قضية العقل والفكر والمادة، أيهما السابق والمؤثر في الآخر؟ فالمثاليين منهم -أي المؤمنون بالإله الغيبي ومنهم "هيجل"- يرون أن العقل هو الأساس والمتقدم على المادة وما ينتج عنه، بينما الماديون -وهم منكرو الخالق: "ماركس" وأتباعه- يرون أن لا شيء في الإيجاد سوى المادة وهي المتقدمة والمنشئة حتى للإنسان وأفكاره، ويتلخص الجدل الماركسي في ثلاثة قوانين:
أول هذه القوانين: هو قانون التغير من الكم إلى الكيف، وهو ما يحدث في نظرهم بطريق المفاجأة، كتحول الماء الساخن إلى بخار بزيادة النار عليه.
أما القانون الثاني: فهو قانون صراع الأضداد والذي يأتي من داخل الأشياء نفسها، من بذرة النقيض التي توجد في داخل كل شيء وليس من الخارج.
وأما القانون الثالث: فهو قانون نفي النفي، أي أن كل مرحلة تحدث تنفي سابقتها ثم تنفيها مرحلة تالية وهكذا، والآن بعد أن رأينا هذه القوانين المادية والجدلية نرى أن هذا الهراء -الذي يتحدثون عنه- قد ظهر لكل ذي عينين أنه بعيد عن الحق.
فإذًا الماركسية الآن كما يقولون في العراء، وقد انكشفت في أقبح صورة وانجلت الغمة عن الناس، فظهروا في أتعس حال، وإذا بأكاذيبهم وهرائهم يداس بالأرجل، فقد راهنوا أن نظريتهم الإلحادية ستعم الأرض كلها، وسيصبح البشر كلهم ملاحدة، كافرين بالذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم سواهم أشخاصًا، في غاية الخصومة لربهم وقاهرهم متنكبين الحق متعالين على الناس، محتقرين لكل نواميس هذا الكون ومحتقرين لكل الشرائع والكتب المنزلة والأنبياء الكرام، في جدال بالباطل لا يملكون على كل نظرياتهم أي دليل حقيقي إلا ما زخرفوه من شبهات باطلة ونظريات زائفة، لا تثبت أمام الحقائق، حتى وإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
صوروها على أنها حقائق لا تقبل الجدال، وأن كل ما عداها محل شك مستندين إلى ما تم لهم من اكتشافات تجريبية.
لكن هذه الاكتشافات التجريبية كلها تصرح بعظمة الباري جل وعلا، ولكنهم قلبوا الحقائق وجعلوا منها أدلة على إلحادهم، وكل ما هو لله سبحانه وتعالى جعلوه للطبيعة التي عبدوها من دون الله، وزعموا أن الطبيعة هي التي تسير الكون في تناسق عجيب محكم وترابط متشابك، وكان هذا يكفي دليلًا على وجوب الإيمان بوجود خالق مهيمن على كل ذرة في هذا الكون، يسيره على نسق واحد دون اختلاف حسب سننه في الكون، ولكن الشيطان حال بينهم وبين التفكير الصحيح، فقلبوا هذه الحقيقة وزعموا أن هذا التناسق إنما هو من شأن الطبيعة والمادة، التي وصفوها بأنها لا بداية لها ولا نهاية لها، حتى لكأن الخلاف بينهم وبين المؤمنين بالله تعالى خلافًا لفظيًّا.
المؤمنون يسمون هذه الطبيعة إلهًا وهم يسمونها مادية. قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} (الطور: 35)، وكان يجب أن يسميهم الناس مجانين حينما زعموا أن الكون وجد بدون موجد، وحدث بعد أن لم يكن حادثًا دون محدث له، غير ما توهموه من تجمع ذرات هذا الكون وتطورها، إلى أن أحدثت هذا العالم والكون وما فيه من أجرام علوية وسفلية، وكلها عن طريق الصدفة والارتقاء، ولو قلت لأحدهم: إن عمودًا كهربائيًّا وجد بذاته وأصبح ينير للناس الطريق لضحك من قائله ونسبه إلى الجنون، بينما هذه الشمس وهذا القمر وهذه الكواكب وهذه الثمار في الأرض والأنهار والجبال كلها يقولون عنها: إنها وجدت بدون خالق. إن الملاحدة يعترفون بعجزهم التام عن معرفة سر وجود الحياة لأي كائن مهما كان صغر حجمه أو كبر حجمه، وأنهم لا يستطيعون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
إرجاع الروح لصاحبها إذا بلغت الحلقوم، فأين المادة التي يتشدقون بأنها هي الموجدة لهذا الكون؟! ولماذا لا يتوسلون إليها لإرجاع الروح بعد أن يصبح الجسد مادة هامدة؟!.
أما ما يرددونه من أن كل الأشياء تحوي تناقضات داخلية مجتمعة في وحدة يسمونها وحدة الأضداد أو وحدة المتناقضات تتصارع فيما بينها، ثم ينتج عن ذلك الصراع تطور في صعود دائم لا ينتهي، فهو افتراض سخيف؛ إذ لا يوجد إلا في الذهن، والذهن قد يتصور أن المستحيلات ممكنة أحيانًا، ذلك أن اجتماع النقيضين أمر غير ممكن، إلا إذا صدقنا بأن الحرارة والبرودة تجتمع في النار، أو الحياة والموت يجتمع في الشخص في وقت واحد، وليس من هذا ارتفاع الضدين في وقت واحد فإنه ممكن، كقول الناس: هذا لا هو أبيض ولا هو أسود، أي هو على لون غير هذين اللونين أصفر أو أحمر مثلًا، أما أن يقال: هذا أبيض وأسود أو ساكن ومتحرك في وقت واحد فهو مستحيل. أيضًا لقد غلا الشيوعيون في تقديس المادة وعتو عتوًّا كبيرًا، إلى حد أنه تنطبق عليهم المقالة المشهورة: إذا حدث الشخص بما لا يعقل فصدق فلا عقل له.
فأي عقل سليم وأي فطرة سليمة تصدق أن المادة الصماء هي الخالقة وهي الرازقة وهي المدبرة لجميع أمور هذا الكون؛ علويه وسفليه ظاهره وخفيه؟! مع اعترافهم هم أيضًا بأن تلك المادة لا حياة لها ولا فكر ولا تدبير في البدايات الأولى لها، غير ما تخيلوه أنها بعد ذلك تطورت حتى أوصلت هذا الكون على ما هو عليه الآن، ثم يقولون: هي أزلية لا بداية لها ولكنهم يتوقفون حينما يقال لهم: إنها حادثة، ولا يستطيعون الجواب لأنهم متناقضون، وإذا أفحمهم العقلاء عن سر وجود هذا الكون قالوا بأن الكون وجد من العدم، ولا يبالون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
بسخف واستحالة هذا القول والقول الآخر بأن المادة هي التي تسير العقل وتوجد الفكر، لا أن العقل هو الذي يوجد المادة ويكيفها كما يريد مكابرة منهم وجهلًا شنيعًا، حيث صار المصنوع صانعًا على حسب مفهومهم، فالطائرة هي التي كونت فكرة الإنسان لصناعتها، وما الذي يمنعهم من هذا وقد زعموا أن الحياة كلها ظهرت صدفة دون مدبر عليم؛ نتيجة تفاعلات المادة الناتجة عن حركتها الذاتية المستمرة، لا أن هناك ربًّا خالقًا لها؟! وهي مكابرات لعلهم أول من استيقن بطلانها، لولا العناد والاستكبار وتنفيذ خطط ماكرة أملتها عليهم الأحقاد اليهودية على مر السنين.
ونناقش الآن مسألة التطور في كلامهم، وهي المسألة التي تتردد على ألسنة كثير من الناس، بعضهم يدرك المدلول والمغزى الأساسي لها، وبعضهم يعرفها بصورة مجملة ويرددها على هذا المفهوم، وهي في ظاهرها كلمة جميلة توحي بالتجديد والنشاط والحيوية المطلوبة، إلا أنه ينبغي أن ندرك أن كثيرًا من أصحاب الأفكار الهدامة قد استغلوها استغلالًا فاحشًا، وبنوا عليها آراءهم التي يهدفون من ورائها إلى تغيير المفاهيم السليمة، والمعتقدات المستقيمة والحياة الاقتصادية تغييرًا جذريًا، يتفق مع ما بينوه لقلب الحياة الاجتماعية، وحسبنا هنا أن نذكر مفهوم التطور بصورة موجزة، وهل التطور الذي يريده الشيوعيون هو تطور حقيقي، أما أنها خرافات وهمية تخيلوها لتأييد ما يهدفون إليه من الإلحاد؟ فالتطور بحد ذاته يراد به: الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، والتغيير من حال إلى حال، والواقع أنه إما أن يكون التطور في خلق الإنسان وتركيبه، وإما أن يكون في أصل نشأة الكون وما فيه.
فأما التطور بالمفهوم الأولي في خلق الإنسان وتركيبه وهو حق، وهو ما جاء ذكره في كتاب الله تعالى في بيانه لخلق الإنسان، والمراحل التي يمر بها في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} (نوح: 14). أي أوجدكم طورًا بعد طور، وهو ما فسره الله تعالى بقوله في آية أخرى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} (المؤمنون: 12 - 16). هذه هي أهم الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته الجسمية وهي خاصة ببني آدم، أما آدم فإن هذه التطورات لا تشمله، فقد خلقه الله بيده من تراب الأرض ثم نفخ فيه الروح فكان بشرًا سوي ًّ ا، أما التطور بالمفهوم الثاني فإنه ينقسم إلى قسمين:
قسم نشأة هذا الكون والمراحل التي مر بها في تطوره إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن. والقسم الثاني: يتعلق بمعرفة أصل نشأة الكائنات الحية، المراحل التي مرت بها في تطورها وفي أولها الإنسان، وكيف نشأ وكيف تطور في وجوده وفي تفكيره وفي معيشته وفي عبادته، حسب تفكير أصحاب نظرية التطور، وفي أولهم "داروين" وحفيده ومن جاء بعدهما على هذه الفكرة الباطلة، التي أصبح دعوى التطور فيها من أهم خصائص المذهب الشيوعي، حيث يقصدون بالتطور أن كل أمر في هذا الوجود يتطور ويتقدم إلى الإمام في خطوات متتابعة إلى ما لا نهاية بزعمهم، ويستدلون على ذلك بما قرره "داروين" من أن الإنسان كان مائيًّا ثم برمائيًّا ثم بريًا، ثم عرف الرق ثم الإقطاع ثم الرأسمالية إلى أن عرف الشيوعية الماركسية وسيتطور فيما بعد.
ولا يغيب عن الطالب الذكي وضع الشيوعية اليوم، حيث أقر الله عيون أهل الإيمان بموتها في عقر دارها، وهذا من الأدلة الدالة على كذب أحلام الملاحدة فيما تصوروه عن التطور المزعوم وأبديته، وانتشار المذهب الشيوعي تلقائيًا، كما أن هذا المفهوم الذي قرره الملاحدة لتطور الأشياء لم يكن صحيحًا، فوجود المادة لا يطور أحدًا وليس وجودها كافيًا لتطور الإنسان، ومعلوم أن الماديين وهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
جاهدون وجادون في محو كل القيم الإنسانية أو أي شيء يؤدي إلى احترام إنسانية الإنسان، معلوم أنهم يعرفون تلك الحقيقة ولكنهم يتحاشون البوح بها؛ لئلا يؤدي ذلك إلى احترام القيم والمثل، ولئلا يؤدي ذلك إلى التهذيب الديني للإنسان، الذي يجعل كل الفضائل للمادة خيرًا من جعلها للإنسان في ميزان الملاحدة؛ لأن المادة لا خطر من ورائها، ولا يؤدي احترامها إلى فرض القيم الدينية التي يخافونها، والتي تذكرهم باستبداد الدين النصراني المحرف.
فتطور الإنسان في حياته المادية في معيشته وفي طريقة سكنه وفي ملبسه ومركبه أمر واقع، فقد كان الناس يركبون الجمال والبغال والخيل، واليوم أصبحوا يركبون السيارات والطائرات والسفن، وغير ذلك من الوسائل التي تطور فيها الناس، وهذا التطور بهذا المفهوم أمر حقيقي لا يجهله أحد، إلا أنه لم يكن نتيجة لتصادم الحاجات، كما أن وجود القيم الإنسانية والأخلاق والدين وسائر الفضائل -التي امتاز بها الإنسان عن الحيوانات البهيمية- لم تنشأ عن صراع وتناقض، ولم يكن فيها الإنسان كالحيوان في المعايير والقيم والسلوك، كما قرره الملاحدة حسب ما استخلصوه من نظرية "داروين" و"فرويد".
الشيوعية والأسرة
يزعمون أن نظام الأسرة إنما هو ناشئ عن أوضاع اقتصادية، مثله مثل سائر القيم والأخلاق، وليس هناك نظام إلهي بشأنه، ولهذا فنظام الأسرة في نظرهم قابل للتطور حسب الأحوال الاقتصادية؛ لأن الأسرة في النظام الشيوعي إنما نشأت عن تطورات متلاحقة، حسب تفسيرهم المادي للحياة، وكانت بداية الأسرة على الأقسام الآتية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
القسم الأول: أسرة الجيل.
القسم الثاني: أسرة الشركاء.
القسم الثالث: الأسرة الزوجية.
القسم الرابع: الأسرة الوحدانية.
أما القسم الأول -وهو أسرة الجيل كما تصوروها- فيزعمون أن العلاقات الجنسية كانت مباحة فيها بين أبناء الجيل الواحد، بين الإخوة والأخوات ومحرمة فيما دون ذلك، أي بين جيل الآباء وجيل الأبناء، ثم حدث تطور جديد فحرمت فيه العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات بطريقة تدريجية، أما أسرة الشركاء فكانت العلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع في شراكة تامة، بحيث أصبح الولد لا يعرف له أبًا، ومن هذه الأسرة انبثقت أسرة العشيرة. أما الأسرة الزوجية فقد عرفت بمباشرة الرجل لزوجة واحدة في رباط زوجي، وأما الأسرة الوحدانية فهي الأسرة التي تقوم على سيطرة الرجل، ولا شك أن هذا التقسيم وهذا التنظيم إنما هو محض خيال وافتراء، ومن العجيب أنهم يعترفون أن الناس في ذلك الزمن ما كانوا يعرفون الحضارة ولا التقدم ولا القراءة ولا الكتابة، فمن أين لهم هذه السجلات التي استقوا منها هذه المعلومات الموغلة في القدم {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (النمل: 64).
والإنسان في مفهومهم مرة يجعلونه بدائيًّا تافهًا بل حشرة من الحشرات، ومرة يجعلونه أساس التطور حينما يعيش على نظام كل شيء مشاع، ولهذا فهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى تلك الحال التي يعبرون عنها بالحال السعيدة للمجتمع البشري، والباطل لابد وأن يتناقض أهله فيه. لقد داس الملاحدة على كل القيم إذ لا وجود لها عندهم، إلا من خلال ما تمر عليه الظروف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
الاقتصادية، التي هي المؤسس الحقيقي بزعمهم لكل القيم والأخلاق والأسرة والدين وسائر العلاقات، ومن هنا ساغ لهم القول بأن الملكية الجماعية الشيوعية في زمن الشيوعية الأولى البدائية كانت صوابًا؛ لأنها كانت هي الوضع الحتمي لذلك الوقت، ثم تغيرت بفعل التطور إلى ملكية فردية، وكانت كذلك مرحلة مرت ثم نشأ الرق والإقطاع إلى آخر ما يقولون.
لقد نسي أولئك الملاحدة -أو تناسوا عمدًا- أن الذين أقبلوا على الفوضى الجنسية وقطع العلاقات الأسرية؛ نسوا أن هؤلاء يعيشون عيشة ملؤها القلق والاضطراب والأمراض العصبية، مع أنهم يتوفر لهم كل ما يطلبونه من المتع الجنسية ومن المال أيضًا، ولكن لماذا يبادر أولئك إلى الانتحار المتتابع؟! وما أكثره في أوروبا بين الرجال والنساء والأحداث، وما أكثر ما يتأوه عقلاؤهم من أوضاعهم التي تزداد سوءًا كلما ازداد تفكك الأسر، وفشت الجرائم تحت تسمياتهم الخادعة، ما خدعوا به الناس وأخرجوهم عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها إلى الشقاء وتأنيب الضمير.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
الدرس: 11 الشيوعية (3).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(الشيوعية (3))
هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قضية وجود الله تعالى أو عدمها قضية ما كان لها أن تبحث …
ففي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد
فوجوده سبحانه وتعالى يتمثل بوضوح في كل هذا الوجود، من أصغر مخلوق إلى أكبره ومن الذرة إلى المجرة، بل إن الإنسان من أكبر الأدلة على وجود الله الحكيم الخبير، فأي موجود يستطيع أن يزعم أنه هو الذي أوجد نفسه، وعلى الصورة التي أرادها أو قدر لنفسه رزقه وأجله ومصيره بعد ذلك؟! لكن هناك فئة شاذة استهواهم الشيطان فمات قلبهم وإن كانوا أحياء يرزقون، فذهبوا يعترضون على وجود الله تعالى وهذه الفئة هم الملاحدة، ولقد كثرت الردود على الملاحدة في هذه القضية الخطيرة بما لا يكاد يحتاج إلى زيادة، لكن المؤمن السليم الفطرة الذي لم تنحرف به شياطين الإنس والجن حصل في قلبه تضايق من سرد هذه الأدلة؛ فالله عز وجل أجل وأعظم من أن يحتاج وجوده إلى شخص من الناس يثبته أو يجادل خصومه لإثبات وجوده.
لا يمكن أن نجد إنسانًا سليم العقل والفطرة يعتقد أن الله سبحانه وتعالى يخفى على عباده، فالعقل والكون كله وجميع المخلوقات من نبات وجماد وحيوان وإنسان وغيرها ومن ساكن ومتحرك، كلها تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وتشهد بقدرته وحكمته ولطفه وعظمته جميع ذرات هذا الكون، ولذلك فلسنا في حاجة إلى الإتيان بحشود من الأدلة، وما أكثرها على وجود الله وما أكثرها في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ففي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يشفي ويكفي لمن عنده أدنى شك في وجود المولى عز وجل. ومن العجيب أن يستدل الملاحدة على إنكار وجود الله تعالى بأدلة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
هي أقوى الأدلة على وجوده وخلقه لهذا الكون وتدبيره له، ولعل الذين جرءوا فنفوا وجود الله عز وجل إنما حملهم على هذا ما وجدوه من أوصاف الإله سبحانه في التوراة والإنجيل، التي حرفت بأيدي اليهود والنصارى، فهم يصفونه في هذه الكتب المحرفة -وحاشاه- من أنه شاخ وكبر وينسى ويأكل ويشرب ويمشي ويجلس ويحزن ويندم ويهم بالشيء ثم لا يفعله، تعالى الله عما يصفون.
نعم؛ إن مثل هذا الإله بصفاته من السهل جدًّا إنكاره، خصوصًا إذا أضفنا إليه الصفات التي وردت في التلمود، من تعلقه ببني إسرائيل وتدليله لهم وغضبه أحيانًا عليهم، ثم يضرب وجهه ويندم ويبكي ويلعب مع الحوت الكبير، إلى آخر تلك الصفات التي تدل على سقوط المتصف بها، فضلًا عن اعتقاد احترامه، ولكننا لا نبحث عن هذا الإله ولا عن الإله الذي اعتقدت الشيوعية فيه أنه يحابي الظلمة، أو أنه لا وجود له إلا في أذهان الرجعيين لأنه غير منظور وغير موجود، متجاهلين أنه ليس كل موجود حتمًا يُرى، كوجود الهواء الذي نحس به ولا نراه وكوجود العقل في الإنسان، إذ نفرق بين المجنون وبين العاقل بوجود الروح إذ نفرق بين الحي والميت، والجاذبية والمغناطيسية والكهرباء وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى.
فنحن نؤمن بهذا الإله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الإله الذي يعلم السر وأخفى، إله خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، نؤمن بهذا الإله الحق ونكفر ونلعن من يشك في وجوده، فلقد تيقن كل إنسان أنه لم يخلق نفسه وأن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا المادة ولا الطبيعة خلقت أحدًا، إذ إن المادة والطبيعة مخلوقة مقهورة، كما أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول: إنه يخلق شيئًا ما أو إنه خلق نفسه أو غيره، وقد استيقن بهذا حتى أكابر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
الملاحدة، وما جحد من جحد منهم وجود الله إلا عنادًا واستكبارًا وبغضًا للكنيسة ورجالها، ولقد صاح المفكرون في أوروبا وشهدوا على النصرانية والإلحاد بالضلال، وهذه الشهادة -الصادرة على ضلال هذه الطوائف من أهلها- إنما هي أكبر دليل على أن الإلحاد لا استقرار له ولا مكان، وإنما هو زوبعة عارضة ستنتهي -إن شاء الله تعالى- كما انتهت سائر الأفكار الباطلة.
ومن الذين شهدوا على ذلك من علماء أوروبا "رسل تشارلز أرمست" وهو أستاذ للأحياء والنبات بجامعة "فرانكفورت" بألمانيا حيث قال هذا الأستاذ: "لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات، ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به أن جميع الجهود التي بذلت -للحصول على المادة الحية من غير الحية- قد باءت بفشل وخذلان ذريعيْن.
ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجميع الذرات والجزيئات من طريق المصادفة يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها، وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة فهذا شأنه وحده، ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذي خلق الأشياء ودبرها، إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها، وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته، شهادة تقوم على الفكر والمنطق. ولذلك فإنني أؤمن بوجود الله إيمانًا راسخًا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
ويقول "إرفنج وليم" الحاصل على الدكتوراه من جامعة "أيوا" وأخصائي وراثة النباتات، وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة "ميتشجن" يقول: "إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها، والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد، كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا -بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها- كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة"، ويقول "وينشستر" المتخصص في علم الأحياء يقول: "ولقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء، وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة، وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون.
انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق، فهل تستطيع أن تجد له نظيرًا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟! إنه آلة حية تقوم بصورة دائبة -لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار- بالآلاف من التفاعلات الكيميائية والطبيعية، ويتم ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم، وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية، فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة؟!.
إن الله لم يصنعها هكذا وحدها ولكنه خلق الحياة وجعلها قادرة على صيانة نفسها، وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل، مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعينها على التمييز بين نبات وآخر. إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء وأكثرها إظهارًا لقدرة الله".
هذه نماذج من أقوال علماء الغرب عن عظمة الكون وشهادته على وجود الله، وهناك عشرات -بل مئات الأدلة- على خالق هذا الكون ومدبره، وشهادة هؤلاء العلماء -كل في مجال تخصصه- شهادة حق والحق مقبول من أي شخص كان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
والملاحدة وهم ينكرون وجود الله تعالى، ولا يعترفون بأنه هو الخالق المدبر لهذا الكون وما فيه، هم أقل وأذل من أن يصلوا إلى قناعة بإنكارهم، وهذا إجرام شنيع ولم يكتفوا به، بل أضافوا إلى هذا الإجرام زعمهم أن العلم هو الذي دل على هذا، وأن البديل عن الله تعالى هي الطبيعة، التي قالوا عنها بأنها هي التي خلقت السموات والأرض والإنسان والنبات وسائر المخلوقات، فكيف تم ذلك حسب تعليلهم؟
قالوا -وبئس ما قالوا-: إن وجود هذا الكون وما فيه إنما هو نتيجة حركة أجزاء المادة، وتجمعها على نسب وكيفيات مخصوصة بوجه الضرورة بدون قصد ولا إدراك، وبسبب تلك الحركة أخذت تتجمع أجزاء المادة المختلفة الأشكال على كيفيات وأوضاع شتى، فنتجت تلك المتنوعات. هذا هو مبلغهم من العلم، مبلغهم من العلم أن كل شيء وجد بطبيعته عن طريق الصدفة والحركة التطورية دون قصد ولا إدراك، على أن هذه الطبيعة التي يزعمون أنها تفعل كل ما تريد نجد أن بعضهم لا يحترمها، بل يتعمد الإساءة إليها وإهانتها بأنواع السباب واللمز في إرادتها وقوتها ووفائها.
وإليك ما قاله وزير خارجية أكبر دول العالم وأقواها، في عتابه المرير وتهكمه بالطبيعة حينما لم تحقق لهم آمالهم وما يطلبونه منها، فقد قال "كولن باول": "إننا ندين تخلف الثلج عن موسم الأعياد، راجيًا الطبيعة الأم أن تعالج هذه المسألة". إلى أن قال: "لا يمكن لشيء أن يبرر إفساد هذا الحدث الهائل. إننا ندعو الطبيعة إلى القيام بمبادرة فورية". وقال: "إننا نعتبر استمرار الطبيعة في رفض القيام بواجباتها حيال الدول المتحضرة عملًا استفزازيًّا". فيا ترى ماذا يقصد بالطبيعة الأم؟! إنه إلحاد وكفر وسخف، فما هي الطبيعة الأم التي يتحدث عنها هؤلاء ويقولون:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
إنها هي التي تخلق وتحيي وتميت وترزق من تشاء وتمنع من تشاء، وتخاطب بتلك اللهجة الحارة المفتقرة إلى الأدب؟! فمن المعروف أن الطبيعة لا تخلو عن أن تكون:
أولًا: إما أن تكون هي نفس الذوات الموجودة في الكون من الحيوان والنبات والجماد، وهذه كما نرى لا يصح الاستغاثة بها ليتساقط الثلج في موسم الأعياد، ليلهوا ويلعب بها طغاة اليهود. ثانيًا: وإما أن تكون هي صفات الأشياء الموجودة في العالم؛ من حركة وسكون وحرارة وبرودة وليونة ويبوسة إلى غير ذلك، وهذه أيضًا كذلك لا تملك لنفسها وجودًا ولا عدمًا، ومهما كان الجواب فإنه خطأ وجهل شنيع حين يسند إيجاد هذا الكون البديع عن طريق طبيعة لا تعقل، فلا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرًا ولا نفعًا، فهل يتصور أحد أن من لا يعقل يخلق من يعقل، وهل يستطيع شيء لا إرادة له ولا غاية أن يخلق كائنًا له إرادة وغاية؟!.
إن الإنسان كائن عاقل مدبر وله إرادة وله هدف وله غاية، والطبيعة ليست لها تلك الصفات فهي ناقصة، فهل يمكن للناقص أن يوجد الكامل؟! إن هذا الكون محكم متقن كما قال الله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس: 40).
فالكواكب محكمة بإتقان والبحار لا يطغى بعضها على بعض، والحيوانات لا تلد إلا نفس الحيوان من جنسها، والشجرة لا تنبت إلا نفس الشجرة، وقس على هذا سائر ما تراه في هذا الكون، فالإنسان هو الإنسان والبقرة هي البقرة والكبش هو الكبش أينما اتجهت في هذه الأرض، مما يدل على أن الخالق واحد، فكيف تستطيع الطبيعة أن تدير هذا الكون بهذه الدقة المعجزة، التي تشهد آياتها في كل ما حولنا من شؤون الكون؟! والحياة تشهد أن لها خالقًا قاهرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
ثم يقال أيضًا لهؤلاء الملاحدة: هل لأجزاء المادة إرادة وقصد في تنويع المخلوقات في العالم؛ من نجوم وكواكب ومعادن ونباتات وحيوانات وبشر؟! كيف يفترض إنسان أن يكون كل هذا وجد بفعل ذرات الطبيعة الصماء؟! إن المادة لا عقل لها ولا بصر كي ترتب المخلوقات وتنظم شؤونها، ولا منطق لها كي تفكر في مستقبل الأشياء وما تحتاجه، وهذا يعني أن القول بخلق الطبيعة للوجود لا يخرج عن تفسير الماء بالماء، فالأرض خلقت الأرض والسماء خلقت السماء، والأصناف صنعت نفسها والأشياء أوجدت ذواتها، فهي الحادث وهي المحدث وهي المخلوق والخالق في الوقت ذاته، وبطلان هذا القول بين وهو لا يخرج عن أمرين: إما الادعاء بأن الشيء وجد لذاته من غير سبب وهذا قول فاسد، وإما ازدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد، فالسبب عين المسبب وهو مستحيل وهو تهافت وتناقض لا يحتاج لشرح.
ولو كانت الطبيعة هي الخالق -كما يقولون- لكانت قوانينها واحدة، المريض لابد أن يموت والصحيح لا يمرض، والنبات الذي يسقى بماء واحد لا يختلف طعم ثمره، لكننا نرى العكس أحيانًا نرى المريض يشفى والصحيح يموت بدون مرض أو علة، ونرى الزرع والنبات في ساحة واحدة يمتص غذاءه في الأرض من تراب واحد ويسقى بماء واحد، ولكن الثمر قد يختلف في المذاق وفي الألوان وفي الروائح والمنافع والمضار، فهل هذا كله من صنع الطبيعة الصماء أو المادة العمياء، وهل هذا هو العلم الذي يقولون به؟! إن هذا هو الجهل بعينه وليس بالعلم!.
ثم تأمل قول الله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد: 4). وقوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} (النحل: 13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} (الحج: 65، 66)، وقوله تعالى: {أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (النمل: 60 - 62)، وتأمل هذه الآيات ودلالاتها إذا أردت أن تخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم واليقين، فهذا هو الحق وهذا هو البرهان الذي يجب أن نطأطئ له الرءوس والعقول إجلالًا وخضوعًا.
ومما يجدر بنا في هذا المقام أن نعرض لبعض ما سجله العلماء التجريبيون؛ مِن الإيمان بالله تعالى عن قناعة ويقين، من خلال بحوثهم وتجاربهم في اكتشافاتهم العلمية، وقد ذكر بعض الباحثين أمثلة كثيرة لهؤلاء العلماء، منها ما جاء في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) وقد عرض لثلاثين مقالة لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين، في تخصصات علمية مختلفة في علوم الكون والحياة من كيمياء وفيزياء وتشريح وأحياء وغيرها، وكلهم أدهشهم ما توصلوا إليه من ملاحظات وما شاهدوه من عجائب خلق الله سبحانه وتعالى.
فمنهم من قال: إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال. فإما أن يكون هذا الكون هو مجرد وهم وخيال، وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود، وإما أن يكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم وهذا مرفوض بداهة، وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله من أزلية الخالق، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذًا حدث من الأحداث، فلا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديعي إلى المصادفة عقلًا، ولذلك فهذا الاحتمال باطل، وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه، وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض، وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلًا فوجب الاعتماد عليه.
شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى
الشبهة الأولى: دليل الجاذبية: فقد زعموا أن اكتشاف نظام الجاذبية -في عالم الفلك- أن هذا الكون محفوظ بقانون الجاذبية ومتماسك بسببها، وليس بقدرة إله خالق. لا شك أن هذا الفهم تافه إذ يقال لهم: هل نظام الجاذبية ينفي وجود إله خالق قادر، أما أنه على العكس يدل على وجود هذا الإله سبحانه وتعالى؟! الذي خلق الجاذبية ذاتها لتعمل وفق ما أراد وقدر لا وفق ما تريد هي، إذ لا إرادة لها ولا وجود لها من نفسها، فهي قد وجدت بعد أن لم تكن، وهذا الترتيب العجيب في الكون يفوق كل قدرة يفوق كل تدبير. لقد حير العقول وتضاءلت دون إدراكه الأفهام، فكيف ينسب هذا كله إلى الجاذبية المحدثة المخلوقة؟!.
كما أن كثيرًا من الملاحدة يعترفون بعجزهم عن الوصول -عن طريق الأبحاث والتجارب- إلى معرفة أسرار كثيرة من الحقائق المشاهدة في هذا الكون، وهذا الإقرار يلزمهم أن يقروا أيضًا بحقيقة الإله بل وحقيقة الدين؛ لأنه يشتمل على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
كثير من الحقائق التي لا يصل العقل إلى معرفتها، لا عن طريق البحث ولا عن طريق التجارب، فكيف ساغ لهم الإيمان بأن لبعض الحقائق المشاهدة حقائق باطنية عجز العلم عن معرفتها، بينما ينفون وجود الإله وحقيقة الدين؛ بحجة أن الدين قائم على أمور لا تدرك حقيقتها الباطنية عن طريق البحث والتجربة؟! هذا تناقض واضح وتفريق بلا مستند!.
الشبهة الثانية: قضية الارتقاء: أي ارتقاء المخلوقات وتطورها في خلقها تلقائيًا، وهذه القضية رغم وضوحها في الدلالة على وجود الله تعالى وقدرته ومشيئته ورحمته بخلقه، إلا أنهم نظروا لها من جانب آخر بعيد عن الفهم السليم والعقل المستقيم، فزعموا أن أنواع الحياة قد وجدت نتيجة لعمل الارتقاء، لافتراضهم أنه على فرض وجود خالق لهذه الحياة بزعمهم، فلا يمكن أن يخلقهم على هذا الترتيب من الصغر إلى الكبر في الإنسان والنبات، بل يخلقه دفعة واحدة كل صنف في كمال شكله بدون ترتيب، يخضعها لعمل تطوري طويل الأمد حسب زعمهم، وأن المخلوقات تطورت بنفسها بفعل المادة، وأنها تولدت عن بعضها للتشابه بينها، وأن بقاءها يعود إلى قدرتها على التكيف مع الظروف التي تحيط بها.
والواقع أنه ما من مؤمن بالله عز وجل إلا ويعلم أن وجود الخلق -على هذه الحالة- إنما يعود إلى مشيئة الله وقدرته، ولتنتظم الحياة على سنة واحدة، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، وأن ما يزعمونه من تطور المخلوقات بنفسها بفعل المادة إن هو إلا خرافات سخفية، ولو كان ذلك صحيحًا لأدى ذلك التطور إلى أن تصبح الذرة جملًا أو فيلًا ضخمًا، فما الذي يمنعها وقانون التطور يجيز لها ذلك؟! قد مرت ملايين السنين ولا تزال الذرة هي الذرة ولا يزال الجمل هو الجمل، والإنسان هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
الإنسان لم يتطور من قرد إلى إنسان إلا عند "داروين" الملحد، الذي أصبحت نظرياته محل سخرية العقلاء من الناس وضحكهم منها، وإذا كان الارتقاء بمعنى أن الإنسان والحيوان يكون في أوله صغيرًا ثم يكبر شيئًا فشيئًا إلى أن يكتمل، فهذا أمر حقيقي مشاهد، وهو يدل على قدرة قوية تربيه إلى أن يصل إلى درجة الاكتمال، ولا يدل هذا على أنه ليس له إله رحيم مدبر، بل وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا التطور والارتقاء في حياة الإنسان والحيوان والنبات.
لو كان للطفل المولود أسنان حادة من أول يوم لما أرضعته أمه، ولو ولد شابًّا لما وجد ذلك الحنان بينه وبين أمه وأبيه وأهله، ولو كانت الشمس تسطع حرارة منذ بزوغها لما وجد لها هذا الحب في استقبالها وفي غروبها كل يوم، ولكن الملاحدة قلبوا الأمر فجعلوا ما كان دليلًا واضحًا على قدرة الله تعالى ووجوده، جعلوه دليلًا على إنكار وجوده لأن قلوبهم غلف وقد طبع الله عليها، وأما ما زعموه من أن الكائنات الحية نشأت عن التولد، وأن تكيفها مع الظروف هو الذي أبقاها فإنه يقال لهم: إن هناك حقائق مسلمة لا يعارضها عقل ولا دين بحال، بل يؤكدها الدين والعقل بدلالتها على الخالق العظيم. من هذه الحقائق الكائنات الأدنى كالنبات وجدت قبل الكائنات الأرقى كما يذكر الباحثون، فالإنسان هو أرقى الكائنات الحية وجد متأخرًا، بينما النباتات وجدت أولًا، فإن الله عز وجل خلق السموات والأرض، وخلق الأرض وقدر فيها أقواتها وما يحتاج إليه البشر حين يوجدون عليها.
أيضًا من الحقائق أنه يوجد كثير من أوجه الشبه بين الكائنات الحية كالإنسان والقرد، ومع ذلك بقي كل كائن كما هو على طول المدى، لم يتحول القرد إلى إنسان ولا الإنسان إلى قرد، ومن الحقائق أيضًا أن الكائنات الحية تملك قدرة على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)