Arabic source text

📘 মিনহাজুল মুহাদ্দিসিনা ফিল কারনিল আউয়্যালিল হিজরি ওয়া হাত্তা আসরিনাল হাদির (আলি আবদ আল-বাসিত মাজইয়াদ)

📘 منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر (على عبد الباسط مزيد)

📘 মিনহাজুল মুহাদ্দিসিনা ফিল কারনিল আউয়্যালিল হিজরি ওয়া হাত্তা আসরিনাল হাদির (আলি আবদ আল-বাসিত মাজইয়াদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
والقسطلاني1، والسيوطي2، والشيخ أبو الفتح القشيري3.
فهؤلاء -وغيرهم- نقلوا الإجماع على صحة ما اتفق عليه الشيخان، وما انفرد به أحدهما من المسندات، قال الشوكاني: "ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه"4.
الثالث: تعارض قول المنتقد مع كون الأمة تلقت الكتابين بالقبول
قال الإمام أبو إسحاق الإسفرائيني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف بها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها … فمن خالف حكمه خبرًا منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه؛ لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول"5.
وقال ابن الصلاح: "جميع ما حكم مسلم بصحته في هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد الخلافة … "6.
حتى أخبار الآحاد في الصحيحين -أو أحدهما - تلقتها الأمة بالقبول، وأجمع الأئمة من العلماء على صحتها7.
وذكر ابن تيمية -فيما حكاه عنه ابن كثير- أن جماعات من الأئمة نقل عنهم--------------------------------------------
1 مقدمة شرح صحيح البخاري له "ص20" في المجلد الأول.
2 شرح ألفية السيوطي في مصطلح الحديث "ص10".
3 هدى الساري "ص384"، مرقاة المفاتيح "1/ 17".
4 إرشاد الفحول "ص49" طبعة دار المعرفة - بيروت.
5 فتح المغيث للسخاوي "1/ 47"، توجيه النظر "ص125".
6 مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح "ص38، 39"، شرح مسلم لابن الصلاح " ص85".
7 راجع: النكت على ابن الصلاح لابن حجر "1/ 371-379".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)

القطع بأحاديث الشيخين، منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاعون وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخس من الحنفية، قال: "وهو قول جمع من أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم كأبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك، وأيضًا هو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة"1.
الرابع: تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه من أن أصح الحديث المتفق عليه ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم
الإجماع على أن أصح الحديث وأعلى مراتبه ما اتفق عليه الشيخان، ويليه عند الجمهور ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما.
قال الحافظ ابن الصلاح: "فأولها: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعًا، والثاني: صحيح انفرد به البخاري؛ أي: عن مسلم. الثالث: صحيح انفرد به مسلم؛ أي: عن البخاري. الرابع: صحيح على شرطهما لم يخرجاه. الخامس: صحيح على شرط البخاري لم يخرجه. السادس صحيح على شرط مسلم لم يخرجه. السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما. هذه أمهات أقسامه. وأعلاها -أي: أقسام الصحيح- الأول هو الذي يقول أهل الحديث كثيرًا: "صحيح متفق عليه" يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه؛ لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذ القسم جمعيه مقطوع بصحته والعلم اليقين النظري واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثم بان لي أن هذا المذهب الذي--------------------------------------------
1 راجع: اختصار علوم الحديث لابن كثير "ص34". ط دار الكتب العلمية، وتدريب الراوي "1/ 166".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)

اخترناه أولًا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ … "1.
وعليه فيكون قول المنتقد متعارضًا مع ما اتفق عليه علماء الحديث، ويكون الطعن مدهشًا حين يُوجه إلى ما اتفق عليه الشيخان، وهو أعلى مراتب الصحيح، قال ابن تيمية: "والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم؛ ولهذا لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحًا لا ريب فيه، قد اتفق أهل العلم على صحته"2.
الخامس: تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه العلماء المعاصرون للشيخين على صحة الكتابين
لا يختلف اثنان في أن أعلم أهل الحديث دراية وجرحًا وتعديلًا وخبرة بعلل الحديث وطرقه هم الأئمة: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل، كما أنهم من أعلم أهل الاستقراء والتتبع وجمع الطرق، وقد كان هؤلاء بمثابة الشيوخ والأقران للإمامين البخاري ومسلم؛ لأنهم كانوا معاصرين لهما، وقد عرض الشيخان صحيحيهما -بعد الانتهاء منهما- على هؤلاء وغيرهم من أئمة عصرهما، فأقروهما وشهدوا لهما بالصحة.
قال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم، فأستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة"3، وقال ابن تيمية نحوه4، وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: "عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته"5، وقال الإمام مسلم: "ليس كل شيء--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح "ص14" في النوع الأول.
2 مجموع الفتاوى "18/ 19 - 20".
3 هدى الساري "ص7" و "ص489".
4 مجموع الفتاوى "18/ 19"و "1/ 256".
5 هدى الساري "ص345".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)

صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"1، قال سراج الدين البلقيني: "أراد مسلم بقوله: "ما أجمعوا عليه" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني"2.
وفي صنيع هذين الإمامين فائدة، وهي تواضع أهل العلم مع بعضهم، خاصة وأن الشيخين إمامان لا يباريان في هذا الميدان … كما أفاد إجماع هؤلاء الأئمة على صحة ما رواه الإمام البخاري سوى الأحاديث الأربعة التي كان القول فيها للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- كما قرر العقيلي. وأما بالنسبة للإمام مسلم فقد ترك كل حديث كان عرضة للنقد، أو اطلع الأئمة على علة فيه، حتى صار كل ما بين دفتي كتابه مما خرجه في الأصول مجمعًا على صحته.
وهكذا كان هؤلاء الأئمة المعاصرون للشيخين بمثابة المراجعين والمنقحين مما يجعلنا نستريح للجزم بصحة ما اتفقا عليه، أو انفرد به أحدهما؛ لإجماع هؤلاء الأئمة على صحة ما جاء في الصحيحين أو أحدهما؛ لأن هؤلاء لا يجتمعون على خطأ.
فطعون المنتقدين لا تستحق الالتفات إليها أو الاهتمام بها؛ لأنها متعارضة مع تصحيح أسيادهم أئمة الجرح والتعديل والمجتهدين فيه، وخبراء الرواية والدراية والعلل والأسانيد، "وخاصة إذا علمنا أن من هؤلاء الأعلام المتشدد الذي يطعن بالغلطة والغلطتين والمتوسط المعتدل، وليس فيهم المتساهل، فقول هؤلاء أولى بالأخذ به، ويستدل بشهادتهم وإقرارهم وإستحسانهم على صحة هذه الأحاديث في هذين الكتابين"1.
السادس: تعارض قول المنتقد مع ورود هذه الأحاديث "المنتقدة" في المستخرجات سليمة من كل ما أُعلت به
وهذه فائدة من فوائد المستخرجات على الصحيحين، قال الحافظ ابن حجر:--------------------------------------------
1 صحيح مسلم "1/ 304"، ك الصلاة في الحديث رقم "63".
2 محاسن الاصطلاح "ص91".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)

"وكل علة أعل بها حديث في أحد الصحيحين جاءت رواية المستخرج سالمة منها، فهي من فوائده، وذلك كثير جدًّا".
والحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- من أهل الاستقراء والتتبع والتحقيق الدقيق، وله دراية بالصحيح زادت على عشرات السنين، وقوله في هذا الباب حجة معتمدة … 1.
فإن اتضح سلامة هذه الأحاديث من العلل الموجهة إليها، وذلك من خلال ورودها في هذه المستخرجات، وبان سلامتها من هذه الطعون، وزال اللبس عنها؛ كان ذلك مؤيدًا لما صرح به الشيخان من صحة كتابيهما، وانتفاء العلل عن أحاديثهما.
السابع: كون الشيخين مجتهدين، والمنتقد مقلد
إن مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث أن البخاري ومسلمًا -رحمهما الله تعالى- كانا من أئمة المجتهدين في الجرح والتعديل وعلوم الحديث، وتمييز الصحيح من المعلول.
قال الحافظ ابن حجر: "لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعدها من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أهل أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عن أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك، فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا … "2.
بينما من جاء بعدهما، فالغالب عليهم التقليد لهما ولغيرهما من أهل--------------------------------------------
1 مكانة الصحيحين "ص323- 324".
2 هدى الساري "1/ 116".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)

عصرهما؛ وذلك لبعد العهد عن الرواة، وعدم المعاصرة للمجرحين والمعدلين، فينقلون كلام المتقدمين ثم يستنبطون منه القول الذي يعتمدونه، وإذا تعارض كلام المجتهد بكلام المقلد، فإن الأخذ بكلام المجتهد هو الأولى؛ لأن كلام المجتهد لا ينتقض بكلام المقلد1.
ومما يلفت النظر، أن نقد المنتقدين انصب على الأسانيد دون المتون، اللهم إلا في مواضع يسيرة. قال القسطلاني: "إن الدارقطني تتبع على البخاري في أزيد من مائة موضع، ولم يستطع أن يتكلم إلا في الأسانيد بالوصل والإرسال - غير موضع، وهو: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما … " فإنه تكلم فيه مما يتعلق بحال المتن، ووجهه: أن الدارقطني يمشي على القواعد الممهدة عندهم فينازعه، من القواعد، وشأن البخاري أرفع من ذلك، فإنه يمشي على اجتهاده، وينظر إلى خصوص المقام وشهادة الوجدان، وإنما القواعد لغير الممارس على حد التحديد للعوام فيما لم يرد به التحديد من الشارع، ورتبتهما أعلى من الكل بعد اختلاف يسير بينهما"2 أي: البخاري ومسلم، وذكر الحافظ ابن حجر نحوه3.
فإذا عرف كل ما سبق وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما؛ اندفعت كل الانتقادات والطعون الموجَّهة إلى الصحيحين جملة.
- وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن الأحاديث المنتقدة على الصحيحين تنقسم أقسامًا:
القسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد،--------------------------------------------
1 مكانة الصحيحين "ص324".
2 هدى الساري "ص345".
3 راجع: مكانة الصحيحين "ص325- 326".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)

فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني؛ لأن الراوي إن كان سمعه، فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة، فهو منقطع، والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيف لا يعل الصحيح، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًّا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا، أو صرح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا، فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع وعاضد، وما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع … وربما علل بعض النقاد أحاديث ادُّعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.
القسم الثاني منها: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد، فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد … وإن امتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد، فيخرج المصنف الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق المرجوحة، أو يشير إليها … فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف، فينبغي الإعراض أيضًا عما هذا سبيله، والله أعلم.
القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا، أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)

أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا أن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.
القسم الرابع منها: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواية، وليس في الصحيح من هذا القبيل غير حديثين … وتبين أن كلًّا منهما قد توبع.
القسم الخامس منها: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا، ومنه ما لا يؤثر1.--------------------------------------------
1 مقدمة فتح الباري "ص57"، ط بولاق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)

‌‌ثالثًا: أبو داود السجستاني "202-275هـ" 1
هو: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر أبو داود السجستاني أحد حفاظ الإسلام، وأبرز من رحل وطوَّف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين، والمصريين، والجزريين، والحجازيين، وغيرهم.
وكان من أكثر الأئمة معرفة بالحديث الشريف وعلله وفقهه، وكان ناقدًا بصيرًا.
ولسعة علمه ودقة تحقيقه، كانت له مكانة متميزة عند الأئمة وأهل العلم، وقد أثنوا عليه ثناء حسنًا مبينين سعة حفظه وخبرته بالعلل وصلاحه وورعه.
- ومن شيوخه المشهورين:
الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد بن منصور، وأبو الوليد الطيالسي، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن المثنى، وخلق كثيرون.
وروى عنه كثيرون من العلماء والأئمة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثًا واحدا، وكان أبو داود يعتز بذلك كثيرًا2.
وممن روى عنه من المشهورين: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وزكريا الساجي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو بكر أحمد بن محمد بن هارون--------------------------------------------
1 راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "11/ 355- 367"، أخبار أصبهان "1/ 334"، تاريخ بغداد "9/ 55"، أنساب السمعاني "7/ 46"، المنتظم "5/ 97"، الكامل في التاريخ "7/ 425"، اللباب "2/ 105"، وفيات الأعيان "2/ 404"، تذكرة الحفاظ "2/ 591"، العبر "2/ 54"، طبقات السبكي "2/ 293"، البداية والنهاية "11/ 54"، تهذيب التهذيب "4/ 298"، طبقات الحفاظ للسيوطي "ص261"، طبقات المفسرين "ص195"، شذرات الذهب "2/ 167"، وغيرها.
2 راجع: تاريخ بغداد "9/ 55"، الخلاصة "ص127".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

الخلال، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وإسماعيل بن محمد الصفار …
- ثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر الخلال1: أبو داود سليمان بن الأشعث، الإمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم2.
وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي3: سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث4.
وقال إبراهيم الحربي5 وأبو بكر الصاغاني6: أُلين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد7.--------------------------------------------
1 هو أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي "ت311هـ" له كتب كثيرة، وقد جمع علم الإمام أحمد. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" "785"، و"المنهج الأحمد" "2/ 5"، وطبقات الحنابلة "2/ 12"، و"البداية والنهاية" "11/ 148".
2 "تاريخ بغداد" "9/ 57"، و"تهذيب التهذيب" "4/ 172"، "تهذيب ابن عساكر" "6/ 244".
3 هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد أبو إسحاق "ت334هـ"، انظر ترجمته في "شذرات الذهب" "2/ 335".
4 "تاريخ بغداد" "9/ 57"، و"مختصر المنذري" "1/ 7"، وتهذيب التهذيب " 4/ 172"، و"تهذيب ابن عساكر" "6/ 244".
5 هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي كان حافظًا فقيهًا توفي ببغداد سنة "285". انظر: "معجم الأدباء" "371"، و"المنهج الأحمد" "1/ 196"، و"تاريخ بغداد" "6/ 27"، و"طبقات الحنابلة" "1/ 86"، و"شذرات الذهب" "2/ 190"، و"تذكرة الحفاظ" "584".
6 هو الحافظ محمد بن إسحاق محدث بغداد الإمام الثقة "ت270هـ". انظر: "تاريخ بغداد" "1/ 241"، و"تذكرة الحفاظ" "573".
7 "البداية والنهاية" "11/ 55"، "طبقات الشافعية" "2/ 293"، و"تذكرة الحفاظ" "591"، و"تهذيب التهذيب" "4/ 172"، و"مختصر المنذري" "1/ 5"، و"معالم السنن" "1/ 12"، و"المنهج الأحمد" "1/ 175".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

وقال موسى بن هارون الحافظ1: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه2.
وقال علان بن عبد الصمد: كان من فرسان الشأن3.
وقال أبو حاتم بن حبان 4: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنف وذب عن السنن5.
وقال أبو عبد الله بن منده6: الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي7.
وقال الحاكم8: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة9.
وقال محمد بن مخلد10: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، وأقر له أهل زمانه بالحفظ11.
وقال ابن ماكولا12: هو إمام مشهور.
وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة 13 يرفعان من قدره بما لا يذكران أحدًا في زمانه مثله14.--------------------------------------------
1 هو الحافظ موسى بن هارون الحمال البغدادي البزار "ت294هـ"، وانظر: "تذكرة الحفاظ" "669".
2 طبقات الشافعية" "2/ 293"، "تهذيب التهذيب" "4/ 172"، "تهذيب ابن عساكر" "6/ 244".
3 "تهذيب التهذيب" "4/ 172"، و"تهذيب الأسماء واللغات" "2/ 224".
4 هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي والشافعي، صاحب "الصحيح"، و"الثقات"، و"المجروحين" "ت254هـ".
5 "تهذيب التهذيب "4/ 172"، و"الخلاصة" للخزرجي "ص127".
6 هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الحافظ "ت396هـ".
7 "تهذيب التهذيب" "4/ 172".
8 هو محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابوري صاحب "المستدرك"، ولد سنة 331هـ، وتفقه على مذهب الشافعي "ت405هـ".
9 هو محمد بن مخلد بن حفص، الإمام مسند بغداد، عاش 98 سنة، "ت331هـ"، "انظر: "تذكرة الحفاظ 828".
10 تهذيب التهذيب "4/ 172".
11 هو الأمير الحافظ أبو نصر علي بن هبة الله مصنف "الإكمال"، ولد سنة "422هـ" وقتله مماليكه الأتراك سنة 486، وقيل: سنة 475.
12 "تهذيب ابن عساكر" "6/ 244".
13 هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة البغدادي "ت293هـ".
14 "تهذيب ابن عساكر" "6/ 244"، و"تهذيب التهذيب" "4/ 171".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)

وقال الذهبي1: وبلغنا أن أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله2.
ولم يرض السبكي في "طبقاته" أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها؛ بل اختار الوقوف عند ابن مسعود3.
ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضًا قوله في أبي داود: كان رأسًا في الحديث، رأسًا في الفقه، ذا جلالة، وحرمة، وصلاح، وورع، حتى أنه كان يشبه بأحمد4.
وقال ابن الجوزي5: كان عالمًا، حافظًا، عارفًا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع، وكان يشبه بأحمد بن حنبل6.
- ثناء العلماء على سنن أبي داود:
قال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم، وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه7، فنال بذلك ثناء الأئمة والعلماء وتقديرهم.
وقال أبو زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب "السنن" لأبي داود عهد الإسلام8.--------------------------------------------
1 هو الإمام، الحافظ، مؤرخ الإسلام، الناقد: محمد بن عثمان الذهبي، الشافعي، الدمشقي "ت748هـ".
2 "تذكرة الحفاظ" "ص592".
3 "طبقات الشافعية" "2/ 296".
4 "شذرات الذهب" "2/ 167".
5 هو عبد الرحمن بن علي إمام مشهور كثير التصنيف "ت594هـ"، وانظر ترجمته بقلمنا في مقدمة "القصاص والمذكرين".
6 "المنتظم" "5/ 97".
7 "معالم السنن" "1/ 13".
8 "تهذيب ابن عساكر" "6/ 244".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)

وقال محمد بن مخلد: لما صنف أبو داود "السنن" وقرأه على الناس صار لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ فيه1.
وقال ابن الأعرابي -وأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة2.
وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال: "وهذا -كما قال- لا شك فيه؛ لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب، إلا أن البيان على ضربين:
بيان جلي تناوله الذكر نصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنًا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله سبحانه: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه"3.
وقال الخطابي أيضًا: "اعلموا -رحمكم الله- أن كتاب السنن لأبي داود كتاب طريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، وصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ذود وشرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أهل الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل،--------------------------------------------
1 "تهذيب الأسماء واللغات" "2/ 224".
2 "معالم السنن" "1/ 12".
3 "معالم السنن" "1/ 12، 13".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)

ومسلم بن الحجاج، ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفًا وأكثر فقهًا"1.
وقال الخطابي أيضًا: "اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثي أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم، فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع، ثم المقلوب -أعني ما قلب إسناده- ثم المجهول، وكتاب أبي داود خليّ منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكره علته ويخرج من عهدته، وحكى لنا عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه". وكان تصنيف علماء الحديث -قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل"2.
وقال أبو حامد الغزالي عن "سنن أبي داود": إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام3.
وقال ابن القيم: "لما كان كتاب "السنن" لأبي داود رحمه الله من--------------------------------------------
1 معالم السنن "1/ 10، 11".
2 معالم السنن "1/ 11".
3 البداية والنهاية "11/ 55"، وانظر: قواعد التحديث "ص332"، و"مفتاح السنة" للخولي "ص85".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)

الإسلام بالموضع الذي خصه الله به؛ بحيث صار حكمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء"1.
وقال ابن حجر في أبي داود:
فاق التصانيف الكبار بجمعه … الأحكام فيها يبذل المجهودا
قد كان أقوى ما رأى في بابه … يأتي به ويحرر التجويدا2
- كتابه "السنن":
ألف أبو داود كتابه "السنن" في وقت مبكر، وعُني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة.
أما كونه ألفه في وقت مبكر، فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنه روى كتابه "السنن" ببغداد ونقله عن أهلها، ويقال: إنه صنفه قديمًا وعرضه على أحمد بن حنبل "ت241هـ"، وذلك قبل مجيئه بغداد، فاستجاده واستحسنه3.
وقد عاصر أبو داود السجستاني كبار الأئمة الذين شرعوا في تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها أمثال البخاري ومسلم؛ ولكن هذين الإمامين وإن كانا قد اهتما بالناحية الفقهية، إلا أنهما لم يفردا أحاديث الأحكام بالتأليف، وهي أهم ما يبحث عنه المسلمون، ويحتاجون إليه كثيرًا لاستنباط الأحكام الفقهية التي يسيرون عليها.--------------------------------------------
1 "تهذيب ابن القيم" "1/ 8".
2 "ديوان ابن حجر" "ص20".
3 "تاريخ بغداد" "9/ 55"، و"تهذيب التهذيب" "4/ 171"، و"مختصر سنن أبي داود" "1/ 5"، و"جامع الأصول" "1/ 111".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)

ولهذا رأينا بعض العلماء يتقدمون خطوة أخرى، فيعنون بهذه الناحية أكثر من غيرها، ومن هؤلاء الإمام أبو داود الذي ألف كتابه السنن ولم يُعْنَ فيه كثيرًا بغير أحاديث الأحكام كالمغازي والسير والقصص والآداب.
يقول الخطابي: "وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل"1.
وقد جمع أبو داود سننه في عشرين سنة، وانتقاه من خمسمائة ألف حديث، وظل يقرؤه على الناس حوالي أربعين سنة.
قال أبو داود: "أقمت بطرطوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله"2، ثم ذكر الأحاديث.
وقال أبو داود: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنه هذا الكتاب -يعني السنن- جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:
أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات".--------------------------------------------
1 معالم السنن "1/ 11".
2 تهذيب الأسماء واللغات للنووي "2/ 224"، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث الأربعة قريبًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)

والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
والرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبَيْنَ ذلك أمور مشتبهات" 1.
- شروط أبي داود في سننه:
بيَّن الخطابي شروط أبي داود في كتابه السنن، وهو أنه جمع فيه الحديث الصحيح والحديث الحسن، وأما الحديث السقيم بأنواعه المختلفة كالموضوع والمقلوب الإسناد، والمجهول الرواة فيرى الخطابي أن سنن أبي داود خلا منها، وهو منه بريء من جملة وجوه، ثم بيَّن الخطابي أنه قد تدعو الحاجة أبا داود إلى شيء من هذا السقيم، فيميزه حتى يعرف الناس علته ويخرج من عهدته2.
وحكى ابن الصلاح عن أبي داود نفسه أنه روى في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وأنه بين ما فيه وَهَنٌ شديد.
وحكى ابن الصلاح عن ابن منده، ما أشار إليه من أن أبا داود لم يخرج عمن جمعوا على تركه، وأنه قد يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره.
قال الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح "ت642هـ" في مقدمته ما نصه: ومن مظانه -يعني الحديث الحسن- سنن أبي داود السجستاني رحمه الله روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وروينا عنه أيضًا ما معناه أنه ذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، وقال: ما كان في كتابي من--------------------------------------------
1 تاريخ بغداد "9/ 57"، كشف الظنون "2/ 1004"، وفيات الأعيان "2/ 404"، جامع الأصول "1/ 111"، فتح الباري "1/ 129"، وأورد ابن حجر هذين البيتين:
عمدة الدين عندنا كلمات … مسندات من قول خير البرية
اترك الشبهات، وازهد، ودع ما … ليس يعينك، واعملنَّ بنيَّة
2 راجع: معالم السنن "1/ 6".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)

حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض.
قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عنده، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به؛ إذ حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال1. اهـ.
وقال السيوطي في التدريب: "فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: "صالح" الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا؛ لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه: "وما سكت عنه فهو حسن"، فإن صح ذلك فلا إشكال"2. اهـ.
وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة مبينًا شروطه في كتابه السنن: "إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب، فاعلموا أنه كله كذلك، إلا أن يكون قد رُوي من وجهين أحدهما أقوم إسنادًا، والآخر أقوم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنها تكثر، وإنما أردت قرب منفعته، فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وإنما تكون فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم--------------------------------------------
1 المقدمة "ص18" في النوع الثاني.
2 تدريب الراوي "1/ 207"، مؤسسة الرسالة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)

بعض من يسمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، وهو كتاب لا ترد عليك سُنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهي فيه، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلًا ألا يكتب من العلم شيئًا بعدما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري، ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها … والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الأحاديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، فالحديث المشهور المتصل الصحيح ليس يقدر أن يرده عليك أحد، وأما الحديث الغريب، فإنه لا يحتج به، ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف إلا فدعه، ولم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها، فلم أخرجها والسلام عليكم"1.
وقال الصنعاني: "قال أبو داود: ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. قال الزين: أي للاحتجاج"2.--------------------------------------------
1 نقلًا عن مقدمة ابن الصلاح "ص55".
2 توضيح الأفكار "1/ 197".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)

وقال ابن عبد البر: "كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره"1.
وقال الذهبي فيما نقله عنه السبكي: "وقد وفَّى بذلك، فإنه بين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده، ولا بد؛ بل قد يكون مما فيه الضعف"2.
وزعم الحافظ السلفي أنا ما في سنن أبي داود صحيح؛ لأنه أحد الكتب الخمسة التي "اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب"2.
فرد عليه ابن الصلاح قائلًا: "وهذا تساهل؛ لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرح أبو داود فيما قدمنا من روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره"3.
فابن الصلاح يرى أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة، لا صحيحة كما زعم الحافظ السلفي، والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين، أو لم ينص على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.
وقال الأستاذ أحمد شاكر: "إن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود، ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعفها في شيء من أقواله الأخرى كإجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في "السنن" وضعفه في موضع آخر من كلامه حسنًا؛ بل يكون عنده ضعيفًا، وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعًا لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين، أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته"4.--------------------------------------------
1 نقلًا عن: توضيح الأفكار "1/ 197".
2 طبقات السبكي "2/ 293".
3 علوم الحديث "36، 37".
4 الباعث الحثيث "ص42".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)