Arabic source text

📘 মিনহাজুল মুহাদ্দিসিনা ফিল কারনিল আউয়্যালিল হিজরি ওয়া হাত্তা আসরিনাল হাদির (আলি আবদ আল-বাসিত মাজইয়াদ)

📘 منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر (على عبد الباسط مزيد)

📘 মিনহাজুল মুহাদ্দিসিনা ফিল কারনিল আউয়্যালিল হিজরি ওয়া হাত্তা আসরিনাল হাদির (আলি আবদ আল-বাসিত মাজইয়াদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
سعيد القطان، قال: والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء، قال: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أحد آمن على الحديث منه، ثم شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، ليس بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم1.
وقال أبو زرعة الرازي: أول شيء أخذ نفسي بحفظه من الحديث حديث مالك، فلما حفظته ووعيته طلبت حديث الثوري وشعبة وغيرهما، فلما تناهيت في حفظ الحديث نظرت في رأي مالك والثوري والأوزاعي وكتبت كتب الشافعي2.
وقال أبو داود السجستاني: رحم الله مالكًا كان إمامًا، رحم الله الشافعي كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا3.--------------------------------------------
1 المصدر السابق "ص31".
2 الانتقاء لابن عبد البر "ص32".
3 المصدر السابق "ص32".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

‌‌الإمام الشافعي "150-204هـ" 1:
هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب … إلخ، فيجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.
لم يظهر في علماء الإسلام مثله في فقه الكتاب والسنة، ودقة الاستنباط، وإقامة الحجة، وقوة البرهان والدليل، فكان مرجع أهل العلم في زمانه؛ حيث رحلوا إليه من كل حَدَب وصوب، ووفدوا إليه من كل فج عميق؛ لينهلوا من علمه، ويغترفوا من فقهه.
وتواترت أخباره بين علماء عصره، وبلغ في الفقه والاستنباط وقوة الحجة درجة تدعو إلى الدهشة والإكبار حتى نال -بكل جدارة- لقب "ناصر السُّنَّة"، وحتى قال الإمام أحمد بن حنبل: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث.
رحل إلى مالك بن أنس في المدينة ولازمه وأخذ عنه الفقه والعلم، كما رحل إلى العراق ثلاث مرات2 -حيث أبي حنيفة- فأخذ الفقه والعلم، فاجتمع له--------------------------------------------
1 راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "24/ 355- 381"، سير أعلام النبلاء "10/ 5- 99"، التاريخ الكبير "1/ 42"، التاريخ الصغير "2/ 302"، الجرح والتعديل "7/ 201"، حلية الأولياء "9/ 63- 161"، الانتقاء "ص65- 121"، تاريخ بغداد "2/ 56- 73"، طبقات الفقهاء للشيرازي "ص48 - 50"، طبقات الحنابلة "1/ 280"، ترتيب المدارك "2/ 382"، الأنساب "7/ 251- 254"، تاريخ ابن عساكر "14/ 395 - 418"، "15/ 1- 25"، صفة الصفوة "2/ 95"، تهذيب الأسماء واللغات "1/ 44- 67"، وفيات الأعيان "4/ 163-169"، تذكرة الحفاظ "1/ 361-363"، الكاشف "3/ 17"، الوافي بالوفيات "2/ 171-181"، مرآة الجنان "2/ 13 - 28"، البداية والنهاية "10/ 251- 254"، الديباج المذهب "2/ 156- 161"، تهذيب التهذيب "9/ 25"، النجوم الزاهرة "2/ 176، 177"، طبقات الحفاظ "ص152"، حسن المحاضرة "1/ 303، 304"، طبقات المفسرين "2/ 98"، مفتاح السعادة 2/ 88 - 94"، طبقات الشافعية لابن هداية الله "11- 14"، شذرات الذهب "2/ 9- 11"، مناقب الشافعي للشيرازي.
2 دخل الشافعي بغداد ثلاث مرات: الأولى في شبابه سنة "184هـ"، وقيل: قبلها في خلافة هارون الرشيد، والثانية سنة "195هـ" ومكث سنتين، والثالثة سنة "198هـ" فأقام بها شهرًا ثم خرج إلى مصر؛ حيث دخلها سنة "199هـ" وأقام بها حتى مات رحمة الله عليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، وتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره.
كان -رحمه الله تعالى- ذا فصاحة وبلاغة وبيان وحسن أدب. قال الإمام داود بن علي الظاهري: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أُوتي فيه فهمًا، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه.
وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو للشافعي في الصلاة وغيرها منذ أربع سنين لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم1.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي2.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس رحمه الله فقد كان صاحب سُنة وأثر وفضل وخير مع لسان فصيح طويل وعقل صحيح رصين3.
وقال أيضًا: قال لي أبي: الزم هذا الشيخ -يعني محمد بن إدريس الشافعي- فما رأيت أبصر بأصول العلم، أو قال: أصول الفقه منه4.
وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال لي: تعالَ حتى أريك رجلًا لم ترَ عيناك مثله، فأراني الشافعي5.--------------------------------------------
1 الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء "ص72".
2 المصدر السابق "ص76".
3 المصدر السابق "ص73"
4 المصدر السابق "ص73".
5 المصدر السابق "ص74".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

وقال إسحاق أيضًا: محمد بن إدريس الشافعي عندنا إمام1.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبة! أي رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر الدعاء الدعاء له، فقال: يا بني! كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض أو خلف؟ 2
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه مِنَّة3.
وقال هارون بن سعيد الأيلي الثقة الفاضل: ما رأيت مثل الشافعي قط، ولقد قدم علينا مصر فقالوا: قدم رجل من قريش فقيه، فجئناه وهو يصلي، فما رأينا أحسن وجهًا منه ولا أحسن صلاة فافتتنَّا به، فلما قضى صلاته تكلم فما رأينا أحسن منطقًا منه4.
وقال هارون أيضًا: لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الذي من الحجارة من خشب لأثبت ذلك؛ لقدرته على المناظرة5.
وكان إذا جاء سفيان بن عيينة شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا، ولما بلغه خبر موت الشافعي قال -أي ابن عيينة: إن مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه6.
وقد ولد -رحمه الله تعالى- بغزة سنة "105هـ" ومات ليلة الجمعة، ودفن بعد عصر ذاك اليوم الموافق آخر يوم من شهر رجب "204هـ" رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 المصدر السابق "ص77".
2 المصدر السابق "ص74، 75".
3 المصدر السابق "ص76".
4 المصدر السابق "ص87، 88".
5 المصدر السابق "ص88".
6 المصدر السابق "ص70".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

‌‌الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي "164-241هـ" 1:
خُرج به من مرو حملًا، وولد بغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.
ومناقبه -رحمه الله تعالى- أكثر من أن تُحصى أو تستقصى، ويمكننا الوقوف على بعض هذه المناقب من خلال تأمل بعض ما جاء على ألسنة الأئمة وأهل الفضل والعلم، وما نقله الحافظ الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الإمام أحمد.
قال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.
وقال قتيبة بن سعد: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب -يعني أحمد بن حنبل- وإذا رأيت رجلًا يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سُنة، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتيبة: يُضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وعدَّه الشافعي من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا وكلما قال شيئًا صدقه الكبار2.--------------------------------------------
1 راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "1/ 437- 470"، سير أعلام النبلاء "11/ 177- 358"، طبقات ابن سعد "7/ 354، 355"، التاريخ الكبير "2/ 5"، التاريخ الصغير "2/ 375"، الجرح والتعديل "1/ 292- 313"، "2/ 68- 70"، حلية الأولياء "9/ 161 - 233"، تاريخ بغداد "4/ 412- 423"، طبقات الحنابلة "1/ 4- 20"، تهذيب الأسماء واللغات "1/ 110 - 112"، وفيات الأعيان "1/ 63- 65"، تذكرة الحفاظ "2/ 431"، العبر "1/ 435"، تذهيب التهذيب "1/ 22"، الوافي بالوفيات "6/ 363- 369"، مرآة الجنان "2/ 132"، طبقات الشافعية للسبكي "2/ 27 - 37"، البداية والنهاية "10/ 325- 343"، النجوم الزاهرة "2/ 304 - 306"، طبقات الحفاظ "ص186"، شذرات الذهب "2/ 96 - 98"، طبقات المفسرين "1/ 70"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "1/ 69 - 71".
2 راجع: التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "1/ 69" لأبي المحاسن محمد بن علي الحسيني "715-765هـ" الناشر مكتبة الخانجي - بتحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

وقال علي بن خَشْرم: سمعت بشر بن الحارث يقول: أنا أُسأل عن أحمد بن حنبل؟ إن أحمد أُدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديث، لا أبالي من خالفني.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله.
وساق الحافظ ابن كثير أيضَا في "تاريخه"1 جملة من ثناء أهل العلم عليه، فقال:
قال يحيى بن سعيد القطان شيخ أحمد: ما قدم عليَّ من بغداد أحد أحب إلَيَّ من أحمد بن حنبل.
وقال علي بن المديني: إن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة2.
وقال أيضًا: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان.
وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا.
وقال أيضًا: أراد الناس أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مُقدَّم على كل مَن يحمل بيده قلمًا ومحبرة.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية "10/ 350".
2 التذكرة "1/ 69".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أفقه منه.
ولأحمد بن حمدان الحراني في كتابه "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي"1 كلام حسن أعقبه بنقل بعض أقوال الأئمة والعلماء في الإمام أحمد ثم مؤلفات الإمام أحمد.
قال أحمد بن حمدان: ولما كان من اللازم الالتزام بأهل الدين وعلماء الشريعة المبرزين، وأكابر الأئمة المتبعين المتبوعين، والمشهورين من المحققين المحقين المتدينين الورعين، والموفقين المسددين المرشدين، وكان الإمام العالم السالك الناسك الكامل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه قد تأخر عن أئمة المذاهب المشهورة، ونظر في مذاهبهم ومذاهب من قبلهم، وأقاويلهم وسبَرَها وخبرها، وانتقدها واختار أرجحها وأصحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل والتفصيل، فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل والإشارة بين الصحيح، مع كمال آلته وبراعته في العلوم الشرعية، وترحجه على مَن سبقه لما يأتي، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى من غيره بالاتباع والتقليد، وهذا طريق الإنصاف والسلامة من القدح في بعض الأئمة، وقد ادعى الشافعية ذلك في مذهب الشافعي أيضًا، وأنه أولى من غيره.
ونحن نقول: كان الإمام أحمد أكثرهم علمًا بالأخبار، وعملًا بالآثار، واقتفاء للسلف، واكتفاء بهم دون الخلف، وهو من أجلهم قدرًا وذكرًا، وأرفعهم منزلة وشكرًا، وأسدهم طريقة وأقومهم سطرًا، وأشهرهم ديانة وصيانة وأمانة وأمرًا، وأعلمهم برًّا وبحرًا، قد اجتمع له من العلم والعمل والدين والورع والاتباع والجمع والاطلاع والرحلة والحفظ والمعرفة والشهرة بذلك كله ونحوه ما لم يجتمع مثله لإنسان، وأثنى عليه أئمة الأمصار، وأهل الأعصار وإلى الآن، واتفقوا على إمامته وفضيلته واتباعه لمن مضى بإحسان، وأنه إمام في سائر علوم الدين، مع الإكثار والإتقان، وكان أولى--------------------------------------------
1 انظر: كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي "ص74-80" لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي "603-695هـ" طبع المكتب الإسلامي - بيروت.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

بالاتباع، وأحرى بالبعد عن الابتداع، وقد صنف الناس في فضائله ومناقبه كتبًا كثيرة، تدل على أمانته ورجحانه على غيره؛ فلذلك ونحوه تعين الوقوف على بابه، والانتماء إليه، والاقتداء به، والاهتداء بنور صوابه، والاهتداء بهديه في وروده وإيابه، والاقتفاء لمطالبه وأسبابه، والاكتفاء بصحبة أصحابه، ولأن مذهبه من أصح المذاهب وأكمل، وأوضح المناهج وأجمل؛ لكثرة أخذه له من الكتاب والسنة، مع معرفته بهما وبأقوال الأئمة، وأحوال سلف الأمة، وتطلعه على علوم الإسلام، وتطلعه من الأدلة الشرعية والأحكام، ودينه التام وعلمه العام، والثناء عليه من أكابر العلماء وشهادتهم له بالإمامة والتقدم على أكثر القدماء، وإطنابهم في مدحه وشكره، وإسهابهم في نشر فضله وذكره، ولم يشكوا في صحة اعتقاده وانتقاده، وأن الصحة تحصل بإخباره، والنفرة بإنكاره، والعبرة باعتباره، والخبرة باختباره؛ بل يرجعون في دينهم إليه، ويعولون عليه، ويرضون بما ينسب إليه، ولو كذب عليه. فلله الحمد إذ وفقنا لاتباع مذهبه، والابتداء بتحصيله وطلبه، وللانتهاء إلى الرضاء به لصحة مطلبه.
وهذا وأمثاله قليل من كثير، ونقطة من بحر غزير، والغرض الحث على اتباعه ومعرفة أتباعه في العلوم واتساع باعه رضي الله عنه، وجعلنا من أتباعه، وحشرنا في زمرة أتباعه، وقد ذكرنا جملة من مناقبه وكلام العلماء في مدحه وإمامته في كتب أخرى، ولو لم يقل فيه الناس سوى ما نذكره الآن لكان فيه أبلغ غاية وأنهى نهاية، وفي بعضه كفاية:
قال الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السُّنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر.
وقال: خرجت من بغداد وما خلفت بها أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
وقال لأحمد: أنتم أعلم منا بالحديث، فإذا كان الحديث كوفيًّا أو شاميًّا فأعلموني حتى أذهب إليه.
وقال: كل مافي كتبي: حدثني الثقة … فهو أحمد بن حنبل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)

وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا غرب مثله.
وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويدع ما شاء، وعد الأئمة وقال: كان أحمد أفقه القوم.
وقال أبو القاسم الختلي: كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه.
وقال الخلال: كان أحمد بن حنبل إذا تكلم في الفقه تكلم بكلام رجل قد انتقد العلم فتكلم على معرفة.
وقال أحمد بن سعيد: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد.
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع، وما رأيت مثله، وما قدم علينا مثله، قال أبو يعقوب: وما رحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رحل إلى عبد الرزاق.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وكان أحمد أفقههم فيه.
وقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث ونظر إليهم لكان هو المقدَّم، وقيل: تقيس أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وقال: أحمد وإسحاق إماما الدنيا.
وقال أبو بكر بن داود: لم يكن في زمن أحمد مثله، وقال عبد الوهاب الوراق: كان أحمد أعلم أهل زمانه، وهو من الراسخين في العلم، وما رأيت مثله، قال: وقد أجاب عن ستين ألف مسألة بأخبرنا وحدثنا، وقال أبو ثور:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)

أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خيل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه.
وقال إسحاق بن راهويه: أنا أقيس أحمد إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يدرك فضله.
وقال ابن مهدي: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إمامًا في بطن أمه.
وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب، وقال: حزرنا استشهادات أحمد في العلوم فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث فيما يتعلق بالأحكام، وقال: ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه وزهد وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم والفقه والزهد والمعرفة وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه.
وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يذاكرني بألفي ألف حديث.
وقال مهنا: ما رأيت أجمع لكل خير من أحمد، وما رأيت مثله في علمه وفقهه وزهده وورعه.
وقال الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتَى سيكون حجة على أهل زمانه.
وقال أحمد: رحلت في طلب العلم والسُّنة إلى الثغور والشامات والسواحل والمغرب والجزائر ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين جميعًا وفارس وخراسان والجبال والأطراف، ثم عدت إلى بغداد، وقال: استفاد منا الشافعي أكثر مما استفدنا منه.
وقال أبو الوفاء علي بن عقيل: قد خرج عن أحمد اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ وشاد لهم، وربما زاد على كبارهم، وله التصانيف الكثيرة؛ منها: "المسند" وهو بزيادة ابنه عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، ومنها التفسير، وهو مائة ألف وعشرن ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، ومنها الزهد، وهو نحو مائة جزء، ومنها الناسخ والمنسوخ، ومنها المقدم والمؤخر في القرآن، وجوابات أسئلة، ومنها المنسك الكبير والمنسك الصغير، والصيام والفرائض، وحديث شعبة، وفضائل الصحابة، وفضائل أبي بكر، وفضائل الحسن والحسين، والتاريخ، والأسماء والكنى، والرسالة في الصلاة، ورسائل في السُّنة والأشربة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن، وغير ذلك كثير1.
ومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير، قال الشريف أبو جعفر الهاشمي: لا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، ولعلهم مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر مشايخه؛ كعبد الرزاق، وابن عُليَّة، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، ومعروف الكرخي، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر، نصًّا أو إيماء، وهو من ولد شيبان بن ذهل لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزار. اهـ.--------------------------------------------
1 وقد ذكر له ابن النديم في "فهرسته" "ص285" "العلل والرجال"، وذكره العقيلي أيضًا في كتابه: "الضعفاء الكبير" "3/ 239".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)

‌‌الباب الثالث: منهاج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر
‌‌الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري
‌‌المبحث الأول: أهم المشكلات التى واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري

الباب الثالث: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري
الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري
يعتبر القرن الثالث الهجري أزهى عصور السُّنَّة وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية، وخبراء الجرح والتعديل، كما سعد بالتآليف الخالدة والمصنفات الهامة في الحديث وعلومه المختلفة، وعلى رأسها الكتب الستة "صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه" التي جمعت أصول الإسلام وفروعه، وفيه أيضًا اعتنى أئمة الحديث بالكلام على الأسانيد والرجال، وبيان منزلتهم في الجرح والتعديل، هذا بالرغم من المشكلات الخطيرة التي واجهت علماء الحديث.
- وإليك توضيح كل ما سبق من خلال عدة مباحث نعرضها فيما يلي:
المبحث الأول: أهم المشكلات التي واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري
في هذا القرن -وخاصة بمجيء المأمون للخلافة "198- 218هـ"- أمسك المحدثون عن رواية أحاديث الصفات والرؤيا، فقد جاء المأمون، فوجد العلماء فريقين مختلفين، ووجد الخلاف محتدمًا بين علماء الكلام والفقهاء والمحدثين، فقد خاض علماء الكلام في مسائل عدة في أصول الدين خالفوا فيها الجمهور، وأهم هذه المسائل وأشهرها مسألتان:
- إحداهما: مسألة أفعال العباد:
فيرى المعتزلة أن أفعال العباد مخلوقة لهم، لا لله تعالى؛ ولهذا استحقوا عليها الثواب والعقاب، بينما رأى الجمهور أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس للعباد فيها سوى جريانها على أيديهم بكسبهم واختيارهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)

- الثانية: مسألة صفات الله تعالى:
فيرى المعتزلة أن الله تعالى منزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته كالسمع والبصر والقدرة والكلام والحياة، بينما رأى الجمهور أن هذه الصفات قديمة قائمة بذات الله تعالى ليست عين الذات ولا غيرها.
والخلاف في هذه المسألة أدى إلى خلاف في القرآن الكريم، فرأى الجمهور أنه كلام الله، وأنه قديم؛ لأنه صفة لله تعالى، ولكن المعتزلة يرون أنه مخلوق وحادث.
وكان الخليفة المأمون عالمًا1 ميالًا إلى حرية البحث والمناظرة، فأفسح المجال أمام المتكلمين، فنشبت المعركة الكبيرة بينهم وبين المحدثين، وكان المأمون يعقد لهم مجالس للمناظرة والمحاورة أملًا في الاتفاق على رأي، ولكن هيهات … فلما أخفق في القضاء على هذا الخلاف أراد أن يرغم الفقهاء والمحدثين على قبول رأي المعتزلة الذي مال إليه واعتنقه -وهو أن القرآن مخلوق- واعتبر المأمون أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر -وهم المخالفون- "لا نظر لهم ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلال عن حقيقة دينه … " وغير ذلك من القذف الذي رمى به الفقهاء والمحدثين، مما جاء في كتابه إلى عامله على بغداد "إسحاق بن إبراهيم الخزاعي"، بينما هو كان يغزو بلاد الروم حتى أنه وصفهم في هذا الكتاب بأنهم شر الأمة وإخوان إبليس.
وأمر عامله هذا بأن يمتحن القضاة والمحدثين في هذه المسألة، وأن يقتل كل مَن لم يقل بخلق القرآن، وقال له: "فمن لم يجب فامنعه من الفتوى والرواية".
وأنفذ المأمون وصيته إلى أخيه المعتصم بالسير على طريقته في مسألة خلق القرآن، ففعل المعتصم، وأمر المتعلمين بأن يعلموا الصبيان رأي المعتزلة في هذه المسألة.--------------------------------------------
1 سمع الموطأ، واطلع على الفلسفة اليونانية وأقوال حكماء الفرس، وأمر بترجمة الكثير من كتب الروم، وأصبح عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني العباس.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)

وقتل المعتصم في ذلك كثيرًا من العلماء، وأهان كثيرًا من أهل الحديث، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الذي أصر على رأيه، فأُوذي كثيرًا.
ومات المعتصم "227هـ"، وجاء ابنه "الواثق" فأحيا الفتنة، وأمر أمير البصرة أن يمتحن الأئمة والمؤذنين في مسألة خلق القرآن، وقتل وأهان في ذلك الكثير من العلماء والمحدثين، وقد ساعد الواثق في ذلك وزيره أحمد بن أبي دؤاد الذي كان على رءوس الاعتزال.
ولكن الواثق ملَّ هذه المحنة فرجع عنها في آخر عمره، وسخط على "أحمد بن أبي دؤاد"؛ ولكن بعد إهانة المحدثين والفقهاء، وقتل وأذى الكثيرين منهم، من قبل الدولة والمعتزلة الذين قويت شوكتهم، ونالوا من أهل السنة، وانتقموا منهم، وخاصة بعد أن قربهم الخلفاء، وأخذوا بزمام الوزارات والقضاء.
وولي "المتوكل على الله بن المعتصم" الخلافة بعد أخيه الواثق "232هـ" فرفع المحنة، وأظهر ميلًا عظيمًا إلى السُّنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، واستقدم المحدثين إلى "سامراء"، وأكرمهم وأجزل لهم العطاء.
فحدثوا بأحاديث الصفات والرؤيا، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألفًا أيضًا، ودعا الناس للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه حتى قال بعضهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السُّنَّة وإماتة التجهم1.
وكما ابتُلي المحدثون في هذا القرن بهذه المحنة التي انتصر عليهم فيها المعتزلة،--------------------------------------------
1 راجع: البداية والنهاية "10/ 272"، تاريخ الخلفاء للسيوطي "ص204"، والحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهو "ص316- 322"، طبع دار الكتاب العربي، بيروت.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)

ابتلوا أيضًا بشرذمة انتسبوا لأهل الحديث، منهم المرتزقة والقصَّاصون والذين يتكسبون بالحديث، والجهلة بأحكام الشرع وأمور الدين.
وقد عاصرت هذه الفئة الضالة المحنة فاستغلتها أحسن استغلال، فأصبح أمام المحدثين عبء آخر يتمثل في محاربة الوضاعين من الزنادقة والقصاصين في هذه الفترة مستغلين انشغال العلماء بهذه المحنة.
ومما يحمد للمحدثين في المحنة سلامة موفقهم حيث الإمساك عن الخوص في مسألة خلق القرآن وغيرها، فأغلقوا بذلك أبوابًا من الشر لا نهاية لها؛ منها: استدراجهم إلى عقائد المعتزلة خاصة، وهم بموقفهم هذا حافظوا على الالتزام بمنهج السلف الصالح، فجزاهم الله عن الدين وأهله الجزاء الأوفَى.
- نتائج محنة خلق القرآن على الحديث والمحدِّثين:
نوجز هذه النتائج فيما يلي:
أولًا: السمو بمكانة المحدثين الذين أبوا إلا اتباع منهج السلف وعدم الخوض في هذه المسائل، وفي المقابل الحط من مكانة الذين خاضوا فيها.
ثانيًا: وضع الأحاديث، واختلاق الروايات من قِبَل أهل الأهواء والزنادقة والكذابين والمارقين عن الدين، ومن ذلك روايتهم عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: القرآن مخلوق؛ فقد كفر"1.
وروايتهم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ما في السماوات والأرض وما بينهما مخلوق غير الله والقرآن؛ وذلك أنه كلامه، منه بدأ، وإليه يعود، وسيجيء أقوام من أمتى يقولون: القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر--------------------------------------------
1 الموضوعات لابن الجوزي "1/ 107" كتاب التوحيد، الباب الأول: باب في أن الله عز وجل قديم، بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الدارقطني: محمد بن عبيد يكذب، ويضع الحديث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)

بالله العظيم، وطلقت امرأته من ساعته؛ لأنه لا ينبغي للمؤمنة أن تكون تحت كافر، إلا أن تكون سبقته بالقول"1.
وزعم الزنادقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لما أراد الله خلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك"2.
وقد كان للشعوبية دور في هذا الوضع، فهي قد نمت في القرن الثاني الهجري؛ ولكنها بلغت أوجهًا في القرن الثالث الهجري، ومما وضعوه واختلقوه: أنهم زعموا أن الأعاجم ذكرت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لأنا بهم أوثق مني بكم"3، وقول العربي فيما نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "العرب سادات العجم"4.
ثالثًا: الطعن في أهل الحديث وأئمة المسلمين وحتى الصحابة رضي الله عنهم وذلك من قِبَل أهل الأهواء الذين رموهم بالجهل الكبير، وادعاء الحديث، ورموهم بصفات المرتزقة، وقد استغل المستشرقون ذلك.
رابعًا: كان لهذه المحنة أثر في التجريح والتعديل، فمن جهة كان المأمون يرد رواية من لم يقل بخلق القرآن، ويحكم بفسق الشهود والقضاة إن لم يقروا بذلك.
ومن جهة أخرى سجل علماء الجرح والتعديل الذين خاضوا في هذه المسألة وعدُّوا ذلك جرحًا مؤثرًا.--------------------------------------------
1 المجروحين لابن حبان "2/ 312"، ميزان الاعتدال "4/ 63"، تذكرة الموضوعات "ص181" رقم "606"، وقال: فيه محمد بن يحيى بن رزين، دجال يضع الحديث.
2 الموضوعات لابن الجوزي "1/ 105" كتاب التوحيد، الباب الأول: باب في أن الله عز وجل قديم - الحديث الأول في الباب، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع مثل هذا مسلم، وإنه لم أرك الموضوعات وأدبرها، إذ هو مستحيل؛ لأن الخالق لا يخلق نفسه، وقد اتهم علماء الحديث بوضع هذا الحديث محمد بن شجاع.
3 نقلًا عن الحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهو "ص339" طبع دار الكتاب العربي، بيروت.
4 كشف الخفاء للعجلوني "2/ 75" رقم "1723" وقال: ليس بحديث؛ بل هو من كلام بعضهم، وهو صحيح بالنظر للجنس.
وقال القاري: لا أصل له، ومعناه صحيح. الأسرار المرفوعة لعلي القاري "رقم 245"، طبعة مؤسسة الرسالة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)

ووضع الزنادقة حديث: "من أراد بر والديه فليعطِ الشعراء"1.
ووضعوا أيضًا حديث: "النظر إلى وجه عليٍّ عبادة"2.--------------------------------------------
1 تذكرة الموضوعات "ص200" رقم "730"، المجروحين "1/ 119"، الميزان "1/ 18"، اللسان "1/ 31".
وقال ابن القيسراني: فيه إبراهيم بن إسحاق بن عيسى البغدادي، كذاب، والحديث باطل.
2 تذكرة الموضوعات "ص269" رقم "1109" وقال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني "ت507هـ"، فيه الحسن بن علي العدوي هو كذاب دجال. وهو أيضًا في المجروحين "1/ 241"، الميزان "1/ 507"، اللسان "2/ 129".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)

‌‌المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري
أولًا: أهم وأشهر المصنفات في الحديث الشريف
ألَّف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري "194 - 256هـ" كتاب: "الجامع الصحيح" الذي عده العلماء أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
وألف الإمام مسلم بن الحجاج "206 - 261هـ" كتابه الصحيح الذي يلي صحيح الإمام البخاري من حيث الصحة.
وألف أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني "202- 275هـ" كتابه "السنن".
وألف أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي "209 - 279هـ" كتابه الجامع.
وألف أحمد بن شعيب النسائي "215-303هـ" كتابه "السنن الكبرى" ثم "المجتبى من السنن".
وألف أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني "207-275هـ" كتابه "السنن".
وغيرها من المصنفات في الحديث الشريف.
ثانيًا: أهم وأشهر المصنفات التي ألفت في نقد الحديث
زخر القرن الثالث الهجري بأئمة وحفاظ وخبراء بعلل الحديث، ومعرفة الجرح والتعديل، استفادوا من جهود السابقين، وأضافوا إليها كثيرًا من جهودهم، ودوَّنوا ذلك في مصنفاتهم، ومن هؤلاء: البخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم وابنه عبد الرحمن، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبزار، والترمذي، وغيرهم.
- ففي الصحابة: ألف الإمام محمد بن عبد الله بن عيسى المروزي "220-293هـ" "كتاب المعرفة".
- وفي الكنى: صنف كل من البخاري والنسائي والترمذي وغيرهم، فضلًا عن كتاب "الكنى والأسماء" لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي "224-310هـ" جمع فيه خلقًا من المعروفين بكناهم، وذكر كثيرًا من رواياتهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)

- وفي تواريخ الرجال وأحوالهم: صنف الإمام البخاري "التاريخ الكبير"، و"التاريخ الأوسط"، و"التاريخ الصغير"، و"الضعفاء". وألف الإمام أبو إسحاق الجوزجاني "ت259 أو 256هـ" "الجرح والتعديل" و"الضعفاء"، وألف ابن خيثمة "تاريخ الثقات والضعفاء"، وألف الترمذي "كتاب التاريخ"، وألف ابن ماجه "كتاب التاريخ" أيضًا جمع فيه الرجال من عصر الصحابة إلى وقته، وألف ابن أبي حاتم "240 - 327هـ" كتابه "الجرح والتعديل".
- وفي علل الحديث: صنف ابن أبي حاتم "240-327هـ" "علل الحديث"، وألف الأئمة: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، والترمذي، والبزار، ويعقوب بن أبي شيبة "المسند المعلل"، ويعتبر كتاب يعقوب بن أبي شيبة أفضل ما صُنف في هذا الباب، ولم يكمله، وألف محمد بن يحيى الذهلي "علل حديث الزهري"، وألف أبو جعفر بن جرير الطبري "224-310هـ" كتابه "تهذيب الآثار" جمع فيه أخبارًا مرتبة على طريقة المسند وبيَّن فيها عللها.
- وفي المراسيل: ألف أبو داود السجستاني كتابه "المراسيل" ورتبه على الأبواب الفقهية، وألف ابن أبي حاتم كتابه "المراسيل" أيضًا، جمع فيه معظم الرواة الذين لهم روايات فيها انقطاع في السند، ورتبه على حروف المعجم.
- وفي الأوهام: ألف الإمام مسلم كتاب "بيان أوهام المحدثين".
- وفي مختلف الحديث: ألف الإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري "ت276هـ" كتابه: "تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث" ليرد فيه على أعداء الحديث، ويزيل التناقض الذي أثاره مخالفو أهل الحديث في الرأي أو في المنهج.
ومعظم هذه المصنفات نقلت إلينا نقلًا صحيحًا ومطبوعة بين أيدينا الآن1.--------------------------------------------
1 راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص64، 65".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)

‌‌المبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري
يمكن حصر مناهج العلماء وطرق المحدِّثين في ثلاثة طرق:
- الطريقة الأولى: جمع الطعون التي وجهها أهل الكلام للمحدثين، سواء ما كان يرجع إلى ما حملوه من الحديث الشريف، أو ما كان يرجع إلى أشخاصهم من العدالة والضبط.
ومثال ذلك: أبو محمد بن مسلم بن قتيبة "ت276هـ"1 في كتابه: "تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء الحديث"، دافع فيه عن السُّنَّة وأهلها، وذكر فيه طعون المعتزلة في أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، ثم فند هذه الطعون جميعًا، ثم تناول بعض الطاعنين في الحديث وأهله؛ ومنهم: أبو الهذيل العلاف، وعبيد الله بن الحسن، وهشام بن الحكم.
كما تناول ابن قتيبة الجاحظ -خطيب المعتزلة- وبين أنه متذبذب في العقيدة، وأنه يكذب ويضع الحديث نصرة لمذهبه، وأنه يستهزئ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر أهل الحديث، وبيَّن أنهم يلتمسون الحق من طريقه الصحيح، ودافع عنهم، وبرأهم مما ينسب إليهم، كما ذكر أسباب حملهم للأحاديث؛ حيث إنهم ينحلون المتون والأسانيد جميعًا، ويميزون صحيحها من سقيمها، ويبينونه للناس.
وقام بالجمع بين الأحاديث التي زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة، فرفع عنها التناقض، وأزال عنها الإشكال، كما سجل على أهل الكلام تعصبهم الذي أعماهم عن الحق.--------------------------------------------
1 من تصانيفه: غريب القرآن، غريب الحديث، إعراب القرآن، مشكل القرآن، مشكل الحديث، عيون الأخبار، إصلاح الغلط، كتاب التفقيه، كتاب الخليل، كتاب الميسر والقداح، المسائل والجوابات، وغيرها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)