أقل تقدير، ويمكن أن يزيد العدد بشرط أن يكون الجنسان متساويين أي مع كل رجل امرأته زوجته، حيث ترتدي المرأة أفخر الثياب وتتزين بأثمن الحلي، وتقوم بتهيئة الطعام على المائدة، وبعد الطعام يبدأ اللهو وفي فترة من فتراته تطفأ الأنوار ويبقى الجميع في ظلام دامس، ويعتبر كل مولود يولد بسبب تلك الليلة مولودًا مباركًا".
ونشرت مجلة الدنيا المصورة التركية مقالًا عن هذا العيد ومراسمه وطقوسه قال فيه صاحبه: أعتقد أن الاحتفال بإطفاء الأنوار ما يزال من العادات المتبعة لدى القراقاش، وأغلب ظني أن العائلة التي أنا فرد منها كانت إلى عهد قريب تمارس هذه العادة، ولم أشترك في أي احتفال كهذا بسبب كوني عازبًا، وكلما أظهرت رغبتي في حضور الاحتفال دفعوني وقالوا: إن هذا الاحتفال للمتزوجين فقط.
وذكر البروفيسور "إبراهام جلنتي" في كتابه (وثائق عن عادات ومنظمات السباتاي الدونمة): "إن عادة إطفاء الأنوار عادة قديمة قدم العصور، أخذها السباتائيون كما أخذها النصيريون عن الأمم الغابرة"، كما نشرت جريدة المساء التركية خبرًا عن مراسلها في قرعش يقول فيه: "ألقت سلطات الأمن على جماعة من الرجال والنساء يمارسون عادة إطفاء الشموع وضبطتهم بالجرم المشهود، كما عثرت في الغرفة المجاورة بصالة الاحتفال على بعض الآلات الموسيقية".
ونشر علاء الدين غوسا خمس مقالات هامة في جريدة الأيام السبعة، وقد جاء في هذه المقالات: "كنت مديرًا لمدرسة تابعة لسباتائيي الدونمة بقرية مكري، وكان طباخ المدرسة سباتائيًّا أمرته في أحد أيام الربيع أن يطبخ لنا لحم خروف فرفض، فشكوته إلى الهيئة الإدارية فلم أفلح في شكواي، ولم أتمكن من إطعام أحد لحم خروف قبل أوانه أي في الثاني والعشرين من مارس".
ومن عاداتهم أيضًا المراوغة والدهاء، فقد جاء في العدد رقم 116 لجريدة الدنيا المصورة عن الدونمة السيلانيك: أنهم يعيشون بين ظهرانينا ويتكلمون بلغتنا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
يحسون في الظاهر بإحساسنا لكنهم في الحقيقة يأخذون الحيطة تجاه الأتراك، لا يناكحون إلا من كان منهم، يحيون حياة خاصة بهم من المهد إلى اللحد في أعراسهم ومآتمهم، وفي كل صفحة من صفحات عيشهم الاجتماعية منها والعائلية، فهل تعرف حقيقتهم؟! إن منهم أذكياء ورجال فكر جديرين بالتقدير خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية، وأثرهم في ذلك لا يمكن إنكاره أبدًا وعلى الأخص في استانبول وأزمير، وفي تركيا لا تزال بعض عادات الدونمة حية، فقد جاء في كتاب (وثائق عن عادات ومنظمات السباتاي): "لا تزال بعض العادات عند الدونمة متبعة ومعمولا بها ومنها:
أولًا: عادة ذبح الخروف وأكل لحمه في اليوم الأول من السنة اليهودية، وهي ذكرى فداء إسحاق على حد زعمهم.
ثانيًا: عادة حلق الشعور بالموسي لدى اليعقوبيين، وهي إحدى طوائفهم -كما سبق القول، وحلق الشعور بالموسي للرجال وتجديل الشعور إلى ضفائر رفيعة للنساء.
ثالثًا: لكل فرد منهم اسم آخر يهودي.
رابعًا: الالتحاء سمة من سماتهم.
خامسًا: لا يؤكل لحم الخروف في أول كل سنة يهودية إلا بعد إجراء الطقوس الخاصة بذلك اليوم، ومن يأكله في غير أوانه يكون معرضًا لعقوبة الموت طوال ذلك العام.
سادسًا: لا يجوز لأي واحد من الدونمة إنشاء علاقات جنسية مع امرأة ليست من الدونمة، ومن يفعل ذلك يكون من أهل النار.
سابعًا: لا يجوز للدونمة المبادرة إلى أداء التحية لغيرهم.
ثامنًا: الذهاب إلى ساحل البحر أو إلى ضفة النهر -أي بحر أو نهر- والقيام بالنداء التالي: "سباتاي زئيفي" نحن بانتظارك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
أثر الدونمة وخطرهم:
والأهم من ذلك هو خطر الدونمة وتأثيرهم ومدى التغيير الانقلابي الذي أحدثوه في المجتمع التركي، وانعكاسات ذلك على العالم الإسلامي:
فقد كان للدونمة أثر كبير في الإضرار بالعالم الإسلامي في السلوك الاجتماعي والأخلاقي والحضاري؛ إذ أسهموا إسهامًا مباشرًا في كل ما من شأنه هدم القيم الإسلامية لدى المجتمع، وتخريب الخلق والسلوك لدى المسلمين، فلقد كان ميل الشباب المسلم إلى التخلق بالعادات والتقاليد الغربية، واعتبارهم الإلحاد موضة عصرية مع انتشار الماسونية والفوضوية واحتقار الشعور الوطني، كل ذلك كان من عمل الدونمة.
فلقد هاجموا أولًا وبعنف حجاب المرأة المسلمة، ودعوا إلى السفور والتحلل من خلال الصحف التي وثبوا عليها وامتطوا أعنتها، وألهبوا ظهور الناس بسياط ألسنتهم المشرعة، بدعوى التحضر ومواكبة روح العصر، ثم دعوا إلى التعليم المختلط في الجامعات والمدارس، ففي التدريس المختلط يزول الحياء من وجه الشباب وقلوبهم وتنعدم البراءة في الأسر الإسلامية، وبدأت السخرية اللاذعة تظهر في المقالات المسلسلة لتنال من بعض تقاليد وعادات المجتمع الإسلامي، وزادوا من حدة دعاياتهم فنشروا الرسائل والكتب الكثيرة التي تتضمن الهجوم السافر أحيانًا، والمبطن أحيانًا أخرى، فكانت كمعاول هدم لا تنفك ضرباتها تتلاحق وتتتابع لتقوض الصرح الكبير.
ولم يجرؤ واحد من الناس في ذلك الحين على التعرض لهؤلاء في أية صحيفة أو مجلة؛ لأنها كانت أكثر الصحف والمجلات مملوكة لهم.
وثانيًا: لأن سرعان ما يتقدم أصحاب الجرائد والمجلات بالشكاوى إلى أقطاب الدولة؛ ليصار إلى مصادرة الردود المعارضة لهم والتنكيل بأصحابها، وأقطاب الدولة هؤلاء هم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
الاتحاديون جماعة الاتحاد والترقي، الذين كان أكثرهم من الدونمة أو من تلاميذهم وحملة آرائهم والمنفذين لمخططاتهم، فمن الهدم الاجتماعي إلى الهدم السياسي للدولة العثمانية وكيانها؛ لأن كلا من السبيلين كان الدونمة يعملون في آن معًا على ولوجهما؛ بقصد الوصول إلى الهدف الكبير البعيد والقضاء على الإسلام، ومن المعروف تاريخيا أن كبار رجال الدولة في تركيا -من جمعية الاتحاد والترقي- كانوا على علاقات متينة بالدونمة في سيلانيك، يعتقدون اجتماعاتهم المشتركة في المحافل الماسونية هناك.
واستطاع اليهود والدونمة والماسون وآخرون لهم مطامع في البلاد العثمانية أن يؤثروا في عقول الشباب المثقف، ويسخرونهم لخدمة مطامعهم وأغراضهم عن علم أو جهل.
وخلاصة القول أنهم قادوا الجانب الأكبر من ثورة تركيا الفتاة ثورة الدستور، التي تحققت على يد مدحت باشا أبو الدستور العثماني كما قيل في حينه، هذه الثورة التي قام بها أساسًا اليهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام، لكنهم ظلوا في الحقيقة يصارعون الإسلام، وبقيت علاقاتهم تقتصر على الأعمال الظاهرة فقط، هؤلاء الدونمة الذين لبسوا زي المسلمين زورًا وظلوا يهودًا في الحقيقة ومسلمين في الظاهر، كان لهم نصيب في مقدرات الشعب التركي وتطوره إلى الوضع الحالي.
ومن كتابات الاتحاديين ومذكراتهم نستطيع أن نتبين مقدار تأثير الدونمة على تحريك رياح الأحداث والتحكم في اتجاهاتها، فمثلًا نجد في مذكرات غالب باشا -الذي كان المفتش العام لقوات الدرك في استانبول- فبالنسبة لأحداث واحد وثلاثين من مارس المؤسفة التي انتهت بخلع السلطان عبد الحميد يذكر غالب باشا أنه خشي أن يناله سوء من العصاة فيعتصم بداره، وفي اليوم الرابع من بدء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
العصيان يمم وجهه شطر مخازن آل السلتلكي؛ إحدى أسر الدونمة التي لها باع طويل في مجال الإعلام حاليًّا.
ويقول: "لم أستطع مغادرة بيتي حتى يوم السبت الرابع من إبريل، ولم أتمكن من الحصول على أية معلومات صحيحة عما يحدث. وفي الأيام الأربعة التي قضيتها في البيت كانت مملة ومحزنة، أما الصحف فكانت تزيد المرء كدرًا على كدر"، ويقول: "خرجت في اليوم الرابع من داري وعبرت إلى الجهة الغربية من استانبول، ومررت بطريقي إلى مخازن آل إبكجي التجارية فشعرت بأن رجلًا ذا لحية جعداء يتعقبني، حيث كانت هذه المخازن تحت المراقبة الدائمة".
وكتب غيره مثل هذا الكلام، وهذا يدل على ما نقوله دائمًا عن علاقة الدونمة بالاتحاد والترقي، فمدحت باشا الذي ورد ذكره قد أصبح رأس السلطة في يوم من الأيام، وهو واحد من أولئك اليهود روجت له الدعاية الماسونية في أنحاء الشرق العربي والغربي على أنه البطل العظيم، حامل لواء الإصلاح والحرية في السلطنة العثمانية، وسمته أبا الدستور وسخرت له أبواب الدعاية من صحف ومجلات وإذاعات، فوصل بذلك إلى أعلى الرتب منها باشوية سوريا والعراق، ومنصب الصدر الأعظم الذي يعتبر أكبر الرتب في السلطة العثمانية، ثم بعد ذلك بدأ يدس ويخرب كما تملي عليه يهوديته وماسونيته.
والانتشار ومواقع النفوذ:
غالبية الدونمة العظمى توجد الآن في تركيا، ولا يزالون إلى الآن يملكون في تركيا وسائل السيطرة على الإعلام والاقتصاد، ولهم مناصب حساسة جدًّا في الحكومة، وكانوا -كما قلنا- وراء تكوين جماعة الاتحاد والترقي التي كان جل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
أعضائها منهم، كما ساهموا من موقعهم هذا في علمنة تركيا المسلمة، وسخروا كثيرًا من شباب المسلمين المخدوعين لخدمة أغراضهم التدميرية. دور يهود الدونمة في هدم الخلافة الإسلامية:
إن مدحت باشا تنقل في حكم ولايات عثمانية عديدة منها سوريا، ثم دبر مؤامرة خلع السلطان عبد العزيز، ثم دبر مؤامرة اغتياله بعد ستة أيام من خلعه، ومدحت باشا هو ابن حاخام مجري اشتهر بالمكر والخداع والدهاء، ووصل إلى أعلى مناصب الدولة ليكون أقوى يهودي يتمكن من بذر الفتن في الدولة العثمانية، متظاهرًا بالإسلام مبطنًا يهوديته الحاقدة الماكرة، ونجح يهود الدونمة بمساعدة محافل الماسون في تكوين جمعية تركيا الفتاة، التي كان مدحت باشا نفسه أول مؤسسيها.
تفرع عن تركيا الفتاة حزب أو جمعية سموها الاتحاد والترقي، حملت شعار الحرية والإخاء والمساواة الذي نقلته عن باريس، وهو شعار الثورة الفرنسية التي دبرها الماسون كذلك، وقامت تنظيمات الاتحاد والترقي على غرار جمعية الكربوناري الإيطالية الإجرامية، التي شكلها الماسون في أوائل القرن التاسع عشر، ومن الجمعيات التي أوجدها اليهود في تركيا البكتاشية التي كانت في ظاهرها إحدى الطرق الصوفية، وفي حقيقتها فرقة باطنية تسير حسب خطط اليهودية العالمية والماسونية.
وهكذا نرى دور يهود الدونمة في القضاء على الخلافة الإسلامية، وعزل السلطان عبد الحميد عن الخلافة العثمانية، إذ إنهم حينما أدركوا ثبات السلطان عبد الحميد في وجه أطماعهم زادوا من تآمرهم لإسقاطه، استعانوا بالقوى الشريرة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، وأهمها الماسونية والجمعيات السرية، ونقل هذا عن مصطفى كمال في كتبه وغيرها.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
الدرس: 21 الأصولية الإنجيلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(الأصولية الإنجيلية)
تعريف الأصولية الإنجيلية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الأصولية الإنجيلية:
الأصولية حركة فكرية بروتستانتية ظهرت في الغرب في القرن التاسع عشر الميلادي، بعد مؤتمر "نياجرا" عام 1895؛ لتحيي من جديد أفكار أصحاب عقيدة المجيء الثاني للمسيح، مجيئًا حقيقيًّا حرفيًّا. قد ظهرت لهؤلاء كتيبات بعنوان (الأصوليات) دعوا فيها إلى التمسك بالتعاليم الدينية القديمة، كما دعوا إلى القول بألوهية المسيح وعصمة الكتاب المقدس عن الخطأ، ووجوب الأخذ به حرفيًّا وولادته عليه الصلاة والسلام من مريم، كما دعوا إلى الفدية عن الأعمال المنكرة، ودعوا إلى الإيمان بقيامة المسيح من بين الأموات بجسمه وعودة تجسده ثانيًا، بالإضافة إلى رفض كل النظريات العلمية الحديثة في علم اللاهوت، وكذلك الدراسات التي تنتقضه أو تناقض ما فيه، ولذلك عرفت بمذهب العصمة الحرفية، كما ترفض الأصولية فكرة الفصل بين الدين والدولة، مما أدى إلى زيادة اهتمامها بالجانب السياسي والسعي إلى تكوين الأحزاب السياسية؛ للوصول إلى السلطة بغية سن القوانين والشرائع المؤيدة لمذهبهم.
ويمكن أيضًا إضافة اعتقادهم بالنبوءات الإنجيلية التي تقود -حسب اعتقادهم- إلى استيلاء اليهود على فلسطين والقدس، شرطا للعودة الثانية للمسيح، وبذلك تتعارض الأصولية مع الليبرالية أو الحداثة التي تسعى إلى قراءة النص وتفسيره على حسب الواقع، وللأصولية في الغرب تنظيماتها ومؤسساتها ووسائل إعلامها القوية التي تدعو إلى مبادئها. ومن أشهر مؤتمراتها ما عقد في سنة 1985 في مدينة "بال" بسويسرا، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية المركز الرئيس للاتجاهات الأصولية الإنجيلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
تاريخ الأصولية الإنجيلية
تاريخ الأصولية الإنجيلية -والبعض يسميها الصهيونية المسيحية-:
ترجع بذور هذه الأصولية إلى فكر وعقائد طرحتها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر، في عدد من الدول الأنجلوسكسونية، حيث رأت هذه الحركة أن التوراة هي كلمة الله المعصومة، ورأت في النبوءات والأساطير التوراتية قانونا وتاريخا، وجعلت من مجمل العهد القديم مرشدا لحياة الناس الدينية والزمنية بما فيها الأدبية والثقافية والفنية، وتحول العديد من البروتستانت في القرن السابع عشر إلى اليهودية، واعتبرت حركة الإصلاح الديني بمنزلة بعث يهودي، وبخاصة بعدما ركزت اهتمامها وأولوياتها على ما يعرف بالتوراة، وهي سجل لتاريخ أنبياء بني إسرائيل وملوكهم وقادتهم وعباداتهم وأشعارهم والأساطير التي حيكت حولهم وتقاليدهم.
ولعل هذا التحول الديني كان من أبرز التحولات في تاريخ الأفكار والعقائد التي عرفتها البشرية عقب انتهاء القرون الوسطى، فأوربا كانت في حالة عداء نفسي وعملي لليهود قبل ولادة حركة الإصلاح الديني، وتأسست فيها عقيدة ضد اليهود تؤدي مباشرة إلى إيذاء اليهودي بدنيًّا، على اعتبار أن اليهود رفضوا رسالة المسيح عليه السلام وأن أجيالًا يهودية توالت بعد ذلك على المنهج نفسه، ومن ثم يجب أن يعاقبوا على جريمة ما يسمى بصلب المسيح.
وكانت أوربا قد شهدت خلال القرن الثاني عشر عمليات ذبح جماعية لليهود في فرنسا وانجلترا وألمانيا، وبخاصة في مطلع تسيير الحملات الصليبية إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
فلسطين، وذلك تنفيذا لقول اليهود في محاكمة المسيح: دمه علينا وعلى أولادنا طلبًا للغفران قبل تحرير القدس، وكانت صورة اليهودي قرب نهاية القرون الوسطى لا تظهر في الرسوم والحكايات الشعبية إلا على صورة إنسان نجس وخاطئ، وعلى شكل بومة أو أفعى، كما ظهرت صورة اليهودي التائه صاحب الأنف المقوس والرجل الهرم ذي اللحية، والملامح العابسة والكريهة.
واعتادت الجماعات اليهودية حياة الاضطهاد فمالت إلى العزلة، وأدى هذا الوضع إلى بروز ظاهرة الجيتو في أواخر القرن الخامس عشر، حيث تم وضع اليهود داخل أحياء منفصلة تحاط بها أسوار مرتفعة، ولها بوابتان يقف عليها حرس مسيحي وتغلق أبوابه في المساء، وكانت الجماعات اليهودية تتعرض للثورات الشعبية في أثناء حدوث أزمات أو انتشار مرض معين. مثل: الطاعون أو الموت الأسود، حيث كان يلقى باللوم على اليهود، توجه إليهم تهمة نشر الوباء، ولعل كل هذا الاضطهاد هو الذي شكل العمق التاريخي للموقف الفكري والسياسي لحركة النازية الألمانية تجاه اليهود في القرن العشرين، وهكذا عرفت أوربا سلسلة دامية من الأحداث والصراعات واضطهاد اليهود طوال القرون الوسطى.
وقد طرد اليهود من انجلترا في نهاية القرن الثالث عشر وحتى نهاية القرن السادس عشر، ولم تكن تسمح السلطات الإنجليزية لأعضاء الجماعات اليهودية بتولي المناصب في مجالس البلديات، أو في الوظائف المدنية، ولم يصل إلى البرلمان الإنجليزي عضو يهودي واحد حتى سنة 1858، قد كان أول وزير يهودي إنجليزي هو "هربرت صموئيل" سنة 1904، وكذلك الحال في روسيا حيث لم يسمح لليهود بدخول المدارس الروسية، ولم يسمح لهم بالعمل في حقل المحاماة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
وكذلك الحال في فرنسا، وعانى اليهود العزل والقتل والتمييز لأسباب متعددة من بينها: عوامل دينية كمسألة صلب أو قتل المسيح، وعوامل اقتصادية مرتبطة بالوظيفة الربوية للجماعات اليهودية.
وبانتهاء العصور الوسطى وقبل مطلع القرن السادس عشر شهد التاريخ أحداثًا فاصلة مثل: فتح القسطنطينية واختراع الطباعة وسقوط الحكم العربي الإسلامي في الأندلس، واكتشاف أمريكا وغيرها، وكانت أوربا حتى ذلك الوقت تدين بالكاثوليكية، لكن بحلول القرن السادس عشر بدأ الكثيرون يضيقون بسلطة البابا، وظهر "مارتن لوثر" متحديًا دور هذه الكنيسة؛ لاحتكارها تفسير الكتب الدينية المسيحية ولمسائل بيع صكوك الغفران للناس، وانتشرت دعوة "مارتن لوثر" وكثر أتباعه في أجزاء كثيرة من أوربا، وصار من حق كل مسيحي قادر أن يقرأ التوراة والأناجيل وأن يفسرها، وترجمت للغات مختلفة بعد أن كانت حكرا على اللاتينية والإغريقية.
وما يهمنا في هذه الحركة الكنسية الجديدة أنها اهتمت بالعهد القديم، الذي صار المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد، وفتحت الباب أمام تفسيرات وتأويلات وبدع في اللاهوت المسيحي، وأمست معتقدات يهود العهد القديم وأرض فلسطين أمورًا مقبولة في الفكر والثقافة والفنون الغربية، وصارت قصص التوراة مألوفة كالخبز ترددها العامة والنخب عن ظهر قلب، وصار المسيح نفسه واحدا من الأنبياء العبرانيين، وحل قادة وأبطال التوراة محل القديسين الكاثوليك، كل ذلك يتم في جو استرجاعي قوي إلى عقيدة عودة المسيح الثانية، والتركيز على دور اليهود في هذه العودة، وكون اليهود مجرد أداة للخلاص وبوابة حتمية لانتشار المسيحية، ومن ثم تحولت فلسطين في الأذهان إلى أرض موعودة للشعب اليهودي المختار، وبات الربط بين الأرض واليهود يرد في الطقوس والشعائر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
الدينية، وجردت فلسطين من دلالتها المسيحية بعد أن كانت أرض المسيح المقدسة، ومن أجلها كانت الحملات الصليبية، لكنها الآن تحولت إلى وطن لأجل اليهود الذين تشكل عودتهم إليها المقدمة الحتمية لعودة المسيح المنتظر.
وتعتبر مسألة المجيء الثاني للمسيح من الأركان الأساسية للإيمان المسيحي، ومن أهم موضوعات الإنجيل، ولا يخلو سفر من أسفاره من الحديث عن المجيء الثاني للمسيح، وكل مسيحي العالم تقريبًا يؤمنون بهذه المسألة، إلا أن الاختلاف يقع في كيفية وتفاصيل هذا المجيء، وقد نجحت الصهيونية في إقناع بعض المسيحيين بأن إنشاء إسرائيل هي علامة من علامات المجيء الثاني، وأن عودة المسيح سوف تكون بصورة عنيفة وقوية؛ ليقف مع إسرائيل في مواجهة قوى الشر في العالم، التي يهزمها في موقعة دموية قاسية، وبهذا الانتصار على القوى الشريرة يقوم المسيح بعد ذلك بحكم العالم لمدة ألف عام.
وقد ظهر هذا الإيمان في تاريخ الفكر المسيحي اللاهوتي من خلال عدة نظريات، جاءت جميعها مبنية على تفسير ما جاء في سفر الرؤيا -وهو آخر أسفار العهد الجديد- وفيه يروي يوحنا حلمه الذي رآه حول مستقبل العالم؛ حيث رأى ملاكًا نازلًا من السماء يقبض على إبليس ويقيده بسلسلة عظيمة لمدة ألف عام؛ لكي لا يضل أحدًا، ثم متى تمت الألف عام حل إبليس من قيده ليضل الأمم ويجمع يأجوج ومأجوج، الذين عددهم مثل مدد البحر؛ ليحاصروا معسكر القديسين والمدينة المحبوبة، عندها ينزل الله نارًا من السماء لتأكلهم وإبليس والنبي الكذاب المسمى بالمسيح الدجال.
وقد انقسم المسيحيون حول تفسير هذه الرؤية إلى فرق عديدة، من بينها فريق يرى أن المسيح سوف يأتي إثر حدوث اضطراب شديد في الأرض، كالحروب والمجاعات والزلازل ويسمونها الضيقة العظيمة، وحينما يأتي المسيح تقوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
الأموات المؤمنون به من القبور، وتتحول أجساد المؤمنين الأحياء إلى أجساد سماوية، والكل سوف يخطف لملاقاة المسيح في الهواء، ثم بعد ذلك ينزلون معه إلى الأرض، فيتم تقييد إبليس وينتهي حكم المعادين للمسيح على الأرض، ويعود اليهود بشكل جماعي إلى المسيح ويؤمنون به ويعترفون بخطاياهم، وعندئذ يبدأ حكم المسيح على الأرض لمدة ألف عام، ويكون المسيح مرئيًّا وحرفيًّا ويسود العدل والسلام كل الدنيا، وتتحول الطبيعة الشريرة في كل المخلوقات إلى طبيعة خيرة. وباقتراب نهاية الألف عام يحل إبليس من قيوده ويخرج ليضل الأمم مرة ثانية، ويجمع كل الأمم معه للمعركة الأخيرة ضد المسيح، وبخاصة منهم يأجوج ويفسرونها بملك روسيا، ومأجوج ويفسرونها بملك تركيا أو المسلمين والصين، يقودهم للهجوم على معسكر القديسين الذي يضم المسيح وشعبه في القدس، وتقع معركة "هرمجدون" ولكن تأتي فجأة نار من السماء وتبيدهم ويلقى بإبليس في جهنم إلى الأبد.
وانتشرت هذه النظرية بقوة في القرن الرابع الميلادي، ثم عادت إلى الظهور في القرن السادس عشر وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ولاسيما أثناء الثورة الفرنسية. وهكذا بدأت ظاهرة الصهيونية المسيحية أو الأصولية الإنجيلية، وفي صلبها مسألة دور اليهود في الخطة الإلهية للعودة الثانية للمسيح، والتي تتطلب جمع اليهود في الأرض الموعودة فلسطين، واستعادة المدينة المحبوبة كما ورد في التوراة أي القدس، وبناء الهيكل مما يهيئ المسرح لمعركة "هرمجدون" بين الخير والشر، ليأتي المسيح ثانية وينتصر الخير ويقيم مملكة الألف عام السعيدة، وفقًا لهذا الإيمان الأصولي المسيحي البروتستانتي والمرتبط بالتفسير الحرفي لكل عبارات العهد القديم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
وقد لاقت هذه الحركة ترحيبًا واسعًا بين اليهود، باعتبار أنها قسمت أعداء اليهود، لكن أتباع "مارتن لوثر" هاجموا اليهود بسبب إعلانهم أن التلمود يعطي تفسيرًا أفضل من تفسير "لوثر" للكتاب المقدس، ورفضهم الدعوة للعودة إلى المسيحية، فقام اللوثريون بطرد اليهود من المدن الألمانية والإنجليزية، وواصلوا العمليات التبشيرية بين اليهود، وفي الوقت نفسه كانوا يؤسسون لأطروحة استرجاع اليهود إلى فلسطين؛ إعدادا للخلاص اليهودي ثم الخلاص اللاهوتي.
واعتبرت المسيحية التقليدية أن ما ورد في العهد القديم إنما هو أحداث وقعت في الماضي، أو نبوءات تم تحققها، وأن ما جاء في العهد الجديد هو ثورة على العهد القديم، وفقًا لما جاء في إنجيل يوحنا: لو كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم، ورأت أن كل القصص التي رواها العهد القديم هي رموز لحالات روحية وأخلاقية، كما تؤمن المسيحية التقليدية بأن إبراهيم عليه السلام عندما أخذ الوعد من الله بالأرض لم يفهمه على أنه تصريح له من الله بسرقة الأرض من مالكها، حتى لو كانت الأرض هبة من الله فهي مشروطة بطاعة الواهب، كما ترى أيضًا أن العهد مرتبط بتحقيق وصايا الله وطاعته، وليس رفض حكمه، وأن أرض الميعاد الحقيقية عند المسيح هي الأرض كلها وكل أرض يتحقق فيها وعد الله.
وهذا هو رأي المسيحية التقليدية الذي تخالف فيه الأصولية الإنجيلية، لكن هذه العقيدة -عقيدة الأصولية الإنجيلية- بعثت من جديد في القرن السادس عشر، وصارت فكرة محورية في عقول وإيمان معظم الكنائس البروتستنتية، شكلت مسألة عودة المسيح الثانية أبرز تجليات هذه العقيدة، أما اليهود في هذه العقيدة فهم يشكلون محورها وبشارتها، وهم شعب الله المختار القديم والذي يفترض تواصله في الماضي والحاضر والمستقبل، وأن أرض فلسطين هي أرض اليهود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
التي وعدهم الإله بها، واعتبار أن وعد الله لا يسقط بالتقادم ولا يتراجع، حتى وإن رفض اليهود المسيح؛ ولذا فإن كل من يعارض اليهود أو يقف في وجه عودتهم إلى فلسطين يعتبر من أعداء الله وأعداء المسيح، والمحور الأساسي في هذا كله يدور حول الشروط التي يجب توافرها لتحقيق العصر الألفي السعيد، وعودة المسيح الثانية.
وأهم هذه الشروط هو استرجاع أو نقل اليهود إلى فلسطين، وقد أدت هذه العقيدة إلى انتشار ظاهرة قبول اليهود في عدد من الدول الأوروبية، ففي منتصف القرن السابع عشر تم الاعتراف بالجماعات اليهودية، وحصلت على وعد بحرية ممارسة عباداتها، بعد أن ظلت بريطانيا خالية من اليهود تقريبًا حتى نهاية القرن السادس عشر، ولم يحصل اليهود على حقوق المواطنة إلا ابتداء من سنة ألف وسبعمائة وثمانية عشر، وكان يقف وراء هذا الاعتراف تطلعات المجتمع الإنجليزي التجاري الاستعمارية.
الحكومات النصرانية التي تدعم الأصولية النصرانية
استخدمت هذه الحكومات النصرانية في دعمها للأصولية النصرانية أبشع الوسائل القمعية في التكريز بالإنجيل، أو نشره للعالم أجمع، ففي روسيا مثلًا حين تحول "فلاديمير" الروسي عن الوثنية -بفضل مساعي الأصوليين من رجال الكنيسة الإغريقية- أصدر مرسومًا في اليوم التالي لتعميده؛ يقضي بأن يذعن الروس كافة سادة وعبيدًا أغنياء وفقراء للتعميد، وفق طقوس الديانة المسيحية.
وفي مستهل القرن السادس عشر نشط رجال الشرطة الروسية ورجال السلطات المدنية فيها في تأييد أعمال رجال الكنيسة لتنصير "القرغيز"، وهي جماعة تترية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
تسكن في روسيا، ولما لم يكن القساوسة الروسيون يفهمون لغة "القرغيز" لم يلبثوا أن أهملوا شئونهم، ولم يكن هناك بد من الاعتراف بأن هؤلاء الذين تحولوا حديثًا لم يكونوا يتمسكون بالعقيدة المسيحية أو يعرفونها، ولما أخفقت العطاءات الروحية أمرت الحكومة موظفيها بأن يلطفوا من هذه الحالة، ويحبسوا الناس ويكبلوهم بالحديد، ويحولوا بذلك دون تعليم هؤلاء الذين لا يطيعون أوامر المطران برغم تعميدهم.
في القرن الثامن عشر جاءت حكومة الإمبراطورية "كاترين" الثانية في روسيا، وبذلت جهودا جبارة في دعم الأصولية الأرثوذكسية في جهودها التنصيرية، حتى إنها أصدرت مرسومًا بأن يوقع كل من هؤلاء الحديث العهد بالمسيحية على إقرار كتابي، يتعهدون فيه بترك خطاياهم الوثنية وتجنب كل اتصال بالكفار، وعلى الرغم من هذا كله لم يكن هؤلاء الذين أطلق عليهم التتار المعمدون إلا مسيحيين اسما فقط، لا يبعد أن تكون أسماؤهم قد دونت في السجلات الرسمية باعتبارهم مسيحيين، ولكنهم وقفوا في ثبات وقوة في وجه أية محاولة لتنصيرهم.
وفي أوربا كانت أبرز الحكومات التي دعمت الأصولية بشدة هي حكومة "شارل مان"، ونحن نقرأ في تاريخ 772 وحتى 798 عن استمرار الغزوات المتعاقبة، وتحول المسيحية إلى مؤامرات وأعمال قمع، وبمجرد إخضاع إحدى القبائل الألمانية فإن تحولها إلى المسيحية كان يدرج في بنود السلام، كثمن يمنح لها نظير تمتعها بحماية الإمبراطور وحكومته، ولقد سجل التاريخ أن "شارل مان" قتل في يوم واحد أربعة آلاف وخمسمائة سكسوني، تفرض حكومته عقوبات وحشية ضد أي خرق لمجموعة القواعد المسيحية، ومنها أن أي سكسوني غير معمد يحاول أن يختبئ بين شعبه ويرفض التعميد مسيحيا سوف يقتل، وأن أي شخص من الوثنيين يتآمر ضد المسيحيين سوف يقتل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
ولهذا يقول الأصوليون النصارى: إن "شارل مان" يعتبر بلا جدال واحدًا من أعظم الشخصيات في تاريخ كل من الكنيسة والعالم، وقد وجدت في أوربا صور عديدة من "شارل مان" هذا عاثت في الأرض فسادا، سفكت الدماء وانتهكت الأعراض وأكرهت الناس على موافقتهم في النحلة، أما في الحروب الصليبية فإن الباباوات استطاعوا بخبثهم ودهائهم أن يجعلوا من الحكماء والشعوب الأوروبية أصوليين، يتحدثون جميعًا باسم الإنجيل وتعاليمه.
وقد بدأت هذه الدعوات الأصولية بنداء أطلقه البابا "أربان" الثاني، بتحريض من بطرس الناسك في سنة تسعمائة وخمسة وتسعين إلى حكام أوربا وشعوبها؛ بالكف عن الحروب المحلية والخروج بدلًا من ذلك لمحاربة العالم الإسلامي، والاستيلاء على خيراته، وأعلن أن المسلمين كفرة تستباح دماؤهم، ودعا إلى تخليص القبر المقدس من أيديهم، ووعد بغفران الخطايا لقتلى تلك المعارك بمقتضى التفويض الرباني الممنوح له.
وتحكي المصادر التاريخية الإسلامية وغير الإسلامية بشاعة وهول تلك الحملات الصليبية، التي كان رجالها يصيحون بأنهم رسل المسيح وجنوده، فتذكر أن الصليبيين قتلوا نحو سبعين ألفا من سكان بيت المقدس المسلمين، ومعظمهم من النساء والأطفال والعجزة والعزل من السلاح، بل وكان من أحب ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقون من الأطفال وتقطيعهم إربًا إربًا، وشيهم كما روت "آن كومنين" بنت قيصر الروم.
يقول "غوستاف لوبون": "ونرى في كل صفحة من الكتب التي ألفها مؤرخو النصارى في ذلك الزمن براهين على توحش الصليبيين. ويكفي لبيان ذلك أن ننقل الخبر الآتي الذي رواه الشاهد المؤرخ الراهب التقي "روبرت" قال: وكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، فيا للعجب ويا للغرابة، كانت الدماء تسيل كالأنهار في المدينة المغطاة بالجثث. ويقول في موضع آخر: واغتاظ مؤرخو النصارى أنفسهم من سلوك حماة النصرانية، مع اتصاف هؤلاء المؤرخين بروح الإغضاء والتساهل، إلى غير ذلك من أحداث".
فإذا قفزنا إلى العصر الحديث وجدنا أن العالم النصراني يدعم الأصولية النصرانية دعمًا لا نظير له، ولعل هذا الدعم يتبين بصورة واضحة عند ذكر تطبيقات الأصولية النصرانية، فمثلًا أحد رؤساء أمريكا وهو "ويلسون" الذي كان يحب أن يلقب بابن راعي الكنيسة، وهو أصولي متعصب جدًا، و"نيكسون" أيضًا كان أكثر رؤساء أمريكا فكرًا وتنظيرًا يقول في كتابه (نصر بلا حرب): "إن صراع العرب ضد اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب، وإسرائيل والدول العربية المعتدلة له من جانب آخر". ويختم كتابه بعبارات لا يتفوه بها إلا أعتى الأصوليين الإنجيليين فيقول: "عندما كانت أمريكا ضعيفة وفقيرة منذ مائتي سنة مضت كانت عقيدتنا هي المبقية علينا، وعلينا ونحن ندخل قرننا الثالث نستقبل الألف سنة المقبلة يجب أن نعيد اكتشاف عقيدتنا ونبث فيها الحيوية"، وقد نشرت له مجلة الشئون الخارجية تعليقًا على اللقاء الأول بين "ريجان" و"جورباتشوف": "يجب على روسيا وأمريكا أن تعقد تعاونًا حاسمًا لضرب الأصولية الإسلامية".
ومن الأدلة التي يستدل بها الباحثون على تدين أمريكا وعودتها إلى المحافظة: أنها اختارت آخر رئيسين قبل "بوش" من المتدينين الأصوليين، وهم "كارتر"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
و"ريجان"، فـ "كارتر" كان ملتزمًا التزامًا صارمًا بالكنيسة الإنجيلية، ولا يزال "كارتر" إلى هذا اليوم مبشرًا ويتنقل من أفغانستان إلى الحبشة والسودان، وغير تلك البلدان مدافعًا عن التنصير ومبشرًا بالنصرانية، وهذا معروف عند كل من تتبع أخباره، فهو رجل منصر وقسيس. وقد كان "ريجان" الذي جاء بعده أيضا أصوليًّا متعصبًا. يقول عنه "مايك إيفانز" أحد زعماء الأصولية الإنجيلية: "في يناير سنة 1985 دعا الرئيس "ريجان" "جيمي بيكر" و"جيمي سواجرت" و"جيرو فلاويل" وكلهم من زعماء الأصولية، ودعاني مع مجموعة صغيرة أخرى للقائهم بصورة شخصية، لن أنسى ما قاله لنا أعرب الرئيس -أي "ريجان"- عن إيمانه بأن أمريكا على عتبة يقظة روحية قال: إني مؤمن بذلك من كل قلبي. إن الله يرعى أناسًا مثلي ومثلكم في صلاة وحب لإعداد العالم لصورة ملك الملوك وسيد الأسياد".
وكان لـ"بوش" الأب علاقة صديقة حميمية مع زعماء الأصوليين الإنجيليين وخاصة "جيروفلويل"، الذي يقول عنه "بوش": "أعتقد بكل أمانة أننا برجال من أمثال "جيري" فإن شيئًا فظيعًا كالإبادة الجماعية لليهود لن يحدث ثانية". لذلك فإن "فلويل" هذا أقام حفل غداء على شرف "بوش". وقال في الحفل: "بوش" سيكون أفضل رئيس في سنة ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين". وأما "بوش" الأب فيصف نفسه في كتابه (التطلع إلى الأمام) بأنه متدين وأن جده كان قسيسا، وأنه هو وأسرته يقرءون الكتاب المقدس كل يوم.
وأما "بوش" الابن فلا يستطيع أحد أن ينكر أنه متعصب، بالرغم من أسلوبه الذي يحاول فيه إخفاء هويته الأصولية، من نحو التظاهر بعدم كره الأديان واحترامها جميعا، والتلاعب بالمفاهيم لتحقيق مآربه الأصولية الإنجيلية، فهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
حينما يقود أعمال العنف والقمع والإبادة التي يفعلها يسميها حربا ضد الإرهاب، مع أنه يعلم كم سعت بلاده في صناعة الإرهاب، وبصماتهم في فيتنام وبغداد وأفغانستان لا تزال قابعة بآثارها القذرة. ولعل ما يقوله "بوش" الابن معلنًا أن حربه في أفغانستان حرب صليبية بدون صليب، بل ربما بهلال يدل على مدى خبث الأصولية التي انطوى عليها قلبه، ويعمل من أجلها، ولكن من شابه أباه فما ظلم، فـ "بوش" الابن كان واحدًا من أفراد البيت الأصولي، الذي كان يقول عنه "بوش" الأب: "إن جدهم كان قسيسًا وأنهم كانوا يقرءون الكتاب المقدس كل يوم".
بعض الإحصائيات عن الأصولية النصرانية الإنجيلية في أمريكا
لعله لا يخفى على أحد تزعم أمريكا للأصولية الإنجيلية في شتى مجالاتها، فهي التي تحتضن أهم قيادة دينية في العالم النصراني، ذلك هو مجلس الكنائس العالمي، مما يجعل لها قيادة روحية لا تقل قداسة عن التي لبابا الفاتيكان في روما.
ولعل ذكر بعض الإحصائيات يرسم -بصورة أكثر وضوحًا- مدى تغلغل الأصولية النصرانية في المجتمع الأمريكي، فيذكر معهد "جالوب" المتخصص في الإحصاءات أن أكثر من 94% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يؤمنون بالله، بالطبع على عقيدتهم، وأن 71% من سكانها يؤمنون بالبعث بعد الموت على العقيدة الإنجيلية، وتقول أيضًا بعض الإحصائيات أن عدد أعضاء الجسم الكنسي في الولايات المتحدة سنة 1970 كان 131 مليونًا من الأمريكان، وجميعهم ينتمون إلى الكنائس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)