتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو) (6) .--------------------------------------------
(1) علوم الحديث (ص76) .
(2) هدي الساري (ص12) .
(3) المعلق هو: الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. انظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص20) .
(4) هو جعفر بن عمرو بن أمية الضمري.
(5) صحيح البخاري (1/369/ [205] ) ، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين.
(6) فتح الباري (1/369) ، وقد ذكر ابن حجر أن معمرًا تابع الأوزاعي في المتن لا في الإسناد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ثم عقب الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة على ذلك بقوله: (فهذا إسناد فيه عنعنة الثقة غير المدلس عمن لم يثبت لقاؤه له، وإنما يمكن لقاؤه له، فهذا مذهب مسلم، وقد سار عليه البخاري هنا في كتابه وفي ذكره هذه المتابعة) (1) .
وهذا الاستنباط غريب جدًا لاسيما وأن الأستاذ أبوغدة ذكره بعد قول الحافظ ابن حجر: (وإنما يتم لمسلم النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه) (2) مشعرًا بصنيعه أنه قد رأى في صحيح البخاري ذلك.
والحقيقة أن ما قاله الأستاذ أبوغدة محل نظر لما يلي:
1- لم يسند البخاري حديث معمر السابق وإنما ذكره تعليقًا ونوه إلى أنه ذكره متابعة فهو لم يدخله في صلب الصحيح حتى يقال أن البخاري احتج به، ولو فعل ذلك لاستقام للأستاذ قوله، ولكن البخاري ذكر حديث معمر متابعة، وباب المتابعات كما ذكرت فيه تقدم يجوز فيه إيراد ما ليس بصحيح من الأسانيد. قهل يصح أن نحكم على مذهب البخاري في الحديث المعنعن بما يخرجه في المتابعات؟ !.
2- أن المحفوظ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة هو ذكر جعفر بن عمرو بن أمية بين أبي سلمة وعمرو بن أمية، هكذا روى أربعة من الثقات هذا الحديث عن يحيى وهم شيبان (3) والأوزاعي (4) وحرب بن شداد (5) وأبان بن يزيد--------------------------------------------
(1) الموقظة (ص124) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (2/598) وقصد ابن حجر في صلب الصحيح أي ما أخرجه البخاري في الأصول لا في الشواهد والمتابعات التي هي مظنة الأحاديث المتكلم فيها.
(3) النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (2/598) وقصد ابن حجر في صلب الصحيح أي ما أخرجه البخاري في الأصول لا في الشواهد والمتابعات التي هي مظنة الأحاديث المتكلم فيها.
(4) صحيح البخاري (1/368-369/ [204، 205] ) ، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين.
(5) سنن النسائي (1/81) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
العطار (1) والبخاري في صحيحه أخرج الحديث من طريق شيبان والأوزاعي فدل صنيعه أنه احتج بالحديث المتصل الذي فيه ذكر جعفر بن عمرو، فهل من العدل أن نهمل ما أخرجه في الأصول ونحتج عليه بما ذكره للمتابعة؟!
3- ورد في بعض الطرق التصريح بسماع أبي سلمة من عمرو بن أمية الضمري فقد قال الحافظ ابن حجر:
(وجزم ابن حزم (2) بأن أبا سلمة هذا الحديث من جعفر بن عمرو عن أبيه، ومن أبيه أيضًا، واستند في ذلك إلى ما أخرجه من طريق مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة حدثني عمرو) (3) .
أليس من الممكن أن يكون الإمام البخاري اطلع على هذا ورجح سماع أبي سلمة من عمرو بن أمية؟
فيكون لقاء أبي سلمة لعمرو ليس محتملاًٍ وإنما متحققًا، وبهذا يعلم أن مقولة إن البخاري سار على مذهب مسلم في هذا الحديث مقولة باطلة، وحجتها واهية.
وفي ختام هذا الفصل يجدر بي أن ألفت الأنظار إلى حقيقتين بالغتي الأهمية:
الأولى: الأصل عند الإمام البخاري هو اشتراط اللقاء في السند المعنعن، وهذا هو الذي مشى عليه فيما صححه وقواه من أحاديث سواء في صحيحه أو خارجه، ولكن ثبت لنا أن البخاري - وإن كان ذلك نادرًا - قد قوى بعض الأحاديث مما لم يثبت فيها اللقاء إذا اجتمع فيها أمران:
1- أن يكون احتمال اللقاء قويًا وظاهرًا مع السلامة مما يمنع اللقاء، وقد مر معنا في الأحاديث السابقة كيف أن احتمال اللقاء كان قويًا جدًا بدرجة ظاهرة تجعل التوقف في شأن اللقاء أمر مستبعد وغير وجيه.
2- انتفاء التفرد بوجود عدد من الشواهد، أو يكون الحديث متعلقًا بباب--------------------------------------------
(1) مسند أحمد (4/179) .
(2) المحلي لابن حزم (2/81-82) .
(3) تغليق التعليق (2/136-137) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
من أبواب يجيز أهل الحديث تخفيف شروط القبول في مثلها كأبواب المغازي والمناقب والترغيب والترهيب.
ومع قلة ما قواه من أحاديث لا يثبت فيها اللقاء نصًا إلا أن هذا يؤكد على أنه رحمه الله نظر إلى مسألة اشتراط اللقاء في السند المعنعن على أنها وسيلة وليست غاية، إذ الغاية هي أن لا يدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس منه، وما اشتراط اللقاء إلا وسيلة للكشف عن الأسانيد التي فيها شبهة انقطاع خشية أنيكون فيها من لا يحتج بحديثه، فإذا غلب على الظن - بعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة - أن اللقاء محتمل احتمالاً قويًا جدًا فما الذي يمنع من تقوية السند بعد ذلك؟!. ومن هنا يظهر أنه رحمه الله لم يتعامل مع المسألة بجمود وحرفية بل أعطى للقرائن حقها من النظر ولم يهملها - فلله دره من إمام قل نظيره-.
الثانية: يختلف موقف البخاري عن مسلم في نقطة احتمال اللقاء، أن مسلمًا يكتفي بمجرد الاحتمال، وأما البخاري فيزيد على ذلك - في الأحاديث التي قواها ولم يثبت فقيها اللقاء نصًا - بأن يكون الاحتمال قويًا وظاهرًا.
فتكون المسألة على ثلاث مراتب:
1- ما ثبت فيه اللقاء. وكل الأحاديث التي قواها البخاري - إلا القليل النادر - اللقاء فيها ثابت.
2- ما لم يثبت فيه اللقاء ولكن احتمال اللقاء راجح لقوته وظهوره، وقد قوى البخاري بعض الأحاديث القليلة من هذه المرتبة.
3- ما لم يثبت فيه اللقاء مع وجود إمكانيته واحتماله فهذا لا يقبله البخاري، وأما مسلم فيحتج بالمراتب الثلاث كلها.
وسيأتي - إن شاء الله - مزيد بيان لهذه النقطة في الباب الرابع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
الفصل الرابع
ما يحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء
لم يخلف الإمام البخاري رحمه الله أي نص يوضح فيه حججه على مذهبه القاضي باشتراط اللقاء في السند المعنعن، ولكن أمكن جمع بعض الحجج التي تؤيد مذهب مشترطي اللقاء بشكل عام، وأغلب الظن أن حجج الإمام البخاري تتوافق معها.
أولاً: أن اشتراط اللقاء هو الأحوط والأسلم لمن استعمله من أن تدخل عليه الأسانيد المرسلة والمنقطعة، فقد كثر استخدام الرواة للفظة "عن" في الأسانيد غير المتصلة فكان من الواجب على الناقد أن يحتاط، كما قال عبد الرحمن بن مهدي: (خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن، الحكم والحديث) (1) .
وقال الخطيب البغدادي: (وقول المحدث ثنا فلان قال ثنا فلان أعلى منزلة من قوله ثنا فلان عن فلان إذ كانت "عن" مستعملة كثيرًا في التدليس وما ليس بسماع" (2) .
ثانيًا: أن الأسانيد غير المتصلة قد تفشت في أوساط الرواة حتى أن شعبة ابن الحجاج قال: (لو أتيت محدثًا عنده خمس أحاديث أصبت ثلاثة لم يسمعها) (3) .
وقال: (ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا وهو يدلس إلا ابن عون وعمرو بن مرة) (4) .
وقال ابن عبد البر - في حديث الرجل عمن لم يلقه-: (فإن كان هذا--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/35) .
(2) الكفاية (ص326) .
(3) الكامل لابن عدي (1/91) .
(4) سير أعلام النبلاء (6/367) والتمهيد لابن عبد البر (1/34) ، ولعل هذا مقيد بحديث أهل الكوفة فقد اشتهر عنهم التدليس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
تدليسًا فما أعلم من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه اللهم إلا شعبة ويحيى بن سعيد القطان) (1) .
وقال مسلم: (وإ، هو ادعى فيما زعم دليلاً يحتج به قيل له: وما ذاك الدليل؟ فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديمًا وحديثًا يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يعاينه، ولا سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة احتجت لما وصفت من العلة إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن رواية، فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد. فإذا عزب عني معرفة ذلك، أوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه) (2) .
وقال ابن حجر: (والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال) (3) .
ثالثًا: يقع كثيرًا أن يكون المحدث معاصرًا لآخر، ولا يحمل عنه شيئًا، لذا لا يلزم من وجود المعاصرة وجود السماع ولا حتى ترجح احتمال السماع لأنه يبقى احتمال عدم السماع قائمًا، مما يجعلنا لا نكتفي بمجرد المعاصرة للحكم على الحديث المعنعن بالاتصال بل لابد من ثبوت اللقاء ولو مرة.
ومن ذلك أن الذهبي قال في ترجمة أيوب السختياني: (وقد رأى أنس بن مالك وما وجدنا له عنه رواية مع كونه معه في البلد، وكونه أدركه وهو ابن بضع وعشرين سنة) (4) .
وقال أبوحاتم الرازي: (جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك ولم يسمعوا منه، منهم ابن عون) (5) .--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/15) .
(2) مقدمة صحيح مسلم (1/30) .
(3) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(4) سير أعلام النبلاء (6/16) .
(5) المراسيل لابن أبي حاتم (ص99) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
وأسند ابن أبي حاتم: (عن عاصم قال: قلت لأبي الغالية: من أكثر من رأيت؟ قال: أبوأيوب غير أني لم أخذ منه) (1) .
وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: (ولقد كان يمكنه السماع من جابر وسهل بن سعد وأنس وسعيد بن المسيب فما تهيأ له عنهم رواية) (2) .
وقد أدرك هشام من حياةأنس ما يقارب الثلاثين سنة، وقد كان يعيش في المدينة التي هي بلد جابر وسهل وابن المسيب.
أفلا يكون من المحتمل أن المتعاصرين لا يلتقيان ولا يسمع أحدهما من الآخر؟! ولا يمكن دفع احتمال عدم السماع بالمعاصرة، فكان من الضروري اشتراط ثبوت اللقاء بين المتعاصرين ولو لمرة حتى يترجح احتمال السماع بدليل بين على احتمال عدم السماع.
قال النووي: (إذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه، أو ضعفه بل للشك في حاله) (3) .
رابعًا: أن الرواي غير المدلس إذا ثبت لقيه لمن روى عنه يصبح احتمال أن يكون لم يسمع بضع ما رواه عن شيخه احتمالاً بعيدًا. لأننا لو فرضنا وجود ذلك لكان الراوي مدلسًا، والأصل في الرواة السلامة من التدليس، وأما من اكتفى بالمعاصرة فإن احتمال عدم سماع المتعاصرين من بعضهما قائم لا يدفعه ثبوت المعاصرة وإمكان اللقاء لكثرة الإرسال بين الرواة - كما تقدم -.
لذا قال ابن الصلاح: (والجواب عما احتج به مسلم: أنا قبلنا المعنعن وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي ممن لم يعرف منه تدليس، لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكن بإطلاقه الرواية عنه مدلسًا، والظاهر سلامته من--------------------------------------------
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص54) .
(2) سير أعلام النبلاء (6/35) .
(3) شرح صحيح مسلم للنووي (1/128) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يعلم تلاقيهما) (1) .
وقال ابن حجر: (والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال، فلو لم يكن مدلسًا، وحدث عن بعض من عاصره لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه لشيوع الإرسال بينهم، فاشترط أن يثبت أنه لقيه وسمع منه ليحمل ما يرويه عنه بالعنعنة على السماع، لأنه لو لم يحمل على السماع لكان مدلسًا، والغرض السلامة من التدليس) (2) .
وزاد السخاوي على كلام شيخه ابن حجر بقوله: (ويؤيده قول أبي حاتم (3) في ترجمة أبي قلابة الجرمي أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، لكنه عاصرهم كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال في ذلك أنه "لا يعرف له تدليس"، ولذا قال شيخنا عقب حكايته في ترجمة أبي قلابة من تهذيبه (4) : "إن هذا مما يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء غير مكتف بالمعاصرة) (5) .
خامسًا: أن القول باشتراط اللقاء هو مذهب كبار أئمة النقد أمثال شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهم (6) ، بل قيل هذا محل إجماع.
قال علي بن المديني: (سمعت يحيى بن سعيد يقول: كلما حدث به شعبة--------------------------------------------
(1) صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (ص129) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/596) .
(3) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/58) .
(4) تهذيب التهذيب (5/226) .
(5) فتح المغيث (1/166) .
(6) يراجع الباب الأول، الفصل الرابع "الجذور التاريخية للمسألة"، فقد نقلت نصوصًا مهمة عن شعبة ويحيى بن سعيد تثبت أنهما يذهبان إلى اشتراط السماع في السند المعنعن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
عن رجل فقد كفاك أمره فلا تحتاج أن تقول لذلك الرجل سمع ممن حدث عنه؟) (1) .
وكما ترى فليس النص يخص من عرف بالتدليس ولكنه عام، فدل هذا على أن منهج شعبة ويحيى بن سعيد هو البحث عن سماع الرواة. وأنهما لم يجعلا الإدراك أو المعاصرة مع إمكانية اللقاء كافيًا للاحتجاج بالحديث المعنعن.
وقد حكى الإجماع على اشتراط اللقاء في الحديث المعنعن ابن عبد البر فقد قال: (اعلم - وفقك الله - أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة وهي:
1- عدالة المحدثين في أحوالهم.
2- ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة.
3- وأن يكونوا براء من التدليس) (2) .
وقال: (وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرت لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم) (3) .
وقال ابن رجب بعد أن نقل أقوالاً لبعض الأئمة تؤيد مذهب البخاري: (بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم) ، و (ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة، ويحيى، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم، التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولا يقول أحد منهم قط: لم يعاصره،--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/35) .
(2) التمهيد (1/12) ، وقد قال ابن الصلاح: (كاد أبوعمر بن عبد البر الحافظ أن يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك) . فرد عليه العراقي: (ولا حاجة إلى قوله كاد فقد أدعاه) انظر التقييد والإيضاح (ص83) .
(3) التمهيد (1/13) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وإذا قال بعضهم: لم يدركه فمرادهم الاستدلال على عدم السماع منه بعدم الإدراك) (1) .
وقال ابن رشيد في نقض هو بالغ القوة والحسن لما ذكره الإمام مسلم من انعقاد الإجماع على مذهبه: (وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك، بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا. فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن من غير المدلس إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه، وكأنك لما استشعرت توجه المطالبة عدلت على النقض باشتراط السماع في كل حديث.
وتبين الآن أنا قائلون بمحل الإجماع، وأنا لم نزد شرطًا بل أنت نقصته) (2) .
فهذا أهم ما يمكن أن يحتج به لمذهب البخاري في اشتراط اللقاء.--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/372، 375) .
(2) السنن الأبين (ص76) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
الفصل الخامس
منهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء
المبحث الأول: وصف لطريقة نقد البخار لسماعات الرواة.
المبحث الثاني: فرز النصوص النقدية.
المبحث الثالث: معالم في النصوص النقدية.
توطئة لهذا الفصل:
هذا الفصل قوامه وعماده على النصوص النقدية للبخاري المتعلقة باشتراط اللقاء في السند المعنعن.
وقد جمعت نصوص البخاري رحمه الله من كتبه النقدية وهي: "التاريخ الكبير"، "التاريخ الصغير"، "الضعفاء الصغير"، "جزء القراءة خلف الإمام"، "جزء رفع اليدين"، "خلق أفعال العباد".
والنصوص التي جمعتها كل نص له علاقة مباشرة باشتراط البخاري للسماع أو اللقاء مثل قوله: "لا يعرف سماع فلان من فلان" أو مثل قوله: "لا أدري أسمع فلان من فلان أم لا؟ " ونحو ذلك.
أما النصوص التي لها علاقة بالانقطاع، والتدليس، وما شابه ذلك فلم أدخلها في دراستي هنا لعدم علاقتها المباشرة بموضوع البحث وهو مسألة اشتراط السماع أو اللقاء في السند المعنعن.
وعدد النصوص التي جمعتها مما له صلة بموقف البخاري من هذه المسألة من الكتب السابقة، واحد ومائة نص من غير المكرر إذ قد يتكرر النص في "التاريخ الكبير"، "والتاريخ الصغير" أحيانًا.
وبعض هذه النصوص يجيء فيها نقد سماع راويين فأكثر في نص واحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
وعدد ذلك عشرة نصوص من إجمالي كل النصوص، وأحيانًا ينتقد البخاري سماع سند بأكمله دون تحديد لأسماء رواته الموجه لهم النقد وعدد ذلك أحد عشر نصًا من إجمالي كل النصوص.
وبعد جمع النصوص نظرت في أسلوب البخاري في نقده للسماعات، وألفاظه وتراكيبه التي استخدمها، ومضمون ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل.
ثم قمت بدراسة لنصوص البخاري، ثم فرزت تلك النصوص على أساس أسئلة طرحتها في بداية المبحث الثاني، وفي آخر هذا المبحث ذكرت ما خرجت به من نتائج هي ثمرة الإجابة على تلك الأسئلة.
ثم ذكرت في المبحث الثالث المعالم الأساسية لمنهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء في السند المعنعن.
المبحث الأول
وصف لطريقة نقد البخاري لسماعات الرواة
أولاً: يذكر نقده أحيانًا في غير الترجمة المتعلقة بالراوي المنتقد:
1- فمثلاً أخرج في ترجمة "أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبي الحسن الحراني" (1) حديثًا يرويه من طريق عثمان الطويل عن أنس بن مالك، ثم قال بعده: (ولا يعرف لعثمان سماع من أنس) (2) .
2- وأخرج أيضًا في ترجمة "جعفر بن ميمون أبي علي البصري بياع الأنماط" (3) حديثًا من طريق عمرو (4) عن ابن مسعود، ثم أتبعه بقوله: (ولا--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (2/2) .
(2) التاريخ الكبير (2/3) .
(3) التاريخ الكبير (2/200) .
(4) (ولعله يكون الكبالي) كما جاء فلي السند الذي أخرجه البخاري في تاريخه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود) (1) .
وفي نفس الترجمة أيضًا أخرج حديثًا من طريق طلحة بن عبيد الله بن عمرو عن ابن لعبد الله بن مسعود، ثم قال بعده: (ولا يعرف لطلحة سماع من ابن عبد الله) (2) . وفي كلا الطريقين لم يكن اسم جعفر بن ميمون موجودًا.
3- وأخرج في ترجمة "حرملة بن إياس الشيباني" (3) حديثًا من طريق عبد الله بن معبد عن أبي قتادة ولا أثر لاسم حرملة في سنده، ثم قال: (ولا يعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة) (4) .
4- وأخرج في ترجمة "سلم بن جعفر" (1) من طريق سلم نفسه عن سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام حديثًا ثم أتبعه بقوله: (ولا يعرف لسيف سماع من ابن سلام) (5) .
وذكر النقد في غير الترجمة المتعلقة بالراوي المنتقد إنما يكون أحيانًا - كما ذكرت آنفًا -، والغالب أن النقد يكون في نفس الترجمة الخاصة بالراوي المنتقد، ويظهر لي أن نقد البخاري لسماع بعض الرواة في غير الترجمة المتعلقة بالراوي المنتقد راجع لأحد سببين هما:
1- أن يكون صاحب الترجمة أحد رواة السند الذي فيه الراوي المنتقد، ووقع هذا في المثال الأول والرابع.
2- أن يكون الراوي المنتقد يروي حديثًا يشهد لحديث آخر رواه صاحب الترجمة، ووقع هذا في المثال الثاني والثالث.
ثانيًا: يذكر نقده غالبًا بعد ذكر سند الحديث:
في الغالب أن البخاري يتكلم على سماعات بعض الرواة بعد إخراجه لسند--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (2/200) .
(2) التاريخ الكبير (2/201) .
(3) التاريخ الكبير (3/67) .
(4) التاريخ الكبير (3/68) .
(5) التاريخ الكبير (4/158) ، ولمزيد من الأمثلة ينظر (1/412) ، (3/197) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
حديث ومتنه، أو لسند حديث فقط، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا (1) ، فمن ذلك:
1- قوله: (شعيب بن كيسان، أراه السمان، نا إسحاق أنا عمر بن عبيد الطنافسي عن شعيب بن كيسان عن أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن استغفر للمؤمنين رد الله عليه من آدم فما دونه"، ولا يعرف له سماع من أنس، ولا يتابع عليه) (2) .
2- قوله: (عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لم يكن نبي بعد نوح إلا أنذر الدجال قومه"، قاله موسى عن حماد بن سلمة عن خالد عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن سراقة، لا يعرف له سماع من أبي عبيدة) (3) .
3- وقوله: (وروى غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة) (4) .
وفي بعض الأحيان يتكلم البخاري على سماعات بعض الرواة دون أن يسوق حديثًا أو سندًا للراوي الذي وجه له النقد، ومن الأمثلة (5) على ذلك:
1- قال البخاري: (البراء بن ناجية الكاهلي قال لي ابن أبي شيبة عن قبيصة: هو المحاربي، وقال ابن عيينة: الكاهلي، عن ابن مسعود ولم يذكر سماعًا من ابن مسعود) (6) .
2- وقال: (الحسن بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي--------------------------------------------
(1) تبلغ نسبة هذا القسم أكثر من 75% من مجموع نصوص البخاري التي وقفت عليها.
(2) التاريخ الكبير (4/219) .
(3) التاريخ الكبير (5/97) .
(4) التاريخ الكبير (3/68) . وهذا النص مذكور في ترجمة حرملة بن إياس، وقد ساق البخاري قبله عدة أسانيد مختلفة.
(5) تبلغ نسبة هذا القسم ما يقارب من 25% من مجموع نصوص البخاري التي وقفت عليها.
(6) التاريخ الكبير (2/118) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
المدني، عن ابن عمرو، روى عنه يزيد بن أبي زياد، لا أدري سمع من ابن عمر أم لا؟) (1) .
3- وقال: (محمد بن نافع عن عائشة، ولم يذكر سماعًا منها، عنه الوصافي) (2) .
والأمثلة متعددة على ذلك (3) .
ثالثًا: يوجه نقده غالبًا لراو واحد:
في الغالبية العظمى من نصوص البخاري النقدية حول سماعات الرواة تكون موجهة لراو واحد، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها:
1- قال البخاري: (الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل، ولم يذكر سماعًا منه) (4) .
2- قال البخاري: (ولا يعرف سماع الحسن من دغفل) (5) .
3- وقال في محمد بن صفوان الجمحي الذي يروي عن سعيد بن المسيب: (لم يذكر سماعًا من سعيد فلا أدري أسمع منه أم لا؟) (6) .
وفي بعض الأحيان نجد الإمام البخاري يوجه نقده لسند ما، أو إلى أكثر من راو، ومن الأمثلة على ذلك:--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (2/294) .
(2) التاريخ الكبير (1/250) .
(3) للمزيد ينظر التاريخ الكبير (2/283) ، (3/450) ، (4/4) ، (3/271) ، (4/14) ، (5/192) ، (5/88) ، (5/159) ، (5/198) ، (6/9) ، (6/185) ، (6/418) ، (2/46) ، (1/110) ، (5/431) ، (3/80) ، (4/333) ، والعلل الكبير للترمذي (2/965) ، (2/964) ، (2/965) .
(4) التاريخ الكبير (2/283)
(5) التاريخ الصغير (1/56) .
(6) التاريخ الكبير (1/115) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
1- قال البخاري: (محمد بن ركانة القرشي، إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (1) .
2- وقال البخاري: (وهذا إسناد لا يعرف سماع يزيد من محمد، ولا محمد بن كعب من ابن خثيم ولا ابن خثيم من عمار) (2) .
3- … وقال في ترجمة حمران بن أبان: (ومن روى عنه فلم يذكر سماعًا، مسلم بن كيسان، وابن المنكدر، وزيد بن أسلم، وبكير، والمطلب بن حنطب، وابن أبي المخارق، وعبد الملك بن عبيد، وعثمان بن موهب) (3) .
وهذا النص هو الوحيد الذي انتقد فيه البخاري سماع ثمانية من الرواة في موضع واحد (4) .
رابعًا: لم يستخدم غير لفظ "السماع" في نصوصه النقدية:
جميع النصوص النقدية التي جمعتها للبخاري لم يستخدم فيها لفظ اللقاء كأن يقول: "لا أدري فلان لقي فلانًا أم لا؟ " أو "لا يعرف لقاء فلان لفلان" ونحو ذلك من العبارات بل لم يستخدم غير لفظ "السماع" في نقده، ومن ذلك:
1- قوله: (ولا يعرف لخثيم سماع من أبي هريرة) (5) .--------------------------------------------
(1) التاريخ الكبير (1/82)) . وانظر فيه السند.
(2) التاريخ الكبير (1/71) ، ويزيد هو ابن محمد بن خثيم، ومحمد هو ابن كعب القرظي، وابن خثيم اسمه محمد، وعمار هو ابن ياسر صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3) التاريخ الكبير (3/80) .
(4) وتبلغ نسبة هذا القسم الذي انتقد فيه البخاري سماع أكثر من راو واحد نحوًا من 20% من النصوص التي وقفت عليها، ولمزيد من الاطلاع بالنسبة لهذا القسم ينظر التاريخ الكبير: (1/43) ، (1/144) ، (2/27) ، (2/257) ، (3/203) ، (3/283) ، (3/512) ، (4/12) ، (4/13) ، (4/76) ، (4/204) ، (4/190) ، (4/333) ، (5/183) ، (5/192) ، (5/431) . وجزء القراءة (ص15، 59) ، وعلل الترمذي الكبير (1/112) .
(5) التاريخ الكبير (3/210) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)