Arabic source text

📘 ইত্তিজাহাত ফিকরিয়্যাহ মুআসিরাহ - জামিয়াতুল মাদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 اتجاهات فكرية معاصرة - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 ইত্তিজাহাত ফিকরিয়্যাহ মুআসিরাহ - জামিয়াতুল মাদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الدارس بعمله الذاتي تكوين نفسه بالبحث الجاد الدءوب، وإما أن يجعل الشهادة غاية ينتهي عندها ويقف عند حدودها.
وقد أعلن هذه الحقيقة البروفيسور أرنولد لون إذ يقول: "إن عصرنا هو عصر عقدة الشهادات، فالماجستير والدكتوراه أصبحت غاية في حد ذاتها لشبابنا، ولكن كل ينسى هذه الحقيقة، وهي أن الماجستير والدكتوراه ما هي إلا حروف الأبجدية الأولى لبداية المعرفة، والمعرفة لا يمكن تخزينها في زجاجة الماجستير أو الدكتوراه إن هذه لنظرة مزيفة، جامعاتنا هي فقط مؤسسات علمية لإعداد الطلبة؛ ليتعرفوا على كيفية التحصيل العلمي والمعرفة، قد أدرك المنصرون والمستشرقون عقدة الشهادات في البلاد الإسلامية، فوجهوا توصيتهم للجامعات الغربية بشراء من يستطيعون شراءه من أبناء المسلمين بالشهادات …
فقد جاء في كتاب (المشكلة الشرقية) ما يلي: لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تمامًا، ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية، فيجب أن تختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة، والشخصية الممزقة، والسلوك المنحل من الشرق، ولاسيما من البلاد الإسلامية، وتمنحهم المنح الدراسية حتى تبيع لهم الشهادات بأي سعر؛ ليكونوا المبشرين المجهولين لنا لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبوا إليه في البلاد الإسلامية، إن اعتقادي لقوي -والكلام لا زال للكاتب- بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالًا تامًّا من جانبنا؛ لتستفيد من جنون الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات، واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا، ومآربنا باسم تهذيب المسلمين والإسلام، وهكذا.
تحت كل هذه المؤثرات المتعددة اندفع فريق من أبناء المسلمين إلى الجامعات الغربية لنيل شهادة الماجستير والدكتوراه في مختلف العلوم، بما في ذلك العلوم الدينية،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)

والعلوم العربية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والتي أولاها المستشرقون عناية خاصة؛ لجعلها شبكة مقنعة لاصطياد أبناء المسلمين، وبنائهم بناء جديدًا يجعلهم يخدمون أغراض الاستشراق وأغراض التنصير والاستعمار في أفكارهم، ومفاهيمهم، وفي أعمالهم، وتنظيماتهم داخل بلاد المسلمين، من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، ويمنحونهم الشهادات العليا، والألقاب العلمية الكبيرة لأقل بحث يكتبونه في غير العلوم البحتة، ويربطون من يربطون منهم بوسائلهم الكثيرة الموصولة بأجهزتهم المستورة، ويعودون إلى بلادهم وقد امتلأت نفوسهم غرورًا؛ يضاف إلى ذلك ما تعرضوا إليه من تحول في السلوك ضمن البيئات الغربية التي أقاموا فيها خلال فترة التحصيل، وافتتان بمظاهر الحضارة المادية التي شاهدوها.
وقد سقطت معظم الجامعات المنشأة في بلاد المسلمين تحت هذه الأيدي الخفية للاستشراق والتنصير والدوائر الاستعمارية، وغدت خططها ومناهجها وتوجيهاتها تخضع بطريق مباشر أو غير مباشر لما تفرضه، وتمليه هذه الأيدي الخفية، وغدت الكنيسة الغربية تفخر بأن العلوم الإسلامية والعلوم العربية يدرس على طريقتها التي تخدم أغراضها في بلاد المسلمين، وتفاخر بأن المشرفين على تدريس هذه العلوم من تلامذة أبنائها. وأي انتكاس أقبح من هذا الانتكاس أن يتعلم المسلمون دينهم ولغاتهم وفق طرائق أعدائهم وأعداء دينهم، هل يقبل اليهود والنصارى أن يتعلموا أصول دياناتهم وفروعها على أيدي علماء المسلمين، وأن يأخذوا منهم الشهادة بذلك؟ فما بال المسلمين يسقطون في هذا الانتكاس الشائن.
إن الاستعمار المادي المباشر أهون من هذا اللون من ألوان الاستعمار، الذي وصل إلى القاعدة الكبرى التي تقوم عليها الأمة الإسلامية، وهي قاعدة دينها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)

وعلومها المتصلة بهذا الدين. وقد تأثر كثيرون من الذين درسوا في الجامعات الغربية من أبناء المسلمين بدراسات المستشرقين، وانخدعوا بأساليبهم، وأخذوا يرددون شبهاتهم، ويروجون لها بين المسلمين؛ بل ويعتبرونها حقائق علمية مسلمًا بها، وأخذوا يعلمون طلابهم من المسلمين ويكتبون فيها المؤلفات العديدة، وتعمل الدوائر الاستعمارية على ترويج هذه الكتب ودعم مؤلفيها، ودفعهم بأيد خفية إلى أعلى مراكز الإدارة والتوجيه داخل بلادهم؛ للاستفادة منهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار، وفي تهديم الإسلام وتشويه تاريخ المسلمين.
وغدا كثير من الكتاب في العلوم الإسلامية وفي التاريخ الإسلامية، وفي اللغة العربية لا يرجع إلا إلى ما كتبه المستشرقون، ويعتبرون ذلك أفضل المصادر التي يرجعون إليها. أما المصادر الإسلامية فلا يكلفون نفوسهم عناء الرجوع إليها، ولا البحث فيها؛ ثقة عمياء بما كتبه المستشرقون، أو خدمة مأجورة لما توجههم له الدوائر الاستعمارية، وأجهزة الاستشراق، وجمعيات التنصير.
ومن غريب الأباطيل التي يروجها المستشرقون ما ذكره الأستاذ الدكتور وصفي أبو مغلي عن صديقه وأستاذه الدكتور بحر محمد بحر، وهو سوداني ويعمل مدرسًا في جامعة عين شمس في مصر، أنه حينما كان يدرس في انجلترا قال أحد المدرسين وهو يتحدث عن الحضارة الإسلامية: "كان إله محمد الناقة التي كان يركبها، والدليل على ذلك أنه حينما هاجر للمدينة ودعاه أهلها للنزول عندهم قال لهم: دعوا الناقة حيث تبرك"؛ فاستدل من ذلك على أنه كان يعبد الناقة ويتلقى منها الوحي، هل يحتاج مثل هذا التضليل إلى تعليق؟!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)

‌‌مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالهما
وقد كان مما كتبه الأستاذ إبراهيم خليل أحمد في كتابه (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي) ذكر بعض المقارنات وهو من أهل الذكر قد كان قسيسًا وعاملًا في مضمار التبشير بالمسيحية بين المسلمين، ثم هداه الله إلى اعتناق الإسلام، فهو ذو خبرة مباشرة بالعمل التنصيري، وعلى اطلاع حسن بأعمال المستشرقين وأهدافهم، وقد كشف بعد اعتناقه الإسلام كثيرًا من الحقائق التي يعرفها، وقدم بها شهادة عارف خبير، وقد قال من بين ما قال:
أولًا: أن التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم الاستعمار، وعملاء التبشير والاستشراق عملاء الاستعمار وخدام لسياسته، وإن ظهروا بوجوه مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد منه.
ثانيًا: تقاسم التبشير والاستشراق والاستعمار جوانب الأعمال المقررة في الخطة العامة لغزو الإسلام والمسلمين، وديار الإسلام، فحمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية، وادَّعى لنفسه ولبحثه الطابع العلمي العالي، استخدم الكتابة والتأليف، وإلقاء المحاضرات والمناقشات في المؤتمرات العلمية العامة، وحمل التبشير أعباء الدعوة الجماهيرية في حدود مظاهر العقلية العامة، التي تتناسب مع مفاهيم الجماهير، واستخدم التبشير وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة وغيرها.
ثالثًا: استطاع الأمريكيون تحت لواء الامتيازات الممنوحة للأجانب، وباسم الصداقة للشعوب الآسيوية الأفريقية أن يغزو آسيا وأفريقيا بوفود المبشرين والمستشرقين، واستطاعوا بأموالهم أن يؤسسوا لهم مراكز تبشيرية وعلمية كثيرة في العالم الإسلامي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)

رابعًا: يسير العمل التبشيري في البلاد التي تتمتع باستقلالها وحريتها مستخدمًا أسلوب الدهاء والمكر، وذلك باستخدام تلاميذ المبشرين والمستشرقين من الوطنيين حتى لا يصطدموا بقوانين البلاد، فيكرهوا على الرحيل الفوري.
خامسًا: استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية ليقوم بمهماته وهو آمن على نفسه، واستعان بأفكار ومؤلفات المستشرقين، قد نجح التبشير والاستشراق والاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية بتربية أجيال متعاقبة لا تفقه الإسلام، ولا تحفظ من القرآن إلا آيات معدودات؛ لذلك كان من اليسير جدًّا غزو هذا الجيل غزوًا فكريًّا واسعًا.
لم يكن المبشرون ولا معظم المستشرقين يومًا يُنصفون الحقيقة العلمية، فللعلم كانت أبحاثهم موسومة بصورة واضحة من أسس عقائدهم ومقاصدهم الخبيثة، وقد سلك المبشرون -كما يقول- والمستشرقون معهم كل مسلك ظنوه محققًا لأهدافهم، واستطاعوا أن يتسللوا إلى المجمع اللغوي بمصر، والمجمع العلمي بمصر، والمجمع العلمي ببغداد، كما تدخلوا بتأييد من الاستعمار في مجال التربية والتعليم محاولين غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين، ونجحوا في هذا إلى حد كبير.
ويعمل المستشرقون وفق خطة مدروسة، إذ يجتمعون في هيئة مؤتمرات بين الحين والحين، وكذلك يعمل المبشرون. وإذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر، ثم اتصل من بعد ذلك بمستعمرين؛ فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك، وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقظون دائما، يحدقون بعيونهم، ويصيخون بآذانهم إلى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات؛ حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض سبيل نشاطهم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)

وعملهم، فهم في سيرة أعمالهم كالجمعية الماسونية، تنشد في الظاهر نشيد السلام العالمي، لكنها دعوة سرية لاستتباب حكم التوراة في ربوع العالم.
ويعتمد المستشرقون والمبشرون في تحقيق أهدافهم وتمويلها على ما تقوم به المؤسسات الدينية، والسياسية والتجارية في الغرب، وكذلك تمويل بنوك وأمراء أوربا وأثرياء أمريكا.

‌‌آثار الفكر الاستشراقي
ونخص في الحديث آثار السلبية للفكر الاستشراقي في المجال الديني، فقد كان مجال العقيدة الإسلامية من أهم المجالات التي اهتم بها المستشرقون، ووجهوا لها النصيب الأكبر من دراساتهم، فقد نشأ الاستشراق في مجال الدراسات الإسلامية أصلًا لدراسة العقيدة الإسلامية، والبحث عن الوسائل والعوامل التي يمكن تطويرها لهدم هذه العقيدة وتخريبها، وتشويه أصولها. يعتبر الدافع الديني من أهم الدوافع التي وجهت المستشرقين لدراسة العقيدة الإسلامية.
فمنذ ظهور الإسلام وانتشاره في العالم النصراني القديم اكتشف الغرب أن الإسلام خطر عظيم يهدد النصرانية في عقر دارها، عندما فشل الغرب في المواجهة السياسية والعسكرية مع المسلمين، ولم يتمكن من وقف الإسلام وانتشاره السريع في البلاد النصرانية وغيرها من بلاد العالم القديم، اتجه إلى دراسة الدين الإسلامي دراسة دينية عقدية متعمقة، من أجل وضع الخطط الدينية والفكرية للدفاع عن النصرانية بالوسائل الفكرية بعد فشل المواجهة العسكرية. وهكذا تفرغ عدد من علماء النصرانية واليهودية للتخصص في العقيدة الإسلامية، والبحث في أنجح الوسائل الفكرية؛ لنقد الدين الإسلامي وتجريحه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)

وتحريفه، وتشويه صورته عملًا على منع انتشاره بين النصارى واليهود من ناحية، ولتشكيك المسلمين أنفسهم في أمور دينهم وعقيدتهم من ناحية أخرى.
ومع تطور الدراسات الاستشراقية في العقيدة الإسلامية جمع المستشرقون بين الهدف الدفاعي عن اليهودية والنصرانية ضد الإسلام، وبين الهجوم على الإسلام في محاولة يائسة لوقف تقدمه ومنع انتشاره، وفي هذا يقول أحد الباحثين، وقد نما هذا الهجوم الفكري والعقدي وشب حتى وصل إلى مرحلة متطورة في عصرنا الحاضر، وهو هجوم من شعبتين:
- شعبة موجهة إلى الشعوب المسيحية؛ لتحصينها ضد الإسلام الذي انتشر واتسع نفوذه، وذلك بتشويه صورته وتجريحه والقدح فيه، ونقده والتطاول عليه وعلى القرآن وعلى بني المسلمين مما كون ما يشبه الجدار السميك من الأفكار السوداء عن هذا الدين الحنيف.
- أما الشعبة الثانية: فهي الشعبة الموجهة إلى المسلمين فيما نراه من هجمات تبشيرية بشعة على أمة الإسلام.
إن هذا الهجوم العقيدي الفكري أخذ يتطور مع السنين حتى أصبح علمًا أو علومًا لها مدارس ومناهج، وعلى الرغم من أن الاستشراق لم يتمكن عبر تاريخه الطويل من تحريف العقيدة الإسلامية، وأنه فشل في تحقيق هدف تشويه الدين الإسلامي؛ فقد نجح في إثارة العديد من المشاكل الدينية والقضايا العقدية التي شغلت المسلمين من ناحية في الرد على شبهات الاستشراق في مجال العقيدة، ودفعت المسلمين إلى اتخاذ موقف الدفاع ضد الاستشراق الأمر الذي كان له تأثيره على الفكر الإسلامي الحديث، وصبغه بالصبغة الدفاعية، وإبعاد العلماء المسلمين عن الدراسة العلمية المتعمقة في أمور دينهم، والسعي إلى حل القضايا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)

الإسلامية المعاصرة من خلال التأمل العميق في تراثهم الإسلامي، وإيجاد الحلول المناسبة لدينهم وحضارتهم، وقد نجح الاستشراق في جذب الفكر الإسلامي الحديث إلى النظر في المشاكل والشبهات التي يثيرها المستشرقون، ووضع المسلمين في موقف الدفاع، وصرف نظرهم عن التعمق في دينهم، وإجبارهم على متابعة القضايا الكيدية.
ومن الممكن أن نعد بعض الآثار السلبية للفكر الاستشراقي في المجال الديني فيما يلي:
أولًا: إثارة الشكوك في العقيدة، فقد عمل الاستشراق على إثارة الشكوك لدى فريق من العلماء المسلمين في عقيدتهم؛ في القيم الدينية والحضارية المنبثقة عن هذه العقيدة، وكان التأثير الفكري الاستشراقي عظيمًا في عدد من هؤلاء المسلمين الذين تعلموا في الغرب، أو الذين تحقق لهم نوع من الاتصال بالغرب وحضارته ومؤسساته الثقافية، وأصابهم ما أصاب الغرب عامة من هجر للدين واحتقار له، والفصل بينه وبين أمور الدنيا. وقد خضع هؤلاء للقيم الغربية وتأثروا بمعطيات الحياة الغربية، وحاولوا نقل قيم الحضارة الغربية إلى عالمنا الإسلامي على اعتقاد منهم بأفضلية هذه القيم على القيم الإسلامية، نتيجة الانبهار الشديد بحضارة الغرب وتقدمه العلمي.
كما أثيرت الشكوك لدى بعض المسلمين في العديد من الموضوعات الدينية من بينها التهوين من أمر الكتب المقدسة والنظر إلى القرآن الكريم، والحديث النبوي مصادر العقيدة الإسلامية على أنها خاضعة للنقد العلمي، وحض المسلمين على ضرورة التحرر في دراسة هذه الكتب، والمصادر الدينية، وإخضاعها للرؤية النقدية العقلية، وبالتالي التقليل من قداستها، والتخفيف من احترام المسلمين لها؛ بل والحض على هجرها واستبدالها بالقوانين الوضعية والقيم الإسلامية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)

ومن الآثار السلبية للاستشراق في بلاد المسلمين: تشويه صورة الإسلام في الغرب، فقد عمل الاستشراق على تشويه صورة الإسلام والمجتمع الإسلامي في الغرب، ويعتبر هذا الأمر من أخطر الآثار السلبية للاستشراق، فالمسلمون في بلادهم ثابتون على عقيدتهم، عاملون بها، ومطمئنون إليها؛ بينما صورة الإسلام خارج العالم الإسلامي يتم تشويهها وتقديمها في صورة مزيفة غير حقيقية بواسطة الاستشراق، وهي صورة تعطي انطباعًا سلبيًّا للإسلام كدين وحضارة في ذهن الإنسان الذي تلقى معرفته عن الإسلام من خلال المستشرقين الذين يمثلون المصدر المعرفي الأساسي للمعلومات الخاصة بالإسلام، وبالمجتمعات الإسلامية.
ولا يخفى أن أحد أهداف الاستشراق الأساسية حجب المعرفة الصحيحة عن الإسلام حتى لا يؤثر هذا الدين الكامل في أهل الغرب، وهي حرب فكرية موجهة لمنع انتشار الإسلام في العالم الغربي، والتعتيم على المثقف الغربي، وإعطائه معلومات خاطئة ومضللة عن الإسلام كما تنفر الغرب منه كدين وحضارة، ولا شك أن كلمة المستشرقين مسموعة في الغرب؛ لأنهم علماء تخصصوا في الإسلام، وأصبحوا خبراء في شئون المجتمعات الإسلامية، وما يصدرونه من أحكام وآراء عن الإسلام والمجتمع الإسلامي يتقبله المجتمع الغربي دون أن يشك في صحته. فالمستشرقون هم الحجة في تخصصهم وعادة ما يؤخذ برأيهم في كل المسائل التي تخص العالم الإسلامي، وقد اكتسبوا ثقة الإنسان الغربي بما يمثلونه من علم وخبرة نادرة يستعين بها المسئولون الغربيون في الشئون السياسية والاقتصادية والفكرية الخاصة بالبلاد الإسلامية.
ومن الآثار السلبية أيضًا للاستشراق: التركيز الاستشراقي على الطوائف والأقليات في المجتمع الإسلامي، فهم يهتمون أولًا بالفرق الإسلامية، ويهتمون ثانيًا بالطوائف والأقليات في المجتمعات الإسلامية، والهدف من هذه الدراسات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)

يقترن كثيرًا من هدف دراسة الفرق المخالفة للإسلام؛ حيث يركز الاستشراق على إظهار المجتمع الإسلامي بمظهر المجتمع المكون من عدة طوائف وأقليات، لها مذاهبها المختلفة، ولها عاداتها وتقاليدها المتباينة، ولها حياتها الخاصة، الأمر الذي يظهر هذا المجتمع في النهاية بأنه يتكون من عدة مجتمعات وليس من مجتمع واحد، وأن النتاج الفكري والحضاري الإسلامي لهذه المجتمعات إنما هو ليس من عمل المسلمين، ومن عمل الحضارة الإسلامية إنما هو من عمل اليهود والنصارى والمجوس والهندوس، وغيرهم من أهل الأديان والحضارات الأخرى.
وعادة ما يعمد المستشرقون إلى إظهار الطوائف والأقليات في صورة مجتمعات مضطهدة داخل المجتمع الإسلامي، بهدف تشويه صورة الإسلام خاصة في الغرب، وإظهار الإسلام في صورة الدين المتعصب المضطهد لطوائفه غير المسلمة.
ومن الآثار السلبية للدراسات الاستشراقية في بلاد المسلمين: التمكين للصهيونية في العالم العربي، فقد عمل الاستشراق اليهودي والصهيوني خصوصًا من أجل بعث القومية اليهودية، وتمكين اليهود من تكوين رؤية قومية يهودية، وتحويل اليهود من جماعة دينية إلى جماعة قومية، وربط اليهودية بالقومية فيما عُرف باسم الصهيونية.

‌‌كيفية وسبل مواجهة الفكر الاستشراقي
أولًا: أن تتضح لدينا ولدى المسلمين حقائق المواجهة، فتكوين موقف إسلامي من الاستشراق وآثاره في المجتمعات الإسلامية يجب أن يتم في ضوء معرفة بعض الحقائق، منها أن الاستشراق ظاهرة فكرية قديمة باقية ومستمرة طالما أن الصراع بين الغرب والشرق باقٍ على مستوياته الدينية والسياسية والفكرية.
ثانيًا: أن الاستشراق قوة فكرية هائلة تتمتع بنفوذ كبير في الغرب، وأن الموقف الإسلامي من الاستشراق يجب أن يتحدَّد في ضوء سلبيات الاستشراق وإيجابياته،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)

وأن الفكر الاستشراقي يمثل كل المذاهب والأيدلوجيات المضادة للإسلام، كما أنه يمثل في المقام الأول الفكر الديني الغربي بمدرستيه اليهودية والنصرانية.
أما سبل مواجهة الآثار الفكرية الاستشراقية في المجتمعات الإسلامية فهي متعددة، نذكر منها:
1 - الدراسة العلمية الواعية المتعمقة للاستشراق.
2 - مطالبة الإنسان المسلم عامة والمثقف خاصة بضرورة العودة إلى الدين، والتمسك بتعاليمه ومبادئه، وأداء الفروض والواجبات الدينية المطلوبة منه، وتثقيف نفسه دينيًّا، والتفقه في أمور الدين، وفي هذا كله يتحقق تحصيل الإنسان المسلم ضد الآراء المنحرفة التي ينشرها الاستشراق والتنصير.
ثالثًا: مطالبة الحكومات والمؤسسات الدينية القادرة بضرورة التحكم فيما تبثه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة من مواد فكرية متنوعة، معادية للفكر الإسلامي، ومساعدة على تسرب الفكر الغربي المنحرف إلى المجتمعات الإسلامية.
رابعًا: تنقية الفكر الإسلامي من الأفكار المشبوهة والمشوهة التي دخلته عبر السنين بفعل الفرق والحركات الضالة.
خامسًا: ضرورة العمل على توفير الكتاب الإسلامي البديل للكتاب الاستشراقي، وبخاصة في اللغة الأجنبية.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)

‌‌الدرس: 18 الصهيونية (1).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(الصهيونية (1))

‌‌تعريف الصهيونية ونشأتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
الصهيونية:
تنسب إلى كلمة صهيون كما فسرها اليهود أنفسهم، وكلمة صهيون تأتي على ثلاث معانٍ:
المعنى الأول: أنها مدينة الملك الأعظم، أي: مدينة الإله ملك إسرائيل.
المعنى الثاني: أنها اسم حصن سماه الله نبي الله داود عليه السلام حسبما جاء في التوراة في مدينة القدس.
المعنى الثالث: أنها اسم جبل يقع إلى الشرق من القدس، هذا هو المعنى اللغوي لكلمة صهيون.
أما مفهوم الصهيونية في معناها السياسي العصري فهي حركة سياسية عنصرية، وهي فلسفة قومية لليهود تنادي بالعودة إلى جبل صهيون، أرض الميعاد كما يسمونها. وقد أخذ اليهود تعاليمها من التوراة -كتابهم المقدس- الذي حرفوه كما أخذوا تعاليمها من التلمود -وهو شرح التوراة، ويعبر التلمود عن سيرتهم التي كتبها حاخاماتهم خلال مسيرة التغرب والشتات، وأخيرًا أخذت الصهيونية بروتوكولات حكمائها كخطة يسيرون عليها في تحقيق أهدافهم في أرجاء العالم.
ففكر التلمود ومجمل فقرات البروتوكولات هي التي سيطرت، وتسيطر على الصهاينة سيطرة كاملة؛ فلا يستطيعون أن يرفضوا لها أي طلب، أو مخطط، وهم يسيرون على نهجها دون ابتعاد؛ متناسين ما جاءت به اليهودية أصلًا، وهي الديانة التي أتى بها نبي الله موسى عليه السلام، ومتناسين ما جاء في كتابها المقدس التوراة الذي حرفه اليهود حسب أهوائهم، وقد جعلوا مبدأهم يقوم أصلًا على استهجان وبغض الجويم، ومعنى الجويم أي: الأغيار أي: من هو على غير دين اليهودية، وهما المصطلحان اللذان يطلقونه اليهود على غير اليهود، فيعتبرون غير اليهود دون الحيوان قيمة كما في عقيدتهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)

‌‌نشأة الحركة الصهيونية
وتعود نشأة الدعوة إلى الصهيونية إلى زمن بعيد قد بدأت محاولة اليهود للتكاتف منذ تهجيرهم، وتشريدهم من فلسطين على يد البابليين في القرن السادس قبل الميلاد، ثم تشتيتهم على يد القائد الروماني تيطس سنة 70 بعد الميلاد، وإجلائهم عن بيت المقدس، ثم إصرار النصارى على عدم رجوعهم إلى بيت المقدس حتى بعد الفتح الإسلامي؛ بل وطلبوا ذلك من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصروا على كتابة ذلك في وثيقة العهد …
فنشأة الدعوة إلى الصهيونية ترجع إلى زمن بعيد، لكن إنشاء منظمة تهتم بهذه الفكرة وتبرزها إلى حيز الوجود بشكلها الفلسفي السياسي والعملي الواضح الأهداف بدأ يتبلور إثر المؤتمر الصهيوني الأول، فقبل المؤتمر الصهيوني الأول لم تكن تتعدَّى فكرة الصهيونية العاطفة والحنين، لكنها بعد هذا المؤتمر الصهيوني الأول تحولت إلى الشكل السياسي والعملي، وقد عُقد هذا المؤتمر الصهيوني الأول في شهر أغسطس سنة 1897 في مدينة بازل السويسرية؛ حيث اجتمع مائتان وأربعة من قادة اليهود المقيمين في جميع أنحاء العالم، تحت رئاسة مجموعة من المفكرين، وانتخبوا رئيسًا يتصدر المنظمة الصهيونية اليهودية، وهو الصحفي تيودور هرتزل إثر مداولات واجتماعات مكثفة؛ وقاموا بصياغة بروتوكولات حكماء صهيون السرية التي شاء الله سبحانه وتعالى ألا تبقى طيَّ الكتمان، ففضحها على أيدي الخونة من أهلها.
أما اليهود أهل الصهيونية فهم كتلة بشرية ضئيلة من أول أمرها في الوجود، وأجمع المؤرخون المتجردون عن الهوى أن اليهود لما كانوا يدورون على محورهم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)

الصغير في فلسطين في الزمن القديم، كانوا حتى في أيام أنبيائهم حتى في زمن داود وسليمان عليهما السلام حفنة قابلة أبدًا لأن تذروها الرياح بين الإمبراطوريات القديمة الكبرى في واديي النيل والفرات.
والصحيح أن هناك جذورًا لبدء الحركة الصهيونية ابتداء من سقوط الدولة اليهودية، ودخول الرومان لفلسطين، وعبورًا بالمنفى الذي امتد من بابل إلى أوربا الشرقية عند قيام مملكة الخزر، واعتنق بعض أهل تلك البلاد الديانة اليهودية، وبسبب اضطهاد الروس آنذاك تحول اليهود إلى الغرب، وذاق الناجون منهم جميع أنواع الذل والاستعباد، وكانت بوادر هذه الحركة الصهيونية تتمثل في تأسيس حركات إقليمية وتحريرية لليهود؛ لتخليص اليهود من نير واستعباد الأوروبيين مثل: حركة الاستنارة، أو ما عُرف بالماسونية التي كانت تحاول مساعدة اليهود، ولكن نتج عنها الزيادة في التوجه اللاسامي في أوربا، وتمخض عن ذلك شعور مفكري اليهود بضرورة تخليص اليهود من محنتهم هذه، واستنتاجهم الخيارات الستة التالية التي تركت الحرية لكل يهودي منهم لاختيار التوجه الذي يرغبه، وهذه الخيارات الستة هي التي ستعينهم على القيام بما يرونه مناسبًا حسب الظرف المكاني والزماني الذي يمرون به.
وهذه الخيارات الستة التي وضعوها هي:
الخيار الأول: في رأي بعض اليهود أنهم سيخلصون من مآسيهم عن طريق المسيح المنتظر، لذا لجئوا إلى التدين وانتظار هذا المسيح المنتظر، الذي يظنون سيظهر، مع أن الله بعثه من بين ظهرانيهم ومنهم في فلسطين، ولكنهم أنكروه فهم لا يعترفون بالمسيح عيسى بن مريم نبي الله عيسى الله عليه السلام الذي هو منهم، بل ينكرونه، وينتظرون مسيحهم المزعوم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

الخيار الثاني: وهو في رأي بعض مفكري اليهود أنه يجب عليهم الذوبان في مجتمعات غير اليهود، ونسيان الذات اليهودية، والتخلص من هذه المعاناة والمحن التي يعايشونها في الغرب والشرق؛ وبهذا تختفي الهوية اليهودية وتتلاشى، ولا يبقى لليهود أثر على سطح المعمورة، وليتهم أخذوا بهذا الخيار إذًا لأراحوا البشرية من شرورهم.
الخيار الثالث: في رأي بعض المفكرين هو ترك البلدان التي يعانون فيها من ذل التفرقة والمتابعة والاضطهاد، فمثلًا الهجرة من أوربا الشرقية إلى أوربا الغربية، وبالذات إلى الدول التي لا يُعامل فيها اليهود بعنصرية، أو الهجرة إلى أمريكا الجنوبية، أو الولايات المتحدة، أو إفريقيا وفلسطين، وغير تلك البلدان.
الخيار الرابع: هو فكرة الاستيطان، ودعم هذه الفكرة من قبل رجالات المال والأثرياء من اليهود مثل: البارون موريس دهرش، والبارون روتشيلد، والذي أنشأ الجمعية اليهودية للاستعمار، ولم تكن فلسطين هي المكان الوحيد المقترح، فقد فكروا في أمريكا، والبرازيل، والأرجنتين، والهند، وأفغانستان، وأوغندا، ومرشيوس.
الخيار الخامس: وهو في رأي بعضهم بطبيعة الحال أن هناك من أراد البقاء في أوربا الشرقية، لذلك فقد رأوا من أن مصلحتهم في الانضمام إلى التيارات الثائرة متمردين على الفكر القومي اليهودي بالثورة، والمشاركة في الحركات الشعبية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم الخروج عن هذه الحركات لاحقًا، وتحقيق أهدافهم، ووضع حد لمآسي اليهود بعد انتصار الدول التي ستساندهم من خلال دساتيرها التي أصلًا قد وضعها اليهود أو ساهموا في وضعها.
الخيار السادس: وقد ارتأى بعض المفكرين القوميين منهم أن جميع الأفكار السابقة هي حلول غير مقبولة، لذا ركزوا على تنمية الوعي العرقي والثقافي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

السياسي بين اليهود، وعادوا إلى تعاليم التوراة والتلمود لديهم، وأنشئت المعاهد والمدارس الخاصة الخفية لتدريس التعاليم التوراتية، والعودة إلى التمسك باليهودية، والعيش أينما كانوا مع التمسك بهذه التعاليم مهما كانت التكاليف والتضحيات، حتى لو تضمنت تقديم النفس والمال مع توجيه غير اليهود لخدمة مصالح اليهود.
ويلاحظ في هذه الخيارات الستة التباين الكبير حيث لا يحتكم اليهود لمبدأ أساسي عام، ولكن فلسفتهم متأثرة حتمًا بالتجارب الشنيعة التي مروها بها خلال حقبات التاريخ هذه التجارب التي تحتوي على كمٍّ هائل من المتناقضات.
فرغم المعاناة التي تظهر جلية في عقيدة اليهود، فإن الحقد والكراهية وبغض أي شيء أصبح ملازمًا للتفكير اليهودي، وبهذا لم يجد اليهود أي متنفس أو طريقة في تفريغ هذه الأحقاد عبر الكراهية إلى حد أن اليهودي أحيانًا يكره ذاته، وبني جنسه، ولكنه يستدرك ويعود إلى حنينه إذا تذكر دينه، وما كتاب التلمود إلا تعبير عن معاناة اليهود، وتعبير عن تضارب أفكارهم.
وكذلك في هذه الخيارات الستة تبين أن الصهيونية هي حركة الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين، وأن العودة إلى فلسطين في رأيهم يجب أن تسبقها عودة الشعب اليهودي إلى اليهودية، وأن الصهيونية لا تتركز، ولا يمكن تحديدها في تعريف أو وصف ذي قالب واحد، فهي مبدأ متغير حسب مصلحة معتنقيه، وبدون إطار ثابت، وجميع هذه التعاريف تدور حول الموضوع ذاته، وهو الشخصية اليهودية المتميزة عن باقي شخصيات شعوب العالم، ووضع الشعب اليهودي في مقدمة الشعوب، على الرغم من أن اليهودية دين لا يشكل شعبًا إلا أن اليهود يطلقون على أنفسهم الشعب اليهودي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)

فالدين لم يكن يعطي مفاهيم الشعب الكاملة؛ لذا فإنه من غير المنطقي الإقرار بأن اليهود شعب، لكنهم عبارة عن جماعات اعتنقت اليهودية، وانحدرت من شعوب أصول مختلفة، منهم السفرديم، وهم اليهود ذوو الأصول الشرقية كيهود المغرب، والعراق، واليمن، وإيران، ويهود فلسطين نفسها. وكذلك منهم الأشكناز وهم ذوو الأصول الأوروبية كالبولنديين، والروس، والنمساويين، وغيرهم ممن يدخل تصنيفهم في الفترة الحالية، ومنهم آخرين.
قد رأت الصهيونية أن بإمكانها أن تخلق تجانسًا من هذه الفصائل المختلفة حتى في العقائد؛ لتكوين جماعة واحدة يمكنها فيما بعدُ أن تطلق عليهم شعبًا، وإن كان ذا أصول مختلفة وأعراق متعددة، حتى إن بعضه دخيل على اليهود، وما الأشكناز إلا أعراق غير يهودية عبرانية قد اعتنقت الديانة اليهودية في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، أي: قبل تسعمائة سنة تقريبًا، ولهذا فإن أفكار قادة الصهيونية آنذاك كانت منصبة على تحقيق هذه الوحدة، والعودة إلى اليهودية بأي طريقة ووسيلة، فبهذا يحققوا هدفهم مستفيدين من مبدئهم القائم على أن الغاية تبرر الوسيلة، وقد استمر الصهاينة في استعمال هذه القاعدة في جميع أعمالهم خلال مسيرة الصهيونية حتى يومنا هذا لتحقيق ما يهدفون إليه.

‌‌مراحل الحركة الصهيونية
فقد مرت الحركة الصهيونية في تاريخها بمراحل ثلاث:
أولها: المرحلة التمهيدية، ثم مرحلة مؤتمر بازل في سويسرا، ثم مرحلة ما بعد مؤتمر بازل.
ونبدأ بالحديث عن المرحلة الأولى وهي مرحلة ما قبل مؤتمر بازل، وتتمثل بظهور مفكرين وأدباء يهود ساهموا بكتاباتهم في إنضاج فكر هذه الحركة، ولقد ظهرت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)

فكرة الصهيونية العالمية إلى الوجود في منتصف القرن التاسع عشر، وساهم في الدعوة إليها مفكرون يهود منهم: الحاخام يهودا القالي، والده زعيم روحي لليهود العرب في سيراجيفو، وقضى حياته في القدس، ثم أصبح حاخام سملين، ونشر في كتابه (اسمعي يا إسرائيل) اقتراحًا بإقامة مستعمرات يهودية في فلسطين؛ لتكون نواة للخلاص المنتظر.
ولما كانت هذه الفكرة مخالفة لتعاليم الدين اليهودي قام بتبريرات لها فقال: بظهور المسيح الأول الذي يسبق المسيح المنتظر الذي يقود اليهود في حروب يأجوج ومأجوج لفتح فلسطين بحد السيف، وفي كتابه الثاني وضع أسس هذا الخلاص، والتي تتلخص في إقامة جمعية عامة كبرى، وصندوق قومي لشراء الأراضي، ودعا لجباية الضرائب من يهود العالم، وهذا ما تبناه هرتزل فيما بعد. وفي كتابه الثالث (الخلاص الثالث) شجع على كسب عطف السلطان العثماني ومحاولة الاستيطان الجماعي بقصد تعمير الأراضي الخراب، ودعا لإقامة شركات تأمين وسكك حديدية حتى نتوسل بقوتها إلى السلطان لاستعادة أراضي الأجداد.
ومن هذه الشخصيات أيضًا الحاخام زفي هلش كلشر، وهو حاخام بولوني، واستلم حاخام تورن أربعين سنة، وانضم إلى جمعية الاستيطان اليهودي، وألف كتابه (السعي لصهيون) سنة ألف وثمانمائة واثنتان وستين، صور فيه بأسلوب الخداع حالات العذاب والتشرد والنفي التي يتعرض لها اليهود، ودعا للهجرة لفلسطين بقصد الخلاص، وقد استجاب لدعوته جماعة من اليهود اشتروا أرضًا في ضواحي يافا سنة ألف وثمانمائة وستة وستين، وأنشئوا مدرسة زراعية سموها ميكوه إسرائيل، ومعناها: أمل إسرائيل.
وبتخطيط من الاتحاد الإسرائيلي العالمي الذي تشكل في باريس عام ألف وثمانمائة وستين، ثم أنشئت مستعمرة بتاح تيكي فاه، ومعناها بوابة الأمل، وتبعد عن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)

حيفا ثمانية أميال، ومنهم الحاخام موسي هس، وهو حاخام ألماني صهيوني من أب تاجر، وأم ابنة حاخام، قد درس العربية في كولونيا، والفلسفة والتاريخ، ودخل جامعة بون وتأثر بماركس الذي يدرس معه في نفس الجامعة، وعمل مراسلًا لصحيفة رنبشه المتطرفة، التي يرأس تحريرها ماركس، انفصل عن ماركس إثر صدور البيان الشيوعي لعدم انسجامه معه، وقد ألف هذا الحاخام موسي هس كتاب (روما والقدس) دعا فيه إلى قومية يهودية؛ لأن اليهود بنظره يعتبرون أجانب في البلاد التي يعيشون فيها، وقد دعا إلى اعتبار القدس مركزًا يهوديًّا كما تعتبر روما مركز الكنيسة المسيحية، كما يرى أنه لا مبرر لنزوح كافة اليهود لفلسطين، بل يكفي إقامة دولة يهودية في فلسطين، ويبقى معظم اليهود في أماكن استيطانهم؛ ليسيطروا على الفعاليات الاقتصادية والسياسية في دولهم لدعم الكيان الصهيوني.
ومن الحاخامات أيضًا المؤسسة للفكر الصهيوني الحاخام، والمفكر بيير بتس وهو روائي وداع لإحياء الثقافة العبرية في روسيا، وقد دعا في كتابه (المتجول في سبيل الحياة) إلى الهجرة لفلسطين، وأن الهجرة إلى سواها إنما هو في نظره تشتيت جديد، ومنهم موشي لاب، وكان عضوًا في جمعية أحباء صهيون الروسية التي تعمل لتشجيع الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وكان من أنشط مؤيدي هرتزل، وشعاره ادفع كويك في الأسبوع للاستطيان في أرض إسرائيل.
ومنهم يهوذا لايك وهو طبيب روسي وزعيم صهيوني نشر في كتابه (التحرير الذاتي) نداء يهودي روسي إلى بني قومه، ثم تصهين وعمل على توحيد الهيئات الصهيونية التي اتخذت مقرًّا لها في قرصوفيا، وانتخب هو نفسه رئيسًا لمجلسها الأعلى، ودعا في كتابه إلى قيام دولة إسرائيل بحجة أن العالم لا يحترم شعبًا لا أرض له.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)