الإسناد الأول، وهو المشهور"1. يعني حديث إسحاق الخراساني.
وقد أَبْدَى ابن القَيِّم رحمه الله تَخَوُّفَهُ من احتمال وقوع ذلك، فقال: " … وإِنَّمَا يُخَافُ ألا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أنَّ عطاء لم يسمعه من ابن عمر"2. فأضاف بذلك علة أخرى، وهي: احتمال إرسال عطاء له. وكلام ابن القَيِّم هذا كأنه أخذه من شيخه ابن تيمية رحمهما الله، فإنه نسبه إليه في موضع آخر3.
قلتُ: أما غَمْزُ هذا الإسناد بأبي بكر بن عَيَّاش فلا ينبغي؛ فإن الرجل ثقةٌ، فقد وثقه غير واحد من الأئمة، إلا أنه كان يخطئ، قال الذهبي رحمه الله: "أحدُ الأعلام، ثقة يغلط"4. وقال ابن عديّ: "لم أجد له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة، إلا أن يروي عنه ضعيف"5. وقال ابن حبان: "والصواب في أمره: مجانبة ما عُلِمَ أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنه داخلٌ في جملة أهل العدالة، ومن صَحَّتْ عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهكذا حُكْمُ كلِّ مُحَدِّثٍ ثقةِ صَحَّت عدالته وتَبَيَّنَ خطؤه"6. ومع ذلك: فقد روى هذا الحديث عنه ثقة، وهو الأسود بن--------------------------------------------
1 التلخيص الحبير: (3/19) .
2 تهذيب السنن: (5/104) .
3 انظر: إعلام الموقعين: (3/166) .
4 المغني: (2/774) .
5 الكامل: (4/30) .
6 الثقات: (7/670) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 74)
عامر الشامي1، وذلك في إسناد الإمام أحمد.
وأما ما قاله ابن حجر من تدليس الأعمش، فإنَّ كلامه قد تَضَمَّنَ أموراً:
1- أن الأعمش قد عنعنه، وهو مدلس.
2- أن عطاء الذي عنعن عنه الأعمش، قد يكون عطاء الخراساني، فيكون قد حصل تدليس تسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر.
3- وإذا كان كذلك، فإنَّ هذا الإسناد يرجع إلى الإسناد الأول، الذي رواه: أبو عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر.
وأقول: أما عنعنة الأعمش، فإنها عِلَّةٌ ولا شكَّ في هذا الإسناد، ولكنه ممن احْتُمِلَ تدليسهم: لإمامتهم، وقلة تدليسهم في جنب ما رووه، ولذلك جعله الحافظ ابن حجر في "الطبقة الثانية" من طبقات المدلسين2 الذين هذه صفتهم. ومع ذلك فإنه قد تُوبِعَ على هذه الرواية، كما سيأتي بيانه.
وأما القول بأنَّ عطاءً يحتمل أن يكون ابن أبي مسلم الخراساني: فلا أَدْرِي ما الذي دعا الحافظ ابن حجر إلى إيراد هذا الاحتمال؟ فإنه قد جاء منسوباً في روايتي الطبرانيِّ وأحمد، إذ جاء عندهما: "عطاء بن أبي--------------------------------------------
1 انظر: التقريب: (ص 111) .
2 طبقات المدلسين: (ص 49) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 75)
رباح". وإذا كان كذلك فإنه لا يلتبس بعطاء الخراساني، فلعلَّ الحافظ ابن حجر رحمه الله لم يقف عليه منسوباًَ، فقال ما قال!
وأما ما ذهب إليه من تدليس التسوية: فإنه بناه على الاحتمال السابق وقد عُرِفَ ما فيه، ومع ذلك فلو سُلِّمَ للحافظ القول به، فإنه لا يكونُ كما قال؛ فإنَّ المعروف في تدليس التسوية أنه يُلجأ إليه لإسقاط ضعيفٍ من الإسناد بين ثقتين، فهل نافع مولى ابن عمر الإمام الثبت ضعيفٌ حتى يسقطه الأعمش من الإسناد؟ هذا لازم قول الحافظ ابن حجر، ولكنه لا يلتزمه ولا يقول بضعف نافع أبداً.
بَقِيَ الكلام في سماع عطاء من ابن عمر رضي الله عنهما وهو ما تَخَوَّفَ منه ابن القَيِّم رحمه الله: فقد قال الإمام أحمد وعليُّ بن المديني: إنه رأى ابن عمر ولم يسمع منه1.
وقد ضَعَّفَ الأئمة مرسلات عطاء ولم يحمدوها، فقال علي بن المديني: "مرسلات مجاهد أحبُّ إليَّ من مرسلات عطاء بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كلِّ ضربٍ"2. وقال الإمام أحمد: "ليس في المرسلات أضعفُ من مرسلات الحسن وعطاء؛ فإنَّهما كانا يأخذان عن كلِّ أحدٍ"3.--------------------------------------------
1 المراسيل - ابن أبي حاتم: (154 - 155) ، وجامع التحصيل: (ص 290) .
2 تهذيب التهذيب: (7/202) .
3 المصدر السابق.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 76)
فإذا كان كذلك، فإنَّ هذه عِلَّةُ أخرى في هذا الإسناد تضاف إلى ما سبق، وهي: انقطاعه بين عطاء وابن عمر.
الوجه الثاني1: ما أخرجه أبو يعلى في (مسنده) 2، والطبراني في (الكبير) 3، من طريق: ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن أبي سليمان4، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر رضي الله عنهما بنحو حديث الأعمش الماضي.
وهذا الإسناد ضعيفٌ؛ لضعف ليث بن أبي سليم. وعبد الملك بن أبي سليمان فيه كلامٌ يسيرٌ لا يضره، وقد ضَعَّفَ البيهقي رحمه الله هذا الإسناد. فقال عنه وعن طريق الأعمش السابق: "ورُوي ذلك من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر"5.
ولكن، مع ما في هذا الإسناد من ضعفٍ، فإنه إذا ضُمَّ إلى إسناد الأعمش الماضي تَقَوَّى كلٌّ منهما بالآخر، وإذا ضُمَّ الاثنان إلى حديث عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، فإنهما - كما قال ابن القيم رحمه الله: "يَشُدُّ أحدهما الآخر"6، مع ما تَقَدَّمَ من تصحيح--------------------------------------------
1 من وجوه الرواية عن عطاء، عن ابن عمر.
(10/29) ح 5659.
(12/433) ح 13585.
4 العَرْزَمِي، صدوقٌ له أوهامٌ، من الخامسة، مات سنة 145هـ/ خت م 4. (التقريب 363) .
5 سنن البيهقي: (5/316) .
6 تهذيب السنن: (5/104) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 77)
بعض الأئمة لبعض طرق حديث عطاء، وتحسين آخرين له، وبذلك يَتَبَيَّنُ: "أن للحديث أصلاً محفوظاً عن ابن عمر"1. فيكون هذا الحديث بمجموع طرقه حسناً، وقد صَحَّحَهُ الشيخ الألباني بمجموع طرقه2، ولعل الأليق به أن يكون حسناً، والله أعلم.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (5/104) .
2 السلسلة الصحيحة: (ح11) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 78)
5- باب في بيع أمهات الأولاد
84- (6) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، فَوَلَدَتْ له، فهي مُعْتَقَةٌ عن دُبُرٍ1 منه".
تناول ابن القَيِّم رحمه الله قضية بيع أمهات الأولاد، فكان مما قال: "وقد احْتُجَّ على منع البيع بحجج كلها ضعيفة". ثمَّ ذكر منها حديث ابن عباس هذا، قال: "وفي لفظ: أيما امرأةٍ عَلِقَتْ2 من سَيِّدِهَا، فهي معتقة عن دُبُرٍ منه - أو قال - من بعده".
قال رحمه الله: "وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهو ضعيف الحديث، ضَعَّفَهُ الأئمة"3.
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) 4، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) 5، والطبراني في (الكبير) 6، والحاكم في--------------------------------------------
1 أي: بعد موته. يقال: دَبَّرْتَ العبدَ، إذا عَلَّقْتَ عِتْقَهُ بموتك، وهو التدبير: أي أنه يُعْتق بعدما يُدَبِّره سَيِّدُهُ ويموت. (النهاية 2/98) .
2 عَلِقَتِ المرأة بالولد - وكل أنثى - تَعْلَقُ: حَبِلَتْ. (المصباح المنير ص 425) .
3 تهذيب السنن: (5/411) .
(2/841) ح 2515 ك العتق، باب أمهات الأولاد.
5 حم: (1/303، 317، 320) . مي: (2/172) ح 2577. ك البيوع، باب في بيع أمهات الأولاد.
(11/209) ح 11519.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 79)
(المستدرك) 1، والبيهقي في (سننه) 2، كلهم من طريق: شريك.
وأخرجه الدارقطني في (سننه) 3 من طريق: أبي أُوَيْس. كلاهما عن:
حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحو اللفظ المتقدم.
وهذا الإسناد ضَعِيفٌ جدَّاً؛ فإنَّ مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وقد أجمعوا على ضَعْفِهِ، بل قال النسائي: "متروك"4. وقد ضُعِّفَ هذا الحديث لأجله، فقال البيهقي عقبه: "حسين ضَعَّفَهُ أكثر أصحاب الحديث". وقال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف، حسين بن عبد الله … تركه ابن المديني … ، وَضَعَّفَهُ أبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاريُّ: يُقال إنه كان يُتَّهَمُ بالزندقة"5. وقال الحافظ ابن حجر: "في إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف جداً"6.
وخالف الحاكم رحمه الله، فقال: "حديث صحيح الإسناد، ولم--------------------------------------------
(2/19) .
(10/346) .
(4/132) ح 24، (4/133) ح 27.
4 تهذيب التهذيب: (2/342) .
5 مصباح الزجاجة: (2/65 - 66) .
6 التلخيص الحبير: (4/217) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 80)
يخرجاه". فَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بقوله: "قلت: حسين متروك"1، وابن الملقن بقوله: "وفيه نظرٌ قويٌّ، سيما رواية الدارقطني"2.
وقد روي حديث ابن عباس هذا على وجهٍ آخر عنه رضي الله عنه أنه قال: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أَعْتَقَهَا وَلَدهَا".
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) 3 من طريق: أبي بكر النَّهْشَلِي، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وهو ضعيفٌ كالذي قبله؛ لأن "حسين بن عبد الله" في هذا الإسناد أيضاً، وقد تَقَدَّمَ بيان حاله، وقد أشار ابن القَيِّم رحمه الله إلى تضعيفه بذلك، فقال: "وهو أيضاً من رواية حسين"4.
ولكن قد رُوِيَ بهذا اللفظ من غير طريق حسين هذا، وذلك فيما أورده ابن القَطَّان من طريق: قاسم بن أصبغ، عن محمد بن وَضَّاح، عن مصعب بن سعيد، ثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: لما ولدت ماريةُ إبراهيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتقها ولدها" 5.--------------------------------------------
1 تلخيص المستدرك: (2/19) .
2 خلاصة البدر المنير: (2/464) ح 2989.
(2/841) ح 2516.
4 تهذيب السنن: (5/411 - 412) .
5 بيان الوهم والإيهام: (2/85) ح 58.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 81)
وهذا الإسناد فيه مصعب بن سعيد، وهو المصيصي، أبو خيثمة، قال فيه صالح جزرة: "شيخ ضريرٌ لا يَدْرِي ما يقول"1. وقال ابن عديّ: "يُحَدِّثُ عن الثقات بالمناكير، ويُصَحِّفُ عليهم"2 وقال ابن القطان: "يُضَعَّفُ"3.
ولكن سُئل عنه أبو حاتم؟ فَقَطَّبَ وجهه، وقال: "عبد الله بن جعفر أحبُّ إليَّ منه، وكان صدوقاً"4. وذكره ابن حبان في (الثقات) 5، وقال: "ربما أخطأ، يُعْتَبَرُ حديثه إذا روى عن الثقات، وَبَيَّنَ السماع في خبره؛ لأنه كان مدلساً". وقال الذهبي: "صدوق"6. وذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين7.
وعل ما قاله ابن حبان رحمه الله: فإنَّ هذا الإسناد لا بأس به؛ لأنَّ شيخ مصعب في هذا الإسناد ثقةٌ، وقد صَرَّحَ مصعبٌ بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه.
وقد صَحَّحَ رواية قاسم بن أصبغ هذه جماعة من الأئمة، فنقل--------------------------------------------
1 لسان الميزان: (6/44) .
2 الكامل: (6/364) .
3 بيان الوهم والإيهام: (2/86) .
4 الجرح والتعديل: (4/1/309) .
(9/175) .
6 المغني: (2/660) .
7 طبقات المدلسين: (ص 111) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 82)
الزيلعي عن ابن القطان أنه قال: "إسناد جيد"1. - ولم أقف عليه في كتاب ابن القطان2 عند كلامه على هذا الحديث -، وقال ابن الملقن: "رواه … ابن حزم بإسناد صحيح، وصححه"3. وقال الحافظ ابن حجر: "له طريق عند قاسم بن أصبغ إسنادها جيد"4.
فتلخص من ذلك: أن الحديث ضعيف بالإسناد الذي أورده ابن القَيِّم رحمه الله وهو ما حكم به عليه -، لكن الحديث وردَ من طريق أخرى صَحَّحَ جمعٌ من الأئمة إسنادها، مما يفيد أن لهذا الحديث أصلاً، والله أعلم.--------------------------------------------
1 نصب الراية: (3/287) .
2 انظر: (بيان الوهم والإيهام 2/85) .
3 خلاصة البدر المنير: (2/464) ح 2991.
4 الدراية: (2/87) ح 621.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 83)
12- من كتاب الأطعمة والصيد والذبائح
1- باب في الطافي من صيد البحر
85- (1) عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أو جَزَرَ1 عنه فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فيه وَطَفَا فلا تَأْكُلُوهُ".
ذكر ابن القَيِّم رحمه الله تضعيف عبد الحق لرفع هذا الحديث، وأن الصواب وَقْفُهُ على جابر رضي الله عنه، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُسْنِدَ من وجه ضعيفٍ: عن يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر. ومن حديث: عبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب، وهو ضعيفٌ.
ثم نَقَلَ ابن القَيِّم اعتراض ابن القطَّان على عبد الحق، إذ قال: "فإنْ كان عبد الحق ضَعَّفَ المرفوع لكونه من رواية أبي الزبير: فقد تناقض، لتصحيحه الموقوف، وهو عنه. وإن عَنَى به ضعف يحيى بن سليم: تناقض أيضاً، فكم من حديث صححه من روايته، ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلاّ من هو دونه، وهو إسماعيل بن عَيَّاش، وأما إسماعيل بن أميَّة: فلا يُسْأَلُ عن مثله".
ثم تَعَقَّبَ ابن القَيِّم ابن القطان، فقال: "وهذا تَعَنُّتٌ من ابن القطان، والحديثُ إنما ضُعِّفَ لأن الناس رووه موقوفاً على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم، وهو مع سوء حفظه قد خَالَفَ الثقات، وانفرد عنهم، ومثل هذا لا يحتجُّ به أهل الحديث، فهذا هو الذي أراده--------------------------------------------
1 أي: ما انكشف عنه الماءُ من حيوان البحر، يُقال: جَزَرَ الماءُ، يجزر جَزْرًا: إذا ذهب ونقص. ومنه الجزر والمدُّ، وهو رجوع الماءِ إلى خلفٍ. (النهاية 1/268) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 87)
أبو داود وغيره من تضعيف الحديث"1.
ثم أَخَذَ في توجيه صنيع عبد الحق في كَوْنِهِ صَحَّحَ حديث يحيى بن سليم في غير هذا الموضع وَضَعَّفَهُ هنا، فَبَيَّنَ أن هذه هي "طريقةُ أئمةِ الحديث العارفين بعلله: يُصَحِّحُونَ حديثَ الرَّجُلِ في موضع، ويضعفون حديثه في موضع آخر إذا انفرد أو خالف الثقات … "2.
قلت: هذا الحديث مداره على: أبي الزبير، ووهب بن كيسان3، كلاهما عن جابر رضي الله عنه.
أما حديث أبي الزبير: فقد رُوِيَ عنه من عِدَّة طرق:
الطريق الأول: أخرجه أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) 4، والطبراني في (الأوسط) 5، ثلاثتهم من طريق:
أحمد بن عبدة، عن يحيى بن سليم6، عن إسماعيل بن أمية7، عن--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (5/324 - 325) .
2 المصدر السابق: (5/ 325 - 326) .
3 القُرشي مولاهم، أبو نعيم، المدني الْمُعَلِّم، ثقةٌ، من كبار الرابعة، مات سنة 127هـ/ع. (التقريب 585) .
4 د: (4/165) ح 3815 ك الأطعمة، باب في أكل الطافي من السمك. جه: (2/1081) ح 3247 ك الصيد، باب الطافي من صيد البحر.
(3/410) ح 2880.
6 الطائفي، نزيل مكة، صدوقٌ سيء الحفظ، من التاسعة، مات سنة 193هـ أو بعدها/ ع. (التقريب 591) .
7 ابن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، ثقةٌ ثبتٌ، من السادسة، مات سنة 144هـ / ع. (التقريب 106) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 88)
أبي الزبير، عن جابر به، ولفظه هو المذكور أول البحث.
ومن طريق أبي داود أخرجه: الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) 1، وابن عبد البر في (التمهيد) 2.
الطريق الثاني: أخرجه الدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) 3 من طريق: أبي أحمد الزبيري4، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به.
الطريق الثالث: أخرجه الترمذي في (علله) 5 من طريق: الحسين ابن يزيد6، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير به، ولفظه: "ما اصطدتموه وهو حيٌّ فكلوه، وما وجدتموه ميتاً طافياً فلا تأكلوه".
الطريق الرابع: من رواية يحيى بن أبي أنيسة7، عن أبي الزبير به، أشار إليه البيهقي في (سننه) 8.--------------------------------------------
1 قط: (4/268) ح 8. هق: (9/255) .
(16/225) .
3 قط: (4/268) ح 7. هق: (9/255) .
4 هو: محمد بن عبد الله بن الزبير.
(2/636) .
6 ابن يحيى الطَحَّان الأنصاري، الكوفي، لَيِّنُ الحديثِ، من العاشرة، مات سنة 244هـ / د ت. (التقريب 169) .
7 أبو زيد الجزري، ضعيفٌ، من السادسة، مات سنة 146هـ/ ت. (التقريب 588) .
(9/256) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 89)
الطريق الخامس: من رواية الأوزاعي عن أبي الزبير به، أشار إليه البيهقي - أيضاً - في (سننه) 1.
فهذه طرقُ حديث أبي الزبير، عن جابر، ولا يخلو واحدٍ منها من عِلَّةٍ، وقد بين الأئمة ما فيها:
أما رواية يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية: فقال أبو داود عقب إخراجها: "روى هذا الحديث: سفيان الثوري، وأيوب، وحماد، عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل إلا يحيى". وقال الدارقطني: "لا يصحُّ رفعه، رَفَعَهُ يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، وَوَقَفَهُ غيره"2. وقال البيهقي: "يحيى بن سليم كثير الوهم، سيئ الحفظ، وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفاً"3.
والرواية التي أشار إليها البيهقي رحمه الله، أَخْرَجَهَا الدارقطني في (سننه) 4 من طريق: إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه موقوفاً من قوله، قال الدارقطني: " … موقوف، هو الصحيح".
فقد خالف إسماعيل بن عياش يحيى بن سليم، فجاء به عن--------------------------------------------
(9/256) .
2 سنن الدارقطني: (4/268) .
3 السنن: (9/256) .
(4/269) ح 9.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 90)
إسماعيل بن أمية موقوفاً، ورواية ابن عياش هذه عن غير الشاميين، فهي ضعيفةٌ عند العلماء، وقد قال ابن القطان - في رَدِّهِ على عبد الحق -: "ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش"1. وَأَعَلَّه كذلك صاحب (الجوهر النقي) 2 بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين.
قلت: فلذلك لا تُعَلُّ رواية يحيى بن سليم بمخالفة إسماعيل بن عياش له عن إسماعيل بن أمية، ولكن تعلُّ رواية إسماعيل بن أمية بمخالفة الأئمة الجهابذة له: الثوري، وأيوب السختياني، وحماد بن سلمة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم؛ إذ جاءوا به عن أبي الزبير، عن جابر موقوفاً، وهذا الذي سَلَكَه أبو داود رحمه الله في إعلال رواية يحيى بن سليم الطائفي.
وحينئذٍ يمكن لنا أن نقول: إن رواية هؤلاء الأثبات لهذا الحديث عن أبي الزبير موقوفاً، تُقَوِّي رواية ابن عياش له عن إسماعيل بن أمية موقوفاً، لموافقتها رواية هؤلاء الحفاظ، وعند ذلك ينسب الوهم ليحيى ابن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية؛ فإنه كان سيئ الحفظ، كما قال غيرُ واحدٍ من أهل العلم3.
وأما رواية أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن أبي الزبير: فقد--------------------------------------------
1 بيان الوهم والإيهام: (3/577) ح 1366.
(9/256) .
3 انظر: تهذيب التهذيب: (11/226 - 227) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 91)
ضَعَّفَهَا العلماءُ أيضاً، فقال الدارقطني: "لم يُسْنِده عن الثوري غير أبي أحمد، وخالفه وكيعٌ، والعَدَنِيَّان1، وعبد الرزاق، ومؤمل، وأبو عاصم وغيرهم: عن الثوري رووه موقوفاً، وهو الصواب"2. ونقل البيهقي عن سليمان بن أحمد اللَّخْمي- شيخ شيخ البيهقيِّ في هذا الحديث - قوله: "لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد"3.
وقد كان أبو أحمد الزبيري هذا يخطئ في حديث الثوري4، وقد خالف - مع ذلك - الأثبات من أصحاب الثوري - وعلى رأسهم وكيع - لذا وجب تقديم رواية الجماعة، والحكم على روايته بالخطأ، وهذا ما سَلَكَهُ الدارقطني رحمه الله.
وأما روايةُ ابن أبي ذئب عن أبي الزبير: فقد ضَعَّفَهُا الإمام البخاري، فقال: "ليس هو بمحفوظ، ويروي عن جابر خلاف هذا، ولا أعرفُ لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئاً"5.
قلت: وفي الإسناد "الحسين بن يزيد الطحان" لَيَّنَهُ أبو حاتم6، وتبعه الحافظ ابن حجر7.--------------------------------------------
1 هما: عبد الله بن الوليد العدني، ويزيد بن أبي حكيم العدني. (تهذيب الكمال11/163– 164) .
2 سنن الدارقطني: (4/268) .
3 سنن البيهقي: (9/255) .
4 تهذيب التهذيب: (9/255) .
5 علل الترمذي: (2/636) .
6 الجرح والتعديل: (1/2/67) .
7 التقريب: (ص 169) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 92)
وأما رواية ابن أبي أنيسة، عن أبي الزبير: فقد ضَعَّفَها البيهقي قائلاً: "ويحيى ابن أبي أنيسة متروكٌ لا يحتجُّ به"1.
وضعف أيضاً رواية الأوزاعي، فقال: "رواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، ولا يحتجُّ بما ينفرد به بقية، فكيف بما يخالف فيه"2.
فهذا مجملُ القولِ في طرق هذا الحديث عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، وقد تَبَيَّنَ عدمُ انتهاض أيٍّ منها للحجة، وبخاصة إذا عورضت برواية الثقات الأثبات - الذين تقدم ذكرهم - له عن جابر موقوفاً.
وأما الطريق الثاني: من طرق هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه، وهي رواية وهب بن كيسان: فقد أخرجها الدارقطني في (سننه) 3، والطحاويُّ في (أحكام القرآن) 4، وابن عدي في (الكامل) 5، من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة6، عن وهب، عن جابر مرفوعاً. وهو عند ابن عديّ: عن وهب، ونعيم بن عبد الله.--------------------------------------------
1 السنن: (9/256) .
2 المصدر السابق.
(4/267) ح 6.
4 كما في نصب الراية: (4/203) .
(5/1923) .
6 ابن صهيب بن سنان الحمصي، ضعيفٌ، ولم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش، من السابعة/ ق. (التقريب 358) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 93)
وقد ضُعِّفَ هذا الطريق أيضاً، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن حديث رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله … ؟ قال أبو زرعة: هذا خطأٌ، إنما هو موقوفٌ عن جابر فقط، وعبد العزيز بن عبيد الله: واهي الحديث"1. وقال ابن عدي: "هذا إنما يرفعه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله"2. ثم قال - بعد أن سرد له أحاديث -: "وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعبد العزيز: مناكير كلها، وما رأيت أحداً يحدث عنه غير إسماعيل بن عياش"3. وقال الدارقطني: "تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب، وعبد العزيز ضعيفٌ، لا يحتجُّ به"4. وضعفه كذلك البيهقي5 بعبد العزيز هذا، وكذا ابن الجوزي في (العلل المتناهية) 6.
فهذا كلام الأئمة رحمهم الله: أبو داود، والبخاريُّ، وأبو زرعة، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي في تضعيف هذا الحديث مرفوعاً، وتصحيح رواية الوقف، مع ما تقدم من كلام عبد الحق رحمه الله، وكأن البغوي مال إليه ترجيح الوقف أيضاً، فقال: "ورواه سفيان--------------------------------------------
1 علل ابن أبي حاتم: (2/46) ح 1620. وانظر: (2/49) ح 1630.
2 الكامل: (5/1923) .
3 الكامل: (5/1924) .
4 سنن الدارقطني: (4/268) .
5 السنن: (9/256) .
(2/175- 176) ح1105.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 94)
الثوري، وأيوب، وحماد: عن أبي الزبير، وأوقفوه على جابر"1. وضعفه مرفوعاً أيضاً: الشيخ الألباني2 رحمه الله.
قال البيهقي رحمه الله بعد أن رَجَّحَ وقفه -: "وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" 3. وقال الحافظ ابن حجر: "وإذا لم يصحّ إلا موقوفاً، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك، لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر"4.
فتحصَّلَ من ذلك: أن ابن القَيِّم رحمه الله قد أصاب في إعلاله الرواية المرفوعة، وتقديم الموقوفة عليها، وأن ابن القطان لم يُصب حين ذهب إلى تقوية المرفوع، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
1 شرح السنة: (11/245) .
2 ضعيف ابن ماجه: (ح 699) ، وضعيف الجامع: (ح 5021) .
3 السنن: (9/256) . وانظر: التمهيد: (16/226 - 228) .
4 فتح الباري: (9/619) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 95)
2- باب الفأرة تقع في السمن فتموت فيه
86- (2) عن ميمونة رضي الله عنها: "أن فأرةً وقعت في سَمْنٍ فماتت، فَسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "أَلْقُوهَا وَمَا حَولَهَا، وَكُلُوهُ".
قال ابن القَيِّم رحمه الله: "اخْتُلِفَ فيه إسناداً ومتناً، والحديث من حديث: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يُحَدِّثُ عن ميمونة، ولفظه: "أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه". رواه الناسُ عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاريُّ في (صحيحه) ، والترمذي، والنسائي. وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك.
وخالفهم معمرٌ في إسناده ومتنه، فرواه عن: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه".
ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صَحَّحَ الحديث جماعةٌ، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذُّهَلِي تصحيحه. ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحاً، بل رأوه خطأ محضاً"1. ثم نقل كلام الأئمة: البخاري، والترمذي في إعلاله، وردَّ على ابن حبان في تصحيحه إياه.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (5/ 336 - 340) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 96)