Arabic source text

📘 মিনহাজুল মুহাদ্দিসিনা ফিল কারনিল আউয়্যালিল হিজরি ওয়া হাত্তা আসরিনাল হাদির (আলি আবদ আল-বাসিত মাজইয়াদ)

📘 منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر (على عبد الباسط مزيد)

📘 মিনহাজুল মুহাদ্দিসিনা ফিল কারনিল আউয়্যালিল হিজরি ওয়া হাত্তা আসরিনাল হাদির (আলি আবদ আল-বাসিত মাজইয়াদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف

الفصل السابع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف
يرجع تفاوت الصحابة رضي الله عنهم في رواية الحديث إلى عدة أسباب؛ منها ما يلي:
أحدها: طول الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وطول مدة ملازمته له، وكثرة مصاحبته في السفر والحضر.
ثانيها: طول الأجل بعد وفاته كان مدعاة للإكثار من تحمل الحديث وروايته، ومَن مات في حياة النبي أقل رواية ممن مات بعده.
ثالثها: الانشغال بأمور الخلافة والحروب؛ ولذلك نجد الخلفاء أقل رواية من كثيرين غيرهم، فالشواغل تعيق الكثرة تحملًا ورواية.
رابعها: ظهور الحوادث المختلفة؛ حيث يحتاج الناس إلى بيان أحكامها؛ فحينئذ يظهر الحرص على طلب الحديث لمعرفة الأحكام الشرعية في هذه الحوادث وغيرها.
خامسها: وقوع الفتنة وظهور الكذب في الرواية من أصحاب البدع الداعين إلى بدعتهم من شيعة وخوارج وغيرهم.
سادسها: كثرة الأتباع وقلتهم ونشاطهم وخمولهم كان له الدور الكبير في كثرة الرواية وقلتها.
سابعها: التفرغ للعبادة والانشغال بها.
ثامنها: الحيطة من الرواية مخافة وقوع الخطأ أو التحريف، ولأن الكذب في الحديث يبوء بصاحبه إلى النار.
تاسعها: التفاوت في الحفظ قوة وضعفًا.
عاشرها: الاستعداد الفطري والموهبة.
أحد عشر: ضعف الطريق إلى بعض الصحابة فيترك هذه الطريق؛ ولذلك لم يخرج أصحاب الصحيحين عن أبي عبيدة بن الجراح شيئًا1.--------------------------------------------
1 انظر: علوم الحديث للحاكم "ص130".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

‌‌الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف
‌‌مدخل

الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف 1
من عهد النبوة والنساء شقائق الرجال في خدمة الدين ورواية الحديث الشريف، وقد بلغ عدد الصحابيات اللاتي روين الحديث في مسند الإمام أحمد "141" صحابية، وإن كان بعضهن لم يروِ إلا حديثًا واحدًا.
وقد كان لأمهات المؤمنين2 خاصة رضي الله عنهن فضل عظيم في تبليغ الدين، ونشر السنة النبوية بين الناس وخاصة بين النساء، فكانت حجراتهن رضي الله عنهن مدارس يقصدها طلاب العلم، فيجد السائل عندهن جوابه والمستفتي فتواه، والشاك يقينه … ومن نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن تعددت هذه المدارس بتعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم حيث توفي صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة أو إحدى عشرة كلهن سمعن منه وشاهدن تفاصيل حياته المعيشية والعبادية على تفاوت بينهن في الحفظ والرواية.
ولقد كان لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن مكانة جليلة لدى الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين، كما كان الناس يستنكرون أن يسألهم أحد أو يستفتيهم في الأحوال الخاصة مع وجود أمهات المؤمنين3.--------------------------------------------
1 يراجع هذا البحث في كتاب: دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الثلاثة الأولى "ص45-90" رسالة ماجستير -لآمال قرداش بنت الحسين- العدد رقم "70" من كتاب الأمة.
2 تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم عن تسع من النساء متفق عليهن لم يختلف فيهن اثنان؛ وهن: سودة وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة رضي الله عنهن جميعًا- ولم نذكر خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، وهو ظاهر في كونهما لم ترويا شيئًا، فخديجة رضي الله عنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، انظر الإصابة "4/ 276"، وتوفيت زينب بنت خزيمة سنة أربع للهجرة. الإصابة "4/ 39".
3 قال مروان: كيف نسأل وفينا النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى أم سلمة رضي الله عنها في حديث: ترك الوضوء مما مست النار، رواه النسائي في كتاب الوليمة، باب رقم "35".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

‌‌دور أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في رواية الحديث:
الحديث عن عائشة رضي الله عنها يأخذ أبعادًا شتى، في فضلها أو سَعَة علمها أو فقهما أو أدبها.
- مناقبها رضي الله عنها:
مناقب عائشة رضي الله عنها كثيرة منثورة في كتب السنة، بفضلها ومكانتها، ولقد فتحت رضي الله عنها عينيها في بيت قد نوَّره الله بنور الإسلام، فكانت تقول: "لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدين"1. فنشأت في هذا البيت النقي العظيم البركات تحت رعاية أبيها أبي بكر رضي الله عنها أحب رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم2- وأول مَن ساند الدعوة الإسلامية، وأنفق من ماله ليشتد عود الإسلام.
ثم انتقلت رضي الله عنها إلى البيت النبوي وهي ما زالت صبية تلعب3، فاستقبلها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فأتم رعايتها وتوجيهها، فصلب عودها في بيت كان منزل الوحي، وكتب له فيما بعد أن يكون منارة من منارات العلم، وفوق هذا أحبها صلى الله عليه وسلم حبًّا شديدًا كان يعلن به، وكثيرًا ما كانت تفخر بهذه المزية، وتعدها ضمن الخصال الكثيرة التي حباها الله تعالى بها دون سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعًا4، ولو لم يكن لها رضي الله عنها إلا هذه المنقبة لكفتها. فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا طيبًا. وكانت مظاهر حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها بيِّنة عليه، وكان يعتبر إيذاء--------------------------------------------
1 صحيح البخاري "3/ 18"، كتاب المناقب، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة "3905" عن عائشة.
2 سأل عمرو بن العاص النبي: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة"، فمن الرجال؟ قال: "أبوها". أخرجه البخاري في كتاب المغازي، غزوة ذات السلاسل "4358" عن عمرو.
3 قالت عائشة رضي الله عنها: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد متوفى خديجة وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مجممة، وصنعنني ثم أتين بي إليه". رواه أبو داود في السنن، كتاب الأدب "1435"، وسنده صحيح، ومجممة: أي ذات جُمة بالضم، وهي مجتمع شعر الرأس، وهي أكثر من الوفرة، وما سقط على المنكبين، انظر: لسان العرب "2/ 107".
4 كانت عائشة رضي الله عنها تقول: "فضلت عليكن بعشر ولا فخر … " فذكرت حب النبي صلى الله عليه وسلم لها، ذكره الذهبي في السير "2/ 147".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

عائشة رضي الله عنها من إيذائه، معللًا ذلك بأن الوحي كان ينزل عليه في لحافها دون غيرها من نسائه، فقال صلى الله عليه وسلم: "فإنه والله ما نزل عليه وهو في لحاف امرأة منكن غيرها" 1.
وقد تعددت بذلك مناقبها وفضائلها، وقد جمع لها الزركشي في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" أربعين منقبة لها وحدها لم تشترك معها فيها امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأفضلية كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على بيانها للناس؛ ليعرفوا قدرها فقال كما روى البخاري: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" 2.
ويعلق الإمام الذهبي على هذا الحديث بقوله: "وقرائن تدل على أن هذه الأفضلية بأمر إلهي، وإن هذا من أسباب حبه صلى الله عليه وسلم الشديد لها"3.
وقد أدرك الناس مكانة عائشة عند النبي -صلى الله عليه وسلم4- وقبيح كل مَن ينال منها، كما صرح بذلك عمار بن ياسر وهو يرد على رجل نال من عائشة بقوله: "اغرب مقبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! "5.
- سعة علمها رضي الله عنها:
لقد وهبها الله تعالى ذكاء وذاكرة قوية وحفظًا سريعًا، فقد نشأت في بيت أبي بكر رضي الله عنه وعاشت في بيت النبوة، ونهلت من المعين النبوي الصافي، وعُرِفت--------------------------------------------
1 صحيح البخاري "3/ 63"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة، عن عائشة - حديث رقم "3775".
2 صحيح البخاري "4/ 1895"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة عن أنس - حديث رقم "246".
3 انظر: سير أعلام النبلاء "2/ 137".
4 راجع: صحيح البخاري "3/ 63"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة، من حديث عائشة رقم "3755". وفيه قصة، وقد رواه الحاكم مختصرًا بنحو اللفظ المذكور هنا، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي "المستدرك 4/ 10".
5 سنن الترمذي "5/ 707" كتاب المناقب، باب فضل عائشة رضي الله عنها حديث "3888". وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

بالتطلع الواسع إلى الاستفادة من العلم والفَهْم، فكانت كثيرة السؤال والاستفسار، شديدة التمحيص والتنقيب، وقد شهد لها بذلك الأكابر، فعن أبي مليكة رضي الله عنه قال: "إن عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلا راجعت فيه حتى تعرفه"1.
- علمها بالقرآن:
لقد كانت رضي الله عنها -وهي صبية تلعب- تسمع الآية من القرآن فتحفظها وتضبط مكان نزولها ووقت النزول؛ حيث تقول: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] ، وما نزلت البقرة ولا النساء إلا وأنا عنده2.
ثم بعد أن انتقلت إلى البيت النبوي حضرت الكثير من نزول القرآن، وإن الوحي كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في لحافها؛ لذلك وصفت أحواله حين نزول الوحي عليه3، الأمر الذي جعلها تلتقط الآية من فم النبي صلى الله عليه وسلم فتحفظها وتعي الأحكام والمقاصد4، فجمعت إلى حفظ القرآن معرفة معانيه وتفسيره، فأصبحت من كبار المفسرين للقرآن الكريم، وساعدها على ذلك معرفتها باللغة العربية وأشعارها وآدابها5، وكان لها مصحف خاص بها جمعت القرآن إلى تفسيره؛ ولذا كان بحجم المصحف ثلاث مرات6.
- علمها بالحديث رضي الله عنها:
لقد كانت رضي الله عنها من كبار المحدثين المتميزين، وحُفاظ السنة المتقنين الضابطين،--------------------------------------------
1 صحيح البخاري "1/ 54" كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع فيه حتى يعرفه، عن ابن أبي مليكة "103".
2 صحيح البخاري "3/ 301" كتاب التفسير، تفسير: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} عن عائشة "4876".
3 صحيح البخاري "1/ 13، 14"، كتاب بدء الوحي، عن عائشة "302".
4 كانت عائشة تقول: "إن الآية تنزل علينا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحفظ حلالها وحرامها وأمرها وزجرها … ". انظر: أعلام النساء، رضا كحالة "3/ 106"، مؤسسة الرسالة بيروت.
5 كانت عائشة تقول: "رويت للبيد ألف بيت" سير أعلام النبلاء، الذهبي "2/ 140".
6 الإتقان في علوم القرآن، السيوطي "1/ 96"، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

وقد امتازت عن غيرها من الصحابة أنها سمعت تلك الأحاديث مشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم وأنها انفردت برواية أحاديث لم يروها عنه غيرها لمكانتها عنده.
ولذلك يرجع الفضل إليها في نقل السنة النبوية ونشرها بين الناس، ولو لم تنقلها لضاع قسم كبير منها، خاصة في الأمور التي تتعلق بتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ومع أهله.
وكان حفظها لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإتقانه مرجعًا للصحابة فيما اختلفوا فيه من الأحاديث، فيجدون عندها الجواب الشافي الذي يحسم الخلاف ويرد الشك1، وقد كان أبو هريرة من عادته الجلوس إلى حجرة عائشة يُسمعها ما يحدث به الناس، ثم يقول: "يا صاحبة الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئًا؟ "2.
وقد بلغت درجة عالية في التمكن من العلم حتى صارت مرجعًا لكبار الصحابة، و"صار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلًا عن حكم، أو حديث، أو شيء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره"3.
- فقهها رضي الله عنها:
إن عائشة رضي الله عنها كانت فقيهة جدًّا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها4، وجزم الإمام الزهري بأنها أفقه نساء الأمة على الإطلاق5، وذكر ابن حزم أن فتواها يمكن أن تجمع في سِفْرٍ ضخم6.--------------------------------------------
1 وقد حظيت استدراكاتها على الصحابة باهتمام العلماء، وصنفوا في ذلك، كما فعل الزركشي في الإجابة، وأبو منصور عبد المحسن بن محمد البغدادي "411-489هـ" وغيرهم.
2 صحيح مسلم "4/ 194" فضائل أبي هريرة عن عائشة "2493".
3 انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل "6/ 87"، دار صادر بيروت.
4 فتح الباري، ابن حجر "7/ 17"، دار الريان للتراث، القاهرة ط2، 1987م.
5 سير أعلام النبلاء، الذهبي "2/ 135".
6 تلقيح فهوم أهل الأثر، لابن الجوزي "ص305" مكتبة الآداب، القاهرة، وكذا جوامع السيرة، لابن حزم "ص134" طبعة كراتشي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

وأقوال العلماء المشهود لهم بالفضل والعلم في مكانة عائشة رضي الله عنها العلمية تعكس إمامة عائشة رضي الله عنها فيما ورثته من العلم النبوي، فقد كانت من القلة القليلة التي حظيت بهذا المركز المرموق، وكان يأتيها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن عويص العلم ومشكله، فتجيبهم جوابًا مشبعًا بروح التروي والتحقيق، وقد شهد لها بهذا أبو موسى الأشعري إذ قال: "ما أُشكل علينا -أصحابَ محمد- أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علم"1.
وكانت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد استقلت بالفتوى مدة خلافة أبي بكر وعمر إلى أن تُوفيت2.
- علمها بالطب والشعر وأخبار العرب:
وكما كانت عائشة مرجعًا مهمًّا في الشئون الفقهية والتشريعية وكبيرة محدثات عصرها، كانت من أبرع الناس في الطب والشعر وأحاديث العرب وأنسابهم، قال ابن أختها عروة بن الزبير: "لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا سنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا ولا كذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من أين تعلمتيه؟ فقالت: كنت أمرض فيُنعت لي الشيء، أو يمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه"3.
كما امتازت بفصاحة اللسان، وبلاغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم، وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم، فعن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والخلفاء هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من مخلوق أفخم ولا أحسن من فِي عائشة4.--------------------------------------------
1 سنن الترمذي: المناقب، فضل عائشة "3928" وقال: حسن صحيح.
2 سير أعلام النبلاء "2/ 145".
3 سير أعلام النبلاء "2/ 184" وقال فيه المحقق: رجاله ثقات.
4 المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري "4/ 11" دار المعرفة، بيروت.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

كما كان لأم المؤمنين دورها في حياة المسلمين في مختلف مجالات الحياة، ولم تكن بمنأى عن الأحداث التي مرت بالمسلمين خلال حياتها التي اقتربت من السبعين، وكانت لها مواقف مشهورة، وآثار معروفة في الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بالمسلمين بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان، وقد سجلت كتب التاريخ كثيرًا من الأحداث التي تركت فيها أم المؤمنين لمسات بارزة1.
- تلاميذها رضي الله عنها:
لقد شاع علم السيدة عائشة رضي الله عنها وانتشر فضلها، وفاقت غيرها في الفرائض والسنن والفقه.
وروى عنها خلق كثير من طبقات مختلفة، وقد قضت حياتها -التي قاربت السبعين- تروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفتي في الدين، فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ابنة تسع، وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، فكانت من آخر أمهات المؤمنين وفاة رضي الله عنهن جميعًا- وقد استفاد الناس من ذلك كثيرًا، فتيسر لكبار الصحابة وصغارهم، وكبار التابعين وصغارهم، السماع منها والإفادة من علمها وفقهها.
وقد روى عنها من الصحابة أبوها أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن الجرشي، والسائب بن يزيد، وعمرو بن العاص، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وصفية بنت شيبة، وغيرهم.
وروى عنها من آل بيتها: عروة بن الزبير ابن أختها أسماء، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وأختها أم كلثوم، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث، وبنتا أختها عبد الرحمن: حفصة وأسماء، وابن أختها أسماء عبد الله--------------------------------------------
1 لمزيد من التفصيل في دور عائشة السياسي انظر أعلام النساء، عمر كحالة "3/ 30".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

ابن الزبير، وحفيدا أسماء: عباد وحبيب ولدا عبد الله بن الزبير، وبنت أختها أم كلثوم عائشة بنت طلحة … وغيرهم.
ومن مواليها: ذكوان، وأبو يونس، وفروخ.
ومن التابعين: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد النخعي، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والشعبي، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وخيرة أم الحسن البصري، وصفية بنت أبي عبيد، وعلقمة بن قيس، وابن أبي مليكة، وسليمان بن يسار، وخلق سواهم.
- مروياتها رضي الله عنها:
روت أم المؤمنين عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير الطيب، وحديثها منثور في كتب الحديث المختلفة، ولتتضح مرتبتها بين المكثرين في الرواية نورد هنا عدد مرويات كل واحد من المكثرين مرتبين حسب الكثرة1:
1- أبو هريرة: رُوي له عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا2.
2- عبد الله بن عمر: ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا "2630".
3- أنس بن مالك: ألفان ومائتان وستة وثمانون حديثًا "2286".
4- عائشة: ألفان ومائتان وعشرة أحاديث "2210".
5- عبد الله بن عباس: ألف وستمائة وستون حديثًا "1660".--------------------------------------------
1 تلقيح فهوم أهل الأثر، ابن الجوزي "363"، جوامع السيرة، لابن حزم "ص275، 276"، وقال أحمد بن حنبل: هم ستة لم يذكر فيهم أبو سعيد الخدري. انظر: الباعث الحثيث "85".
2 ذكر لها هذا العدد ابن حزم في جوامع السيرة "275"، والذهبي في السير "3/ 139"، والزركشي في الإجابة "33"، والسيوطي في تدريب الراوي "2/ 217".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

6- جابر بن عبد الله: ألف وخمسمائة وأربعون حديثًا "1540".
7- أبو سعيد الخدري: ألف ومائة وسبعون حديثًا "1170".
فإذا كانت عائشة رضي الله عنها تروي "2210"1 حديثًا، فهل تحتل الدرجة الرابعة باعتبار كثرة الرواية عامة2، أما باعتبار الكثرة في الكتب الستة فتحتل الدرجة الثانية بعد أبي هريرة مباشرة؛ إذ له في الكتب الستة ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعون حديثًا "3370"، ورُوي لعائشة في الكتب الستة ألفا حديث وواحد وثمانون حديثًا "2081"2.
- واتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا "174".
- وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا "54".
- وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثًا "69"3.
وبهذا يصبح مجموع حديثها عند الشيخين مجتمعًا ومنفردًا "297"4.
- محتوى مروياتها:
المتفحص لكتب الحديث المختلفة -كالصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع- يلحظ كثرة روايتها وتنوعها، وأن مروياتها طرقت معظم أبواب الأحكام، وإن غلب على مروياتها طابع الأفعال على الأقوال، ولا سيما ما يتعلق بأعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيتية والمعيشية، كما تميزت عائشة رضي الله عنها في مروياتها بنقل أحكام النساء الخاصة بهن، ولم يضارعها في ذلك أحد.
إن مروياتها تناولت أحاديث تتعلق بأبواب الإيمان والوحي والعلم والقراءة--------------------------------------------
1 وقول أحمد شاكر في الباعث الحثيث: "أكثر الصحابة رواية للحديث أبو هريرة ثم عائشة ثم … " غير دقيق، والصحيح الترتيب الذي ذكره ابن حزم في جوامع السيرة "275" أي: الدرجة الرابعة.
2 اعتمدت في هذا العدد على ترقيم تحفة الأشراف للمزي من مسند عائشة "11/ 348، و12/ 448".
3 سير أعلام النبلاء، الذهبي "2/ 139".
4 ذكره ابن الجوزي في تلقيح الفهوم "ص403".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

التفسير، وآداب قضاء الحاجة، والوضوء والغسل في يوم الجمعة، وفي الجنابة، وبمسائل في الحيض والاستحاضة، وما يتعلق بجواز مباشرة الرجل الحائض، وقد برعت وفاقت غيرها في هذا المجال …
وكذا أحاديث في التيمم، تتعلق بسبب نزول آية التيمم -وهي صاحبة القصة- وكذا حوت مروياتها أبوابًا في الصلاة تتعلق بالأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وبكيفية فريضة الصلوات، وأحاديث في الأذان، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤذنين، وأحاديث تتعلق بأحكام الصلاة، وما ورد من الأذكار والأدعية خلالها وفي دبرها، وبالإمامة، وفضل الجماعة، وأحاديث في المساجد وآدابها وفضلها، وحضور النساء المساجد، وأحاديث بخصوص صلاة العيدين، والخسوف والكسوف، وما يتعلق بالسنن الراتبة والنوافل وقيام الليل، وصلاة التراويح، وما ورد في الوتر، وصلاة الجنازة وما يتعلق بها من ثياب الكفن، وأحاديث في إثبات عذاب القبر، والتحذير من اتخاذ القبور مساجد، وغير ذلك مما يتعلق بالقبور وأهلها.
كما تناولت مروياتها أحاديث كثيرة في الصدقة وأجرها، وإنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وكذا اشتملت على أحاديث كثيرة في الصوم تتعلق بمسائل شتى في تحري هلال شعبان لمعرفة هلال رمضان، وفي السحور، وفي الصائم الذي يصبح وهو جنب، وتقبيل الصائم، وأحاديث في صيام التطوع، وأخرى في الاعتكاف، وفي تحري ليلة القدر، وفي قضاء الصيام، وفي النهي عن الوصال في الصوم، وأيضًا روايات كثيرة جدًّا في الحج تتعلق بالتلبية وأنواع الحج الثلاثة، واستعمال الطيب قبل الدخول في الإحرام وقبل طواف الإفاضة وبعد التحلل الأصغر، وبفتل القلائد للهدي، وبعدد عُمَرِ النبي صلى الله عليه وسلم وعمرة عائشة نفسها من التنعيم ونزول المحصب، وما يتعلق ببناء الكعبة وفضلها.
وكذا روايات في الأضاحي وفي الذبائح وبعض ما يتعلق بهما نحو العقيقة، كما أن لها مرويات في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

البيوع وما يتعلق بها، وفي العتق، والمكاتبة. وتشتمل على أحاديث في باب اللباس، والأطعمة، والأشربة، والطب فيما يتعلق بعلاج المريض والدواء وبالرقية والدعاء، وبأحاديث في النذور والشهادات، وأيضًا أحاديث تتعلق بالجهاد، والمغازي، والإمارة.
كما تتضمن مروياتها مجموعة من الأحاديث تدور حول النكاح وحسن المعاشرة بين الزوجين، والطلاق وما يتعلق به، وروايات في أبواب الحدود، وأبواب المناقب والسير، وجملة كبيرة من الأحاديث في الآداب المعيشية، وفي البر والصلة، كما روت أحاديث في الزهد والرقاق، وأحاديث في الفتن، وأشراط الساعة، والقدر، وما يتعلق بالقيامة، وأحاديث في الاستغفار، والدعاء، والتوبة.
- مكثرو الرواية عن عائشة رضي الله عنها ورواياتهم عنها في الكتب الستة:
نبغ كثير من تلاميذ عائشة رضي الله عنها وأصبحوا بدورهم مثابة لطلاب العلم يضرب الناس إليهم أكباد الإبل ابتغاء ما ورثوه من علم عائشة، فتلاميذها أوعية حافظة لعلمها، نذكر هنا ستة، هم أكثر الرواة المكثرين عنها رضي الله عنها:
1- عروة بن الزبير: ابن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، مشهور من الثانية مات سنة 94هـ على الصحيح، مولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، وهو أكثر رواية عن خالته عائشة رضي الله عنها حتى روى عنها وحده "1050" حديثًا من مجموع أحاديثها البالغ عددها "1999"، وهو نصف مسندها1.
قال عنه الزهري: "كان عروة بحرًا لا ينزف ولا تكدره الدلاء"2، وقد كان شديد الملازمة لخالته عائشة، كثير السؤال، مما كان يثير غبطة طلاب العلم من كثرة دخوله عليها؛ فأصبح مرجعًا لعلمها.--------------------------------------------
1 انظر: سير أعلام النبلاء "4/ 421-437"، طبقات ابن سعد "5/ 178"، وأعداد الأحاديث مأخوذة من تحفة الأشراف للحافظ المزي.
2 سير أعلام النبلاء "4/ 428".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

2- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق1: التيمي أبو عبد الرحمن، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، ومن كبار الثالثة، مات سنة "106هـ" على الصحيح، قُتل أبوه محمد سنة "38هـ" في مصر لما قدم أميرًا عليها من قبل علي بن أبي طالب، فبقي القاسم يتيمًا في حجر عمته عائشة رضي الله عنها.
وكان يلازمها مع ما عرف به من النباهة، وهو حديث السن مما يسر له استيعاب ما تسمعه آذانه وإدراك ما يحفظه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فتاوى من عائشة وغيرها، وله "137" حديثًا يرويها عنها في الكتب الستة فقط.
3- الأسود بن يزيد النخعي2: الكوفي أبو عمرو، الثقة، العابد، من الثانية، روى الأسود عن عائشة "117" حديثًا في الكتب الستة فقط.
4- عمرة بنت عبد الرحمن3: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، وكانت في حجر عائشة، مدنية تابعية ثقة ثبت حجة، قال ابن حبان: "كانت من أعلم الناس بحديث عائشة"، وقال ابن سعد: "كانت عالمة"، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة … كما شهد لها الزهري بقوله: "فأتيتها -أي عَمْرَة- فوجدتها بحرًا لا ينزف". ولها في الكتب الستة "72" حديثًا ترويها عن عائشة رضي الله عنها.
- أصح الأسانيد عن عائشة:
من ذلك:
1- هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة4.--------------------------------------------
1 المصدر السابق "5/ 53-60".
2 سير أعلام النبلاء "4/ 50-53"، طبقات ابن سعد "6/ 70"، وتذكره الحفاظ للذهبي وغيرها.
3 سير أعلام النبلاء "4/ 507، 508"، طبقات ابن سعد "8/ 484"، وتهذيب الكمال وغيرها.
4 شرح الباعث الحثيث، أحمد شاكر "11".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

2- يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمرو بن حفص العمري، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قال ابن معين: ترجمة مشبكة الذهب1.
3 عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قال ابن معين: "ليس إسناد أثبت من هذا"2.
4- أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة3.
5- الزهري، عن عروة، عن عائشة4.
فمن خلال هذا الغرض الموجز جدًّا في حق أكبر المحدثات عبر العصور، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ندرك الجهود الكبيرة التي قدمتها للأمة الإسلامية، فكانت وما زالت رضي الله عنها قدوة النساء والرجال في العلم والفقه والزهد وسائر أعمال المعروف.--------------------------------------------
1 معرفة علوم الحديث الحاكم "ص55"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1977م.
2 الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، تحقيق أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي، بيروت ط1986م، والنكت لابن حجر، المجلس العلمي لإحياء التراث الإسلامي، المدينة، ط1.
3 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي "2/ 229"، مكتبة المعارف، الرياض، ط1983م.
4 طرح التثريب شرح التقريب، زين الدين العراقي "1/ 22" دار المعارف، حلب، سوريا، دون ذكر الطبعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

‌‌دور أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في رواية الحديث:
- ترجمتها وفضلها:
هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أبوها أحد أبناء قريش المعدودين، وأجوادهم المشهورين، وكان يُدعَى بـ"زاد الراكب"1.
كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الصحابي ذو الهجرتين، ابن عمة المصطفى صلى الله عليه وسلم برَّة بنت عبد المطلب، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وكانت وزوجها من السابقين الأولين، وهاجرا مع العشرة الأولين إلى الحبشة، حيث وُلد ابنهما "سلمة".
ثم هاجر إلى المدينة بعد قدومهما مكة بعد بيعة العقبة2، فكانت أم سلمة رضي الله عنها بهذا أول ظعينة دخلت المدينة، وفي المدينة عكفت رضي الله عنها على تربية صغارها، وعكف زوجها على الجهاد، فشهد بدرًا وأحدًا وأبلى فيها بلاء مشهودًا، ورُمي في عضده، ثم انتكأ هذا الجرح فظل به حتى مات سنة أربع للهجرة "4هـ"، وكان من دعاء أبي سلمة: "اللهم اخلفني في أهلي بخير"، فأخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على زوجته أم سلمة، فصارت أمًّا للمؤمنين، وعلى بنيه: سلمة، وعمر، وزينب، فصاروا ربائب في حجره المبارك صلى الله عليه وسلم وذلك سنة أربع للهجرة "4هـ".
وكانت أم سلمة رضي الله عنهما آخر مَن مات من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها قتل الحسين، لم تلبث بعده إلا يسيرًا، وانتقلت إلى الله تعالى سنة "62هـ"، وكانت قد عاشت نحوًا من تسعين سنة3.--------------------------------------------
1 زاد الراكب: أنه كان إذا سافر، فخرج معه الناس، فلم يتخذوا زادًا معه ولم يوقدوا، يكفيهم ويغنيهم. انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة "زود" "3/ 198".
2 انظر: السمط الثمين "87"، والسيرة النبوية لابن هشام، دار الجيل "2/ 80، 81".
3 سير أعلام النبلاء، الذهبي "2/ 209".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)

وأما منزلتها في قوة البلاغة، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، ودقة الفهم، فقريبة من منزلة السيدة عائشة رضي الله عنهما، وقد أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بما يدل على ذلك؛ حيث أشارت عليه بأن يتقدم الناس بنحر الهدي والحلق لما امتنعوا أن ينحروا ويحلقوا ليحلوا من الإحرام، فلما فعل ذلك قام الناس فنحروا وحلقوا1.
كما كانت تُعد من فقهاء الصحابة ممن كان يفتي؛ إذ عدها ابن حزم ضمن الدرجة الثانية التي تشمل متوسطي الفتوى بين الصحابة رضي الله عنهم حيث قال: "المتوسطون فيما روى عنهم من الفتوى: عثمان، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأم سلمة … " إلى أن عدهم ثلاثة عشر، ثم قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير"2.
- مروياتها رضي الله عنها وتلاميذها:
روت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها الكثير الطيب؛ حيث تعد ثاني راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ لها جملة أحاديث قدرت حسب كتاب بقي بن مخلد ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا "378". اتفق لها البخاري ومسلم على ثلاثة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر3.
ومجموع مروياتها حسب ما ورد في تحفة الأشراف مائة وثمانية وخمسون حديثًا "158"4.--------------------------------------------
1 زاد المعاد "2/ 125"، الإصابة "4/ 440"، وانظر الحديث في صحيح البخاري "2/ 279" كتاب الشروط.
2 جوامع السيرة، ابن حزم "134"، تلقيح فهوم الآثر، ابن الجوزي "305".
3 سير أعلام النبلاء "2/ 101".
4 تحفة الأشراف، للحافظ المزي "13/ 3 - 82".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)

- محتوى مروياتها رضي الله عنها:
كان وجود أم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما خاصة بين الصحابة، وتأخر وفاتهما بعد النبي صلى الله عليه وسلم من العوامل المهمة التي جعلت الناس يقصدونهما خاصة للسؤال والفتيا، وبعد وفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سنة "58هـ"، تربعت أم سلمة رضي الله عنها على باب الرواية؛ لكونها آخر مَن تبقى من أمهات المؤمنين، الأمر الذي جعل مروياتها كثيرة؛ إذ جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية والفتن … إلخ.
ففي أبواب الطهارة روت في: غسل الجنابة، وغسل الرجل مع زوجه، وكيفية اغتسال النساء، وفي دخول الحائض والجنب المسجد، والنوم مع الحائض في لحاف واحد، والاستحاضة، وفي ذيول النساء وما يطهرها … وغيرها.
وفي أبواب الصلاة وما تعلق بها من أحكام روت في: الركعتين بعد العصر، وهي صاحبة هذه الرواية، وقد أخذتها عنها عائشة وغيرها، كما روت في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية صلاته، ووتره ونوافله، وروت في الدعاء دبر الصلاة، كما روت في عدم قضاء الحائض الصلاة، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا، والمرأة تصلي في درع وخمار ليس لها إزار إذا لم تظهر قدماها، وفي القنوت …
وفي الزكاة روت في: الإنفاق على الأولاد والزوج، وفي فضل الصدقة، في زكاة الحلي.
وفي أبواب الصوم روت في: الجنب يدركه الفجر، وفي القُبْلة للصائم، وفي فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وفي الصوم في ذي الحجة.
كما روت في أبواب الحج: في حج النساء، وفي ما بين بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وفيمن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى، وفي طواف الخروج.
وروت أيضًا في الجنائز: في الدعاء للميت، والدعاء عند المصيبة، والنهي عن اكتحال الحادَّة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)

وروت في الأدب، وفي ستر العورة، وفي رفع الرأس إلى السماء عند الخروج من البيت، والمرأة ترخي من إزارها ذراعًا، وروت في الأشربة، والنهي عن عجم النوى طبخًا، وخلط النبيذ بالتمر، وفي النكاح، روت زواجها، وفي الإحداد والرضاع. كما روت في المغازي، والمظالم والفتن، في الجيش الذي يخسف به، وفي المهدي، وروت في المناقب في ذكر علي وذكر عمار.
فهذا الكم من المرويات وغيرها -كما نلاحظ- تغلب عليه الصفة العلمية مع وجود مرويات في غير ذلك، في الأقوال النبوية وفي الأدعية، مما يعطي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها شهادة أيضًا على حفظها واهتمامها بما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروايته للناس.
وقد نقل عنها مروياتها جيل من التلاميذ رجالًا ونساء، من مختلف الأقطار؛ حيث روى عنها رضي الله عنها خلق كثير:
- فمن الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وأبو سعيد الخدري، وعمر بن أبي سلمة، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة بن الحصيب الأسلمي، وسليمان بن بريدة، وأبو رافع، وابن عباس.
- ومن التابعين: أشهرهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن أبي مليكة، وعامر الشعبي، والأسود بن يزيد، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، ونافع بن جبير بن مطعم … وآخرون.
- ومن النساء: ابنتها زينب، وهند بنت الحارث، وصفية بنت شيبة، وصفية بنت أبي عبيد، وأم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرة بنت عبد الرحمن، وحكيمة، ورميثة، وأم محمد بن قيس.
- ومن نساء أهل الكوفة: عمرة بنت أفعى، وجسرة بنت دجاجة، وأم مساور الحميري، وأم موسى "سُرِّيَّة علي"، وجدة ابن جدعان، وأم مبشر1.--------------------------------------------
1 تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج يوسف المزي "35/ 319".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)

‌‌دور أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها في رواية الحديث:
بعد أم المؤمنين أم سلمة التي تحتل المرتبة الثانية من حيث كثرة الرواية بين كل الروايات عمومًا وبين أمهات المؤمنين خصوصًا، تأتي أم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وأم المؤمنين حفصة، في الدرجة الثالثة، وقد صنفهن بقي بن مخلد في أصحاب العشرات بهذا الترتيب1.
- ترجمتها وفضلها رضي الله عنها:
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية2، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد وابن عباس.
تزوجها أولًا مسعود بن عمر الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة "7هـ" في ذي القعدة، وبَنَى بها بسَرِف3.
كانت ميمونة رضي الله عنها من سادات النساء، وخير شهادة على ذلك ما ذكرته عنها ضرتها عائشة لابن أختها يزيد بن الأصم، وقد أقبلت تلومه في أمر؛ حيث يقول: ".... ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمَى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"4.--------------------------------------------
1 تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "365"، وبقي بن مخلد هو شيخ الإسلام أبو عبد الله عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، الحافظ، صاحب "التفسير"، "المسند"، وهو أول من كثر الحديث ونشره بالأندلس، توفي سنة 273هـ. انظر: طبقات الحفاظ، السيوطي "ص277".
2 لها ترجمة في الإصابة، ابن حجر "4/ 397"، طبقات ابن سعد "8/ 132"، السير "2/ 238- 246" وغيره.
3 سَرِف: بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء، وهو موضع على ستة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر بيروت "3/ 212".
4 أخرجه ابن سعد في الطبقات "8/ 138"، والحاكم في المستدرك "4/ 31".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)

وفي هذا الخبر ما يفيد أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فقد ذكر خليفة بن خياط موتها سنة "51هـ"1.
وقد دفنت في الظلة التي بَنَى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف2.
- تلاميذها ومروياتها رضي الله عنها:
روت أم المؤمنين ميمونة ستة وسبعين حديثًا "76"3، وبالتالي تأتي مباشرة بعد أم المؤمنين أم سلمة في الترتيب حسب كثرة الرواية، وعدد أحاديثها في الكتب الستة واحد وثلاثون حديثًا "31"4، ورُوي لها في الصحيحين سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث5.
وقد روى عنها: ابن عباس ابن أختها، وابن أختها الثاني عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن اختها الثالث عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس -وكان يدخل على أمهات المؤمنين- ومولاها سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعمران بن حذيفة، ومولاتها ندبة، والعالية بنت سُبَيْع، وأم منبوذ.
- محتوى مروياتها:
يلاحظ أن مروياتها توزعت على هؤلاء الرواة السابق ذكرهم، وأغلبهم من محارمها وفيهم الحبر ابن عباس، إضافة إلى أن مروياتها غلبت عليها الصفة العملية؛ أي: أنها تصف فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ومع أهله.
فقد رُوي عنها في أبواب الطهارة: في كيفية الغسل من الجنابة، وفي--------------------------------------------
1 تاريخ خليفة، تحقيق أكرم ضياء العمري، دار طيبة، ط1، 1985م "ص218".
2 انظر: ابن سعد في الطبقات "8/ 139"، والحاكم في المستدرك "4/ 31".
3 تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "ص365".
4 العدد مأخوذ من تحفة الأشراف "13/ 484- 498".
5 سير أعلام النبلاء "2/ 245".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)