مقياساً له دائما في تمييز الحق والصواب.
وبهذا المسلك استحكمت في بعض الناس ظاهرة التعصب والغلوّ، وأصبح بعض الناس يتعامل مع ظاهرة الخلافات الفقهية تعاملاً غير فقيه، وأصبح بعضهم يتجاوز الحق إذا جاء على لسان المخالف له؛ وحصلت-بسبب هذا التنازع والخلاف في العبادات الظاهرة والشعائر-أنواعٌ مِن الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
أنواع الفساد المترتبة على الخلاف:
وأهم أنواع الفساد المترتبة على هذا الخلاف ما يلي:
أحدها: جهْل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون، الذي يحبه الله ورسوله، والذي سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمّته، والذي أمرهم باتباعه.
الثاني: ظلْم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض، وبغيهم عليهم:
تارة بنهْيهم عمّا لم ينه الله عنه.
وبغْضهم على ما لم يبغضهم الله عليه.
وتارة بترك ما أوجب الله من حقوقهم وصلتهم، لعدم موافقتهم لهم على الوجه الذي يؤثرونه، حتى إنهم يُقَدِّمون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات مَنْ يكون مؤخَّراً عند الله، ورسوله، ويَتْركون من يكون مقدَّماً عند الله ورسوله لذلك1.--------------------------------------------
1 وهذا مشاهَدٌ اليوم لدى كثيرٍ مِن المختلفين مِن المسلمين، للأسف، وأمثلته تتكرر على الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
الثالث: اتّباع الظن وما تهوى النفس، حتى يصير كثير منهم متديِّناً باتّباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة، وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة من الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن أهل السنّة والجماعة، كالخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم.
وقد قال تعالى في كتابه: {وَلَا تَتَّبِع الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} 1.
وقال في كتابه: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} 2.
الرابع: التفرّق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف، حتى يصير بعضهم يبغض بعضاً ويعاديه، ويحب بعضاً ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض3.
وهذا كله من أعظم الأمور التي حرّمها الله ورسوله.
وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنّة التي شرعها--------------------------------------------
1 26: سورة ص: 38.
2 77: المائدة: 5.
3 وهذا أمرٌ مشاهدٌ في الناس اليوم يَشهد بصدْق ما قاله هذا الإمام الموفَّق، رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، ومِنْ أهل الفُرْقة بالفُرْقة المخالفة للجماعة التي أمر الله بها رسوله، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ في شَيءٍ} 1.
وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} 2.
وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَة، وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} 3.
وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} 4.
وقال تعالى: {وَآتَيناهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} 5.
وقال تعالى: {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم يَومَ الْقِيَامَة} 6.--------------------------------------------
1 159: الأنعام: 6.
2 213: البقرة: 2.
3 4،5: البينة: 98.
4 19: آل عمران: 3.
5 17: الجاثية: 45.
6 93: يونس: 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
النوع الخامس: هو شكُّ كثير من الناس وطعْنهم في كثير مما أهلُ السنّة والجماعة عليه متفقون، بل وفي بعض ما عليه أهل الإسلام، بل وبعض ما عليه سائر أهل الملل متفقون، وذلك:
- من جهة نقلهم وروايتهم تارة.
- ومن جهة تنازعهم ورأيهم أخرى.
أما الذي مِن جهة النقل والرواية: فقد عُلِم أن الله حفظ هذا الدين، كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظَون} 1؛ فحفظ الله الذكر الذي أنزله على رسوله.
وأَمرَ أزواجَ نبيه بذكْره، أي بأن يَذكرنَهُ، حيث يقول: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَة} 2. وحَفِظه من أن يقع فيه من التحريف ما وقع فيما أَنزل قبله.
كما عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة.
فعصم حروف التنزيل أن تُغَيَّر.
وحفظ تأويله أن يَضِلّ فيه أهل الهدى المتمسكون بالسنّة والجماعة.
وحفظ أيضاً سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ليس فيها، من الكذب عمداً أو خطأ، بما أقامه من علماء أهل الحديث وحفّاظه الذين فحصوا عنها وعن--------------------------------------------
1 9: الحجر: 15.
2 34: الأحزاب: 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
نَقَلَتِها ورواتها، وعلموا من ذلك ما لا يعلم غيرهم، حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول منها إجماعاً معصوماً من الخطأ، لأسباب يطول وصفها في هذا الموضع، وعلموا، هم خصوصاً، وسائر علماء الأمة، بل وعامتها، عموماً ما صانوا به الدّين عن أن يزاد فيه أو ينقص منه مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم في اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس، وأن مقادير ركعاتها ما بين الثنائي، والثلاثي، والرباعي، وأنه لم يفرض عليهم من الصوم إلا شهر رمضان، ومن الحج إلا حج البيت العتيق، ومن الزكاة إلا فرائضها المعروفة، إلى نحو ذلك.
وعلموا كَذِبَ أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه عن النبي صلى الله عليه وسلم لعلْمهم بكذب من يَنْقل عنه نقلاً واضح الكذب؛ إمّا لمعارضته للأمر المنقول الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، أو لكونه مما تتوافر الدواعي لتواتر نقْله عنه، لو كان صحيحاً1.--------------------------------------------
1 هنا ذَكَر شيخ الإسلام ابن تيمية أمثلةً مِن المنقولات المكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم، التي عَلِم كَذِبَها أئمة الحديث، فقال: - زعْم الرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على عليّ بالخلافة نصاً قاطعاً جلياً.
- وزعْم آخرين أنه نص على العباس.
- أكاذيب الرافضة والناصبة التي يأثرونها، مثل:
- الغزوات التي يروونها عن عليّ وليس لها حقيقة، كما يرويها المُكِدُّون الطرقية مثل: أكاذيبهم الزائدة في سيرة عنترة والبطال، حيث علموا مجموع مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القتال فيها كان في تسعِ مغازٍ فقط، ولم يكن عِدّةُ المسلمين، ولا العدوّ، في شيء من مغازي القتال عشرين ألفاً.
- ومثل الفضائل المرويّة ليزيد بن معاوية ونحوه.
- والأحاديث التي يرويها كثير من الكرّامية في الإرجاء ونحوه.=والأحاديث التي يرويها كثير من النسّاك في صلوات أيام الأسبوع، وفي صلوات أيام الأشهر الثلاثة.
- والأحاديث التي يروونها في استماع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه وتواجده، وسقوط البردة عن ردائه، وتمزيقه الثوب، وأخذ جبريل لبعضه وصعوده به إلى السماء.
- وقتال أهل الصُفّة مع الكفار.
- واستماعهم لمناجاته ليلة الإسراء.
- والأحاديث المأثورة في نزول الرب إلى الأرض يوم عرفة وصبيحة مزدلفة، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم له في الأرض بعين رأسه.
- وأمثال هذه الأحايث المكذوبة التي يطول وصفها.
فإن المكذوب من ذلك لا يحصيه أحد إلاّ الله تعالى؛ لأن الكذب يحدث شيئاً فشيئاً، ليس بمنزلة الصدق الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يحدث بعده، وإنما يكون موجوداً في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو محفوظ محروس بنقل خلفاء الرسول وورثة الأنبياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
طريق العصمة مِن الفُرقة هو: الاعتصام بالأصلين: السنّة والجماعة
مدخل
…
طريق العصمة مِن الفُرقة هو: الاعتصام بالأصلين: السنّة والجماعة:
إذا تَبَيّنَ بعضُ ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد، فنحن نذكر طريق زوال ذلك، ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات.
وذلك ببيان الأصلين اللذين هما: السنّة والجماعة. المدلول عليهما بكتاب الله فإنه إذا اتُّبِعَ كتاب الله، وما تضمنه من اتّباع رسوله، والاعتصام بحبله جميعاً، حصل الهدى والفلاح وزال الضلال والشقاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
الأصل الأوّل: الاعتصام بالجماعة:
أمّا الأصل الأول وهو الجماعة -وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق؛ ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنّة- فنقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
يتبيَّنُ هذا الأصل بتطبيق القواعد التالية:
- القاعدة الأُولى: غالبُ الخلاف إنما هو في أمور مستحبة ومكروهة:
عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات، لا في واجبات ومحرمات. فهذه قاعدة بها يتوصّل الباحث عن طريق النجاة في هذا الأمر إلى فهْم حقيقة الخلاف الوارد عن الأئمة في أبواب الفقه.
أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة:
المثال الأول:
الرجل إذا حج متمتعاً أو مفرداً أو قارناً كان حجه مُجْزئاً عند عامة علماء المسلمين. وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك1.
المثال الثاني:
الأذان، سواء رجّع فيه أو لم يرجّع، فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، وسواء ربّع التكبير في أوله أو ثنّاه، وإنما يُخالِف في ذلك بعض شواذ المتفقهة، كما خالف فيه بعض الشيعة فأوجب له الحيعلة بـ:"حي على خير العمل".
المثال الثالث:
الإقامة يصح فيها الإفراد والتثنية، بأيتها أقام صحت إقامته عند عامة--------------------------------------------
1 ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب، أو يمنع، ذلك، فمن الشيعة من يوجب المتعة، أي التمتع في الحج، ويحرِّم ما عداها، ومن الناصبة من يحرّم المتعة ولا يبيحها بحال..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
علماء الإسلام، إلا ما تنازع فيه شذوذ الناس.
المثال الرابع:
الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز، لا يبطل الصلاة، وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما، أو يكره الآخر، أو يختار أن لا يقرأ بها.
فالمنازعة بينهم في المستحب، وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عامة العلماء، فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما: هل هما واجبان أم لا؟ وفيه نزاع معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فهذا في الجهر الطويل بالقدر الكثير، مثل المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر.
فأما الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل الصلاة بذلك، وما أعلم أحداً قال به، فقد ثبت في الصحيحين1 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في صلاة المخافتة يُسمعهم الآية أحياناً2.--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري في: 10-الأذان، 97-باب القراءة في العصر، عن أبي قتادة الفتح: 2/246 وأخرجه في مواضع أُخر. ومسلم في 4-الصلاة ح155 1/333.
2 ذَكَر الإمام ابن تيمية هنا أدلةً أخرى على هذا الأمر، فقال: وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ ". قال: أنا. قال: "رأيتُ بضعة وثلاثين مَلَكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولُ". ومعلومٌ أنه لولا جهره بها لما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الراوي، ومعلومٌ أن المستحب للمأموم المخافتة بمثل ذلك. البخاري في: 10-الأذان، باب رقم 126 الفتح: 2/284.
وكذلك ثبت في الصحيح: عن عمر أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح: "سبحانك اللهم = وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، وهذا فعله بين المهاجرين والأنصار، والسنّة الراتبة فيه: المخافتة. صحيح الإمام مسلم: 4-كتاب الصلاة، 13-باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، ح52.
وكذلك كان من الصحابة من يجهر بالاستعاذة.
وفي الصحيح عن ابن عباس أنه جهر بقراءة الفاتحة على الجنازة، وقال: لتعلموا أنها السنّة. ولهذا نظائر. البخاري: 23-الجنائز، 65-باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، "الفتح: 3/203".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وأيضاً فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كابن الزبير ونحوه، ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره، وتكلم الصحابة في ذلك ولم يُبطِل أحدٌ منهم صلاةَ أحدٍ في ذلك، وهذا مما لم أعلم فيه نزاعاً، وإن تنازعوا في وجوب قراءتها، فتلك مسألة أخرى.
المثال الخامس:
القنوت في الفجر، إنما النزاع بينهم في استحبابه، أو كراهيته وسجودِ السهو لتركه، أو فعله، وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة مَنْ ترك القنوت، وأنه ليس بواجب، وكذلك مَنْ فَعلَه إذْ هو تطويل يسير للاعتدال ودعاء الله في هذا الموضع، ولو فعل ذلك في غير الفجر لم تبطل صلاته باتفاق العلماء فيما أعلم.
المثال السادس:
القنوت في الوتر هل هو في جميع الحول أو النصف الآخر من رمضان؟ إنما هو في الاستحباب، إذ لا نزاع أنه لا يجب القنوت، ولا تبطل الصلاة به،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
وكذلك كونه قبل الركوع أو بعده.
المثال السابع:
تكبيرات العيد الزوائد، إنما النزاع في المستحب منها، وإلاّ فلا نزاع في أنه يجزئ ذلك كله.
المثال الثامن:
أنواع الألفاظ في التشهد كلها جائز، ما أعلم في ذلك خلافاً، إلاّ خلافاً شاذّاً، وإنما النزاع في المستحب.
المثال التاسع:
أنواع الاستفتاح في الصلاة. وأصل الاستفتاح، إنما النزاع في استحبابه، وفي أي الأنواع أفضل، والخلاف في وجوبه خلافٌ قليلٌ.
- القاعدة الثانية: إذا كان خلافهم إنما هو في الاستحباب عُلِم اجتماعهم على الجواز:
وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب عُلِم الاجتماع على جواز ذلك وإجزائه، ويكون ذلك بمنزلة القراءات في القرآن، فإن جميعها جائز، وإن كان من الناس من يختار بعض القراءات على بعض.
وبهذا يزول الفساد المتقدم فإنه إذا عُلِم أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة، لم يكن النزاع في الاختيار ضاراً، بل قد يكون النوعان سواء، وإن رجح بعض الناس بعضها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يُظْلم مَنْ يختار المفضول، ولا يُذَمّ، ولا يُعاب، بإجماع المسلمين. بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين.
- القاعدة الثالثة: لا يجوز أن يُعْطَى الحُكم الفرعيّ فوق حقه، ولا أن يُنْقَصَ عنه:
ولا يجوز التفرّق بذلك بين الأمة.
ولا أن يُعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون مَنْ أتى بغير ذلك المستحب من أمورٍ أخرى واجبة ومستحبة أفضلَ بكثير.
ولا يجوز أن تُجعل المستحبات بمنزلة الواجبات، بحيث يمتنع الرجل مِنْ تركها، وَيَرى أنه قد خرج من دينه، أو عصى الله ورسوله، بل قد يكون تَرْك المستحبات لمعارضٍ راجح أفضلَ من فعلها، بل الواجبات كذلك.
- القاعدة الرابعة: مراعاة ائتلاف القلوب يُقَدَّم على بعض المستحبات:
ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسناً، وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب.
وقد أخرجا في الصحيحين1 عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري في: 3-العلم، 48-باب من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه الفتح: 1/224. ومسلم في: 15-الحج، ح:398، فما بعده 2/968-972.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
لها باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه". وقد احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يَتْرك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب ودفعاً لنفرتها. ولهذا نصّ الإمام أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة. قال القاضي لأن أهلها إذْ ذاك كانوا يجهرون فيجهر بها للتأليف وليعْلِمَهم أنه يُقرأ بها، وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرءونها بحال فيجهر بها ليعْلِمَهم أنه يُقْرأ بها، وأن قراءتها سنّة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، وبهذا يزول الشك والطعن، فإن الاتفاق إذا حصل على جواز الجميع وإجزائه عُلِم أنه داخل في المشروع، فالتنازع في الرجحان لا يضر، كالتنازع في رجحان بعض القراءات، وبعض العبادات، وبعض العلماء ونحو ذلك، بل قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كُلاًّ من القرّاء أن يقرأ كما يعلم، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك، فمَنْ خالف في ذلك كان ممن ذمّه الله ورسوله، فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
الأصل الثاني: الاعتصام بالسنّة:
وأما الأصل الثاني: فنقول: السنّة المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها من السعة والخير ما يزول به الحرج، وإنما وقعت الشبهة لإشكال بعض ذلك على بعض الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
أمثلة على تطبيقات هذا الأصل:
المثال الأول:
الأذان فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سنّ في الإقامة الإيتار والشفع، ففي الصحيحين1: أنه أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وفي صحيح مسلم2: أنه علّم أبا محذورة الإقامة مثنى مثنى، مثل الأذان، فإذا كان كل واحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأحد النوعين، صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ولهشام بن حكيم بحرف آخر، وكلاهما قرآن أَذِنَ الله أن يُقْرأ به.
وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في أذان أبي محذورة، وهو محذوف من أذان بلال الذي رووه في السنن.
المثال الثاني:
الجهر بالبسملة والمخافتة بها، صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة وصحت المخافتة بها عن أكثرهم، وعن بعضهم الأمران جميعاً.
وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فالذي في الصحاح والسنن يقتضي أنه لم يكن يجهرُ بها، كما عليه عمل أكثر الصحابة وأمته.--------------------------------------------
1 البخاري: 10-الأذان، 2-باب الأذان مثنى مثنى الفتح: 3/82، ومسلم: 4-الصلاة، ح:2-5 1/286.
2 يُنْظر الحديث في ذلك عند مسلم: 4-الصلاة، ح:6 1/287.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ففي الصحيح1 حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك دلالة بيّنة لا شبهة فيها.
وفي السنن أحاديث أُخَرُ مثل حديث ابن مغفَّل وغيره.
وليس في الصحاح والسنن حديثٌ فيه ذكْرُ جهْرِهِ بها.
والأحاديث المصرِّحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، ولهذا لم يخرِّجوا في أمهات الدواوين منها شيئاً.
ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة، وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها إذ كان بمكة، وأنه لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات، ورواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، وهذا يناسب الواقع، فإن الغالب على أهل مكة كان الجهرَ بها، وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها، وكذلك أكثر البصريين، وبعضهم كان يجهر بها، ولهذا سألوا أنساً عن ذلك.
ولعلّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها بعض الأحيان أو جهراً خفيفاً، إذا كان ذلك محفوظاً، وإذا كان في كتب الحديث نفسها أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة.--------------------------------------------
1 يُنْظر: البخاري: 10-الأذان، 89-باب ما يقول بعد التكبير، الفتح: 2/226، ومسلم: 4- الصلاة، ح:50-52 1/299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
المثال الثالث:
القنوت، وأمْره بيّنٌ لا شبهة فيه عند التأمل التام.
فإنه قد ثبت في الصحاح1 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رُعَل وذَكْوان وعُصَيّة ثم تركه، ولم يكن ترْكه نسخاً له، لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين: مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين، ويدعو على مضر2. وثبت عنه أنه قنت أيضاً في المغرب والعشاء، وسائر الصلوات، قنوت استنصار.
فهذا في الجملة منقول ثابت عنه، لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تَرَكَه تَرْكَ نسخٍ، فاعتقد أن القنوت منسوخ، واعتقد بعضهم من المكيين أنه مازال يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا.
والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قَنَتَ لسبب، وَتَرَكَه لزوال السبب، فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب، لأنه ثبت أنه تركه لَمّا زال العارض، وثبت في الصحاح أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً، هكذا ثبت عن أنس وغيره، ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت القنوت المتنازع فيه -وهو القنوت الدائم في الصبح- لا قبل الركوع ولا بعده، ولا في كتب الصحاح والسنن شيء من ذلك، بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك--------------------------------------------
1 يُنْظر صحيح البخاري: 14-الوتر، 7- باب القنوت قبل الركوع وبعده الفتح: 2/489.
2 البخاري: 15-الاستسقاء، 2-باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اجْعلها عليهم سنين كسِنِيِّ يوسف" الفتح: 2/492.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
الأشجعي وغيرهما.
ومن المعلوم قطعاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان كل يوم يقنت قنوتاً يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة؛ فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض، وقنوت الوتر؛ فالقنوت الراتب أولى أن يُنْقل دعاؤه فيه، فإذا كان الذي يستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر، عُلِم أنه ليس فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا مما يُعْلم باليقين القطعي كما يُعْلم عدم النص على هذا وأمثاله، فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نَقْلَ ذلك، فإنه مما يُعْلم بطلانه قطعاً.
ولذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعليّ وغيرهما هو القنوت العارض، قنوت النوازل، ودعاء عمر فيه، وهو قوله: اللهم عذّب كفرة أهل الكتاب … إلخ، يقتضي أنه دعا به عند قتاله للنصارى، وكذلك دعاء عليّ عند قتاله لبعض أهل القبلة، والحديث الذي فيه عن أنس أنه لم يَزَلْ يَقْنُت حتى فارق الدنيا مع ضعف في إسناده، وأنه ليس في السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع.
وفي الصحاح عن أنس أنه قال: لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع إلا شهراً.
والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل، إذْ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة، فتارة يكون في السجود، وتارة يكون في القيام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
المثال الرابع:
كيفيّة حجّة الوداع، فإنها وإن اشتبهت على كثير من الناس، فإنما أُتوا من جهة الألفاظ المشتركة، حيث سمعوا بعض الصحابة يقول: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أيضاً يقولون: إنه أفرد الحج، ويقول بعضهم: إنه قرن العمرة إلى الحج. ولا خلاف في ذلك؛ فإنهم لم يختلفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه، وأنه كان قد ساق الهدي، ونحره يوم النحر، وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام، لا هو ولا أحد من أصحابه، إلا عائشة أمر أخاها أن يُعْمِرها من التنعيم أدنى الحِلّ.
وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه، فيها أنه لم يَطُفْ بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طوافه الأول.
فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج، لم يَقْرِن بها عمل العمرة كما يَتَوهم مَنْ يقول: إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، ولم يتمتع تمتعاً حَلّ به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذي لم يسق الهدي، بل قد أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، ويُهِلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)