كما أجمعوا على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل؛ أعظم أجراً عند الله تعالى ممن اختار الرخصة؛ وذلك لأن الصبر والأخذ بالعزيمة له منزلة رفيعة عند الله تعالى، وأولى من الأخذ بالرخص، ولو كانت مباحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر؛ فأمره ونهاه فقتله) (1) .
أما من نطق بالكفر، وقال: قصدت المزاح؛ فهو كافر ظاهراً وباطناً، إذ حكم الكفر يلزم الجاد، والهازل، والمازح على السواء، وفي الآخرة أمرهم إلى الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامداً لها عالماً بأنها كلمة كفر؛ فإنه يكفر بذلك ظاهراً وباطناً، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمناً، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام) (2) .--------------------------------------------
(1) (صحيح) رواه الحاكم في (المستدرك) . وانظر: (مجموع الزوائد) ج9، ص 268.
(2) (الصارم المسلول) ص 532.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
التأويل:
هو التلبس والوقوع في الكفر متأولاً من غير قصد لذلك.
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن التأويل السائغ - الذي له وجه في العلم واللغة العربية - يعتبر من موانع التكفير؛ إذا كان سببه القصور في فهم الأدلة الشرعية، أو الاستناد إلى الشبه التي تصرف عن اتباع الحق دون تعمد للمخالفة، أو المعارضة، أو التكذيب، أو الرد، أو العناد؛ بل اعتقاد العكس بأن الحق معه والتزمه بذلك.
وهذا النوع من المتأول إذا أخطأ، وكان من أهل الإيمان؛ فهو معذور حتى تقام عليه الحجة، وتزول عنه الشبهة.
وهذا النوع من التأويل مذموم؛ إذا لم يعطل بعض أحكام الشريعة المعلومة من الدين بالضرورة، ولكن يؤدي إلى المخالفة دون القصد؛ فهو من قبيل الخطأ الذي غالباً ما يكون سببه الجهل.
وإن كان مما يعطل بعض أحكام الشريعة؛ فهو أشد ذماً؛ لأنه من أصول الضلال والانحراف، وذريعة للغلو في الدين.
واتفق أهل السنة والجماعة - أيضاً - على أن هنالك تأويلات لا يعذر بها؛ كتأويلات الباطنية، والفلاسفة، وغيرهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
من الغلاة؛ لأن حقيقة أمرهم هي تكذيب للدين جملة وتفصيلاً، أو التكذيب لأصل لا يقوم الدين إلا به، أو عدم عبادة الله وحده؛ كإنكار الفلاسفة لحشر الأجساد، وقولهم إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، أو القول بتحريف القرآن، أو اعتقاد النفع والضر في الأموات كما يفعله غلاة القبوريين..
ونحو ذلك من الاعتقادات الغالية التي لا تعتمد على أصول شرعية.
فالتأويل - عند أهل السنة والجماعة - نوعان:
نوع يعذر به الإنسان، ونوع لا يعذر به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
التقليد: هو: (اتباع قول من ليس قوله حجة) .
والتقليد لا يكون إلا مع عدم معرفة الدليل الشرعي؛ لأنه اتباع قول الغير من غير معرفة دليله.
والاتباع هو الحجة في الإسلام، وهو العلم الصحيح؛ لأنه قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة، وما سوى ذلك يسمى تقليداً. والتقليد نوعان:
1- التقليد المباح: يكون في حق العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، ويعجز عن معرفتها، ولا يمكنه فهم أدلتها، ولكن له طلب الدليل الشرعي من المفتي؛ لأن المسلم من حقه أن يستوثق من أمر دينه.
2- التقليد المذموم: هو تقليد رجل واحد معين دون غيره من العلماء في جميع أقواله، أو أفعاله، ولا يرى الحق إلا فيه.
ذهب جمهور أئمة أهل السنة والجماعة إلى جواز التقليد في العقائد والأحكام للعامي، والذي يعجز عن فهم الحجة والنظر والاستدلال.
ويحرم التقليد على العالم، أو الذي يستطيع النظر والاستدلال؛ إذا اجتهد وبان له الحق في المسألة أن يقلد غيره، سواء كان ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
في العقائد أو الأحكام؛ لورود الأدلة في ذم التقليد والمقلدين.
واتفقوا على أن التقليد من موانع التكفير؛ لأن المقلد جاهل لا يفهم الدليل أو الحجة، ولا بصيرة له ولا فقه؛ فهو معذور حتى تقام عليه الحجة ويعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد؛ فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور الدليل له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد؛ فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام، فالعبرة بالمقدرة والعجز) (1) .--------------------------------------------
(1) (مجموع الفتاوى) ج 20، ص 203.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
العجز:
إن الشريعة الإسلامية سهلة ميسرة، ومحكمة شاملة لجميع نواحي الحياة، ومناسبة لجميع أحوال العباد حسب طاقاتهم وقدراتهم، وأحكامها مختلفة حسب حال العبد من السعة والرخاء، والعبد لا يكلف ما لا يطيق ولا يقدر على أدائه.
قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} (1) .
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن العجز عن أداء ما شرع الله تعالى أو عن أداء بعضه؛ يعتبر من موانع التكفير؛ إذا كان سببه انتفاء الإرادة وعدم الاختيار والرضا والقصد بذلك، واتقى صاحبه الله ما استطاع؛ فإنه معذور غير مؤاخذ على ما تركه.
كالذين بلغتهم دعوة الإسلام وهم في دار الكفر وأسلموا ولكن لم يتمكنوا من الهجرة إلى دار الإسلام، ولا الالتزام بجميع شرائعه؛ لأنهم ممنوعون من إظهار دين الإسلام، أو ليس عندهم من يعلمهم جميع شرائع الدين؛ فهؤلاء معذرون، وإن ماتوا على حالهم فهم من أهل الجنة إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) (مجموع الفتاوى) ج 20، ص 203.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
(10)
(تكفير أهل السنة والجماعة لمن ثبت كفره)
علمنا أن أئمة أهل السنة والجماعة كانوا يحترزون من تكفير المعين، وبينوا خطورة الإقدام على تكفير المسلم دون علم، ولكن لم يمنعهم هذا من الحكم بالكفر على من ثبت في حقه الكفر بشروطه الشرعية، ولم يترددوا في تكفير من كفره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن النصوص الشرعية دلت على جواز تكفير من ارتكب عملاً أو قولاً مكفراً؛ بل جعلوا تكفير الكافر من أصولهم في الاعتقاد، وحكموا بكفر من لم يكفر الكافر، أو يشك في كفره.
ويقول القاضي عياض رحمه الله إجماع العلماء على ذلك، فقال: فقالوا: (بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شك) (1) .
فاهتمامهم في تكفير الكفار والمشركين، أو من ثبت كفره، أو ردته؛ ليس لهوى في النفس؛ وإنما يريدون التعبد لله تعالى--------------------------------------------
(1) (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) ج2، ص 281.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
بذلك، والقيام بواجب الولاء والبراء، فمعرفة حال الشخص من إيمان، أو كفر، تحقق للمؤمن التعبد بمحبته إن كان مؤمناً، وكراهيته إن كان كافراً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) (1) .
فتكفير أهل السنة والجماعة للكفار، وعداؤهم لهم وبغضهم إياهم؛ ما هو إلا استجابة لله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (2) .
وكذلك حبهم للعبد نفسه إذا دخل في الإيمان بعد الكفر؛ استجابة لله جل وعلا، قال تعالى:
{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} (3) .--------------------------------------------
(1) (رواه أبو داود) في (كتاب السنة) باب: (الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه) .
(2) سورة البقرة، الآية: 161.
(3) سورة الأنفال، الأية: 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
فموالاة أهل السنة والجماعة ومعاداتهم للعبد مبنية على أساس صفات الإيمان والكفر التي تلازمه، قال الله تعالى:
{لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ} (1) .--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الأية: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
(11)
(ما يمحو الكفر بعد ثبوته على المعين)
أجمع أهل السنة والجماعة؛ على أن الكفر إذا ثبت ووقع في حق المعين؛ لم يمحه شيء إلا التوبة الصادقة وبشروطها المعروفة؛ لأن التوبة تمحو جميع الخطايا والسيئات.
والتوبة هي المانع الوحيد الذي يمنع إطلاق اسم الكفر على المعين بعد رجوعه عن الكفر الذي وقع فيه؛ بخلاف الموانع السابقة؛ التي تمنع إلحاق الكفر به ابتداء؛ حتى يزول المانع.
والله تعالى يقبل توبة العبد الصادق المقبل إليه إقبالاً صادقاً من قلبه، ويغفر جميع الذنوب والخطايا والمعاصي والكفر والشرك وما دونه، وأن كل من تاب وأناب إلى الله في هذه الدنيا؛ تاب الله عليه وغفر له، وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (1) .--------------------------------------------
(1) سورة الزمر، الآية: 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
وقال: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {73} أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) .
وقال: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (2) .
وقال: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} (3) .
وقال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ} (4) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فثبت بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن كل من تاب، تاب الله عليه. ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين، وقال:--------------------------------------------
(1) سورة المائدة، الآيتان: 73- 74.
(2) سورة التوبة، الآية: 11.
(3) سورة الأنفال، الآية: 38.
(4) سورة الزمر، الآية: 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
هو ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو معلم، أو مفتر، وتاب تاب الله عليه. وقد كان طائفة يسبون النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الحرب؛ ثم أسلموا، وحسن إسلامهم، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم:
منهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان قد ارتد، وكان يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: أنا كنت أعلمه القرآن؛ ثم تاب، وأسلم، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك) (1) .
أما من مات على الكفر؛ فقد استحق الوعيد والخلود في النار، وتحقق فيه قول الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا} (2) .--------------------------------------------
(1) (مجموع الفتاوى) ج 3، ص 291.
(2) سورة النساء، الآية: 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
نواقض الإيمان
قد علمنا فيما سبق - من هذه الرسالة - مضمون الإيمان عند أهل السنة والجماعة: تعريفه، وحقيقته، وشروطه، وأركانه، ومراتبه، ودرجاته، وثمراته، وصفات أهله، وخوارمه.
وعرفنا كل ذلك على النحو الذي بينه الله تعالى في كتابه العزيز، وبينه لنا رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة، من خلال أقوال وفهم أئمة السنة والجماعة.
فتبين أن الملتزمين العاملين بأوامر الله تعالى، والمتباعدين عن نواهيه؛ هم الصادقون حقاً وصدقاً في دعوى الإيمان.
والسعيد من تمسك وعمل بهذا الإيمان الذي كان يؤمن به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون ومن تبعهم بإحسان.
والشقي من صرف عن هذا الإيمان، وترك العمل، أو ترك بعضه، أو تهاون فيه؛ بمداخل الشيطان وخطواته؛ من جهل، وتأويل، وشبهة، واتباع للهوى؛ فهو في الحقيقة من الكاذبين الغاشين لأنفسهم لا غير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فإذا تبينت لنا حقيقة الإيمان على النحو الذي رضيه لنا الله تعالى، وجب علينا أن نعرف أن هذه الحقيقة لها نواقض تنقض عراها، عروة عروة؛ حتى تعري صاحبها منها، فالعبد المسلم قد يتصف بحقيقة الإيمان كما بينها أهل السنة والجماعة، ولكن قد يطرأ عليه اعتقاد أو قول أو عمل أو شك؛ يخرجه من حقيقة الإيمان إلى دائرة الكفر، وهو لا يشعر!
ونواقض الإيمان الاعتقادية والقولية والعملية التي يكفر بها صاحبها؛ كثيرة جداً لا يمكن حصرها هنا في هذه الرسالة، ولذلك سأورد أصول هذه النواقض، وبعض الأمثلة عليها (1) .
كما يجب أن نعلم قبل ذلك؛ أن الإيمان حقيقة كلية بأركانها ومسماها لا تقبل التجزئة، وتندرج تحتها فروع كثيرة، يجب الإيمان بجميعها جملة واحدة كما أمرنا الله تعالى؛ فإنكار أي فرع من فروعها، أو مسألة منها؛ هو كفر ببقية الفروع والمسائل، وخروج من دائرة الإيمان إلى حظيرة الكفر.--------------------------------------------
(1) (() ومن شاء البسط في معرفة أدلة نواقض الإيمان أكثر؛ فعليه الرجوع إلى مصادرها في كتب عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي كثيرة ومتوفرة، ولله الحمد والمنة، وقد ذكرت بعضها في نهاية هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
قال الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (1) .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً {150} أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} (2) .
ففي هذه النصوص - وغيرها كثيرة - دلالة واضحة وصريحة على أن الإيمان والالتزام يجب أن يكون كلياً غير منقوص، والإيمان لا يقبل التجزئة في عناصره وأركانه ومسماه.
والإيمان ينتقض بانتقاض عنصر واحد من عناصره، فمن طعن في مسألة جزئية من مسائله، أو استحل المعصية؛ كأنما طعن في الإيمان كله.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية: 85.
(2) سورة النساء، الآيتان: 150- 151.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
فالإيمان ليس أجزاء مفرقة مبعثرة نستطيع أن نأخذ من أركانها وعناصرها ما نشاء، ونترك ما نشاء، ثم نبقي في دائرة الإيمان!
فإن من قال قولاً، أو فعل فعلاً، أو اعتقد أمراً؛ يدل على إنكار شيء من عناصر الإيمان أو أجزائه أو أركانه؛ فقد نقض إيمانه، وخرج من دائرة الإسلام، وتنطبق عليه أحكام الردة؛ ولو آت ببعض أجزاء الإيمان.
وإذا لم يتب يكون من المخلدين في النار، والعياذ بالله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
نواقض الإيمان وأنواعها
بعد أن علمنا أن هنالك نواقض للإيمان، وجب علينا معرفة أنواعها، وهي التي تكون بالاعتقاد والقول والعمل.
ويمكن حصر هذه النواقض وتلخيصها في النقاط التالية:
- نواقض توحيد الله تعالى في ربوبيته.
- نواقض توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته.
- نواقض توحيد الله تعالى في ألوهيته.
- نواقض عموم الدين.
1- نواقض توحيد الله تعالى في ربوبيته:
فكل اعتقاد، أو قول، أو فعل؛ فيه إنكار لخصائص ربوبية الله تعالى، أو بعضها؛ كفر وردة.
أو ادعاء شيء من هذه الخصائص؛ كادعاء الربوبية، كما قال فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} (1) .--------------------------------------------
(1) سورة النازعات، الآية: 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
أو ادعاء الملك، أو الرزق، أو التصرف من دون الله تعالى، وغيرها من الأمور التي هي من أفعال الله تعالى وخصائصه، وكذلك يكفر من يصدق بهذه الدعوى، ومن الأمثلة على ذلك:
- الاعتقاد بأن لله تعالى شريكاً في الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير.
- الاعتقاد بأن الأولياء لهم تصرف في الكون مع الله تعالى.
- اعتقاد تأثير وتصرف غير الله تعالى؛ من الأبراج والكواكب ومساراتها ومواقعها على حياة الناس.
- الاعتقاد بأن المخلوق يمكنه أن يزرق المخلوق، أو يمنع عنه الرزق، أو يمكنه أن يضر، أو ينفع من دون الله تعالى.
- الاعتقاد بأن أحداً دون الله تعالى يعلم الغيب.
- اعتقاد حلول الله تعالى في خلقه، أو أن الله في كل مكان.
- الاعتقاد بأن الشفاء من الطبيب أو الدواء، أو اعتقاد التوفيق في حياة العبد من ذكائه، أو جهده واجتهاده.
- الاعتقاد بأن للمخلوق حقاً في سن القوانين وتشريعها، وهي تلك النظم التي تحكم في أموال الناس وأعراضهم.
وغيرها من الاعتقادات التي تناقض الإيمان وتبطله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
2- نواقض توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته:
فقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم صفات وأسماء، ونفى - سبحانه - كذلك عن نفسه صفات؛ فمن انتقص شيئاً مما أثبته الله لنفسه، أو أثبت لله تعالى شيئاً مما نفاه عن نفسه؛ فقد كفر، ومن الأمثلة على ذلك:
- إنكار أو جحد أسماء الله، أو صفاته، أو بعض أسمائه، أو بعض صفاته، أو إثبات صفات لله تعالى نفاها الله عن نفسه.
- الإلحاد في أسماء الله وصفاته، أو نفيها، أو جحد معانيها، أو تحريفها عن الصواب، وإخراجها عن الحق المراد بالتأويلات الباطلة، أو تعطيل الله سبحانه وتعالى عن صفات كماله، ونعوت جلاله؛ الثابتة في الكتاب والسنة.
- تشبيه صفات الله - جل وعلا - بصفات خلقه، أو وصفه تعالى بصفة يجب تنزيهه عنها، مثل: أن يزعم أن لله تعالى شريكاً، أو ولداً، أو يصفه - سبحانه - بالنوم، أو السنة، أو الغفلة.. إلى غير ذلك من صفات النقص التي تعتري ابن آدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
3- نواقض توحيد الله تعالى في ألوهيته:
توحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، أي: إفراده - جل وعلا - بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائناً من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى.
أي: أن الله تعالى وحده هو المعبود بحق، وأن ما سواه من المعبودات كلها باطل لا تستحق أي شيء من العبادة.
فمن اعتقد غير هذا، أو قال قولاً، أو فعل فعلاً، ينافي هذا المعنى، أو أنكر حق الله تعالى في ألوهيته، أو انتقص شيئاً منه، أو صرف شيئاً منه لغيره؛ فقد كفر، وارتد عن الإسلام.
فأكثر الأمم السابقة، وأكثر الناس في الإسلام وقعوا في الشرك أو الكفر في توحيد الألوهية؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون ربوبية الله تعالى؛ بل أقروا بأن الله تعالى هو الرب والخالق والرازق والمحي والمميت، ولكنهم صرفوا شيئاً من العبادة لغيره تعالى؛ فجعلهم الله في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة.
وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له؛ هي غاية الخالق جل جلاله من خلق عباده، ولذلك هي موضوع الامتحان للعبادة في الدنيا، قال تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)