وقال في موضع آخر: "وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل"1.
- ويتضح من كلام أبي داود وغيره مما سبق ما يلي:
أولًا: أنه اهتم في سننه بجمع ما هو صحيح، وحسن، أو صالح للاحتجاج.
ثانيًا: أنه قد يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى من رأي الرجال.
ثالثًا: أنه يبين الأحاديث التي فيها وهن شديد.
رابعًا: أن ما سكت عنه فهو صالح عنده.
خامسًا: أنه يختار من الأحاديث الصحيحة طريقًا أو طريقين ويترك الطرق الأخرى، وربما فعل ذلك تجنبًا للضخامة وكبر الحجم.
سادسًا: أنه اختصر الحديث الطويل ليُفهم موضع الفقه منه.
وأما قوله: "وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء"، فقد يكون مراده: أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك مجمع على ترك حديثه إلا وبينه2.
وأما الأحاديث التي سكت عنها: فمنها المتفق عليه، ومنها الموجود في أحد الصحيحين، ومنها ما هو على شرط الصحة، ومنها ما هو حسن لذاته، ومنها ما--------------------------------------------
1 الباعث الحثيث "ص29". قال الحافظ السيوطي: "والأحوط في مثل ذلك أن يعبر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التصحيح لاحتمال علة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبر خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله، وكثيرًا ما يكون الحديث ضعيفًا أو واهيًا، والإسناد صحيح مركب عليه … ". تدريب الراوي "1/ 183".
2 راجع: شروط الأئمة الخمسة "ص54".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
هو حسن لغيره، ومنها ما فيه راوٍ ضعيف، ولكنه محتمل؛ لعدم الاتفاق على ترك حديثه، أو لعدم شدة ضعفه، ولا ينبغي لنا أن نستنبط من سكوت أبي داود الاحتجاج بكل ما سكت عنه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج، ويسكت عنها مثل ابن لهيعة … فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن دحية، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم"1.
- الضعيف في سنن أبي داود:
صرح أبو داود -رحمة الله تعالى عليه- في سننه بتضعيف بعض الأحاديث، ويرى بعض العلماء أن في السنن أيضًا أحاديث ضعيفة لم يصرح أبو داود بضعفها، إما لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير "السنن" بضعفها، كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل.
فالأحاديث التي صرَّح بضعفها أمرها هين، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك، فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحًا، وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفًا.
ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث--------------------------------------------
1 المنهل العذب المورود، لمحمد خطاب السبكي، نقلًا عن التحفة المرضية للقاضي حسين بن محسن اليماني "1/ 18".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه"1.
وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي: "وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء"؛ إذ قد أخرج عن أبي جَنَاب يحيى بن أبي حية الكلبي2، ومحمد بن عبد الرحمن البَيْلَمَاني3، وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.
ورَوى عن جابر الجعفي، فقد أخرج له الحديث رقم "1036"، ونصه: "إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، فإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو"، ثم قال عقبه: "وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث"4.
وقد ترجم الذهبي في "الميزان" لجابر هذا، وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه5. وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت6 وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه، فقال بعد أن أورد الحديث رقم "287": "ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل … " ثم قال أبو داود: "وعمرو بن ثابت رافضي، رجل سوء؛ ولكنه كان صدوقًا في الحديث"7. وروى أيضًا عن الحارث الأعور8 الحديث رقم "908"، وفي الحارث كلام كثير9.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية: "قال أبو داود: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح--------------------------------------------
1 "مختصر المنذري" "1/ 8"، و"علوم الحديث" "33"، و"توجيه النظر" "150"، و"قواعد التحديث" "331".
2 انظر: "الميزان" "4/ 371".
3 انظر: "سنن أبي داود" "1/ 373- 374".
5 انظر: "الميزان" "1/ 379".
6 انظر ترجمته في "الميزان" "3/ 249".
7 انظر: "السنن" "1/ 330".
8 انظر ترجمته في "الميزان" "1/ 435".
9 انظر: "السنن" "1/ 330".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
ابن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزراء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: السجل كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه النسائي … ورواه أبي جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] … وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير الحافظ المزي فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود. قال شيخنا المزي: وأنا أقوله"1.
- لماذا أورد في كتابه الحديث الضعيف؟ 2
أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:
1- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكامًا فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.
2- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف -إن لم يكن شديد الضعف- أقوى من رأي الرجال ومن القياس "حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوردي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره أقوى عنده من رأي الرجال"3.
وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه: "إن أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرَ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء؛ ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه"4.--------------------------------------------
1 "البداية والنهاية" "5/ 347"، وانظر: "تفسير ابن كثير" "3/ 200"، و"تفسير الطبري" "17/ 100"، و"الإصابة" "2/ 15"، و"السنن الكبرى" للنسائي "1/ 126".
2 انظر أسباب ذلك في كتاب "أبو داود: حياته وسننه" "ص56، 57"، للدكتور/ محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط "2"، 1405هـ-1985م.
3 "علوم الحديث" "33، 34"، و"توجيه النظر" "150".
4 "المنهل العذب المورود" للشيخ محمود خطاب السبكي "1/ 18".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
3- أما إذا كان الحديث شديد الضعف، فإنما يورده ليدل على عدم تبنِّيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلًا: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم؛ لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين1 حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم "98" فقط وهو: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي! لا تفتح على الإمام في الصلاة". قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها2.
أي: أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث بن عبد الله الأعور نفسه ضعيف عند الجمهور، عرفنا أن الحديث شديد الضعف.
- منهج أبي داود في سننه:
رتب أبو داود أحاديثه ترتيبًا فقهيًّا، وصنفها على كتب، تندرج تحتها أبواب، واشتمل على الكتب الفقهية الآتية:
1- كتاب الطهارة.
2- كتاب الصلاة.
3- كتاب الزكاة.
4- كتاب اللقطة.
5- كتاب المناسك "الحج".
6- كتاب النكاح.
7- كتاب الطلاق.
8- كتاب الصوم.
9- كتاب الجهاد.
10- كتاب الضحايا "الأضحية".
11- كتاب الصيد.
12- كتاب الوصايا.
13- كتاب الفرائض.
14- كتاب الخراج والإمارة والفيء.
15- كتاب الجنائز.
16- كتاب الأيمان والنذور.--------------------------------------------
1، 2 انظر: "السنن" "1/ 330".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
17- كتاب البيوع والإجارات.
18- كتاب الأقضية.
19- كتاب العلم.
20- كتاب الأشربة.
21- كتاب الأطعمة.
22- كتاب الطب.
23- كتاب العتق.
24- كتاب الحروف والقراءات.
25- كتاب الحمام.
26- كتاب اللباس.
27- كتاب الترجل.
28- كتاب الخاتم.
29- كتاب الفتن والملاحم.
30- كتاب المهدي.
31- كتاب الملاحم.
32- كتاب الحدود.
33- كتاب الديات.
34- كتاب السُّنَّة.
35- كتاب الأدب.
ومن خلال تأمل كتاب أبي داود يتضح الآتي1:
1- يبدأ أولًا الأبواب بذكر الأحاديث الصحيحة، وقد يسوق بعدها أحيانًا غير الصحيحة.
2- أنه يذكر أكثر من طريق للمتن عندما يريد أن يؤكد حكمًا فقهيًّا، كما في كتاب الصلاة في باب: "المرأة لا تقطع الصلاة" ذكر خمسة أحاديث وكلها تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي وعائشة بينه وبين القبلة معترضة؛ مما يدل على أن المرأة لا تقطع الصلاة2.
3- وأنه يعنَى بالتنبيه على اختلاف الرواة في ألفاظ المتون التي تلتقي في موضوع واحد، ومن ذلك ما جاء أيضًا في باب المرأة لا تقطع الصلاة: "حدثنا--------------------------------------------
1 راجع كتب السنة الجزء الثاني، د. رفعت فوزي "مخطوط بالآلة الكاتبة".
2 سنن أبي داود "1/ 456، 457" "112"، باب من قال: "المرأة لا تقطع الصلاة"، الأحاديث من "710" إلى "714".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر "ح" قال أبو داود: وحدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد، وهذا لفظه- عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أمامه إذا أراد أن يوتر". زاد عثمان: "غمزني"، ثم اتفقا "فقال: تَنَحَّيْ"1.
ففي هذا الحديث ثلاثة تنبيهات:
الأول: أن عبد العزيز هو ابن محمد "يعني الدراوردي حتى لا يلتبس بغيره".
والثاني: أن هذا الحديث لفظ عبد العزيز بن محمد وليس لفظ محمد بن بشر.
والثالث: أن عثمان بن أبي شيبة زاد في لفظ الحديث عن عبد العزيز كلمة "غمزني"؛ وهذا يدل على دقة أبي داود في روايته، وحرصه على نسبة ألفاظ الحديث إلى رواتها، كما هو الحال مع كثير من المحدثين؛ حفاظًا على السُّنة.
4- يذكر ما يخدم الناحية الفقهية التي عُنِيَ بها كتابه، ومن ذلك:
أ- أنه يذكر بعض القواعد التي تتبع عندما يبدو تعارض ظاهر الأحاديث؛ ليلفت نظرنا إلى الفهم الصحيح، ففي الأبواب التي روى فيها أحاديث تقول: إن الصلاة تقطعها أشياء، وأخرى تقول: إن الصلاة لا تقطعها هذه الأشياء2.
يذكر عقبها هذه القاعدة: "إذا تنازع الخبران عن رسول صلى الله عليه وسلم نُظِرَ إلى ما عمل به أصحابه من بعده"3.
ب- ينقل أقوال بعض الأئمة تعقيبًا على بعض الأحاديث، ففي "باب--------------------------------------------
1 المصدر السابق، حديث رقم "714".
2 انظر: سنن أبي داود "1/ 442- 460"، كتاب الصلاة الأبواب: "102" حتى "115" التي اشتملت على الأحاديث "685- 720".
3 سنن أبي داود "1/ 460" نهاية الباب رقم "115" باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء - عقب حديث رقم "720".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
المحرم يموت كيف يصنع به" بعد أن روى حديث ابن عباس قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وَقَصَتْهُ راحلته، فمات وهو محرم، فقال: "كفونه في ثوبيه واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي" 1.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: "كفنوه في ثوبيه" أي: يكفن الميت في ثوبين، "واغسلوه بماء وسدر" أي: إن في الغسلات كلها سدرًا، "ولا تخمروا رأسه": ولا تقربوه طيبًا، وكان الكفن من جميع المال.
وفي "باب الرجل يُكَفِّر قبل أن يحنث" قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يرخص فيها: الكفارة قبل الحنث2.
جـ- يذكر بعض آراء السلف، ويختار منها؛ فقد روى حديث خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب من السباع3.
ثم علق أبو داود عليه بقوله: "وهو قول مالك"، ثم قال أيضًا: "لا بأس بلحوم الخيل، وليس العمل عليه"، ثم قال أيضًا: "وهذا منسوخ، فقد أكل لحوم الخيل جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، وكانت قريش في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تذبحها"4.
وروى عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرْنَا بالحجاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
1 سنن أبي داود "3/ 560" "15"، كتاب الجنائز "84"، باب المحرم يموت كيف يصنع به، حديث "3238".
2 سنن أبي داود "3/ 585" "16"، كتاب الأيمان والنذور "17"، باب: الرجل يكفر قبل أن يحنث - عقب حديث رقم "3277".
3 سنن أبي داود "4/ 151، 152" "21" كتاب الأطعمة "26" باب في أكل لحوم الخيل - حديث رقم "3790".
4 في الموضع السابق، عقب الحديث المذكور "3790".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
"احتجبا منه"، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى، لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟! " 1.
قال أبو داود: هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده"2.
وفي المستحاضة بعد أن روى ما يفيد أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ قال: "وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومكحول، وإبراهيم، وسالم، والقاسم: إن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"3.
كما روى عن ربيعة: "أنه كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا إلا عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث غير الدم"4، فتوضأ، ثم ذكر أن ذلك قول مالك، فقال أبو داود: هذا قول مالك يعني ابن أنس5.
- شروحه ومختصراته:
شرح السنن كثير من العلماء، منهم:
1- الإمام أبو سليمان الخطابي "ت 328م"، في كتابه "معالم السنن" "مطبوع".
2- وقطب الدين أبو بكر اليمني الشافعي "ت 652هـ".
3 وشهاب الدين الرملي "ت 848هـ" وغيرهم.--------------------------------------------
1 سنن أبي داود "4/ 361، 362" "26" كتاب اللباس "37" باب في قوله عز وجل: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} [النور: 31] حديث رقم "4112".
2 الموضع السابق "4/ 362" عقب الحديث المذكور رقم "4112".
3 سنن أبي داود "1/ 194" "1" كتاب الطهارة "108" باب في المرأة التي تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض في آخر تعقيبه على الحديث رقم "281".
4 سنن أبي داود "1/ 214" "1" كتاب الطهارة "118" باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث - رقم "306".
5 الموضع السابق "1/ 215" عقب الحديث المذكور رقم "306". وقد قال الخطابي: "وقول ربيعة شاذ، ليس عليه العمل" هامش سنن أبي داود "1/ 214".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
واختصرها الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب الترغيب والترهيب المتوفَّى سنة "656هـ".
وهذب المختصر ابن قيم الجوزية المتوفَّى "751هـ" ذكر فيه أن الحافظ المنذري قد أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها إذ لم يكملها، وتصحيح أحاديثه، والكلام على متون مشكلة لم يفتح معضلها، وقد بسطت الكلام على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه1.--------------------------------------------
1 كشف الظنون "1/ 478"، مفتاح السُّنة "ص86".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
رابعًا: أبو عيسى الترمذي "209-279هـ" 1
هو: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذي، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، تلميذ الإمام البخاري، ومشاركه فيما يرويه في عدة من مشايخه "مثل: قتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر، وابن بشار، وغيرهم". سمع منه شيخه البخاري وغيره، وكان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان، طاف البلاد، وسمع خلقا كثيرًا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم؛ ولهذا كله اتسعت معرفته بعلوم الحديث رواية ودراية، ولم يكن راوية للحديث فقط، وإنما جمع إلى ذلك الفقه واستنباط الأحكام الشرعية، والوقوف على الآراء الفقهية المختلفة للأئمة، ونقد بعضها أحيانًا …
- شيوخه وتلاميذه:
أدرك الترمذي كثيرًا من قدماء الشيوخ وسمع منهم، وكان عصره عصر النهضة العلمية العظيمة في علوم الحديث، وهي النهضة التي نرى أن الذي أثارها -أو كانت له اليد الطولى في إحيائها وبعثها- هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ناصر الحديث "150-204هـ"؛ إذ علَّم الناس عامة، وأهل العراق ثم مصر خاصة، معنى الاحتجاج بالسنة، ومعنى العمل بها مع القرآن، وحدد أصول ذلك وحررها، وأقام الحجة على مناظره بوجوب الأخذ بالحديث وأفحمهم، وعن ذلك ترى أن الأئمة أصحاب الكتب الستة نبغوا في الطبقة التالية لعصر الشافعي مباشرة، وإن لم يدركوه رؤية وسماعًا لتقدم موته؛ ولكنهم أدركوا أقرانه--------------------------------------------
1 راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "26/ 250- 252"، الأنساب للسمعاني "3/ 45"، وفيات الأعيان "4/ 278"، سير أعلام النبلاء "13/ 270"، تهذيب التهذيب "9/ 387- 389"، التقريب "2/ 198"، شذرات الذهب لابن العماد "2/ 174- 175"، العبر "1/ 442، 444"، "2/ 62"، ميزان الاعتدال "3/ 117" ترجمة رقم "8035"، ثقات ابن حبان "9/ 153"، تذكرة الحفاظ "2/ 187- 188"، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "3/ 81 - 82"، مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده "2/ 11"، كشف الظنون "1/ 375"، الفهرست لابن النديم "ص325"، الكامل لابن الأثير "7/ 164- 165"، توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار "1/ 170".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
ومعاصريه ومناظريه وكبار تلاميذه، وهاك بيانًا عن تواريخ مولد كل منهم ووفاته؛ لتظهر المقارنة بينهم واضحة:
البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، ولد في شوال سنة 194هـ، ومات يوم السبت غرة شوال سنة 256هـ.
مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري أبو الحسين، ولد في سنة 204، ومات في 25 رجب سنة 261هـ.
الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى، ولد في سنة 209هـ، ومات في 13 رجب سنة 279هـ.
أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، ولد سنة 202، ومات في شوال سنة 275هـ.
النسائي: أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن، ولد سنة 215هـ، ومات في 13 صفر سنة 303هـ.
ابن ماجه: محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله، ولد سنة 209هـ، ومات في 22 رمضان سنة 273هـ.
وقد روى هؤلاء الأئمة الستة عن شيوخ كثيرين، فتفرد بعضهم بالرواية عن بعض الشيوخ، واشترك بعضهم مع غيره في الرواية عن آخرين، واشتركوا جميعًا في الرواية عن تسعة شيوخ فقط وهم:
1- محمد بن بشار بندار "167-250هـ".
2- محمد بن المثني أبو موسى "167-252هـ".
3- زياد بن يحيى الحساني "ت 254هـ".
4- عباس بن عبد العظيم العنبري "ت 246هـ".
5- أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد الكندي "ت 257هـ".
6- أبو حفص عمرو على الفلاس "ولد بعد سنة 160هـ، ومات سنة 249هـ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
7- يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي "166-252هـ".
8- محمد بن معمر القيسي البحراني "ت 256هـ".
9- نصر بن على الجهضمي "ت 250هـ".
وقد أدرك أبو عيسى الترمذي شيوخًا أقدم من هؤلاء، وسمع منهم، وروى عنهم في كتابه هذا، منهم:
- عبد الله بن معاوية الجمحي "ت 243هـ" وقد جاوز المائة.
- علي بن حجر المروزي "ت 244هـ" وقد قارب المائة.
- سويد بن نصر بن سويد المروزي "ت 240هـ"، عن 91 سنة.
- قتيبة بن سعيد الثقفي، أبو رجاء "150-240هـ".
- أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري المدني "150-242هـ".
- محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب "ت 244هـ".
- إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي "178-244هـ".
- إسماعيل بن موسى الفزاري السدي "ت 245هـ".
وغير هؤلاء أيضًا، وكثير من شيوخ البخاري والترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث، وتفقه فيه، وسأله واستفاد منه.
وقد طاف أبو عيسى البلاد، وسمع خلقًا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازين.
والرواة عن أبي عيسى الترمذي كثيرون، ذكر بعضهم في تذكرة الحفاظ وفي التهذيب، وأهمهم عندنا ذكرًا المحبوبي راوي كتاب الجامع عنه، ترجم له ابن العماد في شذرات الذهب "2/ 373"، قال: "أبو العباس المحبوبي محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، محدث مرو، وشيخها ورئيسها، توفي في رمضان "346هـ"، وله سبع وتسعون سنة، روى جامع الترمذي عن مؤلفه، وروى عن سعيد بن مسعود صاحب النضر بن شُميل وأمثاله".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
ووصفه السمعاني في الأنساب بأنه: "شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان، وإليه كانت الرحلة".
ويكفي الترمذي فخرًا أن روى عنه البخاري -وهو شيخه- حديثًا واحدًا، فهذه شهادة من البخاري لتلميذه بالرواية والضبط والإتقان.
- أقوال العلماء فيه:
روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي عن أبي سعيد: عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ محدث سمرقند، ومصنف تاريخها "ت 405هـ"1 قال: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع، والتواريخ، والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يُضرب به المثل في الحفظ2.
وبإسناده عن أبي عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه، قالوا: فلان، فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين كنت ظنتت أنهما الجزآن اللذان له، فلما ظفرت به وسألته أجابني إلى ذلك "وأخذت الجزأين فإذا هما بياض، فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليَّ من حفظه ثم ينظر إلَيَّ". فرأى البياض في يدي، فقال: أما تستحي منى؟! قلت: لا، وقصصت عليه القصة، وقلت: أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأت جميع ما قرأ عليَّ على الولاء، فلم يصدقني، وقال: استظهرت قبل أن تجيئني! فقلت: حدثني بغيره فقرأ عليَّ أربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات اقرأ، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ، فلما أخطأتُ في حرف! فقال لي: ما رأيت مثلك3.--------------------------------------------
1 راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ "3/ 249، 250".
2 شروط الأئمة الستة "ص25" طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ-1984م.
3 المصدر السابق "ص25، 26"، وهي أيضًا في الأنساب للسمعاني، وتذكرة الحفاظ، وتهذيب التهذيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
ووصفه السمعاني في الأنساب بأنه "إمام عصره بلا مدافعة، صاحب تصانيف"، وبأنه "أحد الأئمة الذين يُقتدَى بهم في علم الحديث"، ونحو ذلك قال ابن خلكان.
ونقل الذهبي في تذكرة الحفاظ، والصفدي في نكت الهميان، والمزي في التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: "كان ممن جمع وصنف، وحفظ وذَاكَر".
ووصفه المزي في التهذيب بأنه "الحافظ صاحب الجامع وغيره من المصنفات، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين".
وقال الذهبي في الميزان: "الحافظ العلم، صاحب الجامع، ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب الإيصال: إنه مجهول1، فإنه ما عرف ولا دَرَى بوجود الجامع ولا العلل له".
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: "وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال في كتاب الفرائض من الإيصال: محمد بن عيسى بن سورة مجهول. ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه؛ فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحافظ؛ كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم، وغيرهم، والعجب أن الحافظ الفرضي ذكره في كتابه المؤتلف والمختلف ونبَّه على قدره، فكيف فات ابن حزم الوقوف عليه فيه! ".--------------------------------------------
1 ابن حزم هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، ولد بقرطبة سنة "384" ومات في 28 سعبان سنة 456هـ، وكتابه "الإيصال" ذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ "3/ 322" وسماه "الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام والحلال والحرام والسنة والإجماع"، وقال: "أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول" ووصفه في "ص 326" بأنه 24 مجلدًا مع أنه ذكر قبل ذلك أن المحلى 8 مجلدات، والمحلى مطبوع معروف، فالإيصال ثلاثة أضعاف المحلى، وقد ذكر ابن حزم في المحلى الحديث الذي في إسناده الترمذي "9/ 295، 296" وضعفه؛ ولكن لم يذكر مطعنًا في الترمذي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
وقال العلامة طاش كبرى زاده1 في كتاب مفتاح السعادة: "وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة، أخذ الحديث عن جماعة من الأئمة، ولقي الصد الأول من المشايخ".
وقال ابن العماد الحنبلي2 في شذرات الذهب: "كان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان".
ونقل الحاكم أبو أحمد3 عن شيخه عراك بن مالك قال: "مات محمد بن إسماعيل البخاري، ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين".
وفي التهذيب: "قال أبو الفضل البيلماني: سمعت نصر بن محمد الشيركوهي يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي".
وهذه شهادة عظيمة من شيخه إمام المسلمين وأمير المؤمنين في الحديث في عصره.
وقال ابن الأثير في تاريخه: "كان إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة، منها الجامع الكبير، وهو أحسن الكتب".
- مصنفاته:
وصفه العلماء فيما مضى بأنه "صاحب التصانيف"، وسموا كتبًا من مؤلفاته، ولكنا لم نرَ منها إلا كتابين: "الجامع الصحيح" وكتاب "الشمائل" وهو كتاب نفيس--------------------------------------------
1 هو المولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده، توفي سنة 962هـ.
2 هو أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، ولد في 8 رجب سنة 1023هـ، ومات في 16 ذي الحجة سنة 1089هـ.
3 هو محدث خراسان الإمام الحافظ الجهبذ الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري مات سنة "378" عن 92 سنة، وله ترجمة في التذكرة "3/ 174- 176" وهو غير تلميذه الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، ذاك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري المعروف بابن البيع وبالحاكم، ولد في ربيع الأول سنة "321هـ" ومات في صفر سنة "405هـ"، وله ترجمة في التذكرة "3/ 227- 233".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
معروف مشهور، ولعل باقي كتبه فُقِدَ فيما فُقِدَ من نفائس المؤلفات، وكنوز الأئمة العلماء. وفي التهذيب: "ولأبي عيسى كتاب الزهد، مفرد، لم يقع لنا، وكتاب الأسماء والكنى". وهذا بيان مؤلفاته، كما ظهر لنا من أقوال العلماء:
1- الجامع الصحيح.
2- الشمائل النبوية.
3- العلل1.
4- التاريخ2.
5- الزهد.
6- الأسماء والكنى.
7- كتاب الجرح والتعديل.
ولعل له كتبًا أخرى لم نقف على خبرها بعد.
- كتابه "الجامع" أو "السنن":
اشتهر كتاب الإمام الترمذي "بالجامع"، كما يقال له "السنن"، وصفه ابن الأثير في "تاريخه" بأنه "أحسن الكتب".
وفي كشف الظنون في الكلام عن "الجامع الصحيح" للترمذي: "وهو ثالث الكتب الستة في الحديث، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه، فيقال: جامع الترمذي، ويقال له: السنن أيضًا، والأول أكثر".
وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: "سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري3 بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس".--------------------------------------------
1، 2 ذكرهما ابن النديم في الفهرست، وكتاب العلل هذا غير "كتاب العلل" الذي في آخر الجامع الصحيح.
3 هو شيخ الإسلام الهروي الحافظ الإمام الزاهد، صاحب منازل السائرين، سمع جامع أبي عيسى من عبد الجبار بن محمد الجراحي عن المحبوبي عن الترمذي، ولد سنة 396هـ، ومات في ذي الحجة سنة 481هـ، وله ترجمة في تذكرة الحفاظ "3/ 354-360".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
ونقل أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي عن الترمذي أنه قال في شأن كتابه "الجامع": "صنفت هذا الكتاب، فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم"، وفي رواية: "عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق وخراسان، فرضوا به واستحسنوه، ومن كان في بيته، فكأنما النبي في بيته يتكلم".
وقال العلامة طاش كبرى في ترجمة الترمذي: "له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث، من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، وقد جمع فيه فوائد حسنة، لا يخفى قدرها على مَن وقف عليها".
وقد ذكر أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الحق اليوسفي أنواع الأحاديث التي جاءت في كتاب الترمذي، وبيَّن أنها أربعة أقسام:
1- قسم مقطوع بصحته "ويشمل الصحيح والحسن".
2- وقسم على شرط أبي داود والنسائي "أي: ليس فيه وهن شديد".
3- وقسم أخرجه للضدية؛ أي: ذكره مقابل الأحاديث الصحيحة التي أخذ بها الأغلبية، وأبان الترمذي عن علته.
4- وقسم أبان عنه في قوله: "ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء".
قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي1: الجامع -يريد كتاب الترمذي- على أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داود والنسائي -كما بينا- وقسم أخرجه للضدية، وأبان عن علته، وقسم رابع أبان عنه فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وقال فيها:--------------------------------------------
1 هو: أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي، مات بمكة "574هـ"، شذرات الذهب "4/ 248".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
قال الترمذي: صنفت كتابي هذا وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب -يعني الجامع- فكأنما في بيته نبي يتكلم1. انتهى2.
قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: "اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل به عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل؛ ولكنه يبين ذلك غالبًا، ولا يسكت عنه، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب -متفق على اتهامه- حديثًا بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًّا من طرق أو مختلفًا في إسناده، وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي. نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهن، ويبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه"3. اهـ.
المهم أن الإمام الترمذي ميز الأحاديث الصحيحة من غيرها، وكما قال المقدسي: "وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه"4.
وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: "وأما أبو عيسى الترمذي رحمه الله فكتابه وحده على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسم على شرط الثلاثة دونهما5 -كما بينا- وقسم أخرجه للضدية وأبان على علته ولم يغفله، وقسم رابع أبان هو عنه فقال: ما أخرجت في كتابي--------------------------------------------
1 نقل هذه القصة الذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في التهذيب، وطاش كبرى زاده في مفتاح السعادة.
2 نقلًا عن توضيح الأفكار للصنعاني "1/ 170".
3 نقلًا عن تعليقات الشيخ المحدث الكوثري على شروط الأئمة الخمسة للحازمي "ص54".
4 شروط الأئمة الستة "ص13".
5 يريد: أبا داود، والنسائي، وابن ماجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
إلا حديثًا قد عمل به الفقهاء، وهذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شَفَى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه، وكان من طريقته -رحمة الله عليه- أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه وأخرج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر، وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة، والله أعلم"1.
وقال ابن الوزير في تنقيح الأنظار: "وفي كلام الذهبي ما يدل على جواز الاعتماد على تصحيح الترمذي وتحسينه؛ لانعقاد الإجماع على ثقته وحفظه في الجملة"2. ثم قال: "وأما قول الذهبي: "إن العلماء لا يعتمدون على تصحيحه" فلعله يريد: لا يعتمدون على تصحيحه فيما روى عن "كثير بن عبد الله"، كما أن ذلك موجود في بعض النسخ -أي الميزان- وقد قال ابن كثير الحافظ في إرشاده: وقد نوقش الترمذي في تصحيح هذا الحديث"3.
وللقاضي أبي بكر بن العربي في أول شرحه على الترمذي الذي سماه "عارضة الأحوذي"4 فصل نفيس في مدح كتاب الترمذي ووصفه بحلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا، وذلك أقرب إلى--------------------------------------------
1 شروط الأئمة الستة "ص21"، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
2 تنقيح الأنظار وعليه توضيح الأفكار "1/ 170".
3 المصدر السابق.
4 قال ابن خلكان "1/ 619": "أما معنى عارضة الأحوذي: فالعارضة القدرة على الكلام، يقال: فلان شديد العارضة: إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي، الخفيف في الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها، الذي لا يشذ عليه منها شيء، وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الدال المعجمة وفي آخره ياء مشددة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)