التقيّد به، قال ابن قدامة رحمه الله: ولا نعلم في التعزية شيئاً محدوداً1.
3- والردّ من المعزَّى على من عزّاه ليس فيه ألفاظ محدّدة من باب أولى.
4- وغسْل الأعضاء في الوضوء بين مرّة واحدة إلى ثلاث مرات، كل ذلك مجزئ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم2.
5- وعدد الركعات في قيام الليل أقله ركعتان سوى الوتر، ولا حدّ لأكثره. وقد جاءت روايات متعدّدة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، وبين بعضها خلاف في العدد، فبعضها أنه كان يصلّي إحدى عشرة ركعة، وفي بعضها أنه كانه يصلّي ثلاث عشرة ركعة3.
والصواب أن التحديد في عدد الركعات ليس هو الأصل في قيام الليل، وأن الصحابة الذين رووا التحديد في قيام النبي صلى الله عليه وسلم كل منهم روى ما رأى، رضي الله عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى … " 4، فأطلق ولم يحدد.--------------------------------------------
1 المغني: 3/485.
2 يُنْظر: المغني: 1/179،192-193.
3 يُنْظر: صحيح الإمام البخاري: 19- التهجد. الأبواب الأُولى منه، ولاسيما العشرة الأُولى، وكتاب التروايح، والباب رقم 24 من كتاب المناقب منه أيضاً. ويُنْظر: 6-صلاة المسافرين. من صحيح الإمام مسلم. ويُنْظر: "المغني" لابن قدامة: 2/560-561.
4 متفق عليه، أخرجه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه منها: كتاب الصلاة:
باب الحِلَق والجلوس في المسجد. ومسلم في صحيحه في: صلاة المسافرين: باب صلاة الليل مثنى مثنى …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
ومن هنا يُعْلَم أنه ما كان ينبغي أن تُجْعل صلاة التراويح وعدد ركعاتها -هل هي عشرون ركعة أو أقل أو أكثر- قضيةً يُثار فيها الخلاف والتعصب للآراء!.
6- وعدد ركعات الوتر قد جاءت فيه روايات متعددة مختلفة، ما بَيْنَ ثلاث ركعات إلى تسع أو إحدى عشرة ركعة1. وليس الأصل في ذلك تحديد عددٍ مُعَيّن، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خِفْت الصبح فأوتر بواحدة". متفق عليه2.
7- وكيفية صلاة الوتر، قد جاءت بها الروايات على صور متعددة، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من كل??أوتأو ركعتين وإن أوتر بثلاث سلّم من الثنتين وأوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن، وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهّد ولم يُسلّم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهّد ويسلّم، وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة، فيتشهّد ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويُسلّم … "3.
فإذا كانت الروايات في كيفية صلاة الوتر يُفْهَمُ منها هذه الصُّوَرُ كلها فلماذا تثار فيها الخلافات والتعصبات للآراء ومذاهب الأئمة؟!.--------------------------------------------
1 يُنْظر: "المغني" لابن قدامة: 2/588-589.
2 مضت الإشارة آنفاً إلى موضعه من الصحيحين.
3 المغني: 2/589، ويُنْظر باقي المبحث إلى ص591.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
لعلّ في هذه الأمثلة التفصيلية كفاية لإثبات الحقيقة التي أشرت إليها من أنّ السنة في بعض الأمور قد لا تَلْزم صورة واحدة أو وجهاً واحداً. ولولا خوف الإطالة لذكرت أمثلة أخرى كثيرة غير هذه. ولكن أكتفي -إضافة إلى ما سبق- بسرد إجماليّ لبعض الأمثلة الأخرى فيما يلي:
8- الترجيع في الأذان، وعدم الترجيع، كل ذلك جائز1.
9- الإفراد في الإقامة، والتثنية، كل ذلك جائز2.
10- الجهر بالبسملة، والمخافتة بها في الصلاة، كلاهما جائز3.
11- ألفاظ التشهّد المتعددة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كلها جائزة، ولا ينبغي أن يُرَدَّ بعضها ببعض.
12- أنواع الاستفتاح الثابتة في الصلاة، كلها جائزة.
13- ألفاظ الدعاء الثابتة للمتزوج، كلها جائزة.
14- ألفاظ الدعاء الثابتة لمن أطعم الطعام، كلها جائزة.
15- وكذلك الحال بالنسبة لخطبة الحاجة، فهي واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها ليست لازمة في كل حال، كما تدل عليه الروايات الأخرى الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
1 يُنْظر ما في الصفحات: 149، 155. مِن هذا الكتاب.
2 يُنْظر ما في ص: 149-150، 155. مِن هذا الكتاب.
3 يُنْظر ما في الصفحات: 150-151، 153-156. مِن هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
مثال رائع لمنهج السلف في نقد بعضهم بعضاً
لقد ألّف ابن قتيبة 213-276هـ رحمه الله تعالى كتاباً بعنوان: "إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد"، استدرك فيه على أبي عبيد في نيِّفٍ وخمسين موضعاً، وتعاظم بعض الناس في عصره وبعد عصره أن يَعْرض مثلُه بالنقد لأبي عبيد.
وقدّم ابنُ قتيبة للكتاب بمقدمة جميلة أوضح فيها المنهج المتعيّن على المرء في هذا الباب.
وقد أحببت نقلها هنا لأضرب بابن قتيبة مَثَلاً جميلاً يليق بعلمه وفضله، أرجو أن يكون في ذلك ذكرى لنا في هذا العصر الذي أصابنا فيه ما أصابنا، نسأل الله العافية.
قال ابن قتيبة1 رحمه الله تعالى: لعلّ ناظراً في كتابنا هذا يَنْفر من عنوانه، ويستوحش من ترجمته2، ويربأ بأبي عبيد رحمه الله، عن الهفوة، ويَأْبَى له الزلة، ويتحشم قَصْب العلماء، وهَتْك أستارهم. ولا يعلم ما تقلدناه من إكمال ما ابتدأ: من تفسير غريب الحديث، وتشييد ما أَسس، وأن ذاك--------------------------------------------
1 وهو في "إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث"، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري، ص:42-47. بتحقيق عبد الله الجبوري، نقلاً عن مقدمة التحقيق: لكتاب ابن قتيبة: "تأويل مشكل القرآن" للسيد أحمد صقر: 11-14.
2 أي عنوانه؛ لأنه جعله: إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد. على ما سبق بيانه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
هو الذي أَلْزَمَنا إصلاح الفساد، وسدَّ الخلل. على أنّا لم نقل في ذلك الغلط إنه اشتمالٌ على ضلالة، أو زيغٌ عن سنة. وإنما هو في رأيٍ قَضَى به على معنى مستتر، أو حرفٍ غريب مشكل.
وقد يتعثر في الرأي جِلّة أهل النظر والعلماء المبرِّزون، والخائفون لله الخاشعون، فهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم- وهم قادة الأنام، ومعادن العِلْم، وينابيع الحكمة، وأَوْلى البَشَرِ بكل فضيلة وأَقْربهم من التوفيق والعصمة- ليس منهم أحد قال برأيه في الفقه إلا وفي قوله ما يأخذ به قوم، وفيه ما يرغب عنه آخرون … وكذلك التابعون … والناس يختلفون في الفقه وَيَرَدُّ بعضهم على بعض في الحلال أنه حرام، وفي الحرام أنه حلال، وهذا طريق النجاة أو الهلكة، لا كـ"الغريب" و"النحو" و"المعاني" التي ليس على الهافي فيها كبير جُناح، كالشافعي يَرُدُّ على الثوري وأصحاب الرأي1 وعلى مُعَلِّمِه مالك بن أنس.
وأبو عبيد يختار من أقاويل السلف في الفقه، ومن قراءتهم، ويرذل منها، ويدل على عورات بعضها بالحجج البيّنة.
وعلماء اللغة أيضاً يختلفون، وينبّه بعضهم على زلل بعض، والفرّاء يَرُدُّ على إمامه الكسائي، وهشام يَرُدُّ على الفرّاء، والأصمعيُّ يُخطِّئ المفضّلَ … وهذا أكثر من أن يحاط به، أو يوقف من ورائه.--------------------------------------------
1 هم أهل الاجتهاد المشتغلون بالقياس والاستنباط أكثرَ مِن اشتغالهم بحفظ النصوص ونقلها، ويُطْلَقُ هذا المصطلح عادةً على الإمام أبي حنيفة، رحمه الله، ومن سلك مسلكه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
ولا نعلم أن الله عز وجل أَعطى أحداً من البشر مَوْثِقاً من الغلط، وأماناً من الخطأ، فنستنكف له منها، بل وَصَلَ عباده بالعجز، وقَرَنهم بالحاجة، ووصفهم بالضعف، والعجلة، فقال: { … وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيْفاً} 1، {وخُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} 2، { … وَفَوْق كُلِّ ذِي عِلْمٍ عليمٌ} 3.
ولا نَعْلَمَهُ خَصَّ بالعِلْم قوماً دون قوم، ولا وقَفَهُ على زمن دون زمن، بل جَعَلَهُ مشترَكاً مقسوماً بين عباده، يفتح للآخِر منه ما أغلقه عن الأول، وينبه المُقِلَّ منه على ما أغفل عنه المُكْثِرَ، ويُحْييه بمتأخر يتعقب قول متقدم، وتالٍ يَعْتبر على ماضٍ4.
وأوجبَ على كل من علم شيئاً من الحق أن يظهره وينشره، وجعل ذلك زكاة العلم، كما جعل الصدقة زكاة المال. وقد قيل: اتقوا زلة العالم. وزلة العالم لا تُعْرف حتى تُكْشف، وإن لم تعرف هلك بها المقلِّدون، لأنهم يتلقونها من العالم بالقبول، ولا يرجعون إلا بالإظهار لها، وإقامة الدلائل عليها وإحضار البراهين.
وقد يَظُّنُّ من لا يعلم من الناس، ولايضع الأمور مواضعها أن هذا اغتياب للعلماء، وطَعْنٌ على السلف، وذِكْر للموتى، وكان يقال: اعْفُ عن ذي قَبْرٍ،--------------------------------------------
1 28: النساء: 4.
2 37: الأنبياء: 21.
3 76: يوسف: 12.
4 أي يُعيد النظرَ في رأيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وليس ذاك كما ظنوا لأن الغيبة سَبُّ الناس بلئيم الأخلاق، وذِكْرهم بالفواحش والشائنات. وهذا هو الأمر العظيم المشبَّه بأكل اللحوم الميتة. فأما هفوة في حرف، أو زلة في معنى، أو إغفال، أو وَهَمٌ أو نسيان -فمعاذ الله أن يكون هذا من ذلك الباب، أو أن يكون له مشاكلاً أو مقارباً، أو يكون المُنَبِّهُ عليه آثماً؛ بل يكون مأجوراً عند الله، مشكوراً عند عباده الصالحين، الذين لا يميل بهم هوى، ولا تَدْخلهم عصبية، ولا يَجْمعهم على الباطل تحزُّب، ولا يَلْفِتُهم عن استبانة الحق حَسَدٌ.
وقد كنّا زماناً نعتذر من الجهل. فقد صِرْنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العِلْم1، وكنا نؤمّل شكر الناس بالتنبيه والدلالة فصِرْنا نرضى بالسلامة. وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال!!. ولا يُنْكَرُ مع تَغَيُّرِ الزمان، وفي الله خَلَفٌ. وهو المستعان.
ونذكر الأحاديث التي خالَفْنا الشيخَ أبا عبيد رحمه الله، في تفسيرها. على قلتها في جنب صوابه. وشُكْرِنا ما نَفَعَنا الله به من عِلْمه، معتدِّين في ذلك بأمرين:
أحدهما: ما أوجبه الله على مَنْ عَلِمَ في علمه.
والآخر: أَلاّ يَقِفَ ناظرٌ في كتابنا على حرفٍ خالفناه فيه، فيقضي علينا--------------------------------------------
1 يقصد أنه كان يعتذر من الجهل، وأصبح الآن يحتاج مع الناس إلى أن يعتذر منهم من العلم والرأي ليؤكّد صوابه في رأيه وموقفه، وحُسْنَ نيّتِهِ؛ ليبين لهم أنه على الحق، كما هي حاله في هذا المقطع الذي نقلناه عنه هنا؛ وذلك لأنّ الناس قَلّتْ رغبتهم في الحق، وساءت ظنونهم!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
بالغلط، ونحن من ذلك إن شاء الله سالمون. وما أولاك رحمك الله بِتَدَبُّرِ ما نقول: فإنْ كان حقاً، وكنتَ لله مُرِيداً، أن تتلقاه بقلب سليم، وإن كان باطلاً، أو كان فيه شيء ذَهَبَ عنّا، أن تَرُدّنا عنه بالاحتجاج والبرهان، فإن ذلك أبلغُ في النُّصرَة، وأوجب للعذر، وأشفى للقلوب.
انتهى كلام الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى. ولعل في كلامه هذا عِبْرة وعِظَةً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!.
والمرجوُّ مِن القاريء العزيز أن يعود فيقرأَ كلامه مرةً أُخرى متأمّلاً محاسِنَهُ، وجوانب الأدب فيه، ومَوَاطِنَ الأُسْوَةِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
أمثلة نبوية لمناهج وأساليب دعوية
مدخل
…
أمثلة نبوية لمناهج وأساليب دعويّة
توطئة:
هذه أمثلةٌ اخترتها مِن تطبيقات النبيّ صلى الله عليه وسلم، انتقيتها من صحيح الإمام البخاري، رحمه الله تعالى. وليس المقصود منها الحصر، وإنما ضرْب الأمثلة على بعضِ ما دعا إليه هذا البحث في ما مضى من موضوعاته. وكلُّ مسلمٍ مدعوٌّ إلى أن يتأمّل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، سواء منها الذي في صحيح الإمام البخاري أو في غيره، ويستقي منها الأُسوة والقدوة في نهْج الرسول القدوة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الملاطفة والدعاء
عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم علّمه الكتاب" 1.
وفي رواية: "اللهم علمه الحكمة" 2، وفي رواية: "اللهم فقهه في الدين" 3.--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري: 3-العلم 17-باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم علمه الكتاب" الفتح: 1/169.
2 أخرجه البخاري: 44-المناقب، ح: 138، باب مناقب ابن عباس.
3 أخرجه البخاري: 4-الوضوء 10-باب وضع الماء عند الخلاء الفتح: 1/244. وأخرجه في مواضع أُخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
من الأساليب النبوية في التربية: الملاطفة والدعاء.
أسلوبٌ نبوي في التربية والدعوة والتعليم ما أروعه إنه أسلوب التودّد، والملاطفة، هكذا!: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنه تواضعٌ وتربية على التواضع، ودعوة إليه بالقدوة الحسنة، إنه تعليم مِنْه صلى الله عليه وسلم -بسلوكه- للأسلوب الأمثل في تأليف القلوب، وتنشئتها على الحب وعلى قبول الدعوة. فبهذا المعنى ينبغي أن يهتم الداعية وفي مِثْل هذا المثل الرائع ينبغي أن يَنْظر مَنْ يَجْتهد في تقديم الدعوة للإسلام في فظاظة وغلظة، وإذا نفر منه الناس ومن دعوته حمّلهم العتْبَ، وأقام لنفسه العذرَ، واغتبط أنه أُوذي في سبيل الله!.
وكان الأحرى به أن يفتش عن عيوب نفسه، وأن يحمّل نفسه التّبعة في صدّ الناس عن طريق الله بسبب مخالفته لهذه السنّة النبوية الفريدة الحكيمة.
وأسلوبٌ آخَرُ هو: الدعاء، يتجلى في سيرته صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث، الدعاء لمن تدعوه إلى الله ومَنْ تُربيه ومَنْ تُعلّمه، وفي هذا أكثرُ من معنى شريف.
ففيه سؤال الله تعالى أن يوفقه لما تريد، ولما تطلبه، ولما ترشده إليه، والله سبحانه هو القادر على ذلك المعين الموفِّق له.
وفي الدعاء معنى تربوي هو توجيه المدعو له -بطريق القدوة الحسنة- إلى التوجه إليه سبحانه ودعائه، وعدم الاتّكال على الجهد والسبب مِن دونه عز وجل.
وفي الدعاء لَفْتٌ لنظر المدعو له -من خلال عبارات الدعاء- إلى ما ينبغي أن يهتم به كالعلم بالكتاب، والفقه في الدّين مثلاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
وفي دعائه صلى الله عليه وسلم تعليم للدعاة من بعده أن يفعلوا ذلك وأن يقتدوا به فيه، وكم يَغْفل الدعاة في عصرنا عن هذه السنّة وهذا الأسلوب النبويّ القدوة، وكم يَغْفل عنه الآباء والمربون. وكم يركن كثير منهم إلى جهده ثم هو لا يوفَّق!!.
إنّ هذا الحديث النبوي الشريف دعوة لنا لننتهج الملاطفة والتودد في الدعوة والتربية ولننتهج -أيضاً- أسلوب الدعاء والتوجه إلى الله سبحانه بسؤاله تحقيق ما نصبوا إليه تجاه المدعو والمربَّى. إن لكل منهما أثراً فورياً على النفس يدركه كل إنسان عنده أحاسيسه ومشاعره!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
2
اختيار الوقت المناسب والظرف المناسب
عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا1.
ومن الأساليب النبوية في التربية والتعليم: اختيار الوقت المناسب والظرف المناسب.
وهذا أسلوبٌ نبويّ آخر في الدعوة، وسط بين الإفراط والتفريط، يحكيه الصحابي الجليل الذي تلقّاه من النبي صلى الله عليه وسلم وذاق أثره الطيّب وطبّقه هو عمليّاً:--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري: 3-العلم 11-باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا الفتح: 1/162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا. نعم هكذا حتى ولو كان الواعظ رسولَ الله!! ذلك أنه يُراعِي الظروف النفسية للسامعين فيتحدث حين يكون للحديث قابلية أفضل واستعداد أحسن، لتلقّي كلمات المتكلم وفهْمها واستيعابها، وكثرةُ المواعظ المتتابعة قد لا تُجدي بل قد تدعو للسآمة والملل، وهذا عكس ما يرتجيه بمواعظه فهو يتجنبه.
إنه صلى الله عليه وسلم يراعي سنّة التدرج الطبيعي، ويتطلب الإقناع الراسخ الثابت ولو جاء بطيئاً، ويتحاشى الإيمان المتقلِّب غير الثابت ولو جاء أول الأمر في طفْرة عارمة.
وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم يَسُنّ السنّة لمن بعده من الدعاة، المقتدين به، المقتفين أثره، فهو يرسم لهم الطريق عملياً بسيرته!.
فينبغي لهم أن يقتدوا به في ذلك عملياً فهو أُستاذ الطريق، ودليل السالك إلى الله عز وجل. لقد كان يتخوّل أصحابه بالموعظة، وهو هو، وأصحابه هم أصحابه، رضوان الله عليهم، الذين اختارهم الله لصحبته، واختاروا طريقه وارتضوا سنته، ولزموا الاقتداء به، وأَحبوا ذلك وتركوا في سبيله الدنيا وزخرفها، ولكنه كان يتخوّلهم بالموعظة في الأيام مخافة السآمة عليهم، أي يتعهدهم بالموعظة في الأيام، وذلك أمْرٌ وسطٌ بين التهاون وترْك التذكير والوعظ الذي يُنْسى، وبين الوعظ والتذكير المستمر الذي يُمِلُّ، وكلا هذين داءٌ خطير يتحاشاه صلى الله عليه وسلم بسيرته هذه، فيتخولهم ويتعهدهم بالموعظة.
ومِنْ تخوّله لهم بالموعظة أنه يتحيَّن المناسبات لمواعظه، فتقع موقعها في النفوس:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
فمِنْ جَدْيٍ1 ميْت يمرّ به في الطريق مع أصحابه يشبّه به الدنيا2.
ومِنْ رَجُل يمرّ به في نَفَرٍ من أصحابه في نشاط وقوة مشمّراً عن ساعده للعمل فيسأل أصحابه عن رأيهم فيه ثم يوجههم بمناسبة ذلك، ورجلٍ آخر يَمُرُّ حسن الهيئة وأخر رثُّ الهيئة يتفاوتان في الإيمان والإخلاص، يسأل أصحابه عن رأيهم فيهما فيقوّمون حالهما بمظهرهما فقط، فيقول في الرجل قوي الإيمان الذي كان رثّ الهيئة: هذا خير من مِلْءِ الأرض مثل هذا3.
ومن مناسبةٍ ليومٍ فاضلٍ أو شهرٍ أو أيامٍ أو عيدٍ أو آيةٍ تنزل أو حالةٍ تَحْصل أو قصة تقال أو فعلٍ صائب أو عملِ خيرٍ يفعله أحد أصحابه، أو خطأٍ يرتكبه أحد الناس إلى غير ذلك من المناسبات الداعية للتوجيه والتعليم والوعظ.
لقد كان حريصاً صلى الله عليه وسلم على الدعوة والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن--------------------------------------------
1 الجَدْيُ: الذَّكَرُ من أولاد الغنم يُنْظر: لسان العرب: باب الواو والياء من المعتل
فصل الجيم.
2 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ؛ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ " فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟! قَالَ: "أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ ". قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ. فَقَالَ: "فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ"، مسلم: 53-الزهد والرقائق ح2957.
3 يُنْظر البخاري: 67-النكاح، 15-باب الأكفاء في الدين الفتح: 9/132.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
المنكر، ولكن حرصه على ذلك لم يُخْرجه عن الحكمة واختيار أفضل السبل وأيسرها للوصول للغاية.
كان صلى الله عليه وسلم، بتدرجه في التعليم وتحيّنه الفرص والمناسبات يختار الوقت المناسب للكلمة الطيبة، لأن وضع الكلمة الطيبة في غير موضعها ليس بمحمود وليس دعوة.
رأيت مرة رجلاً يبدو لي أن فيه خيراً، ومعه كتاب، فجلس في غرفة الانتظار في المستشفى مع المنتظرين، وأخذ يقرأ في الكتاب لنفسه رافعاً صوته طمعاً في أن يستفيد المنتظرون معه دورهم للطبيب. لم يُقَدِّر ظروفهم النفسية وطبيعة المكان الذي هم فيه!!.
ما أجمل الفقه في الدين مع الإيمان القوي، وإن النية الطيبة والرغبة في الخير وحدها لا تكفي ما لم ينضم إليها الفقه والحكمة والأسلوب الحسن لوضع النصيحة والكلمة الطيبة في موضعهما.
وما أعظم الفرق بين مَثَل وَمَثَل، ورَجُل ورَجُل، وداعية وداعية!!.
نسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والاقتداء بخير العباد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
3
استخدام الرسائل والوسائل المتاحة المشروعة
عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
مزّقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمَزَّقوا كل ممزق1.
ومن الأساليب النبوية في التربية والتعليم: استخدام الرسائل وجميع الوسائل المتاحة المشروعة.
وهذا أسلوبٌ دعوي نبويّ آخر يَظهر فيه حِرْص النبي صلى الله عليه وسلم على استخدام الوسائل الدعوية المشروعة الممكنة ويدل على أنه لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على وسيلة واحدة في الدعوة كالاتصال الشخصيّ مثلاً. فها هو ذا هنا يستخدم أسلوب الرسائل يوجهها إلى البلدان … ومِن ذلك رسالته هذه إلى كسرى، ورسالةٌ أُخرى إلى هِرَقْل عظيم الروم2، وسِوى ذلك مِن الرسائل.
إنه الاستثمار للإمكانات المتاحة كلها التي يسخّرها الله تعالى للداعية، وما إرسال الرسائل منه صلى الله عليه وسلم إلا عنوانٌ لهذا المعنى، ودعوةٌ عملية للدعاة في عصره، ومِنْ بعد عصره لتذكُّر هذا الأمر.
فإذا تهيأت أسبابٌ أخرى بعد ذلك للدعوة فينبغي أن يأخذ بها الداعية، سواء أكانت "إذاعة مسموعة" تَبْلُغ بها الكلمةُ الواحدة مسامع الدنيا كلها وتصل إلى مسامع ملايين البشر مئات الأقطار! أم كانت إذاعة مرئية، أو "انترنت"، أو بريداً "إلكترونياً"، أو شريطاً مسجَّلاً، "كاسيت" أو "فيديو" أو--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري: 3-العلم 7- باب ما يُذْكر في المناولة … الفتح: 1/154. وأخرجه في مواضع أُخر.
2 البخاري، ح7، بدْء الوحي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
كتاباً، أو رسالة مخطوطة أو مطبوعة أو صحيفة أو مكالمة هاتفية أو غير ذلك.
لا شكّ في أن وجوب امتداد كلمة الداعية من وجوب الدعوة ذاتها، فإذا كانت الدعوة واجبة على المسلم بإمكاناته المحدودة، فإنها واجبة عليه عند توافر الإمكانات المؤثِّرة لديه، كوجوب الدعوة أو أشد، وعندما يُتِيح الله للمسلم وسيلة للدعوة واسعة الانتشار فإن استخدامه لها في الدعوة واجب أيضاً كوجوب الدعوة أو أشد.
إن كلمة في المسجد للتوجيه والدعوة أمْرٌ طيب، ولعل أطيب منه كلمة في الإذاعة المسموعة، تتجاوز حدود المسجد، وعدد المصلين، وتتجاوز حدود القطر الذي يقف فيه المتكلم.
وإنّ كلمةً يقولها الداعية نصحاً لبائع أشرطة الغناء الماجن مثلاً أَمْرٌ طيب، ولعل أطيب منه رسالة يكتبها في ذلك المعنى ويوجهها لأَلْفِ بائعٍ مثله.
ومع هذا فإنه يلزم الأخذ بكل الطرق هذه، ولا يُكتفى بواحد منها عن الآخر.
ترى ما مدى استخدام الداعية للوسائل المتاحة؟.
لاشك في أن التقصير كبير.. ولو أن كل مسلم أخذ بالوسائل المتاحة له في الدعوة لكان الأثر كبيراً أيضاً، ولبلغت الكلمة الطيبة القلوب والأسماع في مختلف بقاع الأرض، ولكننا قصّرنا في هذا الجانب، فكانت النتيجة ما نرى الآن!! وكثير ممن يُفكر في الدعوة لا يكاد يراها سوى كلمة عابرة يقولها في الطريق وهو ماض لشأنه ثم هو يرى بعد ذلك أنه قد قام بواجب الدعوة، وهيهات هيهات!! والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
4
التعرّف على حال المدعوين لمراعاة أسباب استجابتهم
عن أنس بن مالك قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً. أو أراد أن يكتب. فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضّة نَقْشُهُ: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده1.
ومن الأساليب النبوية في الدعوة: التعرف على حال المدعوّين لمراعاة أسباب استجابتهم.
يرى بعض الناس أن على الداعية أن لا يقيم وزناً لاعتبارات المدعوين من الكفار، ومشاعرهم، وأمزجتهم، وأن الداعية حينما يقيم وزناً لذلك، أو يحسب له حساباً في دعوته وأسلوبه في مخاطبتهم يكون قد انهزم، وانحرف بطريق الدعوة وأخطأ الطريق!.
وهذا خطأ في أسلوب الدعوة، وضعْفٌ في فقْه الداعية لدعوته، يردُّه فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أنه لا يضره في دعوته أن يَخْتِمَ الكتاب مثلاً، ودينُهُ لا يُحرِّم ذلك، والموجَّه لهم الخطاب لا يقرءون الخطاب إلا مختوماً، إِذَنْ فليتخذ خاتماً نَقْشُهُ: محمد رسول الله، ويلبسه في يده صلى الله عليه وسلم!!.
وهذا التصرف منه صلى الله عليه وسلم عنوانٌ للمسائل المماثلة، فينبغي للداعية أن يتخذ--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري: 3-العلم 7- باب ما يُذْكر في المناولة … الفتح: 1/155. وأخرجه في مواضع أُخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)