الكون ونشأته، فنشأة التدين عند الإنسان إنما هي ناتجة عن خرافات كاذبة خيالية لا يسندها عقل ولا منطق، فالكون عندهم تجمع من ذرات والإنسان عندهم أصله قرد.
ومن العجب أنهم يسمون هذه التخيلات المفتراة على البشرية التي تنافي ما أكرمهم به الله من حفظ ورعاية، ومعرفة بأمور دنياهم ودينهم، يسمونها حقائق ويدافعون عنها كأنهم عايشوها من أول يوم عرفت فيه البشرية، ومن كذبهم في هذا فإنهم يصفونه بالرجعية والتخلف، وهذه الصفات جاهزة في قواميسهم التي لا تتورع عن هدر أعراض الناس ودمائهم، وهذا الذي يقولون عن بدأ الكون وعن أصل الإنسان هو رجم بالغيب، وظلم للبشرية وتصديق لأقوال الكذابين أمثال "ماركس" و"داروين" و"فرويد" وغيرهم من أشرار البشر الحاقدين {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (الزخرف: 19).
قد ساعد على تعميق الإلحاد الشيوعي تلك النظريات الكثيرة، والشبه التي سموها حقائق لمعرفة هذا الكون، وقيامه على القوانين التي عرفت أخيرًا، مثل قانون الجاذبية الذي أرسى أن كل شيء في الوجود له سبب في مكانه، وقانون تجمع أجزاء المادة التي انفجر عنها هذا الكون، وغير ذلك مما زعموه مؤيدًا لنظريتهم الملحدة، فحجبت تلك المفاهيم الخاطئة للشيوعية والنصرانية العقل عن التعلق بموجد لهذا الكون، وأن مجرد التفكير فيه يعد رجعية، ولهذا كما سمعنا أن الروس قتلوا العائدين من سطح القمر في أول رحلة فضائية لأنهم أيقنوا أن لهذا الكون موجدًا.
وما أن أطل القرن التاسع عشر الميلادي إلا وقد ظهر قرن الشيطان، وساد القول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل، فهي الحاكم المطلق والإله الذي لا ينازع، قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
تولى كبر هذه الدعوة "أوجست كونت" و"خرباخ" و"ماركس" وغيرهم بدافع قوي من الحقد الشديد على رجال الدين الكنسي، الذي يمثل حسب تعليلهم قوة ما وراء الطبيعة من الأمور الغيبية والروحية، والتي اعتبروها وهمًا وخداعًا لا حقيقة له لعدم اندراجها تحت قوة الإحساس والإدراك المباشر، وأن الالتجاء إلى ذلك الغيب إنما نتج عن الوراثة والبيئة والحياة الاجتماعية في تلك الأزمان المختلفة بزعم دعاة الإلحاد، وقد ظلت الشيوعية قرابة سبعين عامًا في صولة وجولة قوية يحسب لها حسابها، إلى أن أذن الله بزوال قوتها سبحانه بقدرته وحده، إذ ما كان أحد يفكر في النيل منها، فإذا بها يأتيها حتفها بظلفها على يد آخر زعيم لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، وهو "ميخائيل جورباتشوف" وأفل نجمها وجبروتها وثارت الشعوب واقتصوا من كل الظالمين.
والآن وبعد أن تبين المصير النهائي للماركسية الشيوعية نقول: إنه من الغريب جدًّا أن تموت الشيوعية في عقر دارها -الاتحاد السوفيتي سابقًا- وأن تكتشف الشعوب أن هذا المذهب فاشل باطل لا يجر إلى خير، بل إلى الخراب والدمار وإثارة البغضاء وانتشار البطالة والفواحش، وأن الجنة الأرضية التي وعد بها "كارل ماركس" إن هي إلا سراب خادع وآمال كاذبة، وأن تعاليمه إن هي إلا جحيم لا يطاق وتعاسة وشقاء، وأن الشعوب كانوا يساقون إلى الموت وهم ينظرون طائعين أو مكرهين، وإن في التخلص من هذا المذهب راحة لا تعدلها راحة وفوزًا لا يعدله فوز، فهبت تلك الشعوب المظلومة لتنفض عنها غبار تلك السنين العجاف، ثم داسوا مبادئ "ماركس" ونظرياته تحت نعالهم وتنفسوا الصعداء، وبعضهم قام بشنق تمثال بعض طغاة الشيوعية القدماء وبعض الحكماء الحاليين وقالوا: لا رجعة للشيوعية هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
أقول: من الغريب أن يحصل هذا وأكثر منه في تلك البلدان التي ذاقت مرارة التعاليم الشيوعية، وفرحت بانقشاعها عنها ثم تقوم بعض الأحزاب -في البلدان العربية الإسلامية- بالمناداة باعتمادها كحزب شيوعي شرعي، وأين الشرع من تعاليم "ماركس"، ثم تقوم بعض الحكومات باعتماد تلك الأحزاب والترخيص لها بدخول المجالس النيابية والبرلمانية، وما إلى ذلك كما سمعته من دولة إسلامية عربية، إن الأمر يدعو إلى العجب {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179) ولقد قيل في المثل: العاقل من اتعظ بغيره، فلماذا لا يتعظ هؤلاء بمن قد ذاق الحياة الشيوعية البائسة وضاق بها ذرعًا، أليس لهؤلاء قلوب يعقلون بها وأعين ينظرون بها وآذان يسمعون بها، فيكفون عن التعلق بالشيوعية الحمراء ويكفون عن تقديس زعمائها الذين لا يساوون قيمة نعالهم؟!.
إن الأمر واضح وجلي لولا أن مؤامرة جديدة أيضًا تهدد العالم في ثوب جديد وبأسلوب جديد، قد يشعر به بعض الناس وقد لا يشعرون، وما أكثر النكبات التي يدبرها شياطين الإنس والجن للمغلوبين على أمرهم، تحت مختلف الشعارات البراقة الخادعة من دعاة الماسونية اليهودية العالمية الحاقدة، وما يمتلكونه من حضارات وقيم، ومرور الأيام والليالي كفيل بإيضاح كل ما يبيتون والله لهم بالمرصاد، وهو من ورائهم محيط.
قيام الشيوعية الأولى بقيادة "مزدك"
الشيوعية فكرة قديمة ظهرت في التاريخ أكثر من مرة، فقد جاء في كتاب (الجمهورية) للفيلسوف اليوناني "أفلاطون"، الذي عاش في الفترة ما بين 427 - 347 قبل الميلاد، ما يدل على نشأة هذا المذهب، حيث أقام في كتابه نظامًا يقوم بالنسبة للحكام على شيوعية المال والنساء، وشرع لهذا منهجًا مفصلًا، وهناك أمثلة خيالية ولمحات عن الاشتراكية أثبتها "أفلاطون" في كتابه، تصور حقيقة أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
القرن الخامس قبل الميلاد -وهو الذي وجد فيه "أفلاطون"- كان فيه مبادئ اشتراكية لم تزل في مهدها. يقول "أفلاطون" في كتابه الآنف الذكر ما خلاصته: "يجب أن يشتمل النظام على اشتراكية النساء والأولاد، فليس لأحد حق بإنشاء أسرة مستقلة كما ليس له الحق بتربية الأولاد؛ لأن الجميع ملك الدولة وهي وحدها تشرف على تنشئة العضو الصالح، كما تشرف على إنجاب النسل المختار".
وقد قسم أفلاطون في كتابه المجتمع إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول: هم الحكام. القسم الثاني: هم رجال الحرب. القسم الثالث: هم الخدم والعمال. وقال: "إنه يجب أن تكون الزوجات والأموال والمآكل مشاعة بين أفراد الفئة الأولى والثانية، أما الثالثة فإنها تعيش على النظام الأسري المعهود". ونجد أيضًا من قال بالشيوعية من فلاسفة الإغريق "أجزينوف" وقال بها أيضًا "مزدك" الذي عاش سنة 487 ميلادية، حيث دعا إلى الشيوعية واشتراك الناس في الأموال والأعراض، وتسمى حركة "مزدك" بالمزدكية، قد ظهرت في بلاد فارس وتأثر بها كثير من أرباب النزعات الإباحية كأصحاب الفلسفة الباطنية، ومنهم مؤسس القرامطة حمدان قرمط وقومه، ومنهم علي بن الفضل الذي صور مذهبهم بقوله أبياتًا من الشعر:
خذي الدف يا هذه واضربي
وغني هذاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعربي
لكل نبي مضى شرعة
وهذه شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وفرض الصيام فلم نتعب
أباح البنات مع الأمهات
كذاك أباح نكاح الصبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي الحج عند الصفا
ولا زورة القبر في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين
من الأقربين أو الأجنبي
لماذا حللت لهذا الغريب
وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربه
وغذاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء
أبيحت فقدست من مذهب
وبئس ما قال هذا الشاعر. ثم توالت بعد ذلك الدعوات إلى الشيوعية على يد عدد من الأشخاص منهم "توماس مور" حيث وضع نظامًا لمدينته الفاضلة الخيالية ضمن شيوعية مالية، ثم جاء بعده "كامب نيلا" الإيطالي في كتابه (مدينة الشمس)، وضمن هذا الكتاب نظامًا اشتراكيًّا لمدينته أغفل فيه الحديث عن الملكية الفردية، كما أغفل فيه الحديث عن الزواج.
هذه نبذة عن تاريخ الشيوعية عمومًا، وبعد هذه الدعوات ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة على يد "كارل ماركس" وزميله "فردريك إنجلز".
رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى
قد زعم الملاحدة أن المجتمع قام على الشيوعية في بدايته، وهذا ما نؤكد عليه أن هذا الزعم إن هو إلا افتراض وظنون، لا يملكون على صحتها أي دليل صحيح، بل كل الدلائل تكذبهم، فقد تصوروا في أخيلتهم أن البشر البدائيين أقاموا فيما بينهم شراكة في كل شيء، قبل أن يتطوروا ويعرفوا الملكية الفردية، رادين بهذا كل ما جاءت بذكره الشرائع وخصوصًا الإسلام، وما شهد به التاريخ وما تواتر نقله في كل الأجيان وما شهد به الواقع على مر السنين، من أن الله تعالى هو الذي رتب حياة الإنسان وطريقة تعامله، منذ أن أهبطه إلى الأرض وإلى أن يرث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
الله الأرض ومن عليها، وأنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الإنسان هو الإنسان من بدايته إلى نهايته، لم يتغير لا في هيأته ولا في طبيعته ولا في حبه للملكية الفردية منذ وجوده على الأرض، أما ما تصوره الملاحدة من انعدام الملكية الفردية وذوبان الشخص في القبيلة؛ إنما كان يصدق على بعض عهود الجاهلية، ممن كان عندهم التعصب الشديد للقبيلة، لكن في غير الملكية الفردية، مع أن تصور عدم ميل كل شخص إلى الملكية الفردية تصور افتراضي بعيد الوقوع ومحال.
نعم، وجد بين أفراد القبيلة الواحدة تعاون قوي وتعاضد وشراكة في السراء والضراء، وتلاحم بين كل أفراد القبيلة إلى حد أن الفرد لا يتصور وجوده وكيانه وانتماءه وما يأخذه وما يتركه إلا من خلال قبيلته، يفعل كل ما تفعله قبيلته ويترك كل ما تتركه دون أن يكون له أي رأي في مخالفة عرف القبيلة، ولكن هذا الحال لا يصلح أن يكون دليلًا للملاحدة على شيوعية البشر، على الطريقة التي قررها "ماركس" وأتباعه، بل إن اعتقاد أن البشر كانوا بمنزلة البهائم في بدايتهم هو الظلم بعينه والكذب على البشرية بعينه، وهو رد صريح لكل ما يثبت في الأديان السماوية من تكريم الله للبشر، ورفعهم عن منزلة الحيوانات البهيمية التي تصورها الملاحدة في تفسيرهم لنشأة البشر، وقيام أمورهم على الناحية الاقتصادية والقبلية فقط كما زعموا.
ثم على فرض مستحيل أن بعض المكتشفين وجدوا قبائل تعيش على الفوضى في كل شيء -بما فيها الجنس- ألا يصح أن يوصف هؤلاء بأنهم شواذ لا قيمة لهم فاسدو الفطرة، وأن وصف البشرية كلها بتلك الوصمة الشنيعة لأجل ما وجدوه هؤلاء عند تلك القبائل الهمجية؛ يعتبر تطاولًا على تاريخ البشر، هذا إن صح أنهم وجدوا بشرًا بتلك الحال مع أن كذبهم وافتراءهم وارد، ذلك أنه ما من إنسان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
يرضى بالفوضى الجنسية في أهله، بل إنها حالة لا ترضى بها حتى الحيوانات البهيمية فضلًا عن الإنسان، فقد أخبر الله عز وجل عن فطرة الإنسان وعن الغيرة الموجودة فيه، منذ أن وجد أبناء آدم على هذه الأرض وقتل أحد ابني آدم أخاه.
وليت شعري لماذا يحرص الشيوعية على إشاعة الجنس أكثر من غيره؟! فإن الشيوعية يحرصون أشد الحرص على إشاعة الجنس بطريقة مشتركة؛ لعله ترغيبًا لمن يتوق إلى ذلك من الشباب والشابات الساقطين، ولظنهم أن الشيوعية ستبنى وتنهض بسبب هذه الدعايات الرخيصة، لكنهم فوجئوا باستحقار الناس لهم، واستهجانهم لهذا السلوك الشائن، فعادوا وزعموا أن شيوعية النساء ليست قاصرة على المذهب الشيوعي، وإنما هي قضية شائعة بين كل الطبقات خصوصًا الأغنياء بصور مختلفة، ولكن هذا الدليل هو دليل واهٍ كبيت العنكبوت، لم يخرجهم أيضًا من استحقار الناس لهم في مناداتهم بالفوضى الجنسية العارمة؛ لأن الباطل لا يستدل له بالباطل، وذلك أن استدلالهم بالمنحرفين لا يعطيهم المبرر لدعواهم، فهو تبرير باطل بباطل، ويكفي أن يقال عن الجميع: إنها أوضاع فاسدة جاهلية يجب أن تصحح، ولا تستحق أن تكون قدوة أو دليلًا يظلمون به فطر الناس ويخدشون كرامتهم، سواء كانوا من الأغنياء أو من الفقراء فهو عمل لا تقره حتى الحيوانات.
وأما زعم الملاحدة أن الناس في الشيوعية الأولى كانوا يعيشون عيشة متساوية لا فرق بينهم؛ فهو افتراض ينقصه الدليل، فمن أين لهم أنهم ما كانوا يشعرون بالفوارق فيما بينهم، وأقل ما فيها فوارق في الذكاء وفوارق في إتقان العمل، وفوارق في القوة الجسدية والنفسية وفوارق في الشجاعة، وفوارق في المال، إلى آخر الفوارق التي لا يجهلها أي إنسان سليم العقل، وحتى الملاحدة لا يجهلونها لولا أنهم يريدون تحبيب الشيوعية إلى الناس وخداعهم بها، وخصوصًا الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
يشعرون بانتقاص المجتمع لحقوقهم أو يشعرون أنهم مغلوبون على أمرهم، ويتمنون أي فرصة لإثبات وجودهم الذي يحلمون به، فانتهز الملاحدة وجود هذه الفوارق الحتمية بين الناس للمناداة بالقضاء عليها، وأنى لهم أن يطبقوا ذلك فعلًا وهو مخالف لما أراده الله تعالى في سنته؛ ذلك أن الله تعالى هو الذي أراد للناس أن يكونوا بهذه الحال؛ منهم الذكي ومنهم البليد ومنهم الغني ومنهم الفقير، إلى آخر الصفات المعلومة بالضرورة من أحوال البشر، فكيف يقضون على ما أراد الله بقاءه؟!
والحاصل أنه لا دليل لهم على كل ما زعموه من تلك المساواة المكذوبة، كذلك لا دليل لهم على زعمهم أن الناس كانوا يعيشون في البداية حياة ملائكية في منتهى السعادة، فهذا الكلام وهذه الادعاءات إن هي إلا خيال فارغ تكذبه حقائق التاريخ، وتكذبه طبائع البشر منذ وجودهم إلى اليوم، بالإضافة إلى أنه لا دليل لهم على هذا الكلام إلا محض أخيلتهم المنكوسة، وإلا فأي زمان من الأزمنة خلا عن الحرب والتنافس بين القبائل على أمور كثيرة، أقلها المرعى والحمى والغنائم، وما إلى ذلك من الأمور التي لا بد من وقوعها ضرورة في كل أجيال البشر؟!.
بواعث الشيوعية
بواعث الشيوعية لم تعد خافية، ففكر صاحبها ومؤسسها "كارل ماركس" لم يعد خافيًا في بواعثه ولا في حقيقته على أحد، فالماركسية بمقاييس العلم وحقائقه ليست بالنظرية المبتدعة التي لم يسبق لها أحد، بل هي تكرار لأفكار قديمة ترجع إلى ما قبل الميلاد، ثم هي في الحديث سرقة علمية من مجموعة فلسفات قال بها "هيجل" و"فيورباخ" وجرى التوفيق أو التلفيق بين أجزائها، ومع ذلك بقيت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
تحوي التناقض وتصطدم بالعلم في مسلماته الحديثة، كما تصطدم بالفطرة والطبيعة في حالتها السوية السليمة.
وبواعث الشيوعية كثيرة منها مثلًا: الباعث الشخصي فيما تحويه شخصية مؤسسها "كارل مردخاي ماركس" اليهودي، فشخصيته كانت -كما ورد في سيرته- مليئة بالحقد على المجتمع الذي عاش فيه فقيرًا محرومًا عالة، حتى على أفراد عائلته من النساء، مما اضطره في مرحلة من مراحل حياته أن يلجأ إلى النصب كوسيلة للتكسب. نعم؛ إذ إنه في مرحلة من مراحل حياته قام ببيع كتابه (رأس المال) لأكثر من دار نشر في وقت واحد، وقبض ثمن الكتاب أكثر من مرة، من أكثر من جهة، وهذا يسمى بلغة القانون ولغة الواقع عملية نصب على مستوى التأليف والنشر.
كذلك تحوي شخصية "كارل ماركس" كما يحكي عنه والده رغبة في الإتلاف والتحطيم والتدمير، ظهرت عليه هذه الرغبة في بداية حياته واعترف بها والده وكفى بشهادة الوالد دليلًا على ولده.
وتحوي شخصيته كذلك ميل إلى التدني والقذارة، ظهر هذا على مظهره وملبسه، كما ظهر في سلوكه الماجن وحياته البعيدة عن القيم، والتي انعكست أو تورثت في إحدى بناته التي عاشت تعاشر إنسانًا بغير زواج، فلما اكتشفت أنه متزوج من أخرى انتحرت، ذلك الباعث الشخصي لا بد أن يكون له تأثيره على فكر "ماركس" حقدًا وإتلافًا وتدنيًا، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه يهودي من سلالة يهود انطبعت كل انحرافات اليهود في نفسه، وغذت ما فيها من حقد وإتلاف وتدنٍّ، وكل إناء بما فيه ينضح، فلا عجب أن نرى أن الفلسفة الماركسية تحوي الحقد والإتلاف والتدني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
هذا هو الباعث الأول من بواعث الشيوعية وهو يرجع إلى شخصية مؤسسها "كارل ماركس". أما البواعث الأخرى فقد تكون في البيئة التي شجعت على نشأة هذا الفكر وعلى انتشاره، وتلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الإقطاع الزراعي -ومن بعده الإقطاع الصناعي- أقصى صنوف الاستغلال، وتلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الكنيسة وافتئاتها على العقول والقلوب أقصى درجات الطغيان، كما بلغ فيها تحلل أكثر رجالها أقصى درجات التحلل، واستغلالهم للدين لتحقيق الكسب المادي، وفرض الإتاوات والتحالف مع الإقطاع والتحالف مع الحكام لنيل أقصى الدرجات كذلك، كل ذلك على حساب شعوب أكثرها فقير ومحروم، على حساب شعوب تتطلع إلى الإنقاذ فتسمع الصيحة الخادعة، التي كان ينادي بها الشيوعيون: يا صعاليك العالم اتحدوا، فأمامكم عالم تغنمونه وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال.
فينخدع العالم المحروم بالصيحة، ويحسب أنها صيحة الإنقاذ، تمامًا مثل الغريق الذي يتشبث بأي شيء، وتمامًا كما قال رب العالمين سبحانه وتعالى في محكم كتابه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (الأحقاف: 24، 25) وهكذا تبدو الشيوعية بخداعها عارضًا ممطرًا، فإذا حلت كانت ريحًا فيها عذاب أليم تدمر كل شيء، وقد يكون هذا الباعث في الأفعى اليهودية التي تخفي رأسها وتنفث سمومها؛ لتحقق ما تواصت به في توراتها المحرفة أو في تلمودها المنحرف، أو فيما أعقب ذلك تدميرًا للأديان بل تدميرًا للجنس البشري كله من الجويم -أي: غير اليهود- لتصل إلى خرافة سيادة الجنس اليهودي وامتلاكه للعالم.
فـ"ماركس" نفسه يقول: "إن حل المشكلة اليهودية يستلزم أن يسيطر اليهود على جميع الأديان"، وذلك بتطبيق ما أسماه التحويل الاشتراكي للعالم بأسره،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
وإذابة الأديان والقوميات في بوتقة الماركسية، ولا عجب بعد ذلك أن نقول لنؤكد على صدق كلامنا عن الباعث اليهودي من بواعث الفلسفة الشيوعية، أولًا: أن صاحب هذا الفكر ومؤسسة هو "كارل مردخاي ماركس" وهو كما قلنا يهودي، وأن ممولي الثورة الشيوعية "إسحاق مونتمر"، و"شبشو ليفي" و"درنوشس" وكلهم من اليهود، أن صانعي الثورة الشيوعية وهم "لينين" وغيره من أعضاء مجلس الثورة، حتى سكرتارية هذا المجلس كانت يهودية وهي زوجة "لينين"، وأن الذين توارثوا هذه الدولة أيضًا كانوا من اليهود، وأن هذه الدولة وهذا المذهب الشيوعي تواصى بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، رغم أنهم -كما قلنا- يعادون الأديان ويعتبرون أن الدين مخدر للشعوب أو أفيون الشعوب كما يقولون، ورغم أنهم حاربوا كل الأديان وشنوا حملة ساحقة على كل الأديان، إلا أنهم تواصوا بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، وهذا يدل على الباعث اليهودي لهذه الفلسفة.
حقيقة الفكر الشيوعي
أما حقيقة الفكر الشيوعي فهو أنه سرقة علمية سطا فيها "كارل ماركس" على فكر "هيجل" و"فيورباخ" في العصر الحديث، وعلى فكر بعض فلاسفة اليونان في العصر القديم؛ ليشكل منهما توفيقًا وتلفيقًا نظرية تقوم على المادة والتناقض، ثم هي الشيوعية كما نسجها "ماركس" صارت متخلفة عن ركب العلم، تتمثل فيها الرجعية لمن يصر عليها، ذلك أن العلم لم يعد يعترف أن المادة هي ما تقع عليه الحواس كما قال بذلك "ماركس"، ومن خلال نظريات الثقب الأسود وصل العلم إلى أن ما تدركه الحواس من المواد لا يمثل إلا سبعة في المائة، أما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
الباقي فهي مواد لم تدركها بعض الحواس، فماذا يضير قول "ماركس" عن المادة بمعيار العلم؟! وهل يصح بعد ذلك أن يضفي صفة العلمية على اشتراكيته؟!.
أما حديثه عن أن في كل مادة تناقضًا فإنه يفتقر كذلك للأساس العلمي؛ إذ إن الملاحظ من الاستقراء والتتبع أن ما في المواد هو التزاوج والتكامل وليس على النحو الذي نرى ونشاهد، ابتداءً من الذرة وانتهاء إلى الجرم الكبير {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس: 40).
في المجال الاجتماعي تساقطت كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات التي ادعاها "ماركس"، بتساقط دعاوى التناقض نفسها التي قامت عليها دعوى الصراع، وكذب التاريخ كذلك هذه الدعاوى بما أثبته من قيام مجتمعات -وعلى مدى طويل- ليس فيها الصراع بين الطبقات، وإنما بينها المودة والرحمة يتمثلها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).
في المجال السياسي سقطت دعاوى ديكتاتورية "البروليتاريا" بما قام في الأنظمة الشيوعية الحاكمة من ديكتاتورية طبقية لا تمت إلى "البروليتاريا" بسبب، تعيش عيشة القياصرة أو الأكاسرة ولا يزال ذهب "الكرملين" يظلهم، وزادوا عليه أن صارت لهم شوارع خاصة لا يسير فيها غيرهم من أبناء "البروليتاريا" أو الطبقة الكادحة.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
الدرس: 10 الشيوعية (2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(الشيوعية (2))
الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قامت الشيوعية الماركسية من أول أمرها على مناهضة الأديان والأخلاق والثقافات، وسائر ما يتصل بغير اليهود أو الجويم كما يسمونهم، وإقامة دولة شيوعية عالمية تحت زعامة أقطاب الشيوعية ومن وراءهم، ويقف من خلفهم الأطماع اليهودية في إقامة الدولة اليهودية الكبرى، التي يرتقبها اليهود بفارغ الصبر، ممثلة في إعادة بناء هيكل سليمان، وتتويج ملكهم الذي يحلمون بأنه سيحكم جميع البشر من اليهود ومن غيرهم، وما الشيوعية إلا حلقة من جملة الحلقات التي يحيكها اليهود للوصول إلى ما خططوه، وقد خطط حكماؤهم تدمير العالم دينيًا وثقافيًّا واقتصاديًّا، ولقد أسهمت الشيوعية في كل تلك المؤامرات وكان لها حظ الأسد في تحطيم الجويم، أي غير اليهود في تصفيات جسدية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وفي إشاعة الفواحش وسائر المفاسد والشرور، حيث فاقوا فيها الشيطان، وأراحوه مهمة تحقيق كل تلك الرزايا، التي حلت بسائر الأمم في دينهم وفي دنياهم على أيدي الملاحدة. ومظاهر الشيوعية الماركسية كثيرة من أبرزها:
أولًا: المادية، وهو الأساس الأول الذي تنبني عليه النظرية الشيوعية، والمادية نسبة إلى المادة وقد قيل في تعريفها: إنها هي الموجود الذي يدرك بإحدى الحواس، مما يخضع لتجربة الإنسان وملاحظاته، وقد ادعت المادية أنها صنو الواقعية، التي تنسب إلى الواقع الذي لا ينكر ولا يكذب، ولقد أصبحت عبادة المادة هي الأساس المشترك لجميع الملاحدة على اختلاف مذاهبهم، ابتداءً من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، إبان قيام التيارات الفكرية الجامحة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
أوروبا ضد الكنيسة، وضد القائمين عليها، واستبدالها بالمادة المهيمنة على كل شيء، إذ يزعمون -وبئس ما يزعمون- أن الكون وما فيه إنما وجد من أصل المادة، وبنوا على ذلك إلحادهم في إنكار وجود الله تعالى، فخرجوا بذلك عن مفهوم هذا التعريف للمادة وتجاوزوه، فإن الأمور الغيبية وأمور الدين لا تخضع لتجربة الإنسان ولا تدركها حواسه، كما بنوا عليها تفسيرهم التاريخي لحياة الإنسان وتطوراته.
وكان الماديون الشيوعيون قد أقاموا هذه الفكرة -فكرة المادية- في مضادة أي شيء يتعلق بعالم الروح والغيب، حيث لا يؤمنون بوجود الروح لأنها تباين المادة، التي إذا وجدت في شيء أعطته الحياة ضرورة، فالمادة هي كل شيء، وجعلوا المادة هي البديل عن الله عز وجل، بزعم أن معاملهم قد أعطتهم الدليل المادي على ذلك، ولقد كذبوا وتناقضوا وظهر جهلهم وتخبطهم في نظرياتهم المتضاربة المتناقضة، فالطبيعة عندهم هي قبل كل شيء ولا نهاية لها، ومنها انبثق كل مخلوق على وجه الأرض، والطبيعة عندهم هي موجودة بذاتها قبل كل ذات، وهي الخالق لكل شيء بقوانينها والعالم عندهم في حركة تغير مستمر.
وهذا التغير يأتي عن طريق تناقض الأضداد، وكل فكرة تؤدي إلى نقيضها والفكرة ونقيضها تؤديان إلى نتيجة جديدة، كلها ناتجة عن ترابط الأشياء بعضها ببعض، ولا يمكن أن يكون أي حادث منفصلًا بنفسه عن البيئة المحيطة به في حركة دائبة يسمونها الحركة في الطبيعة، ويقصدون بها أن كل موجود إنما هو نتيجة لحركة المادة وتطورها بدءًا وانتهاء، تنشأ ثم تضمحل أبد الدهر في تطوير يسمونه التطور في الطبيعة، ويتم هذا في حركات سريعة ضرورية، وأحيانًا تحصل فجأة تنتقل معها الأشياء من البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى، في تطور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
متلاحق طول الوقت، مما ينتج عنه ما يسمونه التناقض في الطبيعة، وهذا التناقض هو الذي ينتج عن تطور الحوادث وتفاعلها فيما بينها، لينتج من التناقض بين القديم والجديد وبين ما ينوط وما يولد وبين ما يفنى وما يتطور، ينتج مصادر تطورية جديدة مختلفة، بمعنى أنه يحدث الشيء حتمًا ثم يحدث ما يضاده لتأتي النتيجة الحتمية الصحيحة، ومن هنا تؤيد الشيوعية التصادم والتضاد بين الأمور لتصل إلى النتيجة من وراء كل تضارب وتصادم.
وكل ذلك إنما هو هوس فكري وتخبط مقيت، وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور: 39). وكل هذه الافتراضات التي يفترضها الماديون إنما يريدون من ورائها أن تحل المادة محل الإله سبحانه وتعالى، وتصريفه الأمور حسب مشيئته وقدرته، وتلك التعليلات العقيمة بوجود الأمور بعد أن لم تكن إنما هو لصرف الذهن عن قدرة الخالق على الإنشاء والإيجاد، وإلا فأي منطق يقتنع بأن الأمور تتطور لمصلحة الإنسان أو لمضرته من تلقاء نفسها، لتنتج أمورًا لا بد منها بزعمهم لتستقيم الحياة ويبقى الكون؟! لقد حاول الماديون -وهم ينكرون موجد هذا الكون- أن يلفقوا شبهات كثيرة ليدللوا بها على إلحادهم، ولكن ما من شبهة من شبههم إلا وهي تصفع وجوههم وتكسر قلوبهم وتقول لهم: معاذ الله أن أكون دليلًا على عدم وجود الذي أوجدني.
فما أن يجدوا أدنى شبهة يكتشفونها إلا ويطيروا بها فرحًا، ويزعموا أن كل ما اكتشفوه يدل على عدم وجود موجد حقيقي لهذا الكون غير المادة وطبيعة المادة الحتمية بزعمهم، وكم حملوا هذه المادة التي تعادل في تصرفاتها عند الملاحدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
تصرفات خالق الكون عند المؤمنين، وكم ظهرت لهم من حقائق حيرتهم في دقة موجدها، ولكن قلوبهم التي أشربت حب الكفر والتمرد -على طريقة أستاذهم إبليس- أبت أن ترجع إلى الحق. فمثلًا قانون الجاذبية الذي أوجده الله وثبت به هذا الكون العلوي والسفلي هو أكبر من السماء وما فيها من مختلف الأجرام، وهو أكبر من الأرض وما عليها، حين اكتشفوه قالوا: عرفنا الآن أنه لا خالق ولا ممسك لهذا الكون إلا الجاذبية، وحين فاجأهم المؤمنون بالله بهذا السؤال: ومن خلق هذه الجاذبية؟ هل خلقتها السماء لحاجتها إليها لتمسك بأجرامها أن تقع على الأرض، أم أن الأرض قد خلقتها لحاجتها إليها ليستقر عليها من فوقها، أما أنها هي بنفسها أدركت حاجة السماء والأرض إليها فأوجدت نفسها؟! سبحان الله عما يفترون.
وحينما أنكروا وجود الله تعالى قيل لهم: هذا الكون العجيب المتناسق المحكم، الذي لا يطغى بعضه على بعض {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس: 40) من هو هذا القوي القهار الذي جعله بهذه الصفة؟ قالوا: المادة، وكأنهم هربوا من ذكر اسم الله تعالى إلى اسم يوافق هواهم، فإذا كانت هذه المادة هي التي أحكمت هذا الكون فهي الإله الحق، فلا يبقى أمامهم إلا النطق باسم الله الكريم، ويتركوا روغان الثعلب والتكلفات الباهتة، فكل ما قالوه من شبهات تافهة -مهما اختلفت أسماؤها- فإنها تدل على انقطاعهم وأنهم مثل الغريق الذي يمسك بكل شيء يقع في يده لينجو من الغرق.
وكم خسارة الملاحدة الشيوعيين حينما أنكروا خالق هذا الكون، في مقابل التعصب لآراء ذلك اليهودي "ماركس" الثائر النفس الحاد المزاج المتعصب لقومه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
اليهود، الذي سعى إلى الانتقام من العالم كله بسبب مواقفهم من اليهود الحاقدين على الله تعالى، وعلى كل البشر؛ لأنهم لم يجعلوهم سادة العالم وحكامه كما وعدهم الله بذلك، حسب افتراءات واضعي التوراة، فآلوا على أنفسهم أن يقفوا جنبًا إلى جنب مع الشيطان؛ لإغواء البشر ولتحطيم دياناتهم وإفساد أخلاقهم، ولن يتم هذا بإذن الله ولن يتم الله بحوله وقوته لهم ذلك، والله تعالى غيور على دينه فليموتوا بغيظهم وحقدهم، وسيزيلهم الله هم والمادة التي عبدوها من دونه عز وجل.
الأساس الثاني من الأسس التي تنبني عليها الشيوعية بعد المادية هو: الجدلية أو الديالكتيك، فكما قلنا: إن المادة عند الشيوعيين هي كل شيء وليس وراءها شيء، أنها تتطور صعودا وفق قانون الجدلية -الديالكتيك- وكذلك التاريخ نفسه يسير حسب هذا القول حسب هذا القانون حتمًا بزعمهم، وتكون هذه المادة وفق ما تقترن به فتسمى المادية الجدلية في الكون إذا كانت تتعلق بتغيرات الكون وأحداثه، وإذا كانت تتعلق بسلوك الناس سموها المادية الجدلية في التاريخ، فالجدلية في المذهب الماركسي تعتبر بمثابة ركن من أركانه، وأنها هي قانون حركة الوجود كله، تعود أساس هذه الفكرة -فكرة الجدلية- عند "ماركس" إلى تأثره بالفيلسوف "هيجل" واسمه "جورج ويلهالم فريدريك هيجل"، وهو ألماني كان يؤمن بوجود إله يصفه بأنه غير متناهٍ، أو هو الوجود المطلق أو العقل المطلق ومنه ظهرت الطبيعة.
وقد خالفه "ماركس" في مفهوم هذه الجدلية فعكس الأمر تمامًا، حتى تبجح "ماركس" بأنه قد أوقف آراء "هيجل" على قدميها، بعد أن كانت واقفة على رأسها بزعمه؛ بسبب أن "هيجل" كان يرى في جدليته أنها منطلقة من الله إلى كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
الأكوان، وأن الفكرة هي الأصل والمادة ناتجة عنها، بخلاف ما يقوله "كارل ماركس" في جدليته التي تقول: إن الله تعالى هو من اختراع الفكر الإنساني وخيالاته، وليس عن حقيقة، وأن الأساس هو المادة، والفكر ناتج عن المادة، وهذه الجدلية -جدلية "ماركس"- تلاحظ دائمًا أن هذا الكون دائم التغير والتطور في فعل ورد فعل أشبه ما يكون بحركة المتجادلين، وقد أرجع "ماركس" هذا التجادل إلى المادة وتأثيراتها، بينما كان "هيجل" يرى أن تلك التغيرات هي للقوة الغيبية التي هي المؤثر الحقيقي فيها، وقد تصور "هيجل" حسب خياله أن تلك الحركة في التغيير والتطور في الكون تسير وفق دورات لولبية صاعدة دائمًا، وكل دورة قسمها إلى ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: وسماها الطريحة أو أطروحة أو الدعوة أي الأمر.
المرحلة الثانية: سماها الجمعية أو نفي النفي أو جامع الدعوى أي النتيجة. فمثلًا البرعم يسميه الطريحة ونقيضه الزهرة، ثم تأتي الجمعية التي هي الثمرة وهي أرقى من البرعم والزهرة في تطور متصاعد دائمًا، وبعضهم يسمي هذه المراحل الوضع ونقيضه، ومؤتلف الوضع ونفيه، وكلها افتراضات خيالية تصورها "هيجل" في تضاد دائم بين الشيء ونقيضه، والنتيجة النهائية لهذا النقيض الذي يمشي صاعدًا في تطور هو نهاية كل نقيضين، وغاب عن "هيجل" وعن غيره -ممن يرددون هذه الدعوات- أنه لا يمكن اجتماع النقيضين في وقت واحد وعلى شيء واحد لأنه مستحيل إلا في خيال الفلاسفة الفارغين.
وما زعمه "هيجل" من أن الأشياء كلها في تطور متصاعد هو فكر غير صحيح في كل الأمور، فإذا صح في بعض الحالات فإنه غير صحيح في كلها. فمثلًا الإنسان وهو حي يسمى حسب نظرية "هيجل" طريحة، ثم يأتيه الموت فيسمى نقيضًا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
ثم يتحول إلى تراب فيسمى جميعة، فأين التطور التصاعدي في هذا حسب نظرية "هيجل"؟! أو مثل الغريزة الجنسية هي الطريحة والكبت هو النقيض والتسامي هو الجميعة، أي المحصلة النهائية الحتمية الوقوع لكل من الطريحة والنقيضة، لكن لنفرض أن الأمور لم تسر إلى نهايتها وهي الجميعة، بأن حصل معوق للشخص بعد ظهور النقيضة، بأن مات أو جُن أو حصل له أي أمر خطير وانتهى، فأين التصاعد في هذا وغيره من الأمثلة التي تكذب حتمية التطور التصاعدي في كل شيء؟!.
وهذه الجدلية عند "ماركس" أو ما يظهر منها عدم إيمانه بالله تعالى، وإيمانه بدلًا عنه بالمادية الجدلية وتطورها، وأنها هي التي أنشأت الدين والسياسة والقانون والأخلاق بل والإنسان نفسه، فالإنسان في نظره إنما هو من نتاج تلك المادة وفكر الإنسان أيضًا كذلك، بل وجود الله تعالى إنما هو من صنع الإنسان المادي وفكره في عقيدة "ماركس"، وهو بهذا قد قلب جدلية "هيجل" التي قامت على الإيمان بالغيب الإلهي إلى المادة وحدها عند "ماركس"، ويصح أن نقول: إن "ماركس" قد قلب نظرية "هيجل" على رأسها بعد أن كانت على رجليها المعوجتين هي الأخرى، فحينما تسأل ماركسيًّا عن سر وجود هذا الكون تجده يجيبك بجواب سخيف تافه، فيقول: إن الكون قد تطور بنفسه إلى أن أصبح على ما هو عليه اليوم في هذا التناسق البديع.
ويجيب عن سريان الحياة في الكون بأنه بعد أن اكتمل وجود الكون تطور تلقائيًّا، إلى أن وجدت الحياة على ظهر الأرض ومِن ضمنها حياة الإنسان الذي وجد ضمن حركة التطور الديالكتيكي، دون أن يكون لها أي مؤثر خارج عن نطاقها غير التناقضات والتضاد الكامن في المادة. كما أنه قد احتدم الخلاف جدًّا بينهم في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)