فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه1
فكم من جاهل أردى … حليما حين واخاه
يقاس المرء بالمرء … إذا ما هو ما شاه
وللشيء على الشيء … مقاييس وأشباه
ولبعضهم "من الرجز":
إن أخاك الصدق من كان معك … ومن يضر نفسه لينفعك2
ومن إذا ريب زمان صدعك … شتت شمل نفسه ليجمعك
ومنها: الحِلْم والأناة والصبر جهده مطلقا في كل أحواله، وأن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته: ليلا ونهارا، حضرا وأسفارا، ولا يذهب شيئا من أوقاته في غير العلم إلا بقدر الضرورة؛ لأكل ونوم قدرا لا بد منه، واستراحة يسيرة لإزالة الملل وأداء حق الزوجة3، ومؤانسة الزائر وتحصيل القوت وغيره مما يحتاج إليه، وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثم فوتها.--------------------------------------------
1 ديوان الإمام علي ص205، وتذكرة السامع 84.
2 البيتان للإمام علي كما في ديوانه 142، وشرح نهج البلاغة 18/ 113، وديوان المعاني 1/ 123، وانظر تذكرة السامع 85.
3 تذكرة السامع 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
ففي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير1: لا يستطاع العلم براحة الجسم2، وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره" 3.
وكما قيل "بيت رجز":
ولا بد دون الشهد من إبر النحل4
وكما قيل "من البسيط":
لا تحسب المجد تمرا أنت تأكله … لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا5
ومنها: أن تكون همته عالية، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير، ولا يسوف في اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت، وعن الربيع6 قال: لم أرَ الشافعي آكلا بنهار، ولا نائما بليل لاهتمامه بالتصنيف7.
ومنها: أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف8 بين العلماء--------------------------------------------
1 هو أبو نصر بن أبي كثير، يحيى بن صالح الطائي بالولاء، اليمامي: عالم أهل اليمامة في عصره، من أهل البصرة، يقال: أقام عشر سنين في المدينة يأخذ من أعيان التابعين، وسكن اليمامة، فاشتهر، وكان من ثقات أهل الحديث، رجحه بعضهم على الزهري، توفي في سنة 129هـ. السير 6/ 27، وتهذيب التهذيب 11/ 268.
2 تذكرة السامع 27.
3 تذكرة السامع 27.
4 عجز بيت لأبي الطب المتنبي وصدره:
تريدين إدراك المعالي رخيصة
5 البيت بلا نسبة كما في حلية الأولياء 10/ 304، وطبقات الشافعية الكبرى 10/ 63، ونفح الطيب 2/ 505، وأمالي القالي 1/ 112، ونوادر المخطوطات 2/ 175.
الصبر: عصارة شجر مر، ولا يُسَكَّن إلا في ضرورة الشعر.
6 تذكرة السامع 28، والربيع هو ابن سليمان المرادي، صاحب الشافعي، وناقل علمه.
7 تذكرة السامع 28.
8 تذكرة السامع 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
مطلقا في العقليات1 والسمعيات2، فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل يتقن أولا كتابا واحدا في فن واحد أو كتبا في فنون كما مر إن احتمل عقله ذلك3، ولا ينتقل من كتاب حتى يتقنه4، ويحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب قبل إتقانه من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح5، أما من تحققت أهليته وتأكدت معرفته فالأولى له ألا يدع فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعها إلا وينظر فيه يطلع به على مقاصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم فالأهم6، فإن العلوم متقاربة وبعضها مرتبط ببعض، والشخص يعادي ما يجهله، ولبعضهم "من الطويل":
تفنن وخذ من كل علم فإنما … يفوق امرؤ في كل فن له علم
فأنت عدو للذي أنت جاهل … به ولعلم أنت تفقهه سلم--------------------------------------------
1 قال أبو إبراهيم المزني: كنت يوما عند الشافعي أسائله عن مسائل بلسان أهل الكلام، قال: فجعل يسمع مني وينظر إلي، ثم يجيبني عنها بأخصر جواب، فلما اكتفيت، قال لي: يا بني، أأدلك على ما هو خير لك من هذا؟ قلت: نعم، فقال: يا بني، هذا علم إن أنت أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كفرت، فهل لك في علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت لم تأثم، قلت: وما هو؟ قال: الفقه، فلزمته، وتعلمت منه الفقه، ودرست عليه. طبقات الشافعية 1/ 241.
2 قال الخطيب: كان أبو ثور أولا يتفقه بالرأي، ويذهب إلى قول أهل العراق، حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث، وقال أبو حاتم: هو رجل يتكلم بالرأي فيخطئ ويصيب، وليس محله محل المسمعين في الحديث، وأبو ثور هو إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه صاحب الإمام الشافعي، وقد كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وفضلا، مات في بغداد شيخا سنة 240هـ. طبقات الشافعية 1/ 228.
3 تذكرة السامع 116.
4 تذكرة السامع 116.
5 تذكرة السامع 119.
6 تذكرة السامع 120، وانظر طبقات الشافعية 1/ 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وللخليل1 بن أحمد في أخيه لما تعقب عليه فن الشعر "من الكامل":
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني … أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا2
لكن جهلت مقالتي فعذلتني … وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
الناس أعداء لما جهلوا، قال تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11] قال الغزالي3: العمر لا يتسع لجميع العلوم، فالحزم أن يأخذ من كل علم أحسنه، ويصرف همته وجل عمره في العلوم النافعة في الآخرة، وأشرف العلوم وغايتها علم معرفة الله، وهو بحر لا يدرك غوره، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الذين يلونهم.
ومنها: ألا يحمل نفسه في الاشتغال ما لا طاقة له به مخافة الملل والسآمة؛ بل يكون أمره قصدا، وهذا باختلاف الناس، وكل إنسان أبصر بنفسه4.--------------------------------------------
1 هو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، ولد ومات في البصرة 170هـ. إنباه الرواة 1/ 341، والأعلام 2/ 314.
2 جامع بيان العلم 1/ 572.
3 فاتحة العلوم 128-129.
4 تذكرة السامع 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
القسم الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من تعظيم حرمته
…
الفصل الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته، وما يحب عليه من تعظيم حرمته 1:
فمنها: ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم منه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته وسيادته، وظهرت مودته وحسن تعليمه، ولا يرغب الطالب فيمن زاد علمه ونقص ورعه أو دينه، فعن السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم2.
قالوا: ولا يأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو على شيخ حاذق له معرفة تامة ولو بعلم واحد ومشاركة في بعض العلوم خوفا من التصحيف والغلط، وقال الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام3، وقيل: من تفقه من بطون الكتب بدل الأحكام، ومن طب من بطون الكتب قتل الأنام، وليحذر4 من أن يتقيد الطالب بالمشايخ المشهورين، وترك الأخذ عن الخاملين، فقد عد الغزالي5 ذلك من الكبر على العلم، وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث6 وجدها، ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة ممن ساقها إليه، وربما يكون الخامل له بركة ونفع فيحصل به تمام النفع7.
ومنها: أن ينظر معلمه بعين الاحترام، والإجلال والإكرام، ويعتقد فيه كمال--------------------------------------------
1 انظر هذا الباب في تذكرة السامع 85 فما بعد.
2 التمهيد لابن عبد البر 1/ 46، وكشف الخفاء 1/ 302، والكفاية في علم الرواية 1/ 121.
3 تذكرة السامع 87.
4 تذكرة السامع 87.
5 تذكرة السامع 86.
6 تذكرة السامع 86.
7 تذكرة السامع 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
الأهلية فإن ذلك ينفعه1، وكان بعض السلف2 إذا توجه إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه3 مني، وقال الشافعي رضي الله عنه: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك رحمه الله صفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها4، وقال الربيع: والله ما أجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلَيَّ هيبة له5، وقال حمدان بن الأصبهاني6: كنت عند شريك7 فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه وأقبل علينا، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، فقال ابن الخليفة: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه8، فجثى على ركبتيه فقال شريك: هكذا يُطلب العلم9، روي أن يحيى بن سعيد10 القطان كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه: علي بن المديني11--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 88.
2 تذكرة السامع 88.
3 تذكرة السامع 88.
4 تذكرة السامع 88.
5 تذكرة السامع 88.
6 هو حمدان بن علي الأصبهاني.
7 هو أبو عبد الله، شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي الكوفي: عالم بالحديث، فقيه، اشتهر بقوة ذكائه وسرعة بديهته، كان قاضيا، وكان عادلا في قضائه، مولده في بخارى، ووفاته بالكوفة سنة 177هـ. تاريخ بغداد 9/ 279، والأعلام 3/ 163.
8 أدب الإملاء والاستملاء 133.
9 أدب الإملاء والاستملاء 133، تذكرة السامع ص88، وكتاب العلم للنووي ص105، والسير 8/ 184.
10 أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي: من حفاظ الحديث، ثقة حجة، من أقران مالك وشعبة، من أهل البصرة، كان يفتي بقول أبي حنيفة. قال أحمد بن حنبل: "ما رأيت بعيني مثل يحيى القطان"، توفي في سنة 198هـ. تاريخ بغداد 14/ 135، وتذكرة الحفاظ 1/ 274.
11 هو أبو الحسن، علي بن عبد الله بن جعفر، المديني، البصري: محدث مؤرخ، كان حافظ عصره، وكان أعلم من الإمام أحمد باختلاف الحديث، له نحو مائتي مصنف، ولد بالبصرة، ومات بسامراء سنة 234هـ. تذكرة الحفاظ 2/ 15، وتهذيب التهذيب 7/ 349.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
والشاذكوني1، وعمرو بن2 علي، وأحمد بن حنبل3، ويحيى بن معين4 وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له وإعظاما، قلت: وهذا القيام بين يديه لله لا له، وإنما لما خصه الله من العلم وهيبته ومنحته، فلا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار" 5؛ لأنه لا يحب ذلك لنفسه؛ وإنما للسر المودع فيه من العلم، ولتهذيب أخلاق الطلبة وصونهم عن التكبر وتخلقهم بالتواضع6، والله أعلم.
ومنها: أن يعرف للمعلم7 حقه، ولا ينسى له فضله ويتواضع8 له ويذل--------------------------------------------
1 هو أبو أيوب، سليمان بن داود بن بشر المنقري البصري، المعروف بالشاذكوني: الحافظ الشهير، قال عنه السيوطي: من أفراد الحافظين إلا أنه واهٍ، جالس الأئمة والحفاظ ببغداد، ثم خرج إلى أصبهان فسكنها، وانتشر حديثه بها، وكان ذا هيئة حسنة، كما كان يتهم بشرب النبيذ وغير ذلك، وكان يتهم بوضع الحديث، مات بالبصرة سنة 234هـ. طبقات الحفاظ 236، والسير 10/ 679.
2 هو أبو حفص، عمرو بن علي بن بحر السقاء الفلاس: باحث من أهل البصرة، سكن بغداد، كان من حفاظ الحديث الثقات، ففي أصحاب الحديث من يفضله على ابن المديني، مات في سر من رأي سنة 249. تهذيب التهذيب 8/ 80، والأعلام 5/ 82.
3 الإمام الكبير، صاحب المذهب، وصاحب المسند.
4 أبو زكريا، يحيى بن معين بن عوف بن زياد البغدادي: من أئمة الحديث ومؤرخي رجاله، نعته الذهبي بسيد الحفاظ، وقال العسقلاني: إمام الجرح والتعديل، وقال ابن حنبل: أعلمنا بالرجال، خلف له أبوه ثروة كبيرة، فأنفقها في طلب الحديث، عاش في بغداد، ومات بالمدينة حاجا سنة 233هـ. تاريخ بغداد 14/ 177، وتهذيب التهذيب 11/ 280.
5 رواه أبو داود رقم 5229 في الأدب، والترمذي رقم 2756 في الأدب، ومجمع الزوائد 8/ 40، وفيض القدير 6/ 41، والجامع لأخلاق الراوي 1/ 400.
6 تفسير القرطبي 9/ 266، وفتح الباري 11/ 50.
7 تذكرة السامع 90، وقد قال قرة بن خالد: كان الحسن إذا قدم عكرمة البصرة أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة بالبصرة.
8 تذكرة السامع 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمير في خدمته شرف، قال صلى الله عليه وسلم: "تعلموا العلم، وتعملوا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه"1، وأخذ ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته ومزيته بركاب زيد بن ثابت2 رضي الله عنه وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا3، ويقال: إن الشافعي رحمه الله عوتب على تواضعه للعلماء فقال "من الطويل":
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها … ولن تكرم النفس التي لا تهينها4
ومنها: ألا ينكر عليه، ولا يتأمر عليه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب منه "من الطويل":
وإن عناء أن تعلم جاهلا … فيزعم جهلا أنك منك أفهم5
بل ينقاد إليه في أموره كلها، ويلقي إليه زمام أمره، ويذعن لنصحه، ويتحرى رضاه، ولا يختار إلا اختياره، ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه، وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وفي قصة موسى والخضر تنبيه على ذلك6، وبالجملة فيكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر الناصح، بل هذا أولى لتفاوت ثمرتيهما، والله أعلم.--------------------------------------------
1 جامع بيان العلم وفضله 1/ 125.
2 هو أبو خارجة، زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي: صحابي، من أكابرهم، كانت كاتب الوحي، ولد في المدينة، ونشأ في مكة، توفي في سنة 45هـ، ولما مات قال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة. الإصابة ترجمة رقم 2880.
3 تذكرة السامع 87، والمستدرك 3/ 423، والإصابة، وصفة الصفوة 1/ 295، وبقية الخبر: "فأخذ زيد كفه وقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا … ".
4 البيت في ديوانه ص89، وانظره في آداب الشافعي ومناقبه 127، والجامع لأخلاق الراوي 1/ 552، وحلية الأولياء 9/ 148.
5 البيت لصالح بن عبد القدوس. وانظر جامع بيان العلم 1/ 447.
6 سورة الكهف، الآية 69، وانظر أيضا تذكرة السامع 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
ومنها: أن يبجله في خطابه في غيبته وحضوره، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه من بُعْد، بل يقول: يا سيدي1 ويا أستاذي، أو يأيها العالم أو الحافظ، ويخاطبه بصيغة الجمع نحو ما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا، وقلتم رضي الله عنكم، وأجزتم رضي الله عنكم، ولا يسميه في غيبته باسمه إلا مقرونا بما يشعر بالتعظيم كقوله: قال الشيخ أو شيخنا أو سيدنا أو شيخ الإسلام أو حجة الإسلام ونحو ذلك2، فمراعاة حرمته وهديه في غيبته وبعد موته، فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته، ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق المجلس3 الذي يُغتاب فيه شيخه، ويراعي ذريته وأقاربه بعد موته، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له والترحم عليه والصدقة عنه، ويسلك مسلكه، ويراعي في الدين عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته في عباداته وعاداته، ويتأدب بآدابه4، ويشكر الشيخ إذا نصحه في أمر نقيصة صدرت منه، وعلى فضيلة نبهه عليها وشوهدت منه، ويعد ذلك من نعم الله عليه من الشيخ باعتناء الشيخ به ونظره إليه.
ومنها: أن يصبر على هفوة تصدر من شيخه أو جفوة أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله التي ظاهرها مذموم على أحسن تأويل، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة والاستغفار5، وينسب الموجب إليه، ويوقع العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع في الدنيا والآخرة6، فمن صبر على ذل التعليم آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة، ومن لم--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 89.
2 تذكرة السامع 89.
3 تذكرة السامع 90.
4 تذكرة السامع 90.
5 تذكرة السامع 91.
6 تذكرة السامع 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
يصبر بقي عمره في غاية الجهالة1، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالبا فعززت مطلوبا2، ولبعضهم "من الكامل":
فاصبر لدآئك إن أهنت طبيبه … واصبر لجهلك إن جفوت معلما3
إن المعلم والطبيب كلاهما … لا ينصحان إذا هما لم يُكْرَما
قال الشافعي رضي الله عنه: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك فقال للقائل: هم حمقاء إذن إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي4.
ومنها: ألا يدخل5 على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه، سواء كان الشيخ وحده أو معه غيره، فإن استأذن ولم يأذن له انصرف، ولا يكرر الاستئذان، فإن لم يعلم الشيخ يكرر ثلاثا أو ثلاث طرقات للباب، وليكن طرق الباب خفيفا بقدر ما يسمع، وإن أذن وكانوا جماعة تقدم أفضلهم وأسنهم للدخول، ثم يسلم الأفضل فالأفضل.
ومنها: أن يجتهد على أن يسبق في الحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ويحمل نفسه على ذلك وإن انتظره على باب داره ليخرج ويمشي معه إلى المجلس فهو أولى، ولا يتأخر بحيث يجعل الشيخ في انتظاره، فإن فعل ذلك من غير ضرورة عرض نفسه للذم، وإذا دخل6 على الشيخ فليدخل كامل الهيئة--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 91.
2 تذكرة السامع 91.
3 تذكرة السامع 91، والتمثيل والمحاضرة 164، ومحاضرات الأدباء 1/ 53.
4 تذكرة السامع 91-92.
5 تذكرة السامع 93-94.
6 تذكرة السامع 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
فارغ القلب من الشواغل، منشرح الصدر، صافي الذهن، لا في حال نعاس أو غضب أو جوع أو عطش، متطهرا نظيفا متسوكا مزيلا روائحه الكريهة، ولا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وجوعه وعطشه واستيفازه وألمه وقائلته ونحو ذلك مما يمنعه من استيفاء الشرح، ومتى1 دخل على الشيخ في غير المجلس العام وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث، أو دخل الشيخ ليصلي أو يقرأ أو يطالع أو يكتب ولم يبدأه بكلام فليسلم ويخرج سريعا إلا أن يأمره الشيخ بالمكث2، فإذا مكث فلا يطيل المكث خشية أن يدخل في عموم من شغل مشغولا بالله أدركه المقت في الوقت، وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ولا يفوت على نفسه درسه، وإن كان نائما صبر حتى يستيقظ3، وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت وهو نائم فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا4، وكذلك كان السلف يفعلون5.
ومنها: ألا يطلب6 من الشيخ وقتا يقرأ فيه وهو عليه مشق، أو لم تجر عادته بالإقراء فيه وإن كان رئيسا؛ لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة، وربما استحى الشيخ منه وأقرأه وعطل غيره بسببه فلا يفلح، فإن أشار الشيخ عليه بوقت خاص فلا بأس7، وأن يجلس بين يديه8 متأدبا بسكون وإطراق رأس وخضوع وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك، ويحسن هنا الإقعاء المستحب على وجه في الجلوس بين السجدتين في الصلاة، وهو أن يفترش قدميه ويجلس على بطونهما، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه9.--------------------------------------------
1 تذكر السامع 95.
2 تذكرة السامع 95
3 تذكرة السامع 96.
4 تذكرة السامع 96.
5 تذكرة السامع 96.
6 تذكرة السامع 96.
7 تذكرة السامع 97.
8 تذكرة السامع 97.
9 تذكرة السامع 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
ولا يستند1 بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره، ولا يجعل يديه ماسكة وراء ظهره، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته، قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ ألا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه، وإن أمره شيخه بذلك فلا يفعله إلا إذا جزم عليه جزما تشق عليه مخالفته، فيمتثل أمره ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب2، هذا وقد تكلم الناس في أي الأمرين أولى: امتثال الأمر، أو سلوك الأدب3، وكان مذهب أبي بكر وعلي رضي الله عنهما الثاني، ومذهب عبد الرحمن4 بن عوف ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما الأول، وقصصهم مشهورة، قال شيخ الإسلام البدر بن جماعة5: والذي يترجح التفصيل، فكل على قدر مقامه، فأبو بكر وعلي مقامهما المراجعة في الأمر، وعبد الرحمن ومعاذ بن جبل مقامهما امتثال الأمر لا المراجعة، وأيضا صاحب الأدب جبره حاصل، وصاحب امتثال الأمر قد يقصد جبره وإظهار احترامه والاعتناء به.
ومنها: أن يلقى السمع وهو شهيد لما يلقيه الشيخ، بحيث لا يُحوِجه إلى إعادة الكلام6، ولا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا وفوقا وتحتا وأماما ووراء من غير ضرورة، ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يتكلم بيديه إلى وجه الشيخ وصدره ولا يعبث بهما، ولا يضع يده على لحيته أو فمه، أو يعبث بها في أنفه، ولا يشبك أصابعه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط ولا--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 98.
2 تذكرة السامع 100.
3 تذكرة السامع 100.
4 هو أبو محمد، عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي: صحابي، من أكابرهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من الأجواد العقلاء، وأحد السابقين إلى الإسلام، وتوفي في المدينة سنة 32هـ. الإصابة ترجمة رقم 5171.
5 تذكرة السامع 100.
6 تذكرة السامع 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
ينخع ما أمكنه، إذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ولا يتمطى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جُهده، وإذا عطس خفض صوته جهده وستر وجهه بمنديل ونحوه، ويكون ساكنا مطمئنا وقورا وقرا، وذلك لا يخفى على من له أدنى أدب طبيعي.
ومن تتمات ما نحن فيه: أنه لا يسارر في مجلس شيخه ولو في مسألة، ولا يغمز أحدا، ولا يكثر كلامه بغير ضرورة، ولا يحكي ما يُضحك منه أو ما يتضمن سوء أدب، ولا يتكلم بما لم يسأله شيخه عنه، ولا يسأل شيخه ما لم يستأذنه أولا، ولا يضحك من غير عجب دون الشيخ، فإن غلبه الضحك تبسم بغير صوت، ولا يغتب أحدا في مجلسه، أو ينم له عن أحد، أو يوقع بينه وبين أحد ينقل ما يسوؤه كاستنقاص به وتكلم فيه، أو يقول له: فلان يود أن لو أقرأ عليه كالحاث له في أمره، وتركت ذلك لأجلك، ففاعل ذلك مع كونه ارتكب
مكروها أو حراما أو كبيرة مستحق للزجر والإهانة، والطرد والإبانة، وقد جاء عن علي رضي الله عنه: إن من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا أعرض، ولا تأخذ بثوبه إذا كسل، ولا تشيرن إليه بيدك، ولا تغمزه بعينك ولا تغمز بعينك غيره، ولا تسار في مجلسه، ولا تطلب زلته، وإن زل فاقبل معذرته، وألا تقول: قال فلان خلاف قولك، وأن تحفظه شاهدا وغائبا، وأن تعم القوم بالسلام، وأن تخصه بالتحية، وأن تجلس بين يديه، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقتَ القوم إلى خدمته، وألا تمل من طول صحبته، وإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة1.
ومنها: أن يحسن خطابه مع الشيخ ما أمكنه2، ولا يقول له: لِمَ؟ ولا--------------------------------------------
1 جامع بيان العلم وفضله 95، وتذكرة السامع 100.
2 تذكرة السامع 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
نسلم، ولا من نقل هذا؟ ولا أين موضعه؟ ولا يقل المحظوظ والمنقول غير هذا وشبه ذلك، فإن أراد استفادة أصله أو من نقله، فيراجعه بلطف في مجلس آخر بحسن الأدب ولطف العبارة، وأذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو أصر الشيخ على خلاف الصواب سهوا، فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله، بل يأخذه ببشر ظاهر وإن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال، فإن العصمة في البشر للأنبياء عليهم السلام1، وليحذر من مفاجأة الشيخ2 بصورة رد عليه مثل أن يقول له: أنت قلت فيقول: ما قلت؟ فحاصله إذا فاجأه أو أراد أن يرد عليه فليكن بألطف عبارة ولو في غير ذلك المجلس؛ كأن يقول: هل تلمحتم جوابا عن ذلك الإشكال أو على ذلك التعقب؟ وإذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة ألا يضحك ولا يستهزئ ولا يعيدها كأنه يتنادر بها عليه، ولا يغمز غيره ولا يشير إليه بل ولا يتأمل ما صدر منه ولا يدخله قلبه، ولا يصغى إليه بسمعه، ولا يحكيه لأحد، فإن اللسان سباق والإنسان غير معصوم، وفاعل شيء مما ذكر مع شيخه معرض نفسه للحرمان، والبلاء والخسران، مستحق للزجر والتأديب، والهجر والتأنيب، والله أعلم.
ومنها3: ألا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره، لا سيما إلا إذا كان من غيره وتوقف الشيخ، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفة به أو إدراكه له قبل الشيخ، إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه، أو عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه فلا بأس به حينئذ، ولا يقطع على الشيخ كلامه ولا يسابقه، وإذا سمع الشيخ يذكر حُكْما في مسألة أو فائدة--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 101-102.
2 تذكرة السامع 102.
3 تذكرة السامع 106-107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
مستغربة أو يحكي حكاية أو ينشد شعرا وهو يحفظ ذلك أن يصغي إليه إصغاء متسفيد متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه1 قط، قال عطاء2: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا3، وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد4، فإن5 سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه للحديث أو للمسألة فلا يجيب بلا لما فيه من الكذب، ولا يجيب بنعم لما فيه من الاستغناء عن الشيخ، بل يقول: أحب أن أستفيده، أو عهدي به بعيد، فإن علم من حال الشيخ أنه يسره ألا يراد امتحانا لضبطه وحفظه وتحصيله فلا بأس بذلك6، ولا ينبغي أن يكرر ما يعلمه، ولا استفهام ما يفهمه، فإنه يضيع الزمان، وربما أضجر الشيخ، قال الزهري7: إعادة الحديث أشد من نقل الصخر8 ولا ينبغي أن يقصر في الإصغاء والتفهم، أو يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله؛ لأن ذلك إساءة أدب، بل يكون مصغيا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة، وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده، ويَزبُره عقوبة له، أما إذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده أو لم يفهمه--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 104-105.
ويحكى أن جالينوس كان يقرر يوما في مسألة مشكلة والطلبة به محدقون، فقال لهم: فهمتم، قالوا: نعم، قال: لا، لو فهمتم لظهر السرور على وجوهكم.
2 هو ابن أبي رباح، عطاء بن أسلم بن صفوان: تابعي، من أجلاء الفقهاء كان عبدا أسود، ولد في جند باليمن، ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، قال أبو حنيفة: ما رأيت أحدا أفضل من عطاء، توفي في مكة سنة 114هـ. تذكرة الحفاظ 1/ 92، وتهذيب التهذيب 7/ 199، ونكت الهميان 199.
3 تذكرة السامع 105.
4 تذكرة السامع 105.
5 تذكرة السامع 105.
6 تذكرة السامع 106.
7 هو ابن شهاب الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله، أبو بكر، وهو من أعلم الحفاظ.
8 انظر قوله في تذكرة السامع 106.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
مع الإصغاء إليه والإقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته أو تفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف1.
ومنها: ألا يسأل عن شيء2 في غير موضعه، ففاعل ذلك لا يستحق جوابا، إلا أن يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك، ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله ليحسن في جوابه، قال صلى الله عليه وسلم: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم"3.
ومنها: ألا يستحي4 من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه أكمل استيضاح، فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه عند السؤال، ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، وقال ابن شهاب: العلم خزائن ومفتاحه المسألة5، وإذا قال له الشيخ: أفهمت؟ فلا يقل نعم قبل أن يتضح له المقصود من المسألة إيضاحا جليا؛ لئلا يكذب ولا يستحي من قوله لم أفهم6؛ لأن استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة7، فمن العاجلة: حفظ المسألة وسلامته من الكذب وإظهار فهم ما لم يكن فهمه، واعتقاد الشيخ اعتناءه بالعلم ورغبته وكمال عقله وورعه ونصحه لنفسه، ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائما، وعن الخليل ابن أحمد: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة8.
ومنها: أن يكون ذهنه حاضرا مع الشيخ9، فإن أمره بشيء بادر إليه ولم يعاوده فيه، وإذا ناوله شيئا تناوله التلميذ باليمين، وإذا تناول هو شيئا تناوله--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 106.
2 تذكرة السامع 157.
3 المعجم الأوسط 7/ 56 و57، وشعب الإيمان 5/ 254، وفيض القدير 3/ 181، وتهذيب الكمال 29/ 230، وكشف الخفاء 1/ 179، ومجمع الزوائد 1/ 16، وصفوة الصفوة 1/ 212.
4 تذكرة السامع 156.
5 سنن الدارمي 1/ 458، حديث رقم 566.
6 تذكرة السامع 157.
7 تذكرة السامع 157.
8 تذكرة السامع 157.
9 تذكرة السامع 108-109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
باليمين، وإذا ناول هو شيخه شيئا ناوله باليمين، وإن كان ورقة كفُتيا أو قصة مثلا نشرها ثم دفعها إليه، ولا يدفعها مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك. وإذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها ويتربها ثم يطويها، وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيأ لفتحة من غير احتياج إلى إدارته، وكذا إن كانت مطالعته في موضع معين يهيئه له ولو بالتقريب، ولا يحذف إليه الشيء، ولا يمد يده إلى حاجة إذا كان بعيدا عنها كأن يتكئ لجنبه ليأخذ ذلك الشيء، بل يقوم إليه ولا يزحف زحفا، وإذا وضع بين يديه دواة فليضعها مفتوحة، وإذا ناوله سكينا1 فلا يصوب إليه رأس نصلها ولا نصابها، بل يناوله إياها عرضا؛ لأنه إن ناوله نصلها فقلة أدب من حيث إنه أشار إليه بنصل السكين، وإن ناوله نصابها يخشى على يد المناول من انفتال الحد إلى أصبعه، فالأولى العرض، وليكن الحد في العرض إلى جهته قابضا على طرف النصاب، مما يلي النصل ليأخذ هو بأول النصاب، وإن ناوله سجادة2 ليصلي عليها نشرها أولا، والأدب أن يفرشها عند قصد ذلك، قال ابن جماعة: وإذا فرشها ثنى مؤخر طرفها الأيسر كعادة الصوفية3، فإن كانت مثنية جعل طرفها إلى يسار المصلي، وإن كان فيها صورة محراب تحرى به القبلة إن أمكن4، ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة، ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا5، وإذا قام بادر القوم إلى أخذ السجادة وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج6، وإلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ، ويقصد بذلك كله--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 109.
2 تذكرة السامع 109.
3 تذكرة السامع 109.
4 تذكرة السامع 109.
5 تذكرة السامع 109.
6 تذكرة السامع 109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
التقرب إلى الله تعالى وإلى قلب الشيخ1، وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن وأن كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف2.
ومنها: أن يقوم بقيام الشيخ ولا يجلس وهو قائم، ولا يضطجع وهو قائم أو قاعد، بل ولا يضطجع بحضرته مطلقا إلا أن يكون وقت نوم ويأذن له، ويقوم له كلما ورد عليه ولو تكرر لزيادة التوقير والإعظام والاحترام، وقد تقدم أن شيخ الإسلام النووي ألف كتابا في مسألة القيام3.
ومنها: إذا مشى مع شيخه ليلا فليكن أمامه4، أو نهارا فليكن وراءه إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها5، وليتبع في ذلك عادة أهل البلد، فمتى خالف نسب لقلة الأدب، ومما ينسب لشيخ الإسلام البرهان6 بن جماعة ما لفظه: فائدة من عادة الفقراء المشي خلف الشيخ، ومن عادة الفقهاء المشي بين يدي الشيخ، وقد ورد في الحديث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يمشون بين يديه ولا يدع أحدا يمشي خلفه ويقول: "دعوا ظهري للملائكة" 7.
قلت: ولهذا ترى الدولة يكون رئيسهم وكبيرهم وراء القوم، وهذا أصله.
ومن فعل عكس ذلك من الأكابر فمراده ألا يتشبه بمن هو أكبر منه؛ ولكن--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 109-110.
2 تذكرة السامع 110.
3 انظر ما سبق 124 الحاشية الثامنة.
4 تذكرة السامع والمتكلم ص110.
5 خرج القاضي ابن سريج، وابن داود الظاهري، ونفطويه إلى وليمة دعوا لها، فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق، فأراد كل واحد منهم صاحبه أن يتقدم عليه، فقال ابن سريج: ضيق الطريق يورث سوء الأدب، وقال ابن داود: لكنه يعرف مقادير الرجال، فقال نفطويه: إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف.
6 هو صاحب كتاب تذكرة السامع والمتكلم، ولم نجد هذا القول في كتابه.
7 مجمع الزوائد 4/ 136، ومسند أحمد 3/ 397، وحلية الأولياء 7/ 117، وسنن الدارمي 1/ 37، والبيان والتعريف 1/ 170، ومصباح الزجاجة 1/ 36، وشرح سنن ابن ماجه 1/ 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
تفوته السنة، ولا يخفى الفرق بين صدر الصحابة ورئيسهم، ولا بين من تأخر عنهم خصوصا في زماننا؛ لأن الصحابة ورئيسهم صلى الله عليه وسلم كان كأحدهم لا يتميز من بينهم بزيادة ثوب فاخر ولا فرس مسومة، ولا تقدم القوم عليه بمسافة ليمشي وحده مما يُفعل في زماننا من ذلك من تقدم الفرسان ثم المشاة ثم السعادة، ثم الانفراد، وهذا عين الجبروت، فأصله سنة ولكن انقلب ذلك إلى طريق البدعة، اللهم إلا أن يقصد بذلك رهبة العصاة والطغاة والغادرين فلا بأس وهو أعلم بالنيات، والمطلع على الطويات.
ويتعين تقدم التلميذ على الشيخ ليلا ونهارا في المواضع المجهولة1 الحال كالوحل والوجَل والحوض والمواضع الخطرة، ولا يمشي2 إلى جانبه إلا لحاجة أو إشارة منه، ويعرفه بمن يقصده وهو ماشٍ من الأعيان إن لم يعلم به، ويؤثره بجهة الظل في مشيه في الصيف، وفي الشتاء بجهة الشمس، ولا يمشي بين الشيخ3 وبين من يحدثه الشيخ، ويتأخر عنهما أو يتقدم ولا يتسمع، فإن أدخلاه في حديثهما فليدخل من الجانب الآخر عن يمينه أو يساره ليكون الشيخ وسطا، وإذا مشى مع الشيخ اثنان فليكن الأسن عن يمينه، وإذا صادف الشيخ في الطريق بدأه بالسلام، ويقصده إن كان بعيدا ولا يناديه، وإذا رافقه لا يشير ابتداء بالأخذ في طريق حتى يستشيره4، والله أعلم.--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 110.
2 تذكرة السامع 111.
3 عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما" الأدب المفرد 165.
4 تذكرة السامع 111-112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
القسم الثالث: في آداب درسه وقراءته وما يعتمده مع شيخه ورفقته 1 حينئذ:
فمنها: أن يبتدئ أولا من وفقه الله تعالى بحفظ كتاب الله العزيز حفظا2 متقنا فهو أصل العلوم وأهمها، وكان السلف لا يُعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره من العلوم كالحديث والفقه اشتغالا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان، بل يتعهد دراسته وملازمة ورد منه كل يوم أو أيام أو جمعة دائما أبدا كما تقدم3، وقال ابن جماعة4: ويجتهد بعد حفظه على إتقان تفسيره وسائر علومه5. انتهى.
ثم يحفظ في كل فن مختصرا6 يجمع فيه بين طرفيه، ويقدم الأهم فالأهم، ومن أهمها الفقه والنحو والتصريف، ثم الحديث وعلومه والأصول، ثم الباقي على ما تيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته على المشايخ7، وليحذر من الاعتماد على الكتب ابتداء، بل يعتمد من الشيوخ في كل فن أكثرهم تحقيقا فيه وتحصيلا منه وأحسنهم8 تعليما، فإن أمكن شرح دروس في كل يوم فعل وإلا اقتصر على الممكن من درسين وثلاثة، وإذا اعتمد شيخا وكان لا يتأذى بقراءة ذلك الفن على غيره فليقرأ على ثان وأكثر ما لم يتأذوا،--------------------------------------------
1 انظر هذا القسم، وهو الفصل الثالث من تذكرة السامع 112، فما بعد.
2 تذكرة السامع 112، ومن حفظ الزهري أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، تذكرة الحفاظ 1/ 104.
وقال ابن أبي حاتم: لم يدعني أبي أطلب الحديث حتى قرأت القرآن على ابن شاذان، وكان ابن أبي حاتم بحرا في العلوم، ومعرفة الرجال، وقد توفي سنة 327هـ. تذكرة الحفاظ 3/ 428.
وقال ابن خلكان: ولما بلغ الرئيس الحكيم أبو علي ابن سينا عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن العزيز.
3 تذكرة السامع 113.
4 تذكرة السامع 113.
5 تذكرة السامع 113.
6 تذكرة السامع 113.
7 تذكرة السامع 113.
8 تذكرة السامع 113-114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)