(العالي والنازل)
أي هذا مبحث أقسام العالي والنازل من السَّند، وبيان أفضلهما وما يلتحق بذلك من بيان الموافقة والبدل والمصافحة والمساواة وهما من صفات الإسناد فقط.
وهو النوع الثالث والأربعون من أنواع علوم الحديث. قال رحمه الله تعالى:
607 - قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ … وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَادِ
(قد خصت) بالبناء للمفعول (الأمة) المحمدية (بالإسناد) المتصل إلى نبيها صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: أن الله تعالى اختص هذه الأمة بإسناد الأحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأمم.
قال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله أكرم هذه الأمة وشَرّفها وفَضَّلها بالإسناد وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد إنما هو صحف في أيدهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارَهُم فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات (وهو) أي الإسناد (من) جملة أمور (الدين) وسنة بالغة من سننه المؤكدة (بلا ترداد) أي من غير تردد وشك في ذلك، وفي صحيح
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 141)
مسلم قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وقال سفيان الثَّوري: الإسناد سلاح المؤمن، وقال سفيان بن عيينة:
حدَّثَ الزهريُّ يوماً بحديث فقلت: هاته بلا إسناد فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم.
608 - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ … يُفَضِّلُِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ
(وطلب العلو) مبتدأ خبره قوله: (سنة) نبوية وقيل: سلفية، والأول: أولى أي طلب الإنسان علو الإسناد الذي هو قلة الوسائط في السَّند، أو في السماع، أو الوفاة كما يأتي سنة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه حديث أنس رضي الله عنه في مجيء ضمام بن ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يسمع منه مشافهة ما سلف سماعه له من رسوله إليهم إذ لو كان العلو غير مستحب لأنكر عليه صلى الله عليه وسلم سؤاله عما أخبر به رسوله عنه وترك اقتصاره على إخباره له.
وقد رحل فيه العلماء قديماً وحديثاً إلى الأقطار البعيدة طلباً للعلو.
(ومن) شرطية أو موصولة (يفضل) مجزوم إن كانت شرطية وتحرك لامها بالكسرة لالتقاء الساكنين، أو مرفوع إن كانت موصولة، أي الذي يفضل (النزول) ضد العلو (عنه) أي عن العلو، وهو بعض أهل النظر محتجاً له بأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في معرفة أحوال الرواة فيكثر الثواب فيه (ما) نافية (فطن) كفرح ونصر وكرم فطناً مثلثة وبالتحريك وبضمتين وفطونة وفطانة وفطانية حَذِقَ أفاده في " ق " والأنسبُ هنا كونه كنصر لئلا يلزم عيب السناد، وإن كان مغتفراً للمولدين. والجملة جواب من بتقدير الفاء أو خبرها.
وحاصل المعنى: أن من فضل النزول على العلو فما فهم المقصود من العلو إذ المقصود منه الصحة إذ قلةُ الوسائط يُقِلُّ الخلل وكثرتها بالعكس.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 142)
وما علل به من كثرة الثواب لكثرة التعب في معرفة أحوال الرواة غير سديد إذ التعب ليس مقصوداً لذاته بل المقصود من الرواية هو الصحة، وهي في قلة الوسائط أتم منها في كثرتهم.
وشبهه العراقي بمن يقصد المسجد للجماعة فيسلك الطريق البعيدة لتكثير الخُطَا رغبة في كثرة الأجر، وإن أداه سلوكها إلى فوت الجماعة التي هي المقصود.
609 - وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا: … قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ اْوْ
610 - بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ … يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَرِيقِهِ وَرَدْ
(وقسموه) أي قسم العلماءُ العلوَّ، وأول من قسمه أبو الفضل ابن طاهر وتبعه ابن الصلاح وغيره (خمسة) بالنصب مفعول مطلق على النيابة أي تقسيماً خمسة لكن بين كلامَي المذكورَينِ اختلاف في ماهية بعضها، وقوله (كما رأوا) الكاف للتعليل أي إنما قسموه خمسة لما استبان لهم مما يقتضي ذلك، ثم هي ترجع إلى علو مسافة، وهي قلة الوسائط، وهي الثلاثةُ الأوَلُ، وإلى علو صفة، وهما الأخيران، أشار إلى الأول وهو العلو المطلق بقوله: (قرب) خبر لمحذوف أي أولها قرب المحدث (إلى النبي) صلى الله عليه وسلم من حيث العدد.
يعني: أن أول الأقسام ويسمى علواً مطلقاً هو القرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر لسائر الأسانيد، أو لإسناد آخر، فأكثر لذلك الحديث بعينه، وهذا العلو هو الأفضل إن صح إسناده وإلا فلا اعتبار به.
وأشار إلى الثاني، وهو العلو النسبي بقوله: (أو) قرب إلى (إمام) من أئمة الحديث ذي صفات علية من حفظ وفقه وضبط، كالأعمش وابن جريجٍ والأوزاعي وشعبة والثَّوري مع صحة الإسناد إليه أيضاً، وإن كثر العدد بعده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأشار إلى الثالث، وهو علو نسبي أيضاً بقوله: (أو) قرب مقيد (بنسبة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 143)
إلى) رواية (كتاب معتمد) كالكتب الستة ونحوها من الكتب المعتبرة، وسماه ابن دقيق علو التنزيل.
(ينزل) بالبناء للمفعول أي ينسب إلى النزول أو للفاعل أي ينزل الراوي (لوذا) أي هذا الحديث (من طريقه) أي طريق ذلك الكتاب متعلق متعلق بـ (ـورد) أي نُقِلَ.
وحاصل المعنى: أننا لو روينا الحديث من طريق كتاب من تلك الكتب يقع أنزل مما لو رويناه من غير طريقها، قال العراقي: وقد يكون عالياً مطلقاً أيضاً كحديث ابن مسعود مرفوعاً: " يوم كلم الله موسى عليه السلام كان عليه جبة صوف " (1) الحديث رواه الترمذي عن علي بن حُجْر عن خَلَفِ بن خليفة فلو رويناه من طريق الترمذي وقع بيننا وبين خلف تسعة فإذا رويناه من جزء ابن عرفة وقع بيننا وبينه سبعة بعلو درجتين، فهذا مع كونه علواً بالنسبة فهو أيضاً علو مطلق، ولا يقع اليوم لأحد هذا الحديث أعلى من هذا اهـ.
ثم إن هذا النوع هو النوع تقع فيه الموافقات والأبْدَال والمساواة والمصافحات وإليه أشار بقوله:
611 - فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ … أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ: بَدَلٌ، أَوْ وَافَقَهْ
612 - فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ … فَرْدًا يَزِدْ مُصَافَحَاتٌ فَاْسْتَبِنْ
(فإن يصل) الراوي (لشيخه) أي شيخ صاحب الكتاب كشيخ أحد الأئمة الستة مثلاً (موافقة) خبر لمحذوف مع الرابطة والجملة جواب إن، أي فهو موافقة.
وحاصل المعنى: أن الراوي إذا روى حديثاً في أحد الكتب المذكورة بسند نفسه من غير طريقها بحيث يجتمع مع صاحب الكتاب في شيخه مع علو هذا الطريق الذي رواه منه على ما لو رواه من طريق صاحب الكتاب--------------------------------------------
(1) ضعيف جداً. انظر ضعيف الجامع الصغير للألباني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 144)
فهذا يسمى موافقة لاتفاقه مع صاحب الكتاب في شيخه، مثاله: حديث رواه البخاري عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس مرفوعاً: " كتاب الله القصاص " فإذا رويناه من جزء الأنصاري تقع موافقة للبخاري في شيخه مع علو بدرجة.
(أو) يصل إلى (شيخ شيخ) لأحد الأئمة الستة مثلاً مع وجود العلو أيضاً (بدل) بفتحتين خبر لمحذوف أي فهو بدل أي يسمى به.
وحاصل المعنى: أنه إذا كانت الموافقة لشيخ شيخ أحد الأئمة الستة فهذا يسمى بدلاً.
مثاله: حديث ابن مسعود الذي مر آنفاً، وسمى بدلاً لوقوعه من طريق راو بَدَلَ الراوي الذي روى عنه أحد الستة.
وقد يسمونه موافقة مقييدة فيقال: هو موافقة في شيخ شيخ الترمذي مثلاً.
(تنبيه): تقييد الموافقة والبدل بالعلو هو الذي ذكره ابن الصلاح قال: ولو لم يكن ذلك عالياً فهو أيضاً موافقة وبدل لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل لعدم الالتفات إليه. قال العراقي: وفي كلام غيره إطلاق ذلك مع عدم العلو فإن علا قالوا موافقة عالية، وبدل عال. اهـ باختصار.
(أو وافقه) أي وافق الراوي صاحب الكتاب (في عدد) أي عدد إسنادهما (فهو) أي الوفاق المذكور (المساواة) أي يسمى بها.
وحاصل المعنى: أنه إذا كان بين الراوي وبين الصحابي أو مَن قَبْلَ الصحابي إلى شيخ أحد الستة كما بين أحد الستة وبين ذلك الصحابي أو من قبله على ما ذكر أو يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم كما بين أحد الأئمة الستة وبين النبي صلى الله عليه وسلم من العدد فهو المساواة، وهي مفقودة الآن، إلا بأن يكون عدد ما بين الراوي الآن وبين النبي صلى الله عليه وسلم كعدد ما بين الستة وبين النبي صلى الله عليه وسلم قاله العراقي.
قال السخاوي: والمساواة بالنسبة لأصحاب الكتب الستة ومن في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
طبقتهم مفقودة الآن، نعم يقع لنا ذلك مع مَنْ بَعْدَهم كالبيهقي والبغوي في شرح السنة ونحوهما، بل قد وقعت لي المساواة مع بعض أصحاب الستة في مطلق العدد لا في متن متحد، وذلك أنه وقع بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث عشرة رواة، وكذا وقع للترمذي والنسائي حديث عشاري. اهـ باختصار.
(وإن فرداً) أي راوياً واحداً (يزد) صاحب الكتاب (مصافحات) خبر لمحذوف مع الرابطة، أي فهو مصافحات، وإنما جمعه لأنه يكون له، أو لشيخه، أو شيخ شيخه.
وحاصل المعنى: إنه إن زاد أحد الستة مثلاً راوياً واحداً على الراوي الذي وقع له ذلك الحديث سمى مصافحة بمعنى أن الراوي كأنه لقي أحد الأئمة الستة وصافحه بذلك، ومع كونه مصافحة له فهو مساواة لشيخه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخه كانت المصافحة لشيخه، أو لشيخ شيخ شيخه كانت المصافحة لشيخ شيخه، وسمى مصافحة لجريان العادة غالبا بها بين المتلاقيين (فاستبن) أي اطلب بيان الأمر واتضاحه على الوجه الذي بيناه.
ولما أنهى الكلام على علو المساوفة شرع يذكر علو الصفة، وهما النوعان الأخيران فذكر الأول وهو القسم الرابع فقال:
613 - وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا … عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشْرِينَا
(وقدم) خبر لمحذوف أي رابعها قدم الوفاة بكسر ففتح، أي تقدم موت الراوي عن شيخ على وفاة راو آخر عن ذلك الشيخ.
مثاله: من سمع سنن أبي داود على الزكي عبد العظيم أعلى ممن سمعه على النجيب الحراني، ومن سمعه على النجيب أعلى ممن سمعه على ابن خطيب المِزَّة، والفخر ابن البخاري، وإن اشترك الأربعة في رواية الكتاب عن شيخ واحد، وهو ابن طبرزد لتقدم وفاة الزكي على النجيب، ووفاة النجيب على من بعده، قال القاضي زكريا:
وقضية ذلك أنه يكون أعلى إسناداً سواء تقدم سماعه، أو اقترن، أو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
تأخر، لأن متقدم الوفاة يعز وجود الرواة عنه بالنظر لمتأخر الوفاة فيُرغَبُ في تحصيل مرويه لكن الأخذ بالقضية المذكورة محله في غير تأخر السماع له أخذاً مما يأتي في القسم الخامس.
ثم هذا في العلو المفاد من تقدم الوفاة مع الالتفات لنسبة شيخ إلى شيخ، أما العلو لا مع الالتفات لشيخ آخر فقد اختلف في وقته وإليه أشار بقوله:
(أو خمسينا) عطف على الوفاة أي تقدم خمسين (عاماً تقضت) بالضاد المعجمة أي انصرمت. اهـ " ق " وفي نسخة المحقق بالصاد المهملة أي بلغت نهايتها، وهو قريب من معنى الأول، أي مضت تلك الخمسون من وقت وفاة الشيخ.
وحاصل المعنى: أن الذي تقدم كان بالنسبة لوفاة الراوي مع راو آخر، وأما العلو الذي يستفاد من مجرد وفاة الشيخ لا مع الالتفات لأمر آخر: فقد اختلفوا فيه، فقيل: مُضِيُّ خمسين سنة من تاريخ وفاة الشيخ، وهذا قول الحافظ ابن جوصي، قال: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو.
(أو سوى) أي إلا (عشرينا) سنة أي من الخمسين، يعني: ثلاثين سنة من وفاة الشيخ، وهذا للحافظ ابن منده، قال: إذا مر على الإسناد ثلاثون سنة فهو عال.
قال ابن الصلاح: وهذا أوسع من الأول.
ثم ذكر ثاني أقسام علو الصفة وهو خامس الأقسام فقال:
614 - وَقِدَمُ السَّمَاعِ ............ … ....................
(وَقِدَمُ السَّمَاعِ) خبر لمحذوف أيضاً، أي وخامسها علو قدم السماع لأحد رواته بالنسبة لراو آخر اشترك معه في السماع عن شيخه، أو لراو سمع من رفيق لشيخه، وذلك بأن يكون سماع أحدهما من ستين مثلاً
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)
والآخر من أربعين، ويتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى سواء تقدمت وفاته على الآخر أم لا؟.
وهذا كما نبّه عليه ابن الصلاح يقع التداخل بينه وبين القسم الذي قبله، ولذا جعلها ابن طاهر، ثم ابن دقيق العيد واحداً، وزاد العلو إلى صاحبي الصَّحِيحين، ومصنفي الكتب المشهورة، وجعله ابن طَاهِرٍ قسمين: أحدهما: العلو إلى الشيخين وأبي داود وأبي حاتم ونحوهم، والآخر: العلو إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا والخطابي.
ولما أنهى الكلام على أقسام العلو شرع يذكر ضده وهو النزول فقال:
.............. وَالنُّزُولُ … نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ
(والنزول) مبتدأ خبره (نقيضه) أي ضده (فخمسة) الفاء فصيحة و " خمسة " بالنصب مفعول ثاني لقوله (مجعول) أي إذا عرفت أن النزول ضد العلوّ وأردت معرفة أقسامه، فهو مجعول خمسة، أي جُعِلَ خمسة أقسام مِثْلَه، فما من قسم إلا وضده قسم من أقسام النزول، فتفصيلها يدرك من تفصيل أقسام العلو المتقدم.
615 - وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ … لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ
(وإنما يذم) بالبناء للمفعول أي إنما ذَمَّ العلماءُ النزولَ (ما) مصدرية ظرفية (لَمْ يَنْجَبِرْ) أي مدة عدم انجباره بصفة مرجحة.
والمعنى: أن العلماء ذموا النزول، قال علي بن المديني وغيره: إنه شؤم، وقال ابن معين: إنه قرحة في الوجه، فهذا إذا لم ينجبر النزول بصفة مرجحة، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أضبط أو أفقه، أو كونه متصلاً بالسماع بخلاف العلو في ذلك، فهذا نزول في الظاهر، وفي المعنى أنه علوّ مختار على العلو كما أشار إليه بقوله:
(لكنه) أي هذا النزول المنجبر، والاستدراك مما يتوهم أنه لما كان
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
مختاراً على العلو يثبت له وصف العلو المطلق (علو معنى) أي من حيث المعنى (يقتصر) عليه لا يتعداه إلى الظاهر.
وحاصل المعنى: أن هذا النزول المنجبر بِمُرجّحٍ، نزول في الظاهر، علوًّ في المعنى عند المحققين كما أشار إليه السلفي حيث يقول (من بحر الخفيف):
ليسَ حُسن الحديثِ قُربَ رِجَال … عِنْدَ أربابِ عِلْمِهِ النُّقَّادِ
بَلْ عُلُوُّ الحَدِيثِ بَينَ اولي الحِفْـ … ـظِ وَالِإتْقَانِ صِحَّة الإسنَادِ
وَإذا مَا تَجَمَّعَا فِي حَدِيث … فَاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أقْصَى الْمُرَادِ
ولبعضهم (من البسيط):
عِلْمُ النُّزولِ اكْتُبُوهُ فَهْوَ يَنْفَعُكُمْ … وَتَرْكُكُمْ ذَاكُمُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَنَتِ
إنَ النُّزولَ إِذَا مَا كَانَ عَنْ ثَبَتٍ … أعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوِّ غَيرِ ذِي ثَبَتِ
ثم ذكر تفصيلاً للإمام الحافظ محمد بن حبان البستي صاحب الصَّحِيح وهو تفصيل حسنٌ فقال:
616 - وَلاِْبِن حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ … مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ
617 - فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ … وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ
(ولابن حبان) خبر مقدم، أي كائن للحافظ المتقن الحجة أبي حاتم محمد بن حبان البستي صاحب الصَّحِيح، وقوله: (إذا دار السَّند) إلخ مبتدأ مؤخر لقصد لفظه، أي إذا كان سند الحديث دائراً (من) بين (عالم ينزل) سنده لكثرة عدده (أو) بمعنى الواو (عال) أي رجل عال سنده لقلة عدده، وجملة (فقد) صفة لعال أي فاقد علماً، بأن كان عامِيّا (فإن ترى) أيها المحدث أي تنظر (للمتن) أي إلى متن الحديث (فالأعلام) مبتدأ خبره محذوف أي أولى، أي الفقهاء الذين هم كالأعلام أولى من العوام الذين هم أعلى سنداً، والجملة جواب إن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
(وإن ترى الإسناد) أي تنظر أيها المحدث إلى سند ذلك المتن وثبتت ألف " ترى " في الموضعين على حد قول الشاعر (من بحر الطويل):
وَتَضْحَكُ مِنّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كأنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أسِيراً يَمَانِيَاً
وهو ضرورة على قول.
(الإسناد) أي إسناد ذلك المتن (فالعوام) جمع عامة خلاف الخاصة، وخففت الميم للوزن، مبتدأ خبره محذوف، أي أولى.
وحاصل المعنى: أن ابن حبان له تفصيل حسن، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء، أولى، وبالجملة فالمعتبر إنما هو العلو المعنوي وهو قوة الراوي.
ولذا قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله أم سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: قد خصت الأمة البيت.
وقوله: لكنه علو معنى إلى آخر الباب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
(المسلسل)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الرابع والأربعون من أنواع علوم الحديث، وهو لغة المتصل، والسلسلة اتصال الشيء بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديد، بفتح السينين وكسرهما وهو من صفات الإسناد فقط كسابقه.
واصطلاحاً ما ذكره بقوله:
618 - هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
619 - قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا … لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
(هو) أي المسلسل في اصطلاحهم (الذي إسناده) مبتدأ (رجاله) منصوب بفعل محذوف أي أعني رجاله (قد تابعوا) بحذف إحدى التاءين، أي تواردوا واحداً بعد واحد، والجملة خبر المبتدإ (في صفة) أي على صفة واحدة (أو) على (حالة) واحدة (قولية) صفة لصفة، وحذف نظيره لحالة (فعليه) عطف على ما قبله بحذف عاطف، أي أو صفة فعلية (كليهما) عطف عليه أيضاً بعاطف محذوف، أي أو كليهما أي القولية والفعلية معاً.
(لهم) حال من صفة، وما عطف عليه أي حال كون الوصف والحالة لرجال الإسناد (أو الإسناد) أي رواية الحديث فالإسناد هنا بمعنى رفع القول إلى قائله بخلافه فيما تقدم فإنه بمعنى الرجال قاله الشارح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
(فيما قسما) خبر لمحذوف أي هذا حاصل في تقسيم المحدثين لأنواع المسلسل.
وحاصل معنى البيتين: أن المسلسل هو الحديث الذي توارد رجال إسناده واحداً فواحداً على صفة واحدة، أو حالة واحدة سواء كانت الصفة والحالة للرواة أو للرواية، وسواء أكان ما وقع منه في الإسناد في صيغ الأداء أم متعلقاً بزمن الرواية، أو بالمكان، أوبالتاريخ، وسواء كانت صفات الرواة أو أحوالهم أقوالاً، أم أفعالًا، أم كليهما.
مثال المتسلسل بوصف الرواة القولي: المسلسل بقراءة سورة الصف ونحوه.
ومثال صفاتهم الفعلية كالمسلسل بالفقهاء وبالحفاظ وبالقراء ونحو ذلك.
ومثال التسلسل بصفات الرواية كقول كل من رواته سمعت فلاناً، وحدثنا، أو أخبرنا، أو شهدت على فلان قال: شهدت على فلان ونحو ذلك.
ومثال التسلسل بأحوال الرواة القولية حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " يا معاذ إني أحبك فقل في دبر كل صلاة " الحديث (1). فقد تسلسل لنا بقول كل راو من رواته وأنا أحبك فقل.
ومثال التسلسل بالفعلية حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: " شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وقال: " خلق الله الأرض " الحديث (2)، فقد تسلسل لنا تشبيك كل رواته بيد من رواه عنه.
ومثال اجتماعهما حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: " لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، قال: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على لحيته وقال: " آمنت بالقدر " (3). فقد تسلسل لنا بقبض كل واحد من رواته على لحيته مع قوله آمنت بالقدر إلى آخره.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم.
(2) أخرجه مسلم.
(3) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص 40.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)
وأما ما يتعلق بزمن الرواية أو مكانها أو تاريخها فكالمسلسل بالتحمل يوم العيد، وقص الأظفار في يوم الخميس، وكالمسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم.
وكالمسلسل بكون الراوي آخر من روى عن شيخه، وبالجملة فأنواع التسلسل كثيرة لا تنحصر كما قال ابن الصلاح.
620 - وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَمِنْ … مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ
(وخيره الدال) مبتدأ وخبر، أي أفضل أنواع المسلسل هو الذي يدل (على الوصف) أي وصف الاتصال، فأل بدل عن المضاف إليه على رأي بعض النحاة، وإنما قدرناه الاتصال لدلالة قوله: زيادة الضبط لأن الاتصال أعلى شروط الضبط، والمعنى: أن أفضل أنواعه ما دل على الاتصال فى السماع وعدم التدليس كما في قراءة سورة الصف، قال الحافظ رحمه الله: هو من أصح مسلسل يُرْوَى في الدنيا، وقال الناظم: قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضاً بل ذكر في شرح النخبة أنه مِمَّا يفيد العلم القطعي.
(ومن) جملة (مفاده) مصدر ميمي لأفاد، أي من فائدة المسلسل، أو اسم مفعول له أيضاً أي الوصف الذي أفاده المسلسل، وهو خبر مقدم لقوله: (زيادة الضبط) أي اشتماله على زيادة ضبط الراوي، وكذا الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلاً ونحوه، وقوله: (زكن) بالبناء للمفعول، أي علم، قال: في " ق " زَكِنَه كفرح وأزكنه علمه، وفهمه وتَفرَّسه، وظنه، أو الزَّكْنُ ظن بمنزلة اليقين عندك، أو طرف من الظن اهـ. والجملة حال مما قبله، ويحتمل أن تكون خبر للمبتدإ، والجار والمجرور يتعلق بها، أي زيادةُ ضبط الراو عُلِمَ من فائدة المسلسل.
621 - وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ … مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
622 - كَأَوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَاَن انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 153)
(وقلما) " ما " هذه زائدة تسمى كافة لأنها كفت الفعل عن عمل الرفع في الفاعل، قال في مغني اللبيب: ما معناه: لا تَتَّصِلُ " ما " هذه إلا بثلاثة أفعال، قَلَّ، وكثُرَ وطالَ، وعلة ذلك شبههن برب، ولا يدخل حينئذ إلا على جملة فعلية صُرِّحَ بفعليتهاكقوله (من بحر الخفيف):
قَلَّمَا يَبْرَحُ اللبِيْبُ إِلَى مَا … يُورِثُ المجدَ دَاعِياً أو مُجِيباً
وزعم بعضهم أن " ما " مع هذه الأفعال مصدرية لا كافة اهـ. وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها وهي في تأويل المصدر فاعل قَلَّ.
وقال العلامة الأمير ما معناه: وزاد بعضهم على هذه الأفعال قَصُر، وهي أفعال لا فاعل لها، كالتوكيد اللفظي، في قام قام زيد، وكان الزائدةِ اهـ.
ونظمت ذلك بقولي (من الرجز):
وَمَا تُكُفُّ طَالَ قَلَّ كَثرا … وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا قَصُرَا
وَلَا يَلِي الفَاعِلُ هَذِهِ كَمَا … فِي قَامَ قَامَ إِذ مُؤكّداً سَمَا
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا مُؤوِّلَهْ … فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ
(يسلم) أي المسلسل (في) وصف (التسلسل) لا في أصل المتن (من خلل) متعلق بيسلم أيَ عَيبِ بضعف، كمسلسل المشابكة فمتنه صحيح، والطريق بالتسلسل فيها مقال.
وحاصل المعنى: أن سلامة المسلسل من الضعف في وصف التسلسل، لا في أصل المتن قليل، وقد لا يصح وصفاً ومتناً.
(وربما) للتقليل (لم يوصل) بالبناء للمفعول أي التسلسل بأن يقع فيه انقطاع، إما في أوله أو وسطه أو آخره، ثم مَثَّلَ للمنقطع في أوله بقوله: (كأولية) أي كالحديث المسلسل بوصف الأولية، وهو قول كل راو من رواته أول حديث سمعته من شيخي، فالجار والمجرور خبرٌ لِمَحْذُوف، أي ذلك كائن كأولية (لسفيان) متعلق بانتهى، وهو الحافظ الحجة أبو محمد الأعور
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 154)
سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، ثم المكي، ثقة، فقيه، ولد سنة 157 ومات سنة 198 هـ عن 91 سنة، (انتهى) أي انقطع تسلسله يقال: انتهى الأمر بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه. اهـ المصباح.
والجملة صفة لأولية، أي كأولية منتهية إلى سفيان.
وحاصل المعنى: أن تسلسل هذا الحديث بالأولية ما جاوز سفيان بل انقطع عنده فمن رواه مسلسلاً إلى آخره فقد وهم. والحديث ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: " الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " فهو مسلسل بقول كل راو أول حديث سمعته من شيخي إلى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس عن مولاه ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح بشواهده كما قال السخاوي.
(وخيره) أي أفضل أنواع المسلسلات على الإطلاق مبتدأ، خبره قوله (مسلسل) أي حديث مسلسل (بالفقهاء) أي الأئمة الحفاظ المتقنين، فقد قال الحافظ: إنه مما يفيد العلم القطعي حيث لا يكون غريبا كحديث رواه أحمد عن الشافعي عن مالك مع مشاركة غيرهم لهم.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: وخيره الدال على الوصف … البيت. وقوله: لسفيان انتهى … البيت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 155)
(غريب ألفاظ الحديث)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الخامس والأربعون من أنواع علوم الحديث، وهو غير الغريب الذي مَرَّ في أقسام الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر لأن ذاك يرجع إلى الانفراد من جهة الرواية، وأما ما هنا فهو ما يخفى معناه من المتون لقلة استعماله بحيث يبعد فهمه، ولا يظهر إلا بالتفتيش من كتب اللغة. وهو فن مهم جدا يجب على طالب الحديث إتقانه والخوض فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ النبوية واجب فلا يُقْدِمَنَّ عليه أحد برأيه.
623 - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ … وَالنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا
624 - وَاْبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَى، وَلَقَدْ … لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدٍَ تُعَدّ
(أول) مبتدأ، أي أسبق (من صنف) أي جمع (فيه) أي تفسير الغريب (معمر) خبر المبتدإ، ويجوز العكس، وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي المتوفى سنة 210 وقد قارب عمره 100 سنة (والنضر) بن شميل أبو الحسن المازني النحوي المتوفي أول سنة 204 عن نحو 80 سنة والواو بمعنى أو التي لتنويع الخلاف.
والمعنى: أنه اختلف في أول من صنف في غريب ألفاظ الحديث هل هو معمر بن المثنى أو النضر بن شميل؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 156)
(قولان) خبر لمحذوف أي هذان قولان للعلماء، جزم الحاكم في علومه بالثاني، وإليه مال السخاوي، وغيره بالأول.
وكتاباهما مع جلالتهما صغيران لجريان العادة بذلك في المبتدئ بما لم يُسبَق إليه، والعلمُ إذا ذاك أكثر فًشُوًّا من نقيضه وأكبرهما كتاب أولهما.
وممن صنف أيضاً الأصمعي عبد الملك بن قريب المتوفى سنة 213 عن نحو 88 سنة وهؤلاء متعاصرون (وقوم) من العلماء ممن جاء بعدهما (أثروا) أي نقلوا عن هذين الإمامين، وزادوا عليهما، يقال: أثرت الحديث أثْراً من باب قتل نقلته. اهـ مصباح.
فجاء أبو عبيد القاسم بن سَلَّام المتوفى سنة 214 عن 67 سنة فجمع كتابه فصار هو القدوة في هذا الشأن فإنه أفنى فيه عمره، حتى لقد قال: إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها فكان خلاصة عمري.
(وابن الأثير) مبتدأ على حذف مضاف أي كتابه المسمى بالنهاية (الآن) منصوب على الظرفية متعلق بما بعده أي في الوقت الحاضر (أعلى) خبر المبتدإ، أي أفضل من غيره، والمعنى: أن كتاب العلامة أبي السعادات مبارك ابن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة 606 أعلى، وأوسع كتاب أُلف في هذا الفن لجمعه كلام من تقدمه ممن ألف في هذا الموضوع.
قال الناظم رحمه الله: (ولقد لخصته) أي اختصرته، قال في التاج مستدركاً على " ق " ومما يستدرك عليه التلخيص: التقريب والاختصار يقال: لخصت القول، أي اقتصرت فيه، واختصرت منه ما يحتاج إليه، وهو ملخص، ويقال: هذا ملخص ما قالوه، أي حاصله، وما يؤول إليه. اهـ.
والمعنى: أنه اختصر ما في النهاية لابن الأثير، وقربه بأوجز عبارة (مع زوائد) أي حال كون الملخص المفهوم من لخصت مع أشياء مزيدة عليه، وجملة (تعد) صفة لزوائد، أي معدودة، يعني: أنها قليلة بالنسبة إلى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 157)
الأصل. وسَمَّى كتابه الملخص " الدر النثير " ويوجد في هامش الأصل في بعض طبعاته، وكذا لخصه محمد بن المتقي الهندي، والسيد عيسى بن محمد الصفوقي، في قريب من نصف حجمه.
ثم حث الطالب على الاعتناء بالغريب وعدم الخوض بالظن، ولا تقليد غير أهله فقال:
625 - فَاْعْنَ بِهِ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ … وَلا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
626 - وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ اوْ … عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
(فَاْعْنَ بِهِ) أمر من عَنَيت به عِناية من باب رمى إذا اشْتَغَلْتَ به، والأكثر فيه عُنِيَ بالبناء للمفعول،. اهـ مصباح بتغيير.
أي اجتهد أيها الطالب في معرفة غريب الحديث تحفظاً وتدبراً فإنه مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة.
(ولا تخض) أي لا تدخل فيه، يقال: خاض في الأمر خوضاً دخل فيه، قاله في المصباح. (بالظن) أي متلبساً به فإنه أمر ليس بالهَيِّنِ، والخائض فيه حقيق بالتحري، جدير بالتوقي.
وقد قال أحمد رحمه الله مع جلالته في العلم لَمّا سئل عن حرف منه: اسألوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن فأخطئَ، وقال شعبة في لفظةٍ: خذوها عن الأصمعي فإنه أعلم بهذا مِنا.
(ولا تقلد) أي لا تتبع في معرفته أحداً (غير أهل الفن) الماهرينْ به إن وجدتهم، وإلا فكتبهم لأنَّ من لم يكن من أهله أخطأ في تصرفه، وإذا كان الأصمعي مع جلالته يقول: أنا لا أفسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العرب تزعم أن السَّقَبَ اللزيقُ فكيف بغيره ممن لا يعرف بالفن؟ أم كيف بما يُرَى من ذلك بهوامش الكتب مما يجهل كاتبه؟ بل شَرَطَ بعضهم فيمن يقلد اطلاعه على أكثر استعمالات ألفاظ الشارع حقيقة ومجازاً، فقال: ولا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 158)
يجوز حمل الألفاظ الغريبة من الشارع على ما وجد في أصل كلام العرب، بل لا بد من تتبع كلام الشارع، والمعرفة بأنه ليس مراد الشارع من هذه الألفاظ إلا ما في لغة العرب، وأما إذا وجد في كلام الشارع قرائن بأن مراده من هذه الألفاظ معان اخترعها هو فيحمل عليها، ولا يحمل على الموضوعات اللغوية كما هو في أكثر الألفاظ الواردة في كلام الشارع.
انتهى. وهذا هو المسمى عند الأصوليين بالحقيقة الشرعية. قاله السخاوي.
(وخيره) مبتدأ أي أحسن ما فسر به الغريب (ما) موصولة خبر المبتدإ أي التفسير الذي (جاء) أي ورد مبيناً (من طريق) أخرى، كالدخ بضم الدال، وحكى فتحها، الوارد في القصة المشهورة لابن صياد، فإنه جاء مفسراً في رواية أخرى بأنه الدخان، ووهم من فسره بالجماع.
(أو) جاء (عن الصحابي) راوي ذلك الحديث (أو) عن (راو) آخر غير الصحابي، والواو بمعنى أو، وقوله: (قد حكوا) جملة مستأنفة، أي حكى العلماء أن هذه الوجوه كلها من خير ما فسر به الغريب.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: وابن الأثير الآن البيت ....
وقوله: أو عن الصحابي وراو قد حكوا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 159)
(المُصَحَّفُ وَالمُحَرَّفُ)
الواقعان في المشتبه من السَّند والمتن، أي هذا مبحثهما، وهما النوع السادس والأربعون والسابع والأربعون، ولكونهما تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها كانا فنًّا مهماً لا ينهض بأعبائهما إلا الحفاظ الحذاق، كالدارقطني وأبي أحمد العسكري كما أشار إليه بقوله:
627 - وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحِيفِ … وَالدَّارَقُطْنِيْ أَيَّمَا تَصْنِيفِ
(والعسكري صنف) مبتدأ وخبر، أي الإمام اللغوي الحجة أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، المتوفى في صفر سنة 283، (في) فن (التصحيف) والتحريف وشَرْحِ ما يقع فيه، وهو من أنفس الكتب وأكثرها فائدة كما قاله ابن شاكر.
وقال السخاوي: له عدة كتب أكبرها لسائر ما يقع فيه التصحيف من الأسماء والألفاظ غير مقتصر على الحديث، ثم أفرد منه كتاباً يتعلق بأهل الأدب وهو ما يقع فيه التصحيف من ألفاظ اللغة والشعر وأسماء الشعراء أو الفرسان، وأخبار العرب وأيامها، ووقائعها، وأماكنها، وأنسابها.
ثم آخر فيما يختص بالمحدثين من ذلك غير متقيد بما وقع فيه التصحيف فقط بل ذكر فيه ما هو معرض لذلك، وفي بعض المحكي مما وقع لبعض المحدثين ما يكاد اللبيب يضحك منه. اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 160)