وهذا واحد منهم سوري فرنسي الجنسية عضو في منظمتهم دعا زوجته إلى ما صنعته منظمة شهود يهوه من دين وفكر، يزعمون أنه مسيحي، وخيرها بين الإسلام والمسيحية؛ زاعمًا أن الإسلام يأمره بضربها بينما المسيحية تأمره بالإشفاق عليها واللطف بها.
أسماء منظمة شهود يهوه:
قد أطلق عليها في البداية مذهب الراسلية والراسليين، نسبة لزعيمهم تشارلز راسل، كما أطلق عليهم الدارسون الجدد للإنجيل، ثم أطلق عليهم برج مراقبة صهيون، وخفِّف الاسم ليكون برج المراقبة، وكذلك أطلق عليهم جمعية العالم الجديد، وأخيرًا استقرت تسميتهم بشهود يهوه، وتتابع على رئاستها زعماء اشتهروا بنشاطهم وتفانيهم في خدمتها.
حقيقة منظمة شهود يهوه:
ومما سبق يتضح لنا الجانب اليهودي في هذه المنظمة رغم تواريها وتسترها خلف المسيحية، والدليل على صهيونية هذه المؤسسة أمور كثيرة نذكر منها:
أولًا: استعمالهم الرموز الماسونية اليهودية، ويتضح ذلك في الشمعدان السباعي رمز الماسونية، والنجمة السداسية نجمة داود.
ثانيًا: انتسابهم إلى يهوه كما في إطلاق التوراة لهذا الاسم عن الله تعالى.
ثالثًا: أن رؤساءهم كلهم يهود.
رابعًا: أنهم يعادون كل الأديان إلا اليهودية.
خامسًا: أنهم أنهوا عطلة الأحد تبعًا لسائر اليهود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
سادسًا: تحريضهم على إقامة الدولة اليهودية الكبرى في فلسطين.
سابعًا: المناداة بوحدة البشر وإذابة الفوارق بينهم؛ تمهيدًا لإدخال اليهود وإفرادهم بعد ذلك.
كيفية انتشار عقائد منظمة شهود يهوه، وترتيباتها التنظيمية، وشعاراتها ورموزها
كيف انتشرت عقائد هذه المنظمة؟
أما السبب وراء انتشار عقائد وأفكار هذه المنظمة فعدة أمور نذكر منها: أنهم يشبعون رغبات الداخلين وشهواتهم من التحلل الخلقي والاختلاط والسهرات الداعرة، وأنهم يحاولون تصيد الشباب بما يقدمونه لهم من المساعدات المختلفة التي يرون أن الشخص بحاجة إليها؛ ليصبح أسيرًا لهم، متكلًا عليهم إما بتقديم سكن، أو بإغراء جنسي بإرسال فتيات لمقابلة بعض الشباب وسؤاله عن حاله وما يحتاج إليه في أموره الدراسية والمعيشية.
ويعرفون الشباب من لخلال أعوانهم المنتشرين في أماكن تجمع الشباب، كذلك يصدرون نشرات يدعون فيها كل شاب يريد كذا وكذا أن يتصل بهم على عناوين يوضحونها له، كما يقومون بحفلات ورحلات لا يطلب من الشخص فيها إلا حضوره الشخصي، ويتظاهرون بأنهم يدعون إلى المحبة بين أفراد البشر، وأنهم يريدون أن يرفرف السلام على الجميع، وأنهم يريدون أن تُنبذ الحروب، وأن يكون العالم كله دولة واحدة لا فوارق ولا فواصل بينهم، الكل في منزلة واحدة، وأن نواديهم هي الكفيلة بتحقيق السعادة عندما ينضم الجميع إليها، كذلك يركزون على أن الإنسان ينبغي أن يعيش حياته كلها لهذه الدنيا، يعيش حياته بكامل حريته دون قيود، ودون مراقبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وهم يهدفون من وراء ذلك إلى إنكار الدين وقيمه وإنكار أخبار الآخرة كلها، وأخيرًا ما يقومون به من مخادعة النصارى والمسلمين من تفسير بعض فقرات من الإنجيل وبعض الآيات التي يصرفون معانيها إلى ما يوافق مبادئهم بالوسائل التي يملكونها من مدارس وصحف وكتب ونشرات.
ولأجل هذه المؤامرات وغيرها تواترت تحذيرات علماء الإسلام من الدخول في هذه المنظمات وصدرت عدة فتاوى تدل على تحريم الانضمام إليها.
الترتيبات التنظيمية لمنظمة شهود يهوه:
فقد قسم شهود يهوه أنفسهم جماعات بحسب المناطق، ففي أوربا مثلًا يقيمون أماكن اجتماعات عامة بحسب لغات الأجناس التي تعيش داخل مجتمعاتها، ومعلوم أن فرنسا يقيم فيها أكبر تجمع لشهود يهوه من العرب، ففيها أكثر من قاعة اجتماع عربي، بل تقيم فيها شهود يهوه محافلها السنوية باللغة العربية أيضًا.
كلما زادت اللغات المختلفة في البلد الواحد تجد شهود يهوه يبنون البنايات، ويكتبون عليها قاعة الملكوت بدل الكنيسة، ويجتمع أهل كل لغة على حده، يتلقوا تعليمات ومعلومات الهيئة الحاكمة الدينية والتنظيمية والتعليمية، وكل مجموعة من هذه المجموعات المختلفة؛ سواء من أهل لغة واحدة أو لغات مختلفة يسمونها جماعة، كل جماعة ومجموعة من الجماعات تؤلف دائرة، وكل دائرة ومجموعة من الدائرة تؤلف كورة لها ناظر كورة، يتدرج التابع لهم من مهتم إلى الخدمة كمبشر يسمونه ناشر جماعة، ثم من ناشر جماعة إلى فاتح، ثم إلى فاتح إضافي، وهكذا.
مطلوب منهم إذا أرادوا بلوغ هذه المرتبة -مرتبة الفاتح الإضافي- أن يبلغوا مطلب ستين ساعة تنصير في الشهر، يعني يقوم الفاتح الإضافي بالتنصير لمدة ستين ساعة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
الشهر، ثم درجة الفاتح القانوني ومطلوب منهم تسعين ساعة تنصير في الشهر، ثم درجة الفاتح الخصوصي ويطلب منهم مائة وأربعين ساعة في الشهر، وهكذا.
شعارات منظمة شهود يهوه ورموزهم:
فلمنظمة شهود يهوه عدة رموز تتخذها، منها رمز الشمعدان السباعي الذي هو رمز اليهود الديني والوطني، وهذا يدل أيضًا على أن هذه المنظمة منظمة يهودية في الأساس، وكذلك يستخدمون رمز النجمة السداسية التي هي رمز من رموز اليهود أيضًا، وطبعًا يتبنون اسم يهوه، ويكتبونه بالعبرية كما هو عند اليهود.
الجذور الفكرية والعقائدية لمنظمة شهود يهوه، وانتشارهم ومواقع نفوذهم، وطريقتهم في العمل
الجذور الفكرية والعقائدية لمنظمة شهود يهوه:
ومنظمة شهود يهوه يمكن اعتبارهم منظمة مسيحية صهيونية منفردة بفهم خاص. أما أنها منظمة مسيحية فهي تدعي ذلك وتقول: إنها تؤمن بالكتاب المقدس للنصارى، وأنها تحاول تجديد المسيحية أو أنهم هم أصحاب المسيحية الحقة، وأما أنها منظمة صهيونية فهذه هي الحقيقية، أنهم في الواقع وفي حقيقة الأمر خاضعين للمنظمة الصهيونية والماسونية التي تحركهم كيفما تشاء، فهم يتبنون العقائد اليهودية في الجملة، وهم واقعون تحت سيطرة اليهود بشكل واضح، وهم يعملون لأهداف اليهود.
ومنظمة شهود يهوه متأثرة أيضًا بأفكار الفلاسفة القدامى، وخاصة الفلاسفة اليونانيين، كما أن لهم علاقة خاصة ووطيدة بإسرائيل، والمنظمات اليهودية العالمية كالماسونية وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
الانتشار ومواقع النفوذ:
وتنتشر منظمة شهود يهوه في معظم بلاد العالم، فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم من نشاط لهذه المنظمة السرية الخطيرة، إما سرًّا وإما علنًا حين يُسمح لهم بذلك، ومركزهم الرئيسي في أمريكا في حي بروكلن بنيويورك. قد وصل عدد البلدان التي يزاولون فيها نشاطهم سنة 1955 إلى 158 دولة، لكن بعض هذه الدول قد فطن إلى خطورتهم، فمنع نشاطهم وتعقبهم، وطارد دعاتهم بل وطردهم، ومن هذه الدول: مصر، وسنغافورة، ولبنان، وساحل العاج، والفلبين، والعراق، والنرويج، والكاميرون، وغيرها، وإن كان أتباع هذه المنظمة لا يزالون ينشطون في هذه الدول بطريقتهم الخاصة السرية.
طريقتهم في العمل:
إذ إن لهم طريقة جديدة في الدعوة إلى مذهبهم، فهم يرون أنه ثبت بالدليل أن عددًا كبيرًا من الناس لا يحضرون إلى المعابد، وأن أكثر من نصف الناس في بعض البلدان لا ينتمون إلى طائفة من الطوائف الدينية، وأن ملايين من المنتمين إلى الطوائف الدينية لا يحضرون عباداتهم، ولا يريدون أن يستمعوا إلى رجال الدين، فعملت شهود يهوه على أن تخفي نفسها تحت ستار أنها فرقة مسيحية تطوف بالبيوت والمقاهي والأندية العامة والطرقات؛ حاملة الكتب والمنشورات تعرض فيها تعاليمها بحماسة، مدعية أنها حاملة رسالة دين جديد يجمع تحت لوائه أهل الأديان كافة، كما تتظاهر بعدم معاداة أحد، أو أية طائفة من الطوائف.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الدرس: 6 الاشتراكية (1).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(الاشتراكية (1))
اختلاف الناس في مفهوم الاشتراكية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
الاشتراكية:
فالاشتراكية لفظ من الألفاظ العامة الفضفاضة التي تنطبق على مفاهيم ذوات مستويات مختلفة متفاوتة، ففيها مذاهب مختلفة: منها المعتدل، ومنها المغالي، ومنها الوطني، ومنها الأممي؛ فالاشتراكية في بعض حدودها الدنيا وضمن مفهوم عام قد تلتقي مع أحكام الإسلام في نظامه المالي أو الاقتصادي، مثل اشتراك الناس في الماء العام، وفي الهواء، وفي الكلأ النابت في الأراضي العامة، ويُسمى الكلأ المباح عند الفقهاء، ومثل النفقة الواجبة في نظام الأسرة الإسلامي، ومثل الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية لصالح الفقراء والمساكين، وبقية الأصناف الثمانية المذكورة في آية سورة "التوبة": {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 60).
ومثل تدخل الدولة لحماية العمال والكادحين في حصولهم على الأجور العادلة دون ظلم ولا شطط، ومثل تهيئة فرص العمل لكل قادر عليه ونحو ذلك، كل هذا مما تشترك فيه الاشتراكية مع أحكام الإسلام في حدودها الدنيا، ويوسع بعض الاشتراكيين من مفهوم الاشتراكية حتى تتناول تأميم المصانع الكبرى، ولو بالمصادرة الظالمة، وبالاستيلاء دون تعويض مكافئ لحقوق أصحابها، وهذا مخالف للإسلام.
ويوسع اشتراكيون آخرون هذا المفهوم حتى تتناول الاشتراكية تأميم المصانع الكبرى ولو بالمصادرة الظالمة، وحتى تتناول مصادرة الأراضي وتوزيعها في صورة ظالمة جائرة وفاسدة مفسدة، وهذا مخالف لأحكام الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وهكذا تتسع دائرة الاشتراكية حتى تصل إلى حضيض الشيوعية المسماة بالاشتراكية العلمية، التي تلغي الملكية الفردية للأرض، ولكل وسائل الإنتاج، ولكل النقود المالية، وتجعل هذه كلها ملكًا للدولة، وتقرر قاعدتها الشائعة "من كل بحسب طاقته ولكل بحسب حاجته"، فيحمل مروجو الشيوعية شعار الاشتراكية بين المسلمين مظهرين من دوائرها دائرة المستوى الأدنى، الذي قد لا يتنافى مع أحكام الإسلام. وينخدع بذلك منخدعون كثيرون من العمال والفلاحين والكادحين وموظفي الدولة، وبعض الطلبة الناشئين، وكل منهم يشعر أنه مظلوم في مجتمعه بكسبه، أو تُغيره الاشتراكية بكسب أفضل، وتتهيج ببريق هذا الشعار عواطف الفقراء والكادحين، ونوازع الحاسدين والحاقدين، ويظن البرآء منهم أن الاشتراكية لا تتنافى مع الإسلام، ثم بالتدريج يوسعون من دائرة المفهوم الاشتراكي شيئًا فشيئًا، حتى يبلغوا به الحضيض الأسفل أو قريبًا منه. ويومئذ تأتي التطبيقات الطاحنة، ويذوق المنخدعون بالأمس ويلات تطبيقات الشعار الذي كانوا قد فرحوا به، وطبلوا له وزمروا، وظنوا أن تطبيقاته ستجعلهم في بحبوحة من العيش، وستشفي نفوسهم من ظالميهم الإقطاعيين والرأسماليين والبرجوازيين.
لقد غرهم خداع هذا الشعار البراق، واستدرجهم بشبكته حتى قذفهم في جحيم التطبيقات الاشتراكية المشحونة بالظلم والعذاب.
الأساس العقدي للاشتراكية
فالاشتراكية ليست مذهبًا اقتصاديًّا فحسب أو حركة اجتماعية، لكنها نظرة شاملة للإنسان والوجود والتاريخ، فالنظام الاشتراكي يقوم على فلسفة مادية للحياة، ويتفاوت في تطرفه تفاوت المذاهب المختلفة، وترجع هذه المذاهب في تطرفها إلى المذهب الشيوعي الذي يستمد فلسفته من "هيجل" صاحب فكرة التطور، ويرجع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
تنظيم هذا المذهب النظري إلى "كارل ماركس"، ثم إلى "لينين" من بعده. ولا تؤمن الشيوعية بالعقائد الدينية أو المبادئ الأخلاقية، بل تعتبر الدين مخدرًا للشعوب حتى يستفيد رجال الدين بالتعاون مع أصحاب رءوس الأموال في تسكين ثورة الجوع والعري بالزهد والصبر.
ومن مواد قانون كارل ماركس: "لا إله"، و"الطبيعة مادة"، وترى الشيوعية أن القوى الكونية تسيرها الطبيعة، فأي حادث أمام قوة من القوى فهو حرب للطبيعة ومن الواجب تحطيمه؛ لتنطلق القوى الطبيعية على سجيتها، فالغريزة الجنسية مثلًا طبيعة في الرجل والمرأة، وأي حائل يعوق اتصال المرأة بما تشاء من الرجال حرب للطبيعة، فلا يعترف النظام الشيوعي بالأسرة وإنما يولد الجنين ولادة اللقيط، فتلتقطه الدولة ليُربى في دور حضاناتها، ويتعلم إلى أن يكبر وينتج لنفس الدولة، ومن عجب أن تعترف الشيوعية بالغريزة الجنسية، وتطلق لها العنان، لكنها في نفس الوقت لا تعترف بغريزة حب التملك، وهي آصَلُ من الغريزة الجنسية في طبيعة الإنسان فتميتها بالكبت القاتل.
إن هذا المذهب -كما يقول أحد دعاته- مجموعة من الأفكار ملأت الفراغ الذي نشأ عن انهيار الدين المنظم، نتيجة لازدياد تحول الفكر إلى الاهتمام بالأمور الدنيوية خلال الثلاثة قرون الماضية، وهو مذهب لا يُمكن محاربته إلا بعقيدة معارضة تقوم على مبادئ مختلفة كل الاختلاف عنه، ولكن الشيوعية بالنسبة لمعتنقيها لها قيمة الدين ما داموا يشعرون بأنها تزودهم بشرح كامل للواقع، والإنسان كجزء من هذا الواقع، لقد استغل "كارل ماركس" نار الحقد في قلوب العمال، وشهَّر بكل وسيلة باستغلال رجال الأعمال احتكار أوربا، وبدلًا من أن يدعو إلى القسط شحذ أسلحة الصراع الطبقي؛ فحارب كل امتياز بدعوى المساواة، ودمر الملاك باسم الاشتراكية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
ثم استغل ذلك التحريف والضلال في المسيحية ليشهِّر بالدين، وبدلًا من أن يبحث عن الدين الحق اتهم الدين بأنه أفيون الشعوب ووسيلة الاستغلال، وما كان له من طريق بعد ذلك إلا أن يؤمن بالمادية، فيعتبرها هي الأول وهي الآخر ولا شيء قبلها ولا شيء بعدها، وكان عليه أن يبين كيف يتحرك هذا الكون ما دام قد كفر بالله، فاخترع وهم الصراع بين الأضداد كتفسير لحركة الكون والحياة، أو ما يسمى بالجدلية التي ابتدعها "هيجل"، وهكذا سميت دعوى "ماركس" بالمادية والجدلية، فماركس يعلي من شأن المادة ويعتبرها أصل حياة، ويعتبر أنها هي المحرك الأول لها؛ فأعطى قوة الإنتاج خاصية التطور الديالكتيكي الذاتي، فهي قاموس الكون كله، وأعطاها حتمية معناها ضرورة سيادتها، وأن معارضتها لن توقفها، ولن تكون إلا تعبيرًا عن الجهل والعقوق.
يقول الأستاذ العقاد: "لقد رأيت أناسًا يُبطلون الأديان في العصر الحديث باسم الفلسفة المادية، فإذا بهم يستعيرون من الدين كل خاصة من خواصه، وكل لازمة من لوازمه؛ ولا يستغنون عما فيه من عناصر الإيمان والاعتقاد التي لا سند لها غير مجرد التصديق والشعور، ثم يجردونه من قوته التي يبثها في أعماق النفس لأنهم اصطنعوه اصطناعًا، ولم يرجعوا به إلى مصدره الأصيل، فالمؤمنون بهذه الفلسفة المادية يطلبون من شيعتهم أن يكفروا بكل شيء غير المادة، وأن يعتقدوا أن الأكوان تنشأ من هذه المادة في دورات متسلسلة تنحل كل دورة منها في نهايتها؛ لتعود إلى التركيب في دورة جديدة.
ويطلبون منهم أن ينتظروا النعيم المقيم على هذه الأرض متى صحت نبوءتهم عن زوال الطبقات الاجتماعية، فإن زالت الطبقات الاجتماعية في هذه السنة أو بعدها ببضع سنوات؛ فتلك بداية الفردوس الأبدي الذي يدوم ما دامت الأرض والسموات، وتنتهي إليه أطوار التاريخ كما تنتهي بيوم القيامة في عقيدة المؤمن بالأديان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
ولا يخلو دين الفلسفة المادية من شيطانه، وهو الرأسمالية الخبيثة العسراء، فكل ما في الدنيا من عمل سوء أو فكرة سوء فهو كيد من هذا الشيطان الماكر المريد، وكل ما فيها من عمل سوء أو فكرة سوء يزول ويحول وتحل مكانه بركات الفلسفة المادية ورضوانها، متى صار الأمر إلى ملائكة الرحمة وذهب ذلك الشيطان إلى قرار الجحيم. ولكن أي دين هذا؟! إنه أشبه دين بدين البشرية الذي عرفته في بدايتها، وهو دين عبادة الطبيعة، الذي اعتنقه الإنسان البدائي وكان ينسب فيه القيم البشرية إلى الأشجار وغيرها من المواد.
ونريد أن نعرف إلى أي حد استطاعت المادية الجدلية أن تمد الإنسان بوعي للكون، وأن تحدد غايته في الوجود، يقول انجليز: "إنه مهما ينشأ أو ينقرض من الخلائق قبل أن تنجم بينهما أحياء تفكر بأدمغتها، وتجد لها ملاذًا يسمح بالحياة ولو إلى فترة وجيزة به؛ فإننا مع ذلك على يقين أن المادة في كل تغيراتها تظل أبدًا واحدة، وأبدًا كما هي، وأنها لن تفقد صفة من صفاتها، وأن تلك الضرورة الحديدية التي تقضي بزوال أرفع ذرات المادة -وهي القوة المفكرة- هي بعينها تقضي بميلاد كرة أخرى في زمان آخر".
بل حين ذكر "لينين" قول "هيرقليتس" إن العالم واحد لم يخلقه أي إله، ولا أي إنسان وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية إلى الأبد تشتعل وتنطفئ تبعًا لقوانين معينة، علق عليه قائلًا: "يا له من شرح رائع لمبادئ المادية الجدلية".
وفي أسس الماركسية اللينينية أنها لا تعترف بوجود أي قوة أو خالق فيما وراء الطبيعة، إنها ترتكز بوضوح على الحقيقة، حقيقة العالم الذي نعيش فيه، إنها تحرر الإنسان مرة واحدة إلى الأبد من الخرافة، ومن عبودية الروحانية القديمة، إن تعاليم الفلسفة المادية التي تنصُّ على أن العالم الخارجي يوجد في الزمان وفي المكان تفند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
المبدأ العقدي عن وجود إله خارج الزمان والمكان، واللاهوت يؤكد وجود إله قبل وجود العالم، ويؤكد أن هذا الإله هو الذي خلق الطبيعة، وهذه الفلسفة المادية تؤكد أن الله وحده هو الذي لا يحده زمان ولا مكان؛ بينما الطبيعة يحدها بداية ونهاية للزمان والمكان، يقولون: إن هذا خرافة، وإن العلم قد بين استحالة هذه الخرافات، فليس هناك مكان لله في الحقيقة، وذلك هو مبدأ العلماء عن العالم.
والفلكي الفرنسي جوزيف لالاند يقول: إنه بحث في السموات ولكنه لم يجد أي إله هناك، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (الكهف: 5).
ومن العجيب أن أصحاب هذا الرأي قبل صفحة واحدة يقولون: إن المسافات في العالم أعظم كثيرًا من المسافات التي تعودنا عليها في الأرض، فالمجاهر الحديثة قد مكنتنا من اكتشاف النظام النجومي الذي ضوؤه يصل إلينا في مئات الملايين من السنين، رغم أن سرعة الضوء تصل إلى ثلاثمائة ألف ألف كيلو في الثانية. رغم أن هذه المعلومات محدودة ولكنها لا تعطينا صورة صحيحة عن اتساع العالم الذي هو لانهائي، إن لانهائية العالم تتعدى حدود الخيال، ولا يمكن وصف العالم والتعبير عنه بالعلم، والأرقام الخاصة بعمر الأرض وتطورها تُذهل الخيال، فالإنسان كما نعرفه اليوم ظهر منذ خمسين ألف إلى سبعين ألف سنة، وأول أشكال النبات والحياة الحيوانية ظهرت منذ ألف مليون سنة، والأرض نفسها منذ عدة آلاف الملايين من السنين، وهذا هو العمر الزماني لتاريخ الأرض كما يقول العلم، ولكن لا هذه الأرقام ولا أكبر منها تستطيع أن تعطينا أي دلالة حقيقية عن اللانهائية الطبيعة؛ لأن هذه اللانهائية يتمثل وجودها اللانهائي بالزمان، وهكذا يصلون إلى معالم الأفكار الغيبية التي يعابوا الأديان عليها، ورغم هذا الوصول فإنهم يصدقون قول إنسان أخرق بحث عن الله في السماء فلم يجده، تعالى الله عما يقولون: وعما يصفون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
معنى الاشتراكية
إن الاشتراكية قامت في القرن التاسع عشر الميلادي بسبب النزاع المرير بين العمال وأصحاب العمل؛ إذ إن العمال في هذا العصر طالبوا بزيادة أجورهم، وامتنع أصحاب العمل عن زيادة هذه الأجور، في الوقت الذي كان فيه أصحاب العمل يستغلون المال أسوأ استغلال، دون رحمة بأحد من العمال، وفي نفس الوقت تقريبًا بدأ ظهور الآلات الصناعية الحديثة، فإذا بأصحاب العمل يفضلونها عن الأيدي العاملة لوفرة إنتاجها، وقلة ما تحتاج إليه من العمال لتشغيلها؛ فاستغنى أصحاب العمل عن كثير من العمال، فنشأت البطالة ومشاكلها العديدة.
ومن هنا نشأة فكرة التوجه بالمطالبة بإصلاح هذه الأحوال الاقتصادية المضطربة، والحد من التنافس بين الناس بالاستئثار بالمال وجمعه، الذي يسبب الصراع بينهم، وكان هذا في الوقت الذي أفلس فيه الدين النصراني المحرف طبعًا، أفلس عن حل أي مشكلة من هذا النوع، بل كان عاملًا قويًّا في ظهور فكرة اللادينية، وفي ظهور المذاهب المنحرفة المختلفة التي قامت من أول يوم على محاربة كل الأوضاع السيئة التي كانت قائمة، واستبدالها بأنظمة جديدة تكفل للناس حقوقهم وحرية معيشتهم. وكان من بين تلك الأفكار ظاهرة القول بالاشتراكية ومحاربة الملكية الفردية وما جاء بعدها من أهوال الشيوعية.
والواقع أن الاشتراكية أقبح مذهب عرفته البشرية، وأشدها شرًّا على الإطلاق، فقد ذهب ضحية تطبيقها مئات الملايين قتلًا وجوعًا وتشريدًا في أوربا البعيدة عن أراضي المسلمين، وعن عقائدهم وتاريخ حضاراتهم. أيدتها اليهودية العالمية وبذلت كل ما استطاعته لتأييدها وتقوية نفوذ أتباعها لما عرفوه من عواقبها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الوخيمة على الجويم، أي: غير اليهود، وتم لهم ذلك وانتشر المذهب الاشتراكي الذي يحمل الخراب والدمار، وظل سنوات عديدة في أوج قوته إلى أن أذن الله في إذلاله وإذلال أتباعه، فخرج عنه الكثير ممن أنعم الله عليهم بالعقل والتفكير السليم، وداسوه بأقدامهم، وتنفسوا الصعداء، وهالهم ما كانوا فيه من الغبن الفاحش أيام جثومه على صدورهم، وتيقنوا أنه مذهب جهنمي صاغوه شياطين الإنس والجن بمباركة إبليس اللعين لهم على يد "فريدريك انجليز"، وكارل ماركس، ومن جاء بعدهم مثل لينين وستالين، إلى أن بدأ عهد جورباتشوف برئاسة ما كان يُسمى بالاتحاد السوفيتي.
ومن الغريب والعجيب والهول الشديد أن بعض البشر لا يزالون ينادون به، ويتبجحون بأنهم فرسان الاشتراكية {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179)، إذا كان لأهل أوربا ظروفهم التي أنتجت الدعوة إلى الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده، فما بال الدول والشعوب التي تدعي الإسلام، وأنه دستورهم، ما بالهم دخلوا تحت لواء هذا الفكر الأحمر الذي يُشير دائمًا إلى سفك الدماء، وما هي الظروف التي ألجأتهم إلى المناداة بالاشتراكية الماركسية؟ ألم يجدوا في الإسلام ما يسعدهم؟ بلى، ولكنهم ما طبقوه إن لم نقل ما عرفوه أساسًا.
يطول عتابنا لهؤلاء وخصامنا لهم، ولكن لا يمكن إغفال فريتهم الكبيرة، والتي تدل على مدى خبثهم وجهلهم، تلك الفرية التي ظهرت تنادي بأن الاشتراكية أساسها إسلامي، وأن الاشتراكية تسير جنبًا إلى جنب مع التعاليم الإسلامية، بل إن واضع الاشتراكية في زعمهم ليس هو "كارل ماركس" اليهودي الحاقد، بل إنه أبو ذر الغفاري، وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد التي يسمونها عندهم أم الاشتراكية، بل وفي خطاب ألقاه أحد زعمائهم، زعم فيه أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
إمام الاشتراكيين، سبحان الله! ما أعظم حلمه!. فأين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأين أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وأين أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأين الاشتراكية؟! إنها كذبة تكاد تهد الجبال، وخدعة مكشوفة قبيحة أراد أصحابها تحبيب الوجه الكالح للاشتراكية إلى قلوب المسلمين، أرادوا أن يخدعوا المسلمين ويستميلوا قلوبهم ليدخلوا فيما دخلوا فيه، فلأنهم قد وقعوا في هذه المذاهب أرادوا أن يجروا غيرهم إليها، وما أشبه حالهم بحال الثعلب الذي قُطع ذيله فجاء إلى بقية الثعالب يحبب إليهم أن يقطعوا ذيولهم لينعموا بالخفة والرشاقة.
بعد هذا التمهيد المطلوب نعود إلى بيان معنى الاشتراكية التي اختلف دعاتها فيما بينهم، افترقوا إلى أحزاب في مفهومهم للاشتراكية وفي المقصود بها، إلى حد أن بلغت معانيها المائتين في بريطانيا وحدها، وهذا يذكرنا بقول الأعرابي حينما سمع أسماء القط الكثيرة فقال: "قبحه الله ما أقل نفعه، وما أكثر أسمائه"، وأقول لك قبل أن أذكر أهم هذه التعريفات: لا يهولنك كثرة تلك الاختلافات؛ فإن مصبها في النهاية واحد هو الإلحاد والتشريع للبشر من دون الله تعالى، كما يقولون: تعددت الأسباب والموت واحد.
وإذا رجعنا لمعنى الاشتراكية إلى ما قبل "كارل ماركس" فإننا نجدها قد ظهرت في أماكن مختلفة، في دعوات إلى إلغاء الملكية الفردية، ودعوات إلى نبذ التقاليد والأعراف، ودعوات إلى شيوعية الأموال والنساء بين الجميع، ويُطلق على هذه الاشتراكية اسم الاشتراكية القديمة قبل مرحلة ظهور النظام الرأسمالي الذي يناقض الاشتراكية تمامًا في تقديس الملكية الفردية، والأنانيات الأخرى التي تميز بها، بل وقبل ظهور الإسلام بمئات السنين على عهد أفلاطون، والسير توماس مور، وقبلهم مازداك في فارس وغيرهم.
وقد استفاد منهم "كارل ماركس" في نظريته الشيوعية، أو كما يسميها الاشتراكية العلمية وهي أبعد ما يكون عن العلمية، وهي غريبة عن الإسلام، بل عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
الأديان كلها، ولم يقرها لا الإسلام ولا غيره من الديانات. فإطلاق الاشتراكية على الإسلام أو على العرب حين يُقال اشتراكية الإسلام، أو الاشتراكية الإسلامية، أو الاشتراكية العربية تعبير جانبه الصواب؛ لأن الإسلام لم يقر الاشتراكية مع أنها كانت موجودة في صور شتى قبل الإسلام، ومع ذلك لم يختر الله أن تكون ضمن تعاليم الإسلام، وكذلك قولهم الاشتراكية العربية إن هو إلا كذب محض على العربية، وعلى العرب الذين ما كانوا يعرفونها أو يتحدثون عنها لا في شعرهم ولا في نثرهم ومفاهيمها.
ومفاهيمها كلها غير مفاهيم الاشتراكية ونشأة الاشتراكية ليست في بلاد العرب، فبأي حق تُنسب إليهم لولا إرادة الخداع والتضليل، وكذلك نسبة الاشتراكية إلى العلم هي نسبة زور وافتراء؛ فقد قامت على التخمينات المراكسية وعلى التنبؤ بأمور كثيرة ظهر منها أنها كذب ولم تتحقق، ونسبتها إلى العلم ظلم للعلم وأي ظلم، والإسلام، والعرب، والعلم والعقول السليمة كلها لا تعارض البيع والشراء، لا تعارض الربح والملكية الفردية التي تحاربها الاشتراكية على أساس أن الربح ينتج عن الملكية الفردية، وهي ممنوعة في الاشتراكية، فمتى نادى الإسلام أو العرب أو العلم بذلك، وقد أحل الله البيع وحرم الربا؟!.
متى ظهرت الاشتراكية؟
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن التوجه نحو فكرة الاشتراكية مر بأطوار وفلسفات كثيرة قبل ظهور الدكتور "كارل ماركس"، فقد كان "روبارت أوين" المولود سنة 1771م وهو مصلح اجتماعي، وُلد في مقاطعة ويلز، كان أحد رواد الحركات التعاونية، حاول "أوين" أن يبرهن كرجل أعمال أن من مستلزمات التجارة الناجحة الاهتمام برفاهية الموظف، وأسس "أوين" جمعية "نيوهارموني" الشهيرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
في إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان يرى أن الناس يمكن أن يحققوا أكبر قسط من الفائدة من القوى الإنتاجية إذا ما تعاونوا في سبيل المصلحة العامة، وقضوا على الملكية الخاصة والربح، وأقاموا مجتمعات صناعية وزراعية تحكم نفسها بنفسها.
وكان يرى أن نمو الآلة سيؤدي إلى البطالة من جهة وتراكم الإنتاج من جهة أخرى، ولا علاج لذلك إلا إذا اتسع نطاق السوق عن طريق رفع أجور العمال، وهذا لا يتم إلا في ظل المنافسة الحرة، ورأى أنه لا مفرَّ من التنظيم الاشتراكي إذا أردنا أن يكون الإنتاج الوافر سبيلًا للرخاء، وفي مصنعه المشهور في نيورلانك بنى بيوتًا صحية للعمال، وأنشأ لهم مخازن يشترون منها حاجاتهم بأسعار مخفضة، وشيد مدارس للحضانة تُعنى بالأطفال، وخصص أموالًا لعلاج المرضى وإعانة الشيوخ، أو الذين أصيبوا بحادث أو بعاهة. وهو أول مَن أعطى معاشات وإعانات بطالة للعمال، وقد وضع برنامجًا كاملًا لنظام تعاوني لعدد من ثلاثمائة إلى خمسمائة عامل في مدن جديدة للسكن، ويتعاون هؤلاء العمال في الإنتاج دون أن يكون الربح رائدهم بل التعاون، وحاول اختبار نظريته التعاونية في أمريكا فأنشأ عام 1825 وحدة في إحدى الولايات ولكنه فشل في تجربته وعاد إلى انجلترا فقيرًا عام 1829.
وأيضًا نجد "لويبلان" قد بنى أفكاره في كتابه (تنظيم العمل) على أن اقتصاد المجتمع قائم على المنافسة المجحفة، وعلاجها إنما يكون بسيطرة الدولة على الصناعة، وتقيم الدولة الورش الوطنية التي تكفل العمل للعمال بأجر مناسب، وقد فشلت الخطة التجريبية التي أقامها فشلًا ذريعًا. وجاء من بعده "برود وون" وكتب كتاب سماه (ما هي الملكية) وأجاب فيها جوابه المشهور: إن الملكية هي السرقة؛ وكان يرى أنه لا يمكن تغيير النظام القائم إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
بإلغاء الدولة، وإلغاء كل سلطة من السلطات، وترك تدبير الشئون الاقتصادية إلى جهود الفرد العادية، ودعا "برود وون" إلى تكوين مصارف للتبادل يوضع فيها العامل ثمن عمله نظير كوبون يؤدي مهمة النقود، وقد أقيمت المصارف على سبيل التجربة، إلا أن هذه التجربة انهارت انهيارًا سريعًا. ومن أسباب هذا الانهيار عدم تقرير أهمية عنصر الطلب في اتجاه هذه المصارف، فقد لا يُطلب نوع من السلع التي أودعها العامل.
ثم جاء بعد ذلك "كارل ماركس" في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وسط البؤس الذي نشرته الرأسمالية والمظالم الاجتماعية التي عناها المجتمع من استغلال أصحاب الأعمال، لقد كانت هذه الحالة مسار سخط المصلحين في ذلك الوقت، استغل "كارل ماركس" هذا السخط بالدعوة إلى نظريته الجديدة في الاشتراكية. وقد صور "كارل ماركس" تاريخ الإنسان على أساس أنه صراع بين الطبقات، تستغل فيه طبقة أخرى، كالصراع الذي دار قديمًا بين الأحرار والأرقاء، ثم بين الأمراء والفلاحين، وكذلك بين الرؤساء والعرفاء في نظام الطوائف.
وأخيرًا قام حديثًا هذا الصراع منذ عهد الثورة الفرنسية بين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال، وتزداد حدة الصراع من الاتجاه الحتمي للرأسمالية في تركيز الملكية في أيدي قلة من الرأسماليين، وزيادة بؤس الطبقة العاملة، وهذا يؤدي في رأيه إلى الانفجار الثوري الذي يُغير علاقة الإنتاج الرأسمالية إلى علاقة الإنتاج الاشتراكية، ويزعم أنه بتحوِّل الإنتاج من الملكيات الفردية إلى الملكيات الجماعية ينتهي صراع الطبقات، وينتهي التناقض بين مصالح الناس، وهذه الملكية العامة المشتركة ستؤدي إلى رفع الحواجز أمام توسع الإنتاج مما يؤدي إلى توافر المنتجات حيث تصبح الندرة معدومة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وهنا كما يرى "ماركس" لن يكون هناك سبب للملكية أو الصراع، وسيأخذ الجميع حسب حاجتهم، وهذا الذي يقوله ماركس هو أكبر وهم عاشته البشرية في عصرها، وهو ما يسمونه بالاشتراكية العلمية التي قدمها "ماركس" باسم المادية الجدلية، فأشقت البلاد والعباد، وحولتهم في عبيد في بلاد الاشتراكية يُطحنون ويُستعبدون.
يقول "فريدريك انجليز" صديق "كارل ماركس" وشريكه في تأليف هذه النظرية، يقول عن هذا الوهم الذي عاش فيه، ودعا البشرية إلى العيش فيه، تمامًا كما أن "داروين" اكتشف قانون تطور الطبيعة العضوية، فإن "ماركس" اكتشف قانون تطور التاريخ الإنساني. والحقيقة ببساطة التي أخفاها شطط المذاهب الفكرية أن الإنسان لا بد أن يأكل ويشرب وأن يلبس وأن يسكن قبل أن يرسم السياسات، أو العلوم، أو الفن، أو العقيدة، ولهذا فإن إنتاج حاجات الحياة الأساسية وبالتالي درجة التقدم الاقتصادي في فترة معينة أو حقبة معينة هي التي يقوم عليها الدولة والمؤسسات والنظم القانونية، والفن وحتى أفكار العقيدة للناس، وهي التي تشرحها وليس العكس، كما كان يحدث من قبل.
خلاصة قوله: إن الحياة الاقتصادية المتمثلة في أدوات الإنتاج من أرض ورأسمال هي التي تحدد علاقات الإنتاج كالملكية، وعلى أساس هذه القاعدة الاقتصادية تتولد النظم الاجتماعية والسياسة والفكرية، فليس الإنسان هو الذي يحدد اقتصاده، بل العكس الاقتصاد هو الذي يحدد الإنسان، وليس حركة الفكر سوى انعكاس للحركة الواقعية منقولة إلى دماغ الإنسان ومستقرة فيه، وعند مرحلة معينة من التطور تدخل قوى الإنتاج المادية في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة، أو بالتعبير القانوني عن الشيء ذاته مع علاقات الملكية التي كانت تعمل خلالها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
حتى ذلك الوقت، وقد اعتبرت نتيجة لذلك الوهم، اعتُبرت الملكية أكبر وسيلة لاستغلال الناس، وأكبر وسيلة لتعويق سيرتهم.
يقول "كارل ماركس": إن الملكية الخاصة الرأسمالية المتولدة عن طريق الإنتاج الرأسمالي هي السلب الأول للملكية الخاصة القائمة على أساس العمل الفردي، ولكن الإنتاج الرأسمالي يولد بقوة القانون الطبيعي الذي لا يتغير، القوة التي تسلبه أي: تنفيه، وهذا يُسمى عند الماركسية سلب السلب أو نفي النفي.
هذا السلب الثاني لا يؤدي إلى عودة الملكية الخاصة، ولكنه يعيدها على أساس التعاون والملكية المشتركة للأرض، وأدوات الإنتاج التي ينتجها العامل بنفسه، إن تحويل الملكية الخاصة المبعثرة القائمة على العمل الفردي إلى ملكية رأسمالية عملية أطول أمدًا وأشد عنفًا، وأكثر صعوبة من تحول الملكية الخاصة الرأسمالية إلى ملكية اجتماعية؛ إذ إن الأمر كان في الحالة الأولى متعلقًا باستيلاء البعض على ملكية جمهور الناس. أما في الحالة الأخيرة فالذي يعنينا هو الاستيلاء على ما يملكه نفر قليل بواسطة جمهور الناس.
إذًا فالاقتصاد الاشتراكي يقوم على قواعد محددة كما يرى "ماركس" و"إنجليز" وتابعوه وهي:
أولًا: قيام الثورة الاشتراكية التي يسيطر بها العمال على الحكم كشرط أول.
ثانيًا: تعميم الدولة لكل عناصر الإنتاج والقضاء على كل دخل سوى أجر العامل.
وثالثًا: النشاط الاقتصادي عن طريق جهاز التخطيط وكل العلاقات الاقتصادية الدولية تتم عن طريق الجدولة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)