Arabic source text

📘 ইত্তিজাহাত ফিকরিয়্যাহ মুআসিরাহ - জামিয়াতুল মাদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 اتجاهات فكرية معاصرة - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 ইত্তিজাহাত ফিকরিয়্যাহ মুআসিরাহ - জামিয়াতুল মাদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌دوافع المستشرقين وأهدافهم
باستطاعتنا أن نتلمس دوافع المستشرقين وأهدافهم من أعمالهم، ومما حققوه من أهداف، ومن النظرات التاريخية إلى واقع حال الدول الغربية، قبل أن تنبت فيها نابتة الاستشراق، وإلى واقع حالها بعد ذلك، كذلك من النظر إلى صلة الاستشراق بالتبشير بالنصرانية، وكذلك إلى صلته بالاستعمار.
دوافعهم وأهدافهم:
الدوافع تلتقي مع الأهداف باعتبار أن الدافع يمثل المحرض النفسي لاتخاذ الوسائل التي توصل للأهداف الغائية من العمل.
الدافع الأول: وهو الدافع الديني أو المذهبي ضد الإسلام والمسلمين: فقد عرفنا أن الاستشراق بدأ بالرهبان والقساوسة النصارى، ثم استمر بعد ذلك، ومعظم المستشرقين من رجال الكهنوت المسيحي، وكان هؤلاء مدفوعين بدافع الانتصار للنصرانية، والرغبة بتنصير المسلمين الذين اكتسحوا إمبراطوريتهم استطاع دينهم الحق أن يغلب النصرانية المحرفة في نفوس أتباعها، واتجه هؤلاء للطعن في الإسلام، وتشويه محاسنه، وتحريف حقائقه؛ بغية إقناع جماهيرهم التي تخضع لزعاماتهم الدينية بأن الإسلام دين لا يستحق الانتشار، وبأن المسلمين قوم همج، لصوص، سفاكو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي.
ثم اشتدت حاجتهم إلى هذا الهجوم في العصر الحاضر بعد أن رأوا الحضارة الحديثة قد زعزعت أسس العقيدة بالنصرانية عند الغربيين، وأخذ تشككهم بكل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم يزداد، فلم يجدوا وسيلة أجدى من تشديد الهجوم على الإسلام بصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة؛ وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى، ثم الحروب الصليبية، ثم الفتوحات الإسلامية العثمانية في أوربا بعد ذلك.
يعلمون ما تركته هذه في نفوس الغربيين من خوف شديد من قوة الإسلام، ومن كره لأهله، واستغلوا هذا الجو النفسي، وازدادوا نشاطًا في الدراسات الإسلامية، وحين قامت جمعيات التنصير ووضعت من أهدافها تحويل المسلمين عن دينهم إلى النصرانية أو اللادينية والإلحاد الكامل؛ كانت دوافع الاستشراق لدى المنصرين وأنصارهم ومؤيديهم هي دوافع التنصير نفسها، وهي تتلخص بالرغبة الملحة في سلخ المسلمين عن دينهم، ومحاولة إدخالهم في النصرانية، أو إبقائهم ملاحدة لا دين لهم، حتى يكونوا أطوع للدول النصرانية الطامعة باستعمار بلاد المسلمين واستغلال خيراتها.
ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، فهدف هذا الدافع هو إخراج المسلمين عن دينهم، فإن أمكن تنصيرهم فذاك، وإلا فإبقاؤهم لا دين لهم مطلقًا، هدف مرجوٌّ يحقق للنصارى منافع ومصالح سياسية واقتصادية واستعمارية وغير ذلك، ولإخراج المسلمين عن دينهم وسائل كثيرة منها:
أولًا: تنفير المسلمين من دينهم وحملهم على كراهيته.
ثانيًا: تشويه الإسلام والتشكيك في أسسه، وتوجيه المطاعن له.
ثالثًا: تشويه التاريخ الإسلامي وتشويه حضارة المسلمين وكل ما يتصل بالإسلام من علم وأدب وتراث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

رابعًا: نبش الحضارة القديمة وإحياء معارفها، وبعث الطوائف الضالة والحركات الهدامة القديمة.
خامسًا: تزيين ما في المسيحية من تعاليم وأحكام.
سادسًا: استدراج المسلمين للأخذ بالحضارة المادية الحديثة وبما فيها من مغريات للنفوس، ومرضيات للأهواء، وآسرات للشهوات، وباهرات للنظر.
سابعًا: الادعاء بأن الفقه الإسلامي مقتبس من القانون الروماني.
ثامنًا: الدعوة إلى نبذ اللغة العربية وتبديل طريقة كتابتها إلى غير ذلك من أهداف.
الدافع الثاني من دوافع الاستشراق: وهو الدافع الاستعماري: فالصليبيون لم ييأسوا بعد هزيمتهم في الحروب الصليبية من العودة إلى احتلال بلاد العرب وسائر بلاد المسلمين، فاتجهوا لدراسة هذه البلاد في كل شئونها من عقيدة وعادات وأخلاق، وثروات وتاريخ، وغير ذلك مما يتعلق بها من جغرافية وسكان؛ بغية أن يتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، وإلى مواطن الضعف فيغتنموها. ثم لما تم لهم الاستيلاء العسكري السيطرة السياسية كان من دوافع الدراسات الاستشراقية الرغبة بإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين، وبث الوهن والارتباك في تفكيرهم، وكان لهم في ذلك وساوس كثيرة، تسللوا بها إلى نفوس أبناء المسلمين، ومن هذه الوساوس ما يلي:
1 - التشكيك بفائدة ما في أيدي المسلمين من تراث، وما عندهم من عقيدة وشريعة وقيم إنسانية، والغرض من ذلك أن يفقد المسلمون ثقتهم بأنفسهم، وأن يرتموا في أحضان الغرب يستجدون منه المقاييس الأخلاقية، والمبادئ والعقائد، والحلول لمشاكلهم الحياتية، والعادات والتقاليد، وأنواع السلوك؛ ليتم للغرب بذلك إخضاع المسلمين لحضارته وثقافته إخضاعًا كاملًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

2 - إحلال مفاهيم جديدة أو إحياء مفاهيم جاهلية ماتت منذ تمكن الإسلام من قلوب المسلمين كالقوميات الفرعونية، والفينيقية، والآشورية، والعربية، والكردية، والتركية، والفارسية، ونحو ذلك يتسنى لهم تشتيت شمل الأمة الإسلامية الواحدة التي تجمعها رابطة واحدة، هي وحدة الدين الذي يُهيمن على جميع مشاعر الإنسان الداخلية، وسلوكه الظاهر. وللاستشراق الذي يقوم به الشيوعون دافع مشابه، وهو دافع يطمع بالتسلط الكامل على بلاد المسلمين، ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، فهدف هذا الدافع هو السيطرة على بلدان العالم الإسلامي، وعلى الشعوب الإسلامية؛ طبعًا باستغلال الأرض واستعباد الناس والسيطرة على كل شيء، لتحقيق أهواء النفوس وشهواتها، وأن يكون لهم العلو في الأرض.
أنتقل الآن للحديث عن الدافع الثالث من دوافع الاستشراق وهو الدافع الاقتصادي: فمن الدوافع التي حرضت كثيرًا من الغربيين على الدراسات الشرقية الاستشراقية رغبتهم بغزو البلاد الإسلامية غزوًا اقتصاديًّا، يهدفون فيه إلى الاستيلاء على الأسواق التجارية والمؤسسات المالية المختلفة، وكذلك الاستيلاء على الثروات الأرضية، واستغلال الموارد الطبيعية والحصول عليها بأبخس الأثمان، وإماتة الصناعات المحلية القديمة؛ لتكون بلاد المسلمين بلاد استهلاك لما تصدره المصانع الآلية الغربية، وضمن هذا الدافع وجهت المؤسسات الاقتصادية الغربية.
وضمن هذا الدافع وجهت المؤسسات الاقتصادية الغربية من يهتمون بالدراسات الاستشراقية، ليكونوا وسطاءهم ورسلهم، ومستشاريهم، والمترجمين لهم في مهماتهم، ومطالبهم الاقتصادية، أو أبدت استعدادها لاستخدام من يعمل لهم في هذا المجال، فاتجه فريق من الغربيين لهذه الدراسات؛ طمعًا بأن يجدوا أعمالًا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

لهم لدى المؤسسات الاقتصادية، وظهر أيضًا فريق من الباحثين العلميين اهتم بالدراسات الاستشراقية؛ ليقوم بنشر كتب التراث الإسلامي، والاستفادة من نشرها في تحصيل الثروات التي يحصل عليها الناشرون عادة، وهكذا صارت الدراسات الاستشراقية وسيلة من وسائل كسب المال لكثير من المستشرقين.
ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، فهدف هذا الدافع تحصيل الأموال والمطامع الاقتصادية.
الدافع الرابع من دوافع الاستشراق: وهو الدافع السياسي: فبعد تحرر البلاد الإسلامية من الاستعمار رأت الدوائر الاستعمارية أن حاجتها السياسية تقتضي أن يكون لها في قنصلياتها، وسفاراتها، ومندوبها في الأمم المتحدة، وسائر المؤسسات الدولية من لديهم زاد جيد من الدراسات الاستشراقية؛ ليقوم لهم هؤلاء بمهمات سياسية متعددة مرتبطة بالشعوب الإسلامية، وبلدان العالم الإسلامي. ومن هذه المهمات الاتصال بالسياسيين والتفاوض معهم لمعرفة آرائهم واتجاهاتهم، والاتصال برجال الفكر والصحافة للتعرف على أفكارهم وواقع بلادهم، وكذلك بثُّ الاتجاهات السياسية التي تريدها دولهم فيمن يريدون بثها فيهم، وإقناعهم بها، وكذلك الاتصال بعملائهم وأجرائهم الذين يخدمون أغراضهم السياسية داخل شعوب الأمة الإسلامية، وكم بث حاملو هذا الدافع في شعوب المسلمين من أفكار، وكم دسوا من دسائس، وكم استخدموا من أجراء لإثارة الفتن، وإقامة ثورات وانقلابات عسكرية، إلى غير ذلك من أعمال.
من خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع أن نعرف الهدف الغائي المرتبط به، وهدف هذا الدافع هو تحقيق غايات سياسية تريد تحقيقها الدول الموجهة لهذا النوع من الدراسات؛ لتسيير دول العالم الإسلامي في أفلاكها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

الدافع الخامس من دوافع الاستشراق: وهو الدافع العلمي النزيه: وهذا يُعد في المستشرقين قليل جدًّا، فمن المستشرقين نفر قليل جدًّا أقبلوا على الدراسات الاستشراقية بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم، وأديانها، وثقافاتها، ولغاتها، وكان هؤلاء النفر من المستشرقين أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه؛ لأنهم لم يكونوا يتعمدون أن يدسوا أو يحرفوا، لذلك جاءت بحوث هؤلاء أقرب إلى الحق، وهي المنهج العلمي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة من المستشرقين؛ بل منهم من اهتدى بدراسته إلى الإسلام، وآمن به، وانتمى إلى الأمة الإسلامية على أن هؤلاء قلما يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الدراسات الاستشراقية بأمانة وإخلاص؛ لأن أبحاثهم مجردة عن الهوى الجانح، لا تلقى رواجًا، لا عند رجال الدين، ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين الغربيين؛ بل كثيرًا ما يتعرض هؤلاء للمضايقات ومقاومات شديدة من قبل رجال الدين، ورجال السياسة في بلدانهم.
ولما كان الاستشراق النزيه الراغب بالبحث العلمي الحيادي المتجرد عن الهوى الجانح لا يُدر على مرتاديه مكاسب ومغانم؛ كان من الطبيعي أن يندر هؤلاء المرتادين في أوساط المستشرقين.
من خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، وهدف هذا الدافع هو إشباع النهم العلمي المتجرد، وتحصيل معرفة صحيحة تتصل بأمة ذات علم وحضارة أصيلة، وهؤلاء مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق، إما لجهلهم بأساليب اللغة العربية، وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها، فيتصورونها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

كما يتصورون مجتمعاتهم ناسين الفروق الطبيعية، والنفسية، والزمنية التي تفرق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها، وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها.
ومن هؤلاء من يعيش بقلبه وفكره في جو البيئة التي يدرسها، ويأتي بنتائج تنطبق مع الحق والصدق والواقع، ولكن هؤلاء يلقون عنتًا من سائر المستشرقين؛ إذ سرعان ما يتهمونهم بالانحراف عن المنهج العلمي، أو الانسياق وراء العاطفة، أو الرغبة في مجاملة المسلمين، والتقرب إليهم، كما فعلوا مع توماس أرنولد حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم (الدعوة إلى الإسلام)، وقد برهن فيه على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين على عكس مخالفيهم معهم، وهذا الكتاب الذي يُعتبر من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام يطعن فيه المستشرقون المتعصبون؛ بأن مؤلفه كان مندفعًا بعاطفة قوية من الحب والعطف على المسلمين، مع أنه لم يذكر فيه حادثة إلا أرجعها إلى مصدرها.
ومن هؤلاء من يؤدي به البحث الخالص لوجه الحق إلى اعتناق الإسلام، والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيين، كما فعل المستشرق الفرنسي الفنان دينيه، الذي عاش في الجزائر فأعجب بالإسلام، وأعلن إسلامه، وتسمى باسم ناصر الدين دينيه، وألف مع عالم جزائري كتابًا عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وله كتاب أشعة خاصة بنور الإسلام بيَّن فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله، وتوفي هذا المستشرق المسلم في فرنسا ونُقل جثمانه إلى الجزائر ودفن فيها.
ومنهم أيضًا المستشرق عبد الكريم جرمانوس، وهو عالم مجري اعتنق الإسلام في الهند، وتوفي سنة 1979، وكان يتمنى أن يعيش مائة عام؛ لأنه كما يقول أن اللغة العربية تحتاج إلى مائة سنة لفهمها، وكان عضوًا في المجمع اللغوي في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

القاهرة، وأحب الإسلام واللغة العربية وخدمهما، وألف أكثر من مائة وخمسين كتابًا عن الإسلام منها كتاب (الله أكبر)، وكتاب (الحركات الحديثة في الإسلام)، وكتاب (شوامخ الأدب العربي)، وكتاب (معاني القرآن)، ومنهم الطبيب الفرنسي موريس بوكاي صاحب كتاب (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) الذي أثبت فيه موافقة ما جاء في القرآن لأحدث الحقائق العلمية التي توصل إليها الناس بوسائلهم، بخلاف ما في الكتب التي يزعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنها مقدسة.

‌‌مجالات أنشطة المستشرقين، وأخطر وسائلهم الفكرية، والعلاقة بين الاستشراق والتنصير
قد تخصص المستشرقون في مجالات الأنشطة المعرفية والتوجيهية العليا، منها التعليم الجامعي، والمؤسسات العالمية لتوجيه التعليم والتثقيف، والوظائف الاستشارية العليا للدول الغربية، تأليف وإصدار الكتب والموسوعات العلمية، إصدار المجلات الثقافية، وعقد المؤتمرات، وإلقاء المحاضرات العلمية، وعقد الندوات وغيرها، وقد تفرغ منهم مجموعات متعددة؛ لأداء المهمات الاستشراقية في كل مجال من المجالات ومن هذه المجالات:
أولًا: كراسي الدراسات الإسلامية والعربية والشرقية بوجه عام في الجامعات الغربية، وتُتخذ هذه الكراسي بؤرة لاصطياد أبناء الشعوب الإسلامية، والتأثير عليهم فكريًّا وسلوكيًّا ونفسيًّا، ومن المجالات أيضًا تأسيس الجامعات العلمية في بلدان العالم الإسلامي خاصة، وبلدان الشرق عامة؛ لتخريج أجيال منسلخة من إسلامها، ومستعدة لتقبل المذاهب الفكرية المعاصرة الوافدة، ولكل ما يلقى إليها من أفكار ومبادئ، مثل كلية بغداد، والجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأمريكية في مصر، والجامعة الأمريكية في تركيا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

ومن المجالات أيضًا إنشاء الموسوعات العلمية الإسلامية والشرقية بوجه عام، التي تتناول الشرقيات من جميع جوانب المعرفة، واتخاذ هذه الموسوعات وسيلة لدس الأفكار الاستشراقية السامة، التي يريدون دسها، وإقناع أجيال الشعوب الإسلامية بها مثل: الموسوعة الإسلامية التي أصدرها المستشرقون بعدة لغات، فقد حشد لها كبار المستشرقون، وأشدهم عداء للإسلام، ودس فيها السم بالدسم، ونثرت فيها أباطيل كثيرة عن الإسلام والمسلمين، ومن المؤسف أنها مرجع لكثير من المثقفين من المسلمين؛ إذ يعتبرونها حجة فيما تورده من معارف حول قضايا إسلامية هي فيها غير نزيهة، لأن كتابها منحازون ضد معظم قضايا الإسلام والمسلمين.
ومن المجالات أيضًا عقد المؤتمرات الاستشراقية، وإصدار المجلات الخاصة ببحوثهم حول الإسلام والمسلمين وشعوب الشرقية.
أخطر وسائل المستشرقين الفكرية:
وأخطر وسائل المستشرقين هو التشكيك وإلقاء الشبهات والمغالطات، وتزيين الأفكار البديلة، وافتراء الأكاذيب، ودس السموم الفكرية بخفاء وتدرج، وترجع الوسائل الفكرية الرئيسية التي استخدمها المستشرقون؛ لهدم الإسلام، وتجزئة المسلمين، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية، وتشويه حاضرها، وخداع أجيال هذه الأمة؛ لنبذ الإسلام، واتباع مناهج وأساليب الحضارة المادية المعاصرة، وترجع هذه الوسائل إلى الأصول التالية:
أولًا: التشكيك في مصادر الدين الإسلامي وصحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: إلقاء الشبهات حول أحكام الإسلام التشريعية ومصادرها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)

ثالثًا: المغالطات.
رابعًا: تزيين الأفكار البديلة.
خامسًا: افتراء الأكاذيب واختراع التعليلات والتفسيرات الباطلة.
سادسًا: التلطف في دس السموم الفكرية بصورة خفية ومتدرجة حتى يبتلعها المغزوون، وهم لا يشعرون قد يأخذونها وهم فرحون بحلاوة ما يرافقها، ونلاحظ في مكتوباتهم حول الإسلام والمسلمين ما يلي:
- التشكيك في صحة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وجمهور المستشرقون ينكرون أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا أوحى الله إليه، وأنزل عليه كتابًا من لدنه، ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحابه؛ لاسيما عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى صرع كان ينتاب النبي حينًا بعد حين، ومنهم من يرجعه إلى تخيلات كانت تملأ ذهن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يفسرها بمرض نفسي إلى غير ذلك.
- ويتبع التشكيك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إنكارهم كون القرآن كتابًا منزلًا عليه من عند الله عز وجل، وإذ أنكروا رسالة محمد؛ لزمهم أن يعلنوا بأن الإسلام ليس دينًا منزلًا من عند الله، وإنما هو ملفق من الديانتين اليهودية والنصرانية، وهم في هذا يخبطون خبط عشواء؛ إذ لا يملكون أي مستند يؤيده البحث العلمي السليم، جُل ما يملكونه ادعاءات تستند إلى وجود نقاط التقاء بين الإسلام، والديانتين السابقتين، الأمر الذي يرجع في حقيقته إلى وحدة الرسالات الربانية في أصولها الصحيحة.
- وأيضًا يشككون في صحة الحديث النبوي الشريف الذي اعتمده علماء المسلمين المحققون، ويتذرعون بما دخل على الحديث النبوي من وضع، ودس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)

متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماء المسلمين؛ لتنقية الحديث الصحيح مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري، مما لم يُعهد عندهم في دياناتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم. وأيضًا يشككون في قيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع العظيم الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور، وقد سقط في أيديهم حين اطلاعهم على عظمته، وهم لا يؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا بدًّا من الزعم بأن هذا الفقه مستمد من القانون الروماني أي: أنه مستمد من الغربيين.
قد بين علماء المسلمين الباحثون تهافت هذه الدعوى، وفيما قرره مؤتمر الفقه المقارن المنعقد بلاهاي بأن الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته، وليس مستمدًّا من أي فقه آخر ما يفحم المتعنتين منهم، ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلًا.
العلاقة بين الاستشراق والتنصير فالعلاقة بين الاستشراق والتنصير علاقة وثيقة وفي غاية المتانة، ذلك إن الاستشراق هو الرافد الآخر للتنصير، كلاهما ينبعثان من الكنيسة؛ فهم -كما بينا- جميعًا قساوسة كلهم يخدمون الكنيسة على حد سواء. وتتركز مهمة الجميع في هدم الإسلام، أو تشكيك أهله فيه، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية ونبيها العظيم، وجعل العالم الإسلامي مناطق نفوذ للغرب، ولهذا يلقى المستشرقون الدعم بسخاء من كافة الدول الكبرى التي تتطلع إلى العودة؛ لاستعمار الدول الإسلامية من جديد. وقد أقامت لهم مختلف الجماعات بدراسة كيفية التنصير والاستشراق؛ للتغلغل إلى ديار المسلمين، وإلى قلوبهم، وإلى استعمال بلدانهم، وإيجاد المبررات لذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)

فمن هنا ينبغي التنبه لمغالطتهم في زعمهم أن الاستشراق هو غير التنصير، وأن الاستشراق يخدم الثقافة بعيدة عن التأثر بأي معتقد، وقد عرفنا أن الغرض الحقيقي لدعاة التنصير هو الرغبة في إدخال الناس النصرانية، فلا ريب أن من صدق هذا فقد جانب الحقيقة. نعم، قد تختلف الوسائل بين المنصرين والمستشرقين لكنها في النهاية تصبُّ في مكان واحد.
الفرق بين المستشرقين والمنصرين في الوسائل:
يقول الدكتور محمد البهائي: "إن الاستشراق أخذ صورة البحث العلمي، وادعى لبحثه الطابع العلمي الأكاديمي، أما دعوة التنصير فقد بقيت في حدود مظاهر العقلية العامة أي: العقلية الشعبية، أينما استخدم الاستشراق الكتاب والمقال في المجلات العلمية، وكرس التدريس في الجامعة، والمناقشة، والمؤتمرات العلمية العامة؛ فقد سلك التنصير طريق التعليم المدرسي في دور الحضانة، ودور الأطفال، والمراحل الابتدائية والثانوية للذكور والإناث على السواء، كما سلك سبيل العمل الخيري الظاهري في المستشفيات، ودور الضيافة، والملاجئ للكبار، ودور اليتامى واللقطاء.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)

‌‌الدرس: 17 الاستشراق (2).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(الاستشراق (2))

‌‌موازين البحث عند المستشرقين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الاستشراق:

جمهور المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلامية يعتمدون على ميزان غريب بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي، فمن المعروف أن العالم المخلص يتجرَّد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه، يتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، وما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة المحتمة التي ينبغي له اعتمادها والأخذ بها، إلا أن أغلب هؤلاء المستشرقين يضعون في أذهانهم فكرة معينة يريدون تصيد الأدلة لإثباتها، وحين يبحثون عن هذه الأدلة لا تهمهم صحة هذه الأدلة، بمقدار ما يهمهم إمكان الاستفادة منها؛ لدعم آرائهم الشخصية.
كثيرًا ما يستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية، ومن هنا يقعون في مفارقات غريبة لولا الهوى والغرض المريض لربئوا بأنفسهم عنها، وكثيرًا ما يعتمدون على الوهم المجرد لتفسير الأمور، ويقيسون المسلم الذي يؤمن بالله ويخشاه على الذين لا تردعهم روادع دين، ولا خلق قويم، ويعتبرون أن كل سلوك المسلمين أفرادًا وجماعات لا بد أن يفسر بالأغراض الشخصية، والنوازع النفسية الدنيوية، وفيما يلي طائفة من الأمثلة التي تكشف موازين البحث عند المستشرقين حينما يكتبون في الإسلام، وتاريخ المسلمين.
فمثلًا في محاولة المستشرق جولد سيهر لإثبات زعمه بأن الحديث في مجموعه في صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وليس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ادَّعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم كان لاصقًا بكبار الأئمة، وقد حشد لذلك بعض

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)

الروايات الساقطة المتهافتة، مثلًا من ذلك ما نقله عن كتاب (حياة الحيوان) للدميري من أن أبا حنيفة رحمه الله لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر قبل أحد، أم كانت أحد قبلها.
ومما لا شك فيه أن أقل الناس اطلاعًا على التاريخ يرد مثل هذه الرواية، فأبو حنيفة وهو من أشهر أئمة الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثًا مستفيضًا، وذلك في فقهه الذي أُثر عنه وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه -كأبي يوسف ومحمد- من غير المتصور بحال من الأحوال أن يكون الإمام جاهلًا بوقائع سيرة الرسول ومغازيه، وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب، ويكفي ذكر كتابين في فقهه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي في الإسلام: أول هذين الكتابين (باب الرد على سير الأوزاعي) لأبي يوسف رحمه الله، وثانيهما كتاب (السير الكبير) لمحمد بن الحسن رحمه الله، وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية، وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات، وفي هذيْن الكتابين يتضح إلمام تلامذة الإمام وهم حاملو علمه بتاريخ المعارك الإسلامية في عهد الرسول، وعهد خلفائه الراشدين.
وجولد سيهر لا يخفى عليه أمر هذين الكتابين، وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أو حنيفة جاهلًا بالسيرة أو عالمًا بها من غير أن يلجأ إلى رواية الدميري في كتابه (الحيوان) وهو ليس مؤرخًا، وكتابه ليس كتاب فقه، ولا تاريخ؛ وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه من غير بحث عن صحتها، ولا يخفى ما كان بين أبي حنيفة ومعاصريه ومقلديه من بعدهم من خصومة في المنهج الاجتهادي الذي اعتمده، قد كانت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)

هذه الخصومة مادة دسمة لرواة الأخبار ومؤلفي كتب الحكايات والنوادر لنسبة نوادر وحكايات، منها ما يرفع من شأن أبو حنيفة، ومنها ما يضع من سمعته، وأكثرها ملفق مختلق. موضوع للمسامرة والتندر من قبل محبيه أو كارهيه على السواء، الأمر الذي يجعلها عديمة القيمة العلمية في نظر العلماء والباحثين.
وجولد سيهر أعرض عن كل ما دُوِّن من تاريخ أبي حنيفة تدوينًا علميًّا ثابتًا، واعتمد رواية مكذوبة ليدعم بها ما تخيله من أن السنة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، وكذلك أعرض عما أجمعت عليه كتب الجرح والتعديل، وكتب التاريخ من صدق الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله، وورعه، وأمانته، ودينه، وزعم أن الزهري لم يكن كذلك، بل كان يضع الحديث للأمويين، وهو الذي وضع حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) لعبد الملك بن مروان، وكل حجته أن هذا الحديث من رواية الزهري، وأن الزهري كان معاصرًا لعبد الملك بن مروان.
يحاول المستشرقون أن يؤكدوا تعالي العرب الفاتحين عن المسلمين الأعاجم، وانتقاصهم من مكانتهم، وغرض المستشرقين من هذا إفساد قلوب المسلمين من غير العرب على المسلمين من العرب لإقامة الحواجز القومية بينهم.
يقول المستشرق بروكلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية): "وإذا كان العرب يؤلفون طبقة الحاكمين فقد كان الأعاجم من الجهة الثانية هم الرعية" أي: القطيع وجمعها رعايا كما يدعوهم، وهو تشبيه سام قديم كان مألوفًا حتى عند الآشوريين. قد تجاهل بروكلمان جميع الوثائق التاريخية التي تؤكد عدالة الفاتحين المسلمين، ومعاملتهم أفراد الشعب على السواء من غير تفرقة بين عربي وغيره، وتعلق بلفظ الرعية تعلقًا لغويًّا، واستنتج منها أن المسلمين نظروا إلى الأعاجم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)

نظر القطيع من الغنم، ولو رجعنا إلى مادة رعى في قواميس اللغة وجدناها تقول كما يلي: الراعي الوالي، والرعية العامة، ورعى الأمير رعيته رعاية، وكل من ولي أمر قوم فهو راعيهم وهم رعيته؛ فالراعي في اللغة يُطلق على رئيس القوم وولي أمرهم، كما يطلق على راعي الغنم، والرعية تطلق في اللغة على القوم، ومن معاني الرعاية الحفظ والإحسان.
فإطلاق لفظ الرعية على القوم وضع لغوي، ولم يجعل المسلمون إطلاق هذه الكلمة خاصًّا بالأعاجم، بل إطلاقها شامل لكل الناس عربًا كانوا أو عجمًا، تبعًا للوضع اللغوي. في ذلك أحاديث كثيرة معروفة منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: ((ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)).
فكيف أغمض بروكلمان عينيه عن هذا كله، واستجاز لعلمه أن يدعي بأن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع، وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ الرعية؟! أليس هذا خيانة علمية وتضليلًا مكشوفًا؟! أين ادعاؤه هذا من النصوص الكثيرة التي ألغت الفوارق القومية، والعرقية، واللونية، وجعلت المسلمين جميعًا سواسية في الحقوق العامة.
ومن الأمثلة أن المستشرقين يفرطون في اختراع العلل والأسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعًا ليس له سند إلا التخيل والتحكم، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا أنهم يتخيلون أحداث الشرق والعرب والمسلمين وعاداتهم وأخلاقهم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)

بأوهامهم وخيالاتهم الغربية البعيدة عن واقع حال الشرق والعرب المسلمين؛ لا يريدون أن يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها وأذواقها وعاداتها، وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم ناصر الدين دينيه في حديثه عن أسلوب المستشرقين وموازينهم في الحكم على الأشياء، مما جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضًا واضحًا في الحكم على شيء واحد. كل ذلك لأنهم حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوروبية، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا؛ لأن هذا غير هذا، ولأن المنطق الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين.
ثم قال: إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب الأوربي البحت لبثوا ثلاثة أرباع قرن؛ يدققون ويمحصون بزعمهم، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيهم، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة، والروايات المشهورة من السيرة النبوية … فهل تسنى لهم شيء من ذلك؟:
- الجواب: أنهم لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد، بل إذا أمعنا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون من فرنسيين، وإنجليز، وألمان، وبلجيكيين، وهولنديين، وغيرهم لا نجد إلا خلطًا وخبطًا، فإنك لترى كل واحد منهم يقرر ما نقضه غيره من هؤلاء المدققين بزعمهم، أو ينقض ما قرروه.
إذا أردنا تلخيص موازين البحث عند المستشرقين في الموضوعات الإسلامية نجد ما يلي:
أولًا: تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلمين والتعصب الأعمى للنصرانية وللشعوب والأمم المنتمية إليها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)

ثانيًا: وضع الفكرة مقدمًا ثم البحث عن أدلة تؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية، ولو اضطرهم الأمر إلى اعتماد أسلوب المغالطات والأكاذيب، واقتطاع النصوص، وهذا عكس المنهج العلمي الاستدلالي السليم.
ثالثًا: تفسير النصوص والحوادث والوقائع والنيات والغايات تفسيرات لا تتفق مع دلالاتها، وأماراتها الحقيقية، ولا مع النتائج التي أثبتها تاريخ الأمة الإسلامية.
رابعًا: تضخيم الأخطاء الصغرى وجعلها تطغى على ساحة صورة تاريخ المسلمين، وطمس الصور الرائعة المشرقة لهذا التاريخ.
خامسًا: تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أمة مهما عظمت كمالاتها، ووضعها في صورة واحدة، وتقديمها على أنها هي كل صورة تاريخ المسلمين.
سادسًا: تصيد الشبهات التي يُشتبه وجه الحق فيها على كثير من الناس، ولا يستبين لهم ما لم يمتنحوها بالتجارب الطويلة، إثارة الانتقادات حولها، وتحريك الذوابع المملوءة بالغبار وما تحمله، وفي ذلك يستغلون أنانيات النفوس وأهوائها وشهواتها، ويستغلون شعارات خادعات براقة المظهر، زخرفية القول كشعار حرية المرأة.
سابعًا: اعتماد ما يوافق هواهم من كل خبر ضعيف، ورأي مردود شاذ، وقول ساقط لا سند له من عقل ولا نقل صحيح.
ثامنًا: رفض الحق بالنفي المجرد الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم.
تاسعًا: تفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالمنظار الذي يفسرون به التاريخ الغربي، والحضارة الغربية مع تباين الواقعين عقيدة ونظامًا وشريعة وبيئة ودوافع تباين كليًّا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)

عاشرًا: استنباط القواعد الكلية العامة من الحوادث الفردية الجزئية التي لا يصح منطقيًّا تعميمها.
الحادي عشر: الاعتماد على الوهم المجرد لتفسير الأمور والوقائع.
الثاني عشر: قياس المؤمن المسلم الذي يخشى الله على الذين لا تردعهم روادع دين ولا خلق.

‌‌الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين
فقد رافق جهود المستشرقين فتنة المسلمين بالحضارة المادية الغربية، ووقوع المسلمين فريسة خطط التحويل عن طريق برامج التعليم ومناهجه، وأساليبه، ومضامينه في كل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية، والعلوم الدينية والعربية، وكذلك فتنة المسلمين بالشهادات التي تمنحها الجامعات الغربية؛ لا سيما شهادات الماجستير والدكتوراه.
يُضاف إلى ذلك غزو آخر ماكر جمع الجامعات في بلاد المسلمين تحصل المراتب العلمية فيها بحملة هذه الشهادات العليا، بل وتؤثر وتقدم حامليها من الجامعات الغربية على حامليها من الجامعات الإسلامية. ووضعت بهذا الغزو الماكر شروطًا خاصة وشكليات معينة للتدريس في هذه الجامعات، وهذه الشروط والشكليات تحجب عن التدريس فيها الذين لا يحملون الشهادات العليا مهما كانوا على درجة كبيرة من العلم، وتدفع إلى احتلال مراكز التعليم ونيل الألقاب الكبيرة من حملة هذه الشهادات، وإن كانوا فارغين من العلم ومحرومين من الإخلاص لدينهم وأمتهم، مع أن الشهادات العليا الجارية على أصولها دون غش ولا تزوير إنما هي أول الطريق الذي يهيئ للدارس الجاد وسائل متابعة المعرفة، فإما أن يبدأ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)