و"البلشفية" و"المنشفية" تعني الأكثرية والأقلية، وهما الحزبان الأساسيان في تكوين الاشتراكية الشيوعية في روسيا؛ لقلب نظام الحكم واستلام السلطة، وكان حزب "البلاشفة" بزعامة "لينين" هم الأكثرية، ولذا كانوا يقولون لهم: "بلاشفة" أي الأعضاء الغالبية، بينما حزب "المنشفيك" كانوا هم الأقلية أي أقل من حزب "البلاشفة". وقد تزعمهم "بليخانوف" وكانوا كلهم على مبادئ "ماركس"، ولكنهم كانوا يختلفون في الطريقة التي سيتم بها تغيير روسيا إلى إظهار الشيوعية، وتطاحنوا فيما بينهم على الفريسة، وقد تم أخيرًا على يد "لينين" الاستحواذ على السلطة وانفصلوا عن "المنشفيك" نهائيًّا، وكونوا الحزب الشيوعي الروسي الذي قضى على عناصر "المنشفيك" فيما بعد، وكان الانفصال بين الحزبين قد ظهر في الحرب العالمية الأولى، حيث كان "البلاشفة" ينادون بإحلال السلام، وخالفهم في ذلك "المنشفيك" بل وعارضوا التعاون مع الأحزاب البرجوازية، وتوالت الأحداث إلى أن جاء "لينين" فأصبح "البلاشفة" هم الأغلبية التي قضت بعد ذلك على "المنشفيك" في صراع مرير ومؤامرات ومكائد حاقدة، كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.
قيام الدولة السوفيتية وسقوطها وانتشار الشيوعية ومواقع نفوذها
حكمت الشيوعية عدة دول منها: الاتحاد السوفيتي والصين وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا وبولندا وألمانيا ورومانيا ويوغسلافيا وألبانيا وكوبا وفيتنام، ومعلوم أن دخول الشيوعية إلى هذه الدول كان بالقوة والنار والتسلط الاستعماري، ولذلك فإن جل شعوب هذه الدول أصبحت تتململ بعد أن عرفت الشيوعية على حقيقتها، وعرفت أن الشيوعية ليست هي الفردوس الموعود الذي صوروه لهم، وبالتالي بدأت الانتفاضات والثورات تظهر في هذه الدول هنا وهناك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
كما حدث مثلًا في بولندا والمجر وتشيكسلوفاكيا، كما أنك لا تكاد تجد دولتين شيوعيتين في وئام دائم، أما في العالم الإسلامي فقد استفاد الشيوعيون من جهل بعض الحكام، وحرصهم على تدعيم كراسيهم ولو على حساب الدين، إذ اكتسحت الشيوعية أفغانستان وشردت شعبها المسلم، كما تحكمت في بعض الدول الإسلامية الأخرى بواسطة عملائها، فهي تقوم بتوزيع ملايين الكتيبات والنشرات مجانًا في جميع أنحاء العالم داعية إلى مذهبها. وقد أسست الشيوعية أحزابًا لها في كل الدول العربية والإسلامية تقريبًا، فنجد لها أحزابًا في مصر في سوريا في لبنان وفي فلسطين وفي الأردن وفي تونس وغيرها، وقد انهارت الشيوعية في معاقلها بعد قرابة السبعين عامًا من قيام الحكم الشيوعي، وبعد أربعين عامًا من تطبيق أفكارها في أوروبا الشرقية.
وأعلن كبار المسئولين في الاتحاد السوفيتي قبل تفككه أن الكثير من المبادئ الماركسية لم تعد صالحة للبقاء، وليس بمقدورها أن تواجه مشكلات العصر ومتطلباته، مما تسبب في تخلف البلدان التي تطبق هذا النظام عن مثيلاتها الرأسمالية، وهكذا يتراجع دعاة الفكر المادي الشيوعي عن تطبيقه، قد اقتنع الجميع بأنها نظرية فاسدة يستحيل تطبيقها؛ إذ تحمل في ذاتها بذور فنائها، وقد ظهر لمن مارسوها عدم واقعيتها وعدم إمكانية تطبيقها، وتبين بعد انهيارها أنها لم تفلح في القضاء على القوميات المتنافرة، بل زادتها اشتعالًا ولم تسمح بقدر -حتى ولو ضئيل- من الحرية، بل عمدت دائمًا إلى سياسة الظلم والقمع والنفي والقتل، وحولت أتباعها إلى قطيع من البشر، وهكذا باءت جميع نبوءات "كارل ماركس" بالفشل، وأصبح مصير النظرية إلى مزبلة التاريخ، ثم انتهى الأمر بتفكك الاتحاد السوفيتي ذاته وأصبح اسمه مجرد أثر في تاريخ المذاهب الهدامة.
وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
الدرس: 13 التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليه)
علاقة التفسير المادي للتاريخ بنظرية التطور
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
والمادية التاريخية -كما هو واضح من تسميتها- هي محاولة لتفسير التاريخ البشري على الأسس المادية، التي يزعم الشيوعيون الملحدون أنها هي أساس وجود هذا الكون، فهم يقولون: إن المادة أزلية أبدية وأنها هي الخالقة لكل ما في الكون من مخلوقات، وأن الإنسان هو نتاج المادة والفكر نتاج المادة، وأن قوانين المادة هي بذاتها التي تحكم حياة البشر الاجتماعية، وأن الوضع المادي والاقتصادي هو الذي يكيف شكل الحياة البشرية في أي وقت من أوقاتها وفي أي طور من أطوارها، وأنه هو الأصل الذي تنبثق منه الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم، التي ينشئها البشر في حياتهم، وأنه يأتي دائمًا سابقًا لها ولا تجيء هي سابقة له بحال من الأحوال؛ لأن المادة تسبق الوعي ولا يمكن للوعي أن يسبق المادة، وأن الوضع المادي والاقتصادي في تطور دائم، ومن ثم فإن الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التي تنبثق عنه دائمة التطور كذلك، بحكم ارتباطها بالوضع المادي والاقتصادي وانبثاقها عنه.
والحقيقة أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين المادية الجدلية والمادية التاريخية، بحيث يصعب الفصل بينهما، بل هم أنفسهم يقولون ذلك، فقد جاء في كتاب (المادية التاريخية): "إن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية تظهران كعلم واحد وكفلسفة متكاملة، فلا المادية التاريخية معقولة بدون المادية الديالكتيكية، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية، فبماذا نفسر ذلك؟ -والكلام لا زال لصاحب الكتاب-:
أولًا: لأنه لا يمكن وضع نظرة مادية ديالكتيكية عن العالم ككل إذا لم يتوفر التفسير المادي للحياة الاجتماعية، إذا لم يكن قد اكتشف أن المجتمع هو أيضا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
شكل لحركة المادة وخاضع في تطوره لقوانين موضوعية، كقوانين الطبيعة المادية والديالكتيكية، فالديالكتيكية غير ممكنة بدون المادية التاريخية.
وثانيًا: لأن الإجابة الصحيحة عن المسألة الأساسية في الفلسفة تدور حول أولوية المادة وثانوية الوعد، والإجابة على هذه المسألة غير ممكنة بدورها بدون توضيح سبب وكيفية ظهور الوعي الإنساني، والدور الذي لعبه في ذلك التطبيق العملي الاجتماعي التاريخي للناس؛ إذ إن هذه الإجابة على هذا السؤال تقدمها المادية التاريخية".
وجاء في نفس الكتاب أيضًا: "إن تحريف المادية الديالكتيكية يؤدي حتما إلى تشويه المادية التاريخية، فالمادية التاريخية لا تتوافق مع أية فلسفة أخرى غير المادية الديالكتيكية، إن الاعتراف بالمادية التاريخية مع نكران المادية الديالكتيكية ليس إلا زيفا خالصًا سفسطة مقززة هكذا يقولون".
وربما يحق لنا أن نبدأ الحديث عن المادية التاريخية من نقطة صلتها بالداروينية ونظرية التطور؛ لأن ذلك قد يلقي الضوء على بعض مفاهيمها، ولا يهمنا هنا أن نتعرض لتفصيلات نظرية "داروين" بقدر ما يهمنا أن نتعرض لإيحاءات هذه النظرية وأثرها على التفسير المادي للتاريخ.
وتتلخص نظرية "داروين" في التطور بما يلي، فهو يقول: إن الحياة ظهرت أول ما ظهرت على شكل بروتوبلازم الذي هو أصل الحياة في النبات وفي الحيوان، وبعد ذلك ظهر الحيوان الدودي ومنه الرخويات كالحلازيم ثم تطورت الشوكيات كنجوم البحر ثم القشريات كالسراطين، ثم ظهرت صور جديدة من الحيوان هي عشائر ذوات صفات مستحدثة، دل وجودها على وقوع انقلاب خطير في سير الحياة، وأصبح لهذه الصورة الجديدة حبل متين يمتد طوال الجسم، تدرج بواسطة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
التطور إلى تكوين الفقرات، ثم تنشأ الفقاريات واللافقاريات وبعد ذلك تنشأ البرمائيات ذوات التنفس كالضفادع، ثم تدرج سلم التطور من البرمائيات إلى الزواحف كالحيات والتماسيح، ومن فروع الزواحف تنشأ الطيور وذوات الثدي، ومن ذوات الثدي تنشأ الثعابين والقردة ثم تنشأ البشرانيات.
ومن هنا نرى أنه بالتطور قد وجدت جميع الكائنات الحية، فخرج بعضها من بعض على طول الأحقاب الجيولوجية، إذن فالإنسان تدرج في سلم التطور الحيواني حتى وصل إلى وضعه الحالي ولم يخلق خلقًا مباشرًا، ولم يكن هناك قصد من خلقه، إنما هو قد جاء هكذا نتيجة لعملية التطور البطيئة جدا، والتي استغرقت ملايين السنين، ولقد تعرضت نظرية "داروين" منذ ظهورها إلى نقد عنيف من كثير من العلماء حتى من الداروينيين أنفسهم.
ولكن لماذا يتشبث بهذه النظرية علماء الغرب والمتأثرون بها من علماء الشرق الإسلامي، على الرغم من هذه الاعتراضات الكثيرة والانتقادات التي وجهت إلى هذه النظرية؟:
إنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين الدين النصراني المحرف في أوربا والعلم، فقد خلفت الداروينية في الفكر الغربي آثارًا بالغة الخطورة، من أهمها: انهيار العقيدة الدينية، فقد كانت النصرانية المحرفة -وما زالت- تعتقد أن الله عز وجل خلق آدم وحواء ونهاهما عن الأكل من الشجرة، فأكلا منها فارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر، وحين جاء "داروين" بنظريته معلنًا أن الإنسان لم يخلق خلقًا مباشرًا، كانت النتيجة أن تزعزع الإيمان بآدم وحواء وجنة عدن والخطيئة التي يقوم عليها صرح الإيمان النصراني، وما دام الإنسان الأوروبي لا يعرف إلا الدين النصراني المحرف، فإنه سيجد نفسه تلقائيًّا ملحدًا بالعقيدة التي تقوم على أساس باطل في نظر العلم الدارويني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
ومن آثار هذه النظرية أيضًا في الفكر الأوروبي هو نفي فكرة الغاية والقصد، فقد جاءت الأديان للتذكير بأن للوجود الإنساني غاية ومقصدا على هذه الأرض، فلما ظهرت نظرية "داروين" على مسرح التفكير الأوربي أسرعت وقالت: إن الإنسان وليد جرثومة تعاقب عليها خط التطور حتى وصلت إلى وضعه الحاضر، وإن عوامل الطبيعة العمياء التي تخبط خبط عشواء -كما قال "داروين"- وراء عملية التطور هذه، وعلى هذا الأساس فمن العبث البحث عن غاية ومقصد من خلق الإنسان.
ومن آثار هذه النظرية أيضا حيوانية الإنسان وماديته، فقد هزت هذه الفكرة المجتمع الأوربي هزة عنيفة، ووجهت إلى الكرامة الإنسانية أعظم لطمة في التحقير عرفتها البشرية، وقد قال "داروين": "إن أصل الإنسان جرثومة صغيرة"!.
وهذا الإيحاء بحيوانية الإنسان زاد الأمر خطورة، وزاد من ذلك إيحاؤه بخضوعه للقوانين المادية وتحكمها فيه وهذا هو الإيحاء المادي للنظرية، فنظرية "داروين" تقدم تفسيرًا معينًا لتطور الحياة من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان، لكنها تقرر جملة مبادئ، هذه المبادئ تأثرت بها المادية الجدلية وتأثرت بها المادية التاريخية، ومنها أن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، وأن الطبيعة تخبط خبط عشواء أي أنها ليس لها مقصد معين من الخلق وليس لها غاية من ورائه، وأن الظروف المادية المحيطة بالكائن الحي هي التي تحكم حياته كما تحكم تطوره، وأن الكائن الحي ليس حرًّا في اختيار طريقة حياته ولا طريقة تطوره، وإنما ذلك مفروض عليه من خارج كيانه من الظروف المادية المحيطة به، وأن الإنسان ليس خلقًا قائمًا بذاته إنما هو نهاية سلسلة التطور الحيواني السابق لوجوده، وأنه في تطوره الأول -الذي أوصله إلى حالته الراهنة- كان محكومًا بنفس الظروف المادية التي حكمت خط التطور السابق عليه، وأنه لا وجود لشيء ثابت في عالم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
الأحياء؛ لأن قانون التطور هو الذي يحكم الحياة ويحكم الأحياء، يحكمها من خارج كيانها ودون خضوع لإرادتها وبصورة حتمية.
ولعله قد اتضح الآن كم أخذت المادية الجدلية والمادية التاريخية من الداروينية ونظرية التطور، ولكن فلننظر في أقوالهم هم لنرى ماذا يقولون في هذا الشأن …
يقول "كرونفورث" في كتابه (مدخل إلى المادية التاريخية) يقول: "وتقدم المادية التاريخية أساسا للعلم الاجتماعي بنفس الطريقة التي تقدم بها نظرية التطور، عن طريق الانتقاء الطبيعي أساسًا للعلم البيولوجي، فأيًّا كان النوع الذي يدرس فإنه قد تطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، وهذا يحدد كل حسب طبيعته وبالمثل أيًّا كان المجتمع الذي يدرس، فإنه أصبح ما هو عليه بتكيف علاقات الإنتاج مع الإنتاج والأفكار والمؤسسات مع علاقات الإنتاج".
وجاء في كتاب (أصول الفلسفة الماركسية) يقول: "وكان للاكتشافات الثلاثة التالية أثر كبير في ذلك: اكتشاف الخلية الحية التي تتطور عنها الأجسام المعقدة، واكتشاف تحول الطاقة من حرارة وكهرباء ومغناطيس وطاقة كيميائية، فهي صور مختلفة نوعية بحقيقة مادية واحدة، ونظرية التحول عند "داروين"، ولقد أظهرت هذه النظرية اعتمادًا على الحفريات وعلم تربية الحيوان أن جميع الكائنات الحية -ومنها الإنسان- هي ثمرات التطور الطبيعي".
وجاء في كتاب (أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية): "وبذلك أعد تطور العلم وخصوصًا الاكتشافات الثلاثة في العلم الطبيعي -قانون حفظ الطاقة ونظرية التكوين الخلوي للكائنات الحية ونظرية التطور لـ "داروين"- المقدمات العلمية لانتصار النظرية المادية الجدلية عن العالم، التي وضعها "كارل ماركس" و"فردريك إنجلز".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
التفسير المادي للتاريخ وأطواره المزعومة والرد عليه
قلنا: إن تاريخ الإنسان وجد عن طريق المادة في مفاهيم هؤلاء الشيوعيين، فهم يفسرون تاريخ الإنسان على طريقة الجدل المادي الديالكتيكي، على أساس أن قانون المادية الجدلية هي التي تصنع تاريخ الإنسان دون أي تدخل منه، بل إن حياة أي مجتمع هو ثمرة واقعه المادي، وحياة الناس العقلية هي انعكاس هذا الواقع، وليست الحياة الاجتماعية ثمرة أفكار سابقة، بل الحياة الاجتماعية للناس هي التي تحدد إدراكهم، فالمادة سابقة للفكر ومسيرة له -بزعم الملاحدة.
تاريخ الناس كذلك تصنعه المادة المتطورة بغير إرادة جماعية منهم؛ لأن طلب كل فرد تحقيق غايته وما ينشأ إثر ذلك من تباين الإرادات، وتأثير تلك الإرادات على العالم الخارجي هو بالضبط ما يشكل التاريخ لكل المجتمعات التي تنشأ، وفق أحوالهم المادية، والتاريخ ذاته يمر بمراحل هي في مذهب الملاحدة الماركسيين تتمثل فيما يلي:
المرحلة الأولى: المشاعية البدائية.
المرحلة الثانية: الرق.
المرحلة الثالثة: الإقطاع.
المرحلة الرابعة: الرأسمالية.
المرحلة الخامسة: الاشتراكية الممهدة للشيوعية.
المرحلة السادسة: هي الشيوعية الأخيرة، وهذه المرحلة السادسة هي التي تلغى فيها الطبقات كلها -كما يدعون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وقد ذكر الباحثون أنه من الصعوبة -كما قلنا- تصور الفصل بين المادية الجدلية والمادية التاريخية، والملاحظ أن التفسير المادي للتاريخ لا ينفي القيم والأخلاق التي تصدر عن البشر، إلا أنه ينفي أن تكون لتلك القيم أو الأخلاق أو سائر السلوك وجود قبل وجود المادة والأوضاع الاقتصادية، أو أن تكون تلك القيم والأخلاق لها ثبات دائم، أو أن تكون تلك القيم والأخلاق من الله تعالى، بل إن تطور تاريخ المجتمعات البشرية هو قبل كل شيء مرهون بتطور الإنتاج البشري المادي، تاريخ البشر يرتكز أساسًا على المصالح المادية التي تربط الناس بعضهم ببعض، لا على أساس ديني أو سياسي أو أخلاقي ثابت، إذ القيم كلها في مفهومهم سراب لا قيمة لها، والغايات عندهم تبرر الوسائل على امتداد تاريخ البشر حسب تفسيرهم.
أما عن مدى صحة الأطوار التي تزعمها الشيوعية فنقول: إن ما زعمه "ماركس" من أن تاريخ البشر وما يمرون به في حياتهم من أمور مختلفة، إنما هو نتيجة لطريقتهم في الإنتاج، إن هو إلا كذب محض؛ فإن حياة الناس ومعايشهم والتغيرات التي يمرون بها لا تتوقف فقط على الإنتاج، والواقع خير شاهد على أن الذي يغير المجتمعات قد يكون أشياء كثيرة، غير وفرة الإنتاج أو قلة الإنتاج، فالفرق المختلفة وأصحاب المذاهب الوضعية واستعمار الناس بعضهم بعضا، والحروب التي تشتعل بينهم والغنى والفقر الذي يمرون به، وغير ذلك كلها من العوامل التي تحدث التغيير في المجتمعات ولا سبيل إلى إنكار هذا، مما يدل على أن قضية الإنتاج إنما هي جزء من الأجزاء الكثيرة التي تحدث التغيير في المجتمعات، وليس المال فقط كما قرره الملاحدة.
وكذلك ما زعمه الماركسيون من أن تاريخ البشر مر بالمراحل السابقة، إلى أن وصل إلى الشيوعية، هي في الحقيقة كلها مزاعم فارغة كاذبة، وقد ظهر كذبها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
فإن "ماركس" زعم أن العالم الغربي المتطور سيترك الرأسمالية ويتحول حتما إلى الاشتراكية الشيوعية، فكان العكس هو الصحيح إذ رفض العالم المتطور فكرة الشيوعية، وتقبلتها الدول المتخلفة نسبيا كروسيا والصين، وقد بدأت تظهر في تلك البلدان العودة إلى الرأسمالية رويدا رويدا، خصوصا بعد أن بدأت الشيوعية تحتضر، كما أن ما يتنبئون به من أحداث ستحصل في المستقبل يدل على تناقضهم؛ لأنهم لا يؤمنون بأي شيء في المستقبل يدل عليه العقل، بل يؤمنون بما يدل عليه الواقع المشاهد الذي تفرزه الطبيعة فقط، إلى أن ماتت الشيوعية دون أن ينتقل الناس إلى الشيوعية الأخيرة، التي زعموا أنها ستقضي على جميع الطبقات فتبين كذب الشيوعية جملة وتفصيلا.
أما بالنسبة للمرحلة الأولى -وهي المشاعية البدائية- التي زعم الملاحدة أن الإنسان نشأ بدائيًّا كقطيع من الحيوانات، ثم أخذ يتطور إلى أن استطاع إنتاج أدوات العمل في تطوره التدريجي البطيء، وأنه اكتمل بفضل التعاون الذي قام بين أفراد البشر، وأنهم استطاعوا انتزاع حياتهم من الطبيعة التي كانت تغالبهم ويغالبونها، ثم أضافوا إلى هذا الافتراء افتراء آخر؛ وهو أن ذلك التطور قد اكتمل في الناس من غير إرادتهم ووعيهم، وأنهم انتصروا على الطبيعة بفضل تعاونهم المشاعي في الزراعة والصناعة وغيرهما، إلا أنه حينما انصرف بعض أفراد البشر إلى الإنتاج الفردي لا المشاعي ظهر التناقض بين الملكية الاجتماعية والطابع الفردي لعملية الإنتاج، فاصطدم هذا الوضع وتناقض مع الرغبة في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ونتج عن ذلك القضاء على النظام البدائي المشاعي، كحتمية طبيعية للتطور المستمر في الحياة قاطعة بذلك خط سيره.
ثم نشأ بعد ذلك الصراع الطبقي على المصالح المادية، فبدأ من هنا تاريخ الصراع الطبقي في المجتمعات نتيجة للتطورات المتلاحقة، ونتيجة لحياة الإنسان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
فاصطدمت بالنظام الرأسمالي الذي يمثل سيادة أصحاب رؤوس الأموال على الفقراء وعلى الأفكار عموما، ثم نتج عن ذلك أيضا قيام قضية الرق الآتية، وهي المرحلة الثانية من المراحل التي يزعم الملاحدة أنها نشأت إثر صراع طبقي بين المنتصرين في الحرب والمهزومين من جهة، وبين أصحاب الأموال الدائنين وبين الفقراء المدينين من جهة أخرى، ولأسباب مادية أيضًا انهار أمر الرق تدريجيا؛ لأنه لم يعد كما يقولون تجارة رابحة، وأيضا فإن أولئك المنهزمين والفقراء حينما أحسوا في فترة من فترات تاريخهم للرق والعبودية التي يعانونها؛ أرادوا أن يثأروا لأنفسهم كما هو الحال في بقية الحيوانات الأخرى التي شاركتهم في النشأة الأولى.
وحصل الصراع الطبقي العنيف بين الفقراء والأغنياء، انتصر فيها الفقراء وجعلوا الأغنياء في النهاية عبيدا، ليبدأ الصراع أيضا على أشده كأنهم قطعان الثيران المتصارعين، وهنا تدخل الدين ليكون أداة روحية لاستعباد الجماهير، وإقامة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعي بما يعدهم به، بعد أن صبروا على ما هم فيه من البلاء والذل، وازداد النظام الاستعبادي ضراوة وصراعا، فنشأ الإقطاع هكذا تعليلهم لنشأة الرق وظهور التدين ونهاية الرق، وهذه كلها -كما نلاحظ- مجرد افتراضات خرقاء وليس لهم أي دليل إلا آراؤهم التي تخيلوها في نشأة الرق والإقطاع، وغيرها من التقسيمات التي أحدثوها، ولأنهم لا يعلمون أن حكمة الله تعالى اقتضت ألا يكون الأنبياء من أصحاب الثروة أو الجاه، فظنوا -والظن أكذب الحديث- أن الأنبياء إنما أتوا بما أتوا به محافظة منهم على حفظ أموالهم وتجاراتهم، وليبقى الكادحون أرقاء لهم دائما إن هم صبروا على ما هم فيه، وكما نعلم فإن هذه الخدعة لا مكان لها إلا في رأس إبليس ومن اتبعه من الملاحدة أصحاب الخيالات السقيمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
أما المرحلة الثالثة من مراحلهم وهي مرحلة الإقطاع، الذي علل الملاحدة لظهوره بأن العالم كانوا على طبقتين: هم طبقة كبار الملاك وطبقة رجال الدين، وبقية الناس كانوا مسخرين مستعبدين لهاتين الطبقتين، وحينما ظهرت أدوات الإنتاج المتطورة كالمحراث الحديدي وغيره من الأدوات الجديدة، ظهر الإقطاع بشكل قوي، وصار المستعبدون تحت رحمة الملاك وتحت رحمة أصحاب الجاه، يعملون لحسابهم ولا ينالون إلا ما تجود به أيدي أولئك الأثرياء، في الوقت الذي كان فيه الأثرياء ورجال الدين قد تمالئوا على إبقاء تلك الطبقة الفقيرة في معزل عن التفكير السليم لحالهم، ولكن وبعد وقت أفاق الفلاحون ورأوا ما حل بهم من الغبن، فثاروا ضد تلك الطبقات الثرية والدينية لرفع الظلم الفاحش عنهم، ولكن ثورتهم كانت أضعف من إزاحة تلك الطبقات الثرية والدينية لما يأتي:
أولًا: لأنها ثورة غير منظمة.
وثانيًا: لحاجة الفقراء الشديدة.
وثالثًا: للقوة المتينة التي كان يتحصن بها الأثرياء وأصحاب الدين …
إلا أن تطور الأمور الاقتصادية أخذت تحط من كبرياء أصحاب الثروة من الإقطاعيين، لتحل الرأسمالية بدل الإقطاع في حركات تطورية متلاحقة، تتمشى مع خيالات واضعي الماركسية، بغض النظر عن صحة هذا التعليل أو عدم صحته، فإن الإسلام يعتبر تلك الأوضاع كلها باطلة وجاهلية بغيضة، ما أنزل الله بها من سلطان، على افتراض وجود تلك الأحوال على الصورة التي تخيلها "ماركس" وأتباعه، فلا يجوز رد الحق بالخطأ والتخمين.
أما المرحلة الرابعة -وهي مرحلة الرأسمالية البرجوازية- فقد ظهرت كما يقول الشيوعيون الملاحدة لعدة أسباب؛ منها: استحواز هذه الطبقة في الأساس على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
مصادر المال واستقراره في أيديهم، واختراع الآلات الحديثة التي حلت محل الأيدي العاملة من طبقات الإقطاع والرق؛ لعدم إنتاجهم بالكثرة التي تنتجها تلك الآلات، فصارت حالة الرق متناقضة مع حالة الإقطاع، فألغت بدورها حالة الإقطاع التي كانت قائمة على استعباد الكادحين للعمل للإقطاعيين النبلاء، وبحث الجميع عن رأس المال ثم ازدياد حجم التجارة في أوربا بدلا عن الزراعة.
والملاحظ أن أولئك الذين كانوا يطلبون العمل بأيديهم لم يكن دورهم كافيًّا لملء ما تحتاج إليه الحركة الصناعية القوية، كما هو الحال بالنسبة للآلات الحديثة، وهذا أحدث بدوره رد فعل لدى العمال لتحطيم الإقطاع المستند إلى الآلات الحديثة، بسبب التناقض مع القوى المنتجة النامية من جهة، وحاجة العمال من جهة أخرى إلى العمل والكسب، وهذا بدوره قد هيأ الجو لتصاعد قوة الرأسمالية، التي تسعى دائمًا لزيادة الإنتاج والمكاسب الوفيرة، وما نشأ بين أفرادها من تعاون مثمر في شتى المجالات، وقد جعلوا استغلال طبقة من الناس لطبقة أخرى هو أساس الحضارة؛ لكي يحصل التناقض الذي يوصل طبقة إلى الاستعلاء على طبقة أخرى، فما من شر لطبقة إلا وهو خير لطبقة أخرى وهكذا صراع دائم من أجل البقاء.
كما أن تجمع الشعوب واتحادها إنما يعود -حسب تفسيرهم- إلى المصالح الاقتصادية، التي قامت عليها الرأسمالية، غير أن الرأسمالية أصبحت مناقضة لمصالح طبقة "البروليتاريا" أي طبقة العمال، فكان لزاما على هؤلاء العمال أن يصارعوا طبقة الرأسمالية، وأن يطيحوا بها بالطرق الثورية، وأن يستبدلوها بالنظام الشيوعي الذي يستوعب تلك التناقضات ويصفيها، في مجتمع ليس فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
طبقات يستغل بعضهم بعضًا، إنما فيه طبقة واحدة يكون الإنتاج فيها ملكًا مشتركًا بين الدولة، وهي خدعة شيوعية بارعة، ولكن هذا الصراع لا ينقل الناس مباشرة من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بل يمر بمراحل تدريجية قبل انتقالهم من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية، التي تحقق لهم مبدأ: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته، والتي تتم بجهود ضخمة من العمل المتواصل لزيادة الإنتاج لتتحقق تلك القاعدة.
وهكذا يتضح بجلاء أن التعليلات الشيوعية كلها قائمة على مجرد خيالات وتصورات، ليس لها ما يسندها، بل هي ضد العقل والمصالح وضد الدين وضد الدنيا، وإن ما تصوروه عن بداية المجتمع المشاعي وظهور الرق والإقطاع والرأسمالية ثم الاشتراكية الممهدة للشيوعية؛ كل هذه الحلقات هي افتراضات وتخمينات، وأول ما يدل على كذبهم فيها أنهم لا يستطيعون أن يحددوا بداية كل مرحلة وظهور التي تليها تحديدًا دقيقًا، مع أنه حتى ولو حددوها لا يقبل منهم لعدم وجود أدلة على ذلك يقبلها العقل، وأنهم قد سلسلوا تلك الأحداث ليصلوا إلى النتيجة التي يهدفون إليها، وهي إظهار الشيوعية بمثابة الثمار الشهية اليانعة التي نضجت بعد الجد والاجتهاد، وتطور الأحوال من حال إلى حال، ولإظهار الشيوعية كذلك بمظهر المنقذ لتعاسة الإنسانية على مدى تاريخ الحياة البشرية على وجه الأرض، وكم علت تلك الأصوات وكم أخذت في طريقها من ضحايا، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في أيام "جورباتشوف"، الذي تولى رئاسة الاتحاد السوفيتي بعد "يوري أندروبوف" و"برجينيف" وللباطل صولة ثم يضمحل.
وقد مزق الله الاتحاد السوفيتي كل ممزق، ولا يوجد عند العقلاء أدنى شك في أن تفسير الملاحدة لتاريخ البشر هو ضلالة كبرى من ضلالات الشيوعية، وهضم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
واضح لتاريخ البشرية، وطمس للوجه المشرق من تاريخ البشرية في مختلف الأزمنة، حينما لا يعترف هذا التفسير بأية قيمة خلقية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية، قبل ظهور عبادة المادة الصماء، فهذا التفسير قائم على النظرة الاقتصادية البحتة، فلا قيمة لأي شيء إلا من خلال هذه النظرة الضيقة الباطلة التي لا يعرفون سواها.
إن تاريخ البشر مملوء بالأحداث المختلفة على مر الليالي والأيام، بعضها تكون أحداثًا كبيرة وبعضها صغيرة، وبعضها يكون للمادة تدخل ما فيه، وبعضها لا تمت إليه المادة بأدنى سبب، بل لقد سجل التاريخ أعظم حدث في هذا الوجود في فترة زمنية قصيرة، ولا تزال آثارها واضحة قوية ستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنه الإسلام بتعاليمه السامية ونظمه العادلة، فكيف نشأ؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تغييره للمفاهيم التي قبله رأسًا على عقب؟ وأي حالة اقتصادية اقتضت ظهوره على تلك الحال؟.
والجواب عند المؤمنين بالله تعالى لا يحتاج إلى إعمال الفكر ولا إلى الاجتهاد، فإن الجواب يأتي تلقائيًّا أن الله هو الذي أنشأه وأظهره في الوقت الذي اقتضته حكمته دون أي صراع مادي، ولهذا فإن التفسير الإسلامي لتاريخ الإنسان -ونشأته في هذا الكون- من البدهي أن يختلف اختلافًا جذريًّا عن التفسير المادي له عند الملاحدة، ذلك أن الإسلام يقرر أن للإنسان مفهومه الخاص به، وأنه متميز عن بقية المخلوقات التي تساكنه في هذه الدنيا، فهو مفكر وله عقل وتمييز يدبر الأمور ويصرفها وفق مصالحه وإرادته، وهو الذي يسير المادة وليس المادة هي التي تسيره وتتصرف فيه كما في المفهوم الشيوعي، ففي الإسلام ينبع تاريخ الإنسان من حياته وتفكيره وعمله وتوجهاته، وما يتلقاه من التعاليم الإلهية على أيدي رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- وليس من المادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
يبدأ تاريخ الإنسان في الإسلام من خلق الله له من طين الأرض، ثم نفخ الروح فيه ثم إهباطه إلى الأرض واستخلافه فيها، وقيامه أو عدم قيامه بأوامر الله ونواهيه وسلوكه الخير والشرير، وما يسطره الإنسان في صفحات كتابه الذي سيقرؤه يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الحساب والثواب والعقاب، ولا شك أن هذه المفاهيم بعيدة كل البعد عن تاريخ الإنسان المادي كما تصوره الشيوعية، والتي تهبط بالإنسان إلى الحضيض، ولا تعترف له بتلك المنزلة العالية التي يشابه فيها الملائكة في علو روحه إن أطاع الله تعالى واتقاه …
هذا الجانب أغفلته الشيوعية، ولم تنظر إليه إلا على أن الإنسان حيوان بهيمي، لا هم له إلا بطنه وفرجه ولا ذكر لروحه ومزاياه العديدة، وليس فيها أن الله كون الإنسان من جسد وروح، وأن كلا منهما يطالب بحقه وغذائه المادي والروحي مطالبة حثيثة، وليس فيها أنه لا يجوز أن يغلب الإنسان جانبا منهما على الآخر إلى حد الإهمال كما قررته الشيوعية.
فهذا التوازن لا يوجد إلا في الإسلام لكي يتم التوازن الحقيقي بينهما، فإن الإسلام لا يقدس الجسد وشهواته الحسية فقط ولا يقدس الروح إلى حد الغلو فيها، وإنما الإسلام يوازن بينهما ويجعلهما شريكين متماسكين لا متصارعين، كما هو حال الأنظمة الجاهلية المادية، ويمكننا القول بأنه إذا كان ظهور الشيوعية كنتيجة مادية قامت بالعنف والجبروت، فقد رأينا نهايتها المخزية، بينما الإسلام وقد قام على العقيدة الصحيحة والعدل التام انتصر وتأثر به الناس، وأحبوه وأحدث في أنفسهم قوة جبارة كانت كامنة، ففجرها الإسلام وأنار الأرض كلها، ولم يقم على العنف ولا على الصراع المادي والطبقي، فلو أن الإسلام كان ظهوره بسبب عوامل مادية لانتهى بتلك الحال حينما تنتهي، أو لوجب أن تنشأ قوة مثله كلما تكررت تلك الحال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
التفسير المادي للإنسان والقيم الإنسانية
التفسير المادي للإنسان:
رأينا أن النظرية الداروينية الكاذبة أفادت أن الإنسان حيوان، يعود إلى نسل القردة ثم تطور بفعل المادة إلى أن أصبح إنسانا، ومع هذا الهبوط للإنسان في نظرية "داروين" إلا أن الملاحدة لم يكتفوا بذلك، بل أضافوا له دفعات إلى الأسفل في الهبوط، فاعتبروا فكر الإنسان الذي يميزه عن سائر الحيوانات جعلوه ناتجًا عن المادة المحضة لا قيمة له، جسم مادي نعم كثيرة الله سبحانه وتعالى أوجدها فيه، ولكن هذه النعم حدث للإنسان منها تشريف عظيم أخرجه تمامًا عن صفته المادية، وهذا التشريف هو نفخ الله فيه الروح فصار عظيمًا، وهذا التشريف أن الله سبحانه وتعالى جعله أفضل المخلوقات، لكن الملاحدة تناقضوا فميزوا بين مادة ومادة وقالوا: إن الإنسان أفضل المخلوقات أيضًا، فكيف ساغ لهم أن يقولوا: إن الإنسان هو سيد هذا الكون ما دام الإنسان مخلوقا بفعل المادة؟! تضاربت أفكار الملاحدة دون أي اكتراث منهم بذلك.
التفسير المادي للقيم الإنسانية:
طالما قرر الملاحدة أن الإنسان مادة فقد أصبح مفهوم القيم من الأمور التي لا قيمة لها، إذ إن المادة لا تتصف بأي قيمة روحية أو نفسية أو خلقية، وهذا هو الواقع الذي قرروه، فالقيم عندهم كلها ليس لها صفة ثابتة وإنما هي انعكاس للأحوال الاقتصادية، وهذا التفسير المادي للقيم يظهر فيه ما يلي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
أولًا: تضخيم العامل المادي الاقتصادي، وجعل هذا العامل هو أساس كل شيء في حياة الإنسان.
ثانيا: هم يزعمون أن كل القيم لا ثبات لها، الأخلاق والقيم والإيمان بالقدرة الغيبية وتماسك الأسرة والحفاظ على العادات القبلية، كل هذا يرونه لا ثبات له ولا مكان له في نظريتهم ومذهبهم، أليس هذا من التناقض أن يقال: إن المجتمعات الزراعية القديمة كانوا يعيشون في وئام تام وهدوء وأخلاق عالية، بينما يوصف المتأخرون اليوم بأنهم في تقدم شامخ ووعي كامل وحضارة راقية، وهم يحملون في صدورهم قلوبًا حاقدة عدوانية ولا يلوي أحد على أحد، فكان يجب أن يعكس الأمر تمامًا، لكن ليزيد تناقضهم تناقضًا وليزيد مذهبهم تهافتًا حتى ينتهي هذا المذهب إلى البطلان التام.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
الدرس: 14 الناصريون والبعثيون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)