وتوجيه الأقوال، ويبين الفرق بين المسألتين، ومأخذ الحكمين، ويبين ما يتعلق بالمسألة من النكت اللطيفة، والألغاز الظريفة، والأمثال والأشعار واللغات وما يرد عليها، أو على عبارة ممليها، وينبه على غلط من غلط فيها من حكم أو تخريج فيقول مثلا: هذا هو الصواب أو الصحيح، وأما ما ذكره فلان فغلط أو ضعيف، قاصدا بذلك النصيحة لا التنقيص لمصنفه.
ومن ذلك أن يذكر لهم قواعد الفن التي لا تنخرم مطلقا، أو غالبا مع مستثنياتها أن لو كانت كقولنا: إذا اجتمع سبب ومباشرة، قدمنا المباشرة على السبب في الضمان، وإن اليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة، وإذا اجتمع قولان: جديد وقديم، فالعمل بالجديد إلا في مسائل معدودة المشهور منه أربع عشرة مسألة، وأوصلها ابن الملقن1 إلى أكثر من ثلاثين ويذكرها أو ما حضره منها، وإن من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى المالك، ومن قبضه لغرض المالك قبل قوله في الرد إليه لا إلى غيره2، وإن الحدود تسقط بالشبهة، وإن الاعتبار في اليمين بالله تعالى أو الطلاق أو العتاق أو غيرها بنية الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا فاستحلفه بالله لدعوى اقتضته فالاعتبار بنية القاضي، أو نائبه المستحلف إن كان الحالف يوافقه في الاعتقاد وإلا فوجهان، وإن كل يمين على نفي فعل الغير فهي على نفي العلم إلا من ادعي عليه أن عبده جنى فيحلف على البت على الأصح، أو بهيمته جنت فيحلف على البت قطعا، وإن السيد لا يثبت له مال في ذمة عبده--------------------------------------------
1 هو أبو حفص، عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، ابن النحوي، المعروف بابن الملقن: من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، أصله من وادي آش بالأندلس، وله نحو ثلاثمائة مصنف، مولده ووفاته بالقاهرة سنة 804هـ. ذيل الدرر الكامنة 121، والذيل التام 1/ 422، وذيل طبقات الحفاظ 197 و369.
2 عون المعبود 10/ 34، والمحلى 9/ 379، وشرح النووي على صحيح مسلم 12/ 2، والمغني 6/ 43 و8/ 394.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
ابتداء، وفي ثبوته دواما وجهان، وكل عبادة يخرج منها بفعل منافيها ومبطلها إلا الحج والعمرة، وكل وضوء يجب فيه الترتيب إلا وضوءا تخلله غسل الجنابة1، وإن ما لا يجب التعرض له في العبادة جملة ولا تفصيلا لا يضر الخطأ فيه، وما يجب التعرض له تفصيلا أو جملة يضر الخطأ فيه:
الأول: كخطأ الإمام في تعيين تابعه لا يضر.
والثاني: كخطئه من الصوم إلى الصلاة، أو من صلاة فرض معين إلى غيره.
والثالث: كخطأ المأموم في تعيين الإمام.
وإن إشارة الأخرس2 كنطقه إلا في أربع مسائل: الشهادة في الأصح، وإبطال الصلاة، وانعقاد اليمين، وإذا حلف لا يكلم زيدا فأشار إليه، وإن إشارة الناطق القادر على العبارة لغو إلا في أربع مسائل: الأمان، وإشارة الشيخ في رواية الحديث، وقوله: أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه، وإذا سُلم على المصلي يرد بالإشارة، نص عليه في القديم3، وأشباه ذلك.
وكذلك يبين4 له جملا مما يحتاج إليه وينضبط من أصول الفقه؛ كترتيب الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب عند من يقول به، وأنواع الأقيسة ودرجاتها، وحد الأمر والنهي والعموم والخصوص وغيرها، وأحكام ذلك وقواعده، وجملا من5 أسماء المشهورين من الصحابة فمن بعدهم من العلماء والأخيار، وتراجمهم ووفياتهم، وضبط المشكل من أنسابهم وأسمائهم والمشتبه من ذلك، والمختلف والمؤتلف، ونحو ذلك، وجملا من--------------------------------------------
1 المهذب 1/ 54، والمجموع 1/ 480، والشرح الصغير 1/ 120، والشرح الكبير 1/ 102، ومغني المحتاج 1/ 54، والدر المختار 1/ 113، وفتح القدير 1/ 23، وتذكرة السامع 57.
2 المغني 4/ 148 و349.
3 انظر المغني 7/ 373، ونيل الأوطار 7/ 31 و33.
4 كتاب العلم للنووي ص96.
5 كتاب العلم للنووي ص97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الألفاظ اللغوية والعرفية المتكررة في الفقه ضبطا لمشكلها، وخفي معانيها فيقول: هي مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة، مخففة أو مشددة، مهموزة أو لا، عربية أو أعجمية أو معربة، وهي التي أصلها عجمي وتكلمت فيها العرب، مصروفة أم لا، مشتقة أو لا، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا1.
وأن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا، ويبين ما ينضبط من قواعد التصريف ونحو ذلك، وإذا وقعت مسألة غريبة لطيفة، أو مما يسأل عنه في المعاياة نبه عليها، وعرفهم حالها، ويكون تعليمه إياهم كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا، فيجتمع لهم مع طول الزمان جمل كثيرة2، والله أعلم.
ومن ذلك أن يحرضهم على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم بإعادة محفوظاتهم، فمن وجده حافظا مراعيا لمحفوظاته ومهماته وقواعده أثنى عليه وأشاع ذلك، ومن وجده مقصرا عنفه وأعاده له ليحفظه حفظا راسخا3.
ومن ذلك ينبغي له أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل ويختبر بذلك أفامهم، ودليل ذلك ما رواه الشيخان عن ابن عمر4 رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشجر شجرة … " 5 الحديث.--------------------------------------------
1 كتاب العلم للنووي ص97.
2 كتاب العلم للنووي ص97.
3 كتاب العلم للنووي ص97.
4 هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي: صحابي، من أعز بيوتات قريش في الجاهلية، كان جريئا جهيرا، نشأ في الإسلام، وهاجر إلى المدينة مع أبيه، وشهد فتح مكة، ومولده ووفاته فيها سنة 73. الإصابة ترجمة 4825، ونكت الهميان 183.
5 الحديث في البخاري "61 و131"، وفيه: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل الرجل المسلم، حدثوني ما هي؟ " قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييت فقالوا: يا رسول الله، ما هي؟ قال: "هي النخلة" قال عبد الله بن عمر: فحدثت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالذي وقع في نفسي، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلَيَّ من أن يكون لي كذا وكذا. وانظر أيضا تفسير ابن كثير 2/ 531، ومسند أحمد 2/ 12، وفتح الباري 1/ 145، وتحفة الأحوذي 8/ 135، والفردوس بمأثور الخطاب 1/ 211.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ومن ذلك إذا فرغ من شرح درس فلا بأس بطرح1 مسائل تتعلق به على الطلبة، وإعادة ذكر ما أشكل منه؛ ليمتحن بذلك فهمهم وضبطهم لما شرحه لهم. فمن ظهر استحكام فهمه شكره، ومن لم يفهم تلطف في إعادته، والمعنى: أنه ربما استحى من قوله: لم أفهم، وسبب هذا: إما رفع كلفة الإعادة على الشيخ، أو لضيق الوقت، أو حياء من الحاضرين، أو كي لا تتأخر قراءة بعضهم بسببه؛ ولذلك قيل2: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب: هل فهمت؟ إلا إذا أمن من قوله نعم قبل أن يفهم، وينبغي للشيخ3 أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس، وإعادة ما وقع من التقرير بعد فراغه ليثبت في أذهانهم، وإذا فهم الشيخ فائدة من البعض في البحث وإن كانت من صغير فينصفه بها، ويشكره عليها، فإن ذلك من بركة العلم، ولا يظهر الشيخ للطلبة تفضيل4 بعضهم على بعض لا سيما إذا تساووا في الصفات: من سن أو فضيلة، أو تحصيل أو ديانة، فترجيح بعضهم على بعض مما يوغر الصدور، فإذا ظهرت فضيلته يثني عليه في حد ذاته من غير تصريح بأن فلانا أفضل من فلان، فاعلم ذلك.
ومن ذلك أن يقدم في التعليم5 الأسبق فالأسبق إذا ازدحموا، ولا يقدمه بأكثر من درس إلا برضى الباقين، ويختار إذا كانت الدروس في كتاب واحد باتفاق منهم وهو المسمى بالتقسيم أن يبدأ في كل يوم بدرس واحد منهم، فإن الدرس الأول ربما حصل فيه من النشاط والتقرير ما لا يحصل في الباقي إلا إذا--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم ص53.
2 تذكرة السامع والمتكلم ص53.
3 تذكرة السامع والمتكلم ص54.
4 تذكرة السامع والمتكلم ص59.
5 كتاب العلم للنووي ص97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
علم من نفسه عدم الملالة، وبقاء النشاط، فيرتب الدروس ترتيب الكتاب، وإن رأى مع ذلك تقديم الأسبق ليحضر المتأخر على التقدم كان حسنا، ولا يقدم أحدا في نوبة غيره، ولا يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك مصلحة، فإن سمع بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وإن جاءوا معا وتنازعوا أقرع كما سيأتي إن شاء الله في القسم الثالث من النوع الثالث.
ومن ذلك إذا سلك الطالب فوق ما يقتضيه حاله، وخاف ضجره أوصاه بالرفق بنفسه، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر أمره بالراحة، ولا يشير على الطالب بتعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، ولا كتاب يقصر عنه ذهنه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في قراءة فن مشكل أو كتاب مشكل لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه، ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الوقت التأخير أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى فهمه جيدا نقله إلى كتاب يليق بذهنه؛ لأن نقل الطالب الذكي يزداد به فهمه واجتهاده وانبساطه، ونقل الطالب غير الذكي يكل فهمه ونشاطه، ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطهما، بل يقدم الأهم فالأهم، وإذا غلب على ظنه أنه لا يفتح عليه في ذلك الفن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه، وإذا كان الشيخ متكفلا ببعض العلوم، فلا يقبح للطالب باقي العلوم التي لا يحسنها؛ إذ من عادة معلم اللغة تقبيح الفقه، ومعلم الفقه تقبيح علم الحديث والتفسير، بل يوسع على الطالب طريق التعلم مطلقا.
ومن ذلك ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره، قال النووي: وهذه مصيبة يبتلى بها جهلة المعلمين لغباوتهم، وفساد نيتهم وإرادتهم بالتعليم غير وجه الله، وهذا إذا كان المعلم الآخر أهلا، فإن كان فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط فليحذره من الاغترار به، والله يعلم المفسد من المصلح، والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
القسم الثالث: آدابه في درسه
…
الفصل الثالث: آدابه في درسه 1:
فمنها: إذا عزم على التدريس أن يتطهر من الحدث والخبث، فلا يلقي الدرس إلا على الطهارة، وأن ينظف ويطيب بدنه وثوبه، ويختار له لبس البياض، ولا يعتني بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينتسب صاحبه إلى قلة مروءة، وأن يتطيب ويسرح لحيته، ويزيل كل ما يشينه.
كان الإمام مالك رضي الله عنه إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ووضع رداء على رأسه، ثم يجلس على منصة، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم2.
ومنها: قال ابن جماعة3: يصلى ركعتي الاستخارة وينوي نشر العلم وتعليمه وبث الفوائد الشرعية، والاجتماع على ذكر الله، وإذا خرج من بيته للدرس فيدعو بما ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل، أو أَزِل أو أُزَل، أو أَظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَل أو يُجْهَل عليَّ، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك" 4، ثم يقول: "باسم الله وبالله--------------------------------------------
1 انظر تذكرة السامع والمتكلم 30 فما بعده.
2 تذكرة السامع والمتكلم 31، والمِنصة بكسر الميم: الكرسي.
3 هو أبو عبد الله، بدر الدين، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي: قاض، من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين، ولد في حماة، وولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، فقضاء الشام، ثم قضاء مصر إلى أن شاخ وعمي، وكان من خيار القضاة، وتوفي بمصر سنة 297هـ، له تصانيف منها: "تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم" وهو مطبوع مشهور. نكت الهميان 235، والنجوم الزاهرة 9/ 298.
وقول ابن جماعة في كتابه تذكرة السامع والمتكلم 31، وانظر الخبر في تذكرة السامع والمتكلم ص31.
4 مجمع الزوائد 10/ 129، سنن أبي دواد 4/ 325، المعجم الأوسط 3/ 34، المعجم الكبير 23/ 320، 24/ 9، تحفة الأحوذي 9/ 272، فيض القدير 5/ 124. وانظر تذكرة السامع والمتكلم 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
حسبي الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني، وأدر على الحق لساني"1، ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس، فإذا وصل يسلم على مَن حضر، ويصلي ركعتين "إن لم يكن وقت كراهة"2، فإذا كان مسجدا تأكدت الصلاة وإن كان وقت كراهة، ثم يجلس بوقار وسكينة وتواضع وخشوع، والأولى أن يكون مستقبل القبلة3 كيف اتفق لا مقعيا إلا قعاء4 المكروه في الصلاة ولا مستوفزا5، ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، وأن يصون بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة6.
ومنها: أن يحسن خلقه مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف أو نحو ذلك، ويرفعهم في المجلس على حسب تقديمهم في الإمامة ويكرمهم بحسن السلام، وطلاقة الوجه، والبشاشة والابتسام وبالقيام لهم على سبيل الاحترام7، ولشيخ الإسلام محيي الدين في الترخيص في كتاب مستقل8--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 32.
2 زيادة من تذكرة السامع والمتكلم 32، يقتضيها السياق.
3 تذكرة السامع والمتكلم 32.
قال سلم بن جنادة: جالست وكيعا سبع سنين فما رأيته بزق ولا مس حصاة ولا جلس مجلسه فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. وكان وكيع بن الجراح أحد الأئمة الأعلام، وكفى بالعالم أن يقتدي بمثل هذا الإمام. انظر تذكرة الحفاظ 1/ 306.
4 شرح النووي على صحيح مسلم 4/ 215.
5 يقال: استوفز في قعدته: انتصب فيها غير مطمئن، أو وضع ركبتيه ورفع إلييه، أو استقل على رجليه.
6 تذكرة السامع والمتكلم 32.
7 تذكرة السامع والمتكلم 33.
8 هو كتاب "الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام". انظر كشف الظنون 1/ 398.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
شفى فيه الغليل، وأتى فيه بواضح الدليل، وأجاب عما يوهم كراهته، نفع الله ببركاته.
ومنها: أن يقدم تلاوة القرآن العظيم في البحث والتدريس، ثم إن كان في مدرسة اتبع شرطها، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين1 بعد أن يدعو للعلماء الماضين، ومشايخه ووالديه والحاضرين ولواقف المكان، وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا والكل حسن، وقد عمل قوم بالأول، وقوم بالثاني2. انتهى.
ويستحب لهم إذا اجتمعوا للعلم قراءة سورة، وكان الحافظ الشهاب ابن حجر3 يستفتح مجلس إملائه بسورة الأعلى، وسُئل عن الحكمة في قراءتها فقال: تبعت في ذلك شيخنا العراقي4 ومناسبتها: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} [الأعلى: 6] وقوله: {فَذَكِّرْ} [الأعلى: 9] وقوله: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [الأعلى: 18] . ويستحب إذا اجتمع صاحبان أن يقرآ قبل التفرق سورة العصر، ولمن رأى ما يحب أن يقول: الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، أو يكره: الحمد لله--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 34.
2 تذكرة السامع والمتكلم 35.
3 هو أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، شهاب الدين، ابن حجر: من أئمة العلم والتاريخ، ولع بالأدب والشعر، ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت شهرته، فقصده الناس للأخذ عنه، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين، وأخبار المتأخرين، وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل، أما تصانيفه فهي كثيرة جليلة، عظيمة الفائدة، مولده ووفاته بالقاهرة سنة 852هـ. الضوء اللامع 2/ 36، والأعلام 1/ 178.
4 هو أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي: بحاثة، من كبار حفاظ الحديث، أصله من الكرد، ومولده في رازنان "من أعمال إربل" تحول صغيرا مع أبيه إلى مصر، فتعلم ونبغ فيها، وقام برحلة إلى الحجاز والشام وفلسطين، وعاد إلى مصر، فتوفي في القاهرة سنة 806هـ، وتصانيفه كثيرة مفيدة. إنباء الغمر 2/ 275، والضوء اللامع 4/ 171، والأعلام 3/ 344.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
على كل حال، أو أعجبه شيء: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولمن أتاه خبر صالح: اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، ولمن غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولمن قام من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وفي رواية: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وفي رواية: اللهم تب علي واغفر لي ثلاثا، وفي رواية: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين1.
ومنها: إذا تعددت الدروس2 أن يقدم أشرف العلوم وأهمها، فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الفقه، ثم الأصول أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل، وبعضهم أخَّر الجدل عن الخلاف، وكان بعضهم يختم درسه3 برقائق تفيد تطهير الباطن، فإن كان في مدرسة لواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله.
ومنها: ألا يطيل4 مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم الدرس وضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود، ولا يقصره تقصيرا يخل، فيراعي المصلحة في التطويل والتقصير.
ومنها: ألا يدرس5 وبه ما يزعجه ويذهب استحضاره؛ كمرض أو جوع أو عطش6 أو مدافعة حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق، ولا--------------------------------------------
1 هذه الآيات آخر سورة الصافات "الآيات: 180 و181 و182" انظر تفسير الطبري 10/ 542-543، والقرطبي 15/ 140 و141.
2 تذكرة السامع والمتكلم 35.
3 تذكرة السامع والمتكلم 37.
4 تذكرة السامع والمتكلم 38.
5 تذكرة السامع والمتكلم 33.
6 قلت: هذا من أعظم الأمور التي لوحظت في الدرس من القرون السالفة إلى هذا العصر، وقد حكي أن أبا يوسف -رحمه الله تعالى- كان يذاكر الفقه مع الفقهاء بقوة ونشاط، وكان صهره عنده يتعجب في أمره ويقول: أنا أعلم أنه جائع منذ خمسة أيام ومع ذلك يناظر بقوة ونشاط، وانظر تعليم المتعلم للزرنوجي 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر، ولا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين؛ بل يكون واسعا مصونا من الحر والبرد والريح والغبار والدخان ونحو ذلك.
ومنها: ينبغي مراعاة1 مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا درس قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعد الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفته العرف المعتاد، ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنعهم من كمال الفهم2، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع"3، قال أبو عثمان محمد4 بن الإمام الشافعي رضي الله عنهما: ما سمعت أبي يناظر أحدا قط فرفع صوته5؛ أي: لم يرفع فوق العادة6، فإن حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه7.
ومنها: أن يصون مجلسه من اللغط، وعن رفع الأصوات، وسوء الأدب في المباحثة واختلاف جهات البحث8، قال الربيع9: كان الشافعي إذا ناظره أحد--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 44.
2 تذكرة السامع والمتكلم 39.
3 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 412، وانظر أيضا تذكرة السامع والمتكلم 39.
4 وهو أكبر أولاد الشافعي، ولما توفي والده كان بالغا مقيما بمكة، ولي القضاء بالجزيرة وأعمالها، وولي أيضا القضاء بمدينة حلب، وبقي بها سنين كثيرة، توفي في الجزيرة بعد سنة 240هـ. طبقات الشافعية الكبرى 2/ 71.
5 تذكرة السامع والمتكلم 39.
6 في تذكرة السامع والمتكلم 39 قال البيهقي: "أراد -والله أعلم- فوق عادته".
7 تذكرة السامع والمتكلم 39.
8 تذكرة السامع والمتكلم 40.
9 هو أبو محمد، الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، بالولاء، المصري: صاحب الإمام الشافعي، وراوي كتبه، وأول من أملى الحديث بجامع ابن طولون، كان مؤذنا، وفيه سلامة وغفلة، مولده ووفاته في مصر سنة 270هـ. السير 12/ 587، وطبقات السبكي 2/ 132.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نعود إلى ما تريد1، والقصد من البحث ظهور الحق، وحصول الفائدة، واستفادة البعض من البعض لا القيام مع النفوس والجدل والمماراة، فإن ذلك مذموم شرعا، فلا يليق بأهل العلم تعاطي المناقشة بالمنافسة والشحناء؛ لأن ذلك يورث العداوة والبغضاء، بل يجب الاجتماع على الحق، عملا بقول الله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] وليزجر من تعدى في بحثه، وظهر منه سوء أدب، أو لدد2، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام، أو تحدث مع غيره، أو ضحك، أو استهزأ بأحد3، وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليه على قدر منازلهم، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها4.
ومنها: أن يلازم5 الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده لحياء ونحوه عبَّر الشيخ عن مراده، وبين وجه إيراده، ثم يجيبه عن ذلك السؤال، ويفهمه إياه على أحسن منوال، وينبغي أن تيودد لغريب حضر عنده لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة6.--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 40.
2 لدَّه يَلُدُّه لدًّا: خصمه، فهو لاد ولدود، تاج العروس 9/ 138.
3 تذكرة السامع والمتكلم 41، وانظر ما قاله أبو حازم الأعرج، وكان من العلماء الأبرار: "رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت فيه متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا … ". انظر تذكرة الحفاظ 1/ 124.
4 تذكرة السامع والمتكلم 41، والحق أن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، وأن مذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المذاكرة والمطالعة والحفظ ساعات بل أيام.
5 تذكرة السامع والمتكلم 41.
6 تذكرة السامع والمتكلم 43، وهناك أمثلة كثيرة تدل على مثل هذه الشفقة على المتعلم، وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قلت لسعد بن مالك: إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أهابك، فقال: لا تهبني يابن أخي، إذا علمت أن عندي علما فسلني عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ومنها: إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإن جاء في أثناء بحثها أعادها له1.
ومنها: إذا سُئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل: لا أعرفه، أو لا أتحققه، أو لا أدري2، ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم والله أعلم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: يأيها الناس، من علم شيئا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] وقال عمر رضي الله عنه: نهينا عن التكلف، وقال علي رضي الله عنه: إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا، قالوا: كيف الهرب؟ قال: تقولون الله أعلم، وقال ابن عباس: إذا ترك العالم لا أدري أُصيبت مقاتله3، وقد نظمه الإمام أبو بكر4 بن دريد فقال "من الطويل":--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 44.
2 تذكرة السامع والمتكلم 42، وقد قال العلماء: كلمة "لا أدري" نصف العلم، لنا أمثلة عالية في هذا التعليم، وذلك عن الإمام الجليل، إمام الكوفيين في اللغة والنحو؛ حيث قال أبو عمر الزاهد وهو غلام ثعلب: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن شيء، فقال: لا أدري، فقال له: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد؟! فقال له أبو العباس ثعلب: لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت.
وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها، واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الناس الجهلة بل يرفعه؛ لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته. تذكرة السامع والمتكلم 42-43.
3 تذكرة السامع والمتكلم 42.
4 هو أبو بكر، محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: من أئمة اللغة والأدب، ولد في البصرة، وانتقل إلى عمان، وعاد إلى البصرة، ثم رحل إلى نواحي فارس، فقلده "آل ميكال" ديوان فارس، ثم رجع إلى بغداد، وأقام بها حتى وفاته، كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء، وهو صاحب المقصورة الدريدية الشهيرة، وله ديوان شعري مطبوع، توفي في سنة 321هـ. تاريخ بغداد 2/ 195، ووفيات الأعيان 4/ 323.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
ومن كان يهوى أن يُرى متصدرا … ويكره لا أدري أصيبت مقاتله1
وقال ابن عمر رضي الله عنه وقد سئل عن شيء: لا أدري، ثم أتبعها فقال: أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسورا في جهنم أن تقولوا: أفتانا بهذا ابن عمر2، وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري3، وقال بعضهم: تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري، قال شيخ الإسلام النووي كغيره: واعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم لا أدري لا يضع منزلته بل هو دليل على عظم محله وتقواه وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة بل يستدل بقول لا أدري على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وإنما يمتنع من لا أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعف تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين، وهذه جهالة منه؛ فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم، وهو مجازف لجهله وقلة دينه، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" 4، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر عليهما السلام حين لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سُئل: هل أحد في الأرض أعلم منك؟ 5--------------------------------------------
1 ديوان ابن دريد 105، وقبله:
جهلت فعاديت العلوم وأهلها
كذاك يعادي العلم من هو جاهله
2 الزهد لابن المبارك 1/ 18.
3 المعجم الأوسط 1/ 299، والتمهيد 4/ 266، وفيض القدير 4/ 387.
4 سنن أبي داود 4/ 299، والبيان والتعريف 2/ 238، والديباج 5/ 167، وصفوة الصفوة 1/ 208، والجامع لمعمر بن راشد 11/ 248.
5 تذكرة السامع والمتكلم 43، ولنا في ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، عن جبير بن مطعم عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي البلاء شر؟ قال: "لا أدري"، فلما أتى جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم قال: "يا جبريل، أي البلاد شر؟ " قال: لا أدري حتى أسأل ربي، فانطلق جبريل فمكث ما شاء الله له أن يمكث، ثم جاء، فقال: يا محمد سألتني: أي البلاد شر؟ وإني قلت: لا أدري، وإني سألت ربي: أي البلاد شر؟ فقال: أسواقها. المستدرك 1/ 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
ومنها: ما جرت به العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم1، قال ابن جماعة2: الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي، ونحو ذلك؛ ليكون قوله: والله أعلم خالصا، لذكر الله ولقصد معناه، قال3: ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" ليكون ذاكرا لله في بدئه وخاتمته.
ومنها4: ينبغي للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة؛ لئلا يزدحموا عند خروجهم، ولأنه إن كان في نفس أحد بقايا سؤال تأخر وسأله.--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 44.
2 في كتابه: تذكرة السامع والمتكلم 44.
3 تذكرة السامع والمتكلم 45.
4 تذكرة السامع والمتكلم 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم
القسم الأول: آدابه في نفسه
…
النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم:
وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع شيخه، وآدابه في مجلس درسه.
القسم الأول: آدابه في نفسه 1:
منها: أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه، ويقصد بتعلمه وجه الله والعمل وإحياء الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" 2، قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للمزارعة، فبذلك ينمو وتظهر بركته، وإلا فلا--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 67 فما بعد.
2 رواه البخاري في كتاب الإيمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
ينمو ولا يزكو؛ كالزرع في أرض بور غير مطيبة، وقال سهل بن عبد الله1: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله عز وجل.
ومنها: أن يغتنم التحصيل وقت الفراغ والنشاط2 وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، روينا عن عمر رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا -أي: تصيروا سادة- فتستحيوا من التعلم3، قال الشافعي رضي الله عنه: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه4، وجاء في الخبر: مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء5، وقال ابن عباس رضي الله عنه: ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب6، وهذا باعتبار الغالب، وإلا فمن كَبِرَ لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإن الفضل واسع والكرم وافر، وقد قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] وقال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص: 14] وقال تعالى: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} [الشعراء: 21] إلى غير ذلك، وقصة القفال7 واشتغاله في كبره بالعلم--------------------------------------------
1 هو أبو محمد، سهل بن عبد الله بن يونس التستري: أحد أئمة الصوفية وعلمائهم، والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات، وعيوب الأفعال، توفي في سنة 283هـ. الحلية 10/ 198، والأعلام 3/ 143.
2 تذكرة السامع والمتكلم 70.
3 تذكرة السامع والمتكلم 34.
4 تذكرة السامع والمتكلم 134.
5 مجمع الزوائد 1/ 125، وفيض القدير 5/ 509، وكشف الخفاء 2/ 86، والفردوس بمأثور الخطاب 4/ 135، واللآلي المصنوعة 1/ 102، وتذكرة الموضوعات ص22.
6 المعجم الأوسط 6/ 283، ومجمع الزوائد 1/ 125.
7 هو أبو بكر القفال، عبد الله بن أحمد المروزي: فقيه شافعي، كان وحيد زمانه فقها وزهدا كثير الآثار في مذهب الإمام الشافعي، له "شرح فروع محمد بن الحداد المصري" في الفقه، وكانت صناعته عمل الأقفال قبل أن يشتغل بالفقه، وربما قيل له: "القفال الصغير"؛ للتمييز بينه وبين القفال الشاشي "محمد بن علي"، توفي في سجستان 417هـ. وفيات الأعيان 3/ 46، والسير 17/ 405.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
مشهورة معلومة مسطورة1، فيا هذا احذر التسويف في شبابك والكسل، وسد على كبرك باب الرجاء والأمل، واغتنم ما بقي من عمرك، وما أحسن قول من قال "من البسيط":
بقية العمر عندي ما لها ثمن … وإن مضى غير محمود من الزمن
يستدرك المرء فيها ما أفات ويحـ … ـيي ما أمات ويمحو السوء بالحسن
ومنها: أن2 يقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد، ويرضى3 بما تيسر من القوت، وبما ستر مثله من اللباس وإن كان خلقا، فالبصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، وتنفجر ينابيع الحكمة4، قال الشافعي رضي الله عنه: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح5، وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل، وقال أيضا: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس6، ونقل الخطيب البغدادي7 عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته8، وهذا كله وإن كان فيه مبالغة فالمقصود--------------------------------------------
1 وفيات الأعيان 3/ 46، والسير 17/ 406 و407، وطبقات الشافعية الكبرى 5/ 54.
2 تذكرة السامع والمتكلم 70.
3 تذكرة السامع والمتكلم 71.
4 تذكرة السامع والمتكلم 71.
5 تذكرة السامع والمتكلم 71.
6 تذكرة السامع والمتكلم 72.
7 هو أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب: أحد الحفاظ المؤرخين المتقدمين، مولده في "غُزَيَّة" منتصف الطريق بين الكوفة ومكة، ومنشؤه ووفاته في بغداد، رحل إلى مكة، وسمع بالبصرة والدينور والكوفة وغيرها، وكان فصيح اللهجة، عارفا بالأدب، يقول الشعر، ولوعا بالمطالعة والتأليف، توفي في سنة 463هـ. وفيات الأعيان 1/ 92، 18/ 270.
8 تذكرة السامع والمتكلم 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
به أنه لا بد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر1، وقيل: أمر بعض المشايخ طالبا بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كي لا يشغلك فكر غسله2، ومما يقال عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة3، وقال إمام الحرمين4 رحمه الله "من الطويل":
أخي لن تنال العلم إلا بستة … سأُنبيك عن تفصيلها ببيان5
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة6 … وتلقين أستاذ وطول زمان
فالعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وقد قيل على رواية وعُزبة: يشتغل بحقوق الزوجة عن إكمال طلب العلم، واحتج بحديث: "خيركم بعد المائتين كل خفيف الحاذ"، قيل: يا رسول الله، ومن خفيف الحاذ؟ قال: "من لا أهل له ولا مال"7، قال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر، فإن وُلد له فقد--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 71.
2 تذكرة السامع والمتكلم 71.
3 تذكرة السامع والمتكلم 71.
4 هو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين: أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي، ولد في نواحي نيسابور، ورحل إلى بغداد ومكة والمدينة، ثم رجع إلى نيسابور، وكان يحضر دروسه كبار العلماء، له مصنفات كثيرة، توفي في سنة 478هـ. وفيات الأعيان 3/ 167، والسير 18/ 468.
5 البيتان في تعليم المتعلم للزرنوجي ص44، وقد نسبهما للإمام علي رضي الله عنه، وانظر ديوانه ص201، وينسب البيتان أيضا للإمام الشافعي، انظر ديوانه "جمع وتعليق: محمد عفيف الزغبي" ص81.
6 قيل عن السلف هكذا: وغربة من التغريب عن الأهل؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن إدراك الحقائق، وقيل: وعزبة من العزوبية وهو صحيح أيضا؛ لئلا يشتغل بحقوق الزوجة عن إكمال طلب العلم، وقيل: وبلغة من السعة في المال؛ ولهذا قال الشافعي كما تقدم: لو كلفت شراء بصلة ما تعلمت مسألة، فإذا كان معه بلغة فكأنه ما تكلف.
7 شعب الإيمان 7/ 292، والزهد وصفة الزاهدين 1/ 61، انظر ما قيل عن هذا الحديث حاشية السير 13/ 14 ففيه زيادة وفضل، وكتاب العلم للنووي ص103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
كُسر1 به، وعن إبراهيم بن أدهم2: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح3، وعن بشر الحافي4: من لم يحتج إلى النساء فليتقِ الله ولا يألف أفخاذهن5، قال النووي6 رحمه الله: وهذا كله موافق لمذهبنا إن لم يحتج إلى النكاح استحب له تركه، وكذا إن احتاج وعجز عن مؤنته، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد7 رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" 8، وقال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الله واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء" 9.--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 72، وكتاب العلم للنووي ص103.
2 هو أبو إسحاق، إبراهيم بن أدهم بن منصور، التميمي البلخي: زاهد مشهور، كان أبوه من أهل الغنى في بلخ، فتفقه ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز، وأخذ عن كثير من علمائها، وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن، ويشترك مع الغزاة في قتال الروم، ومات في بلاد الروم سنة 161هـ. الحلية 7/ 426، وفوات الأعيان 1/ 13.
3 حلية الأولياء 7/ 12، وكشف الخفاء 2/ 44، وسير أعلام النبلاء 7/ 258 و10/ 472، وكتاب العلم للنووي ص103.
4 هو أبو نصر، بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي، المعروف بالحافي: من كبار الصالحين، له في الزهد والورع أخبار، وهو من ثقات رجال الحديث، من أهل مرو، سكن بغداد وتوفي بها سنة 227هـ. تاريخ بغداد 7/ 67، ووفيات الأعيان 1/ 274.
5 كتاب العلم للنووي ص103.
6 انظر هذا القول في كتابه العلم ص103.
7 هو أبو محمد، أسامة بن زيد بن حارثة: صحابي جليل، ولد بمكة، ونشأ على الإسلام، وكان رسول الله يحبه حبا جما، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمَّره رسول الله قبل أن يبلغ العشرين من عمره، فكان مظفرا موفقا، مات في المدينة سنة54هـ. السير 2/ 496، والأعلام 1/ 291.
8 البخاري 5/ 1959، ومسلم 4/ 2098، وصحيح ابن حبان 13/ 308، وسنن الترمذي 5/ 103، وسنن ابن ماجه 2/ 1325، وتحفة الأحوذي 5/ 234، 8/ 53، وكتاب العلم للنووي ص103، 104.
9 المعجم الأوسط 4/ 140، ومسند أحمد 3/ 22 و84، وشعب الإيمان 6/ 310، وكشف الخفاء 1/ 492.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
ومنها: أن يتورع في جميع1 شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه؛ ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة بل يطلب الرتبة العلية، ويقتدي بالسلف2 الصالح في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتُدي به في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة3.
وينبغي له أن يستعمل الرُّخَص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ليُقتدى به، فإن الله تعالى يحب أن تُؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه4.
ومنها: أن يترك العشرة5، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطبع سراق، وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب العرض والدين والمال، ولا يخالط طالب العلم إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن عاشر من يضيع عمره معه بلا فائدة فليتلطف في قطع عشرته قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها6، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء بل هو من القواعد: الدفع أسهل من الرفع7، فإن احتاج إلى المصاحبة فليكن الصاحب صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبَّره8، ومما ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب "من مجزوء الوافر":--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم 75.
2 تذكرة السامع والمتكلم 76.
3 تذكرة السامع والمتكلم 76.
4 تذكرة السامع 76.
5 تذكرة السامع 83.
6 تذكرة السامع 83.
7 تذكرة السامع 83.
8 تذكرة السامع 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)