أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويَتَقَفَّرون العلم(1) وذكر من شأنهم أنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"(2).
ولقد سلك هذا المسلك العلماء من بعدهم الذين ساروا على ما سار عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم. يقول أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى: "والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصّة منهيّ عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سرّ الله، ونهى الربّ جلّ اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك التسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة الأشياء، واسكت عمّا سوى ذلك"(3).
ويقول البغوي رحمه الله تعالى: "والقدر سرّ من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقرّبًا، ولا نبيًا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، فجعلهم--------------------------------------------
(1) يتقفرون العلم: أي يطلبونه ويتتبعونه. النهاية لابن الأثير (4/ 90).
(2) صحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان. . . (1/ 36).
(3) شرح السنة للبربهاري (ص 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل الشمال خلقهم للجحيم عدلًا"(1).
وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، فقال: "وقد ورد النهي عن الخوض في القدر، وفي صحيح ابن حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: "لا يزال أمر هذه الأمة موافيًا ومقاربًا ما لم يتكلّموا في الولدان والقدر"(2).
. . . والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه، منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي له بأخرى ويقع التجادل في ذلك، وهذا قد روي أنه وقع في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم غضب من ذلك ونهى عنه(3).
وهذا من جملة الاختلاف في القرآن والمراء فيه، وقد نُهي عن ذلك(4).--------------------------------------------
(1) شرح السنة للبغوي (1/ 144).
(2) أخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن (ص 451)، والحاكم (1/ 33) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم له علّة، ووافقه الذهبي.
وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (3/ 36)، والطبراني في الكبير (12/ 162)، قال الهيثمي في المجمع (7/ 202): رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح.
(3) يشير ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام إلى حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: هجّرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب"، أخرجه مسلم (4/ 2053).
(4) كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "المراء في القرآن كفر". =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
ومنها: الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية؛ كقول القدرية: لو قدّر وقضى ثم عذّب كان ظالمًا، وقول من خالفهم: إن الله جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك.
ومنها: الخوض في سرّ القدر، وقد ورد النهي عنه عن عليّ وغيره من السلف، فإن العباد لا يطلعون على حقيقة ذلك(1).--------------------------------------------
= أخرجه أحمد (2/ 286)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وأبو داود: كتاب السنة - باب النهي عن الجدال في القرآن (5/ 9)، والحاكم (2/ 223)، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
والطبراني في الكبير (19/ 223)، وقال الهيثمي (1/ 157): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(1) فضل علم السلف على علم الخلف (ص 136، 137).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
المبحث الخامس الرضا بالقضاء والقدر
الرضا بالقضاء والقدر هو التسليم وسكون القلب وطمأنينته للقضاء الذي قضى الله سبحانه وتعالى به وهو الحكيم العليم، وهذا جزء لا يتجزأ من الإيمان وركن من أركانه لا يصح الإيمان إلّا به، ولكن يجب على المؤمن ألّا يرضى بالذنوب والعيوب ومخالفة الإسلام؛ لأن الله تعالى أمره ألّا يرضى بها وأن يحاربها ويعمل على إزالتها، ويجب عليه طاعة الله تعالى والتوبة والاستغفار من الذنوب، ولا يحتجّ بأنها مقدّرة عليه لأن هذا احتجاج مردود.
أمّا الرّضا بما قدّره الله سبحانه وتعالى وقضاه من المصائب والنوائب والصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته وعلى أنواع المكاره والطمأنينة إلى حكم الله عز وجل فهذا مأمور به، وهذا أمر يخلط فيه بعض الناس فيظنّون أن العبد مأمور بالرضا بكل ما قدّره الله وقضاه سواء كانت المصائب أو الذنوب والمعاصي، ولا شكّ أن هذا غلط مجانب للصواب، لأن الحق في هذا أن العبد لا يلزمه الرضا بكل مقضيّ فضلًا عن أن يسر به، بل المعاصي والذنوب وإن كانت بقضاء الله وقدره إلّا أن العبد يكرهها ويسخطها وتجب عليه التوبة منها والندم على اقترافها.
يقول ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: "فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
فالجواب: أن يقال أوّلًا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة بل من المقضيّ ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذمّ.
ويقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضيّ وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، نرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان، أحدهما: تعلّقه بالربّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.
والوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدّره الله وقضاه وكتبه وجعله أجلًا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به(1).
ولذلك لا يلزم من الرّضا بقضاء الله وقدره ترك المطالبة بالحقوق والإنتصاف من الظلمة والمعتدين، ولا ينافي ذلك أيضًا نسبة الظلم والاعتداء إليهم؛ لأن حقيقة الظالم والمعتدي هو من فعل الظلم والاعتداء، وهذا وصف للعبد المكتسب بإرادته واختياره، فمعاقبته على هذا الفعل هو مقتضى العدل والحكمة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أسبابًا للرضا بالقضاء، فقال: "وللرضا بالقضاء أسباب:--------------------------------------------
(1) شرح العقيدة الطحاوية (ص 287).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)
منها: يقين العبد بالله وثقته به بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلّا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح، فإنه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنه لا يريد له إلّا الأصلح. . .
ومنها: النظر إلى وعد الله من ثواب الرّضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به. . .
ومنها: وهو أعلى من ذلك كلّه الاستغراق في محبّة الله ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الذي لا نهاية له، فإن قوّة ملاحظة ذلك يوجب الإستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم. . ."(1).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن الرّضا بالقضاء والقدر ليس بواجب، بل هو مستحب مندوب إليه. يقول في إيضاح ذلك في شرح حديث وصيّة النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "والمقصود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر ابن عباس بالعمل بالرّضا إن استطاعه، ثم قال له: فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا".
وهذا يدلّ على أن الرّضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب، وإنما هو فضل مندوب إليه، فمن لم يستطع الرّضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابدّ منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(2).
وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (55) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}(3).--------------------------------------------
(1) نور الاقتباس (ص 86، 87).
(2) سورة الزمر، آية (10).
(3) سورة البقرة، آية (155 - 157).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ}(1).
وحقيقة الفرق بين الصبر والرّضا أن الصبر كفّ النفس وحبسها عن التسخّط مع وجود الألم، والرّضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرّضا يخفّف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية(2).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وكما أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما صحّ ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم(3)، فالرّضا إنما يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "وأسألك الرّضا بعد القضاء"(4)، لأن العبد قد يعزم على الرّضا بالقضاء قبل وقوعه، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضى بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة.
وفي الجملة فالصبر واجب لابدّ منه، وما بعده إلّا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجّل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه؛ كما قال بعضهم:
لا تجزعن من كل خطب عرا … ولا ترى الأعداء ما يشتموا
يا قوم بالصبر تنال المنى … إذا لقيتم فئة فاثبتوا--------------------------------------------
(1) سورة الحج، آية (34، 35).
(2) نور الاقتباس، (ص 88، 89).
(3) أخرجه البخاري (3/ 171)، ومسلم (2/ 637) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(4) جزء من حديث أخرجه أحمد (4/ 2264)، والنسائي (3/ 54)، والحاكم (1/ 524) وصححه ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "من يتصبّر يصبّره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر. . ."(1).
والصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها، قال طائفة من السلف في قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}(2)، قالوا: "لا شكوى معه. . ."(3).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله أن ما يصيب المسلم من المصائب والمحن والبلايا له فوائد وحكم كثيرة في الدنيا والآخرة، يقول في آخر كتاب نور الاقتباس: "ولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها:
فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب على الصّبر عليها. . .
ومنها: تذكر العبد بذنوبه، فربما تاب ورجع منها إلى الله عز وجل.
ومنها: زوال قسوة القلب وحدوث رقّتها.
ومنها: إنكسار العبد لله عز وجل وذلّه له، وذلك أحبّ إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.
ومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله، والوقوف ببابه والتضرّع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء.
وقد ذمّ الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة - باب الاستعفاف في المسألة (2/ 129)، ومسلم: كتاب الزكاة - باب فضل التعفّف والصبر (2/ 729) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) سورة يوسف، آية (83).
(3) نور الاقتباس (ص 90، 91).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)}(1).
وقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)}(2).
ومنها: أن البلاء يوصل إلى قلبه لذّة الصبر والرّضا به، وذلك مقام عظيم جدًا. . .
ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن من الالتفات إلى المخلوق، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده، وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد، فكيف بالمؤمن!
فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه، وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات. . .
ومنها: أن العبد إذا اشتدّ عليه الكرب، فإنه محتاج حينئذ إلى مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيكون في مجاهدة عدوّه ودفعه دفع البلاء عنه ورفعه.
ومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولاسيّما بعد كثرة الدعاء وتضرّعه، ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللّائمة، ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت(3).
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر، فقال: "فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على--------------------------------------------
(1) سورة المؤمنون، آية (76).
(2) سورة الأنعام، آية (42).
(3) نور الاقتباس (ص 108 - 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)
خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربّه عز وجل وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرّع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة؛ لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار. . ."(1).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإذا أنت أحكمت باب اليقين، فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به.
وقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}(2).
قال الضحاك(3): "عزاهم لئلّا تأسوا على ما فاتكم: لا تأسوا على شيء من أمر الدنيا فإنّا لم نقدّره لكم، ولا تفرحوا بما آتاكم: لا تفرحوا بشيء من أمر الدنيا أعطيناكموه فإنه لم يكن يزوى عنكم"(3).
وقال سعيد بن جبير(4) في هذه الآية: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم--------------------------------------------
(1) نور الاقتباس (ص 79).
(2) سورة الحديد، آية (23).
(3) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو محمد صاحب التفسير، قال الذهبي: كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وله باع كبير في التفسير والقصص، توفي سنة 102 هـ.
سير أعلام النبلاء (4/ 598)، وتهذيب التهذيب (4/ 453).
(4) الإمام الحافظ المجود المقرئ المفسّر أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، من كبار التابعين، كان ذا عبادة، وزهد ودين، قتله الحجاج سنة 95 هـ. طبقات ابن سعد (6/ 256)، ذكر أخبار أصبهان (1/ 324)، وسير أعلام النبلاء (4/ 321).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)
من العافية والخصب إذا علمتم أنه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم".
ومن هذا المعنى قول بعض السلف: "الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، وقد أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"(1)، فأشار في هذا الحديث إلى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وسواس الشيطان الموجبة للهمّ والحزن والندم على تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها"(2).--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 361).
(2) نور الاقتباس (ص 82، 83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)
المبحث السادس حكم تمنّي الموت وعلاقته بالقضاء والقدر
تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن حكم تمنّي الموت في عدة مواضع من كتبه، وبين أن تمنّي الموت خشية الفتنة جائز، وقد دعا به الصحابة رضي الله عنهم والصالحون من بعدهم.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم"(1).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ". . .وأمّا تمنّي الموت خوف فتنة، فإنه يجوز بلا خلاف"(2).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا في معرض ذكر وجوه تمنّي الموت: "ومنها تمنّيه خوف الفتنة في الدين فيجوز حينئذ، وقد تمنّاه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمّة الإسلام"(3).
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن تمنّي الموت خشية الفتنة جائز، وما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة قد ورد ما يدلّ عليه في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه عن مريم أنها تمنّت--------------------------------------------
(1) اختيار الأَوْلى (ص 107).
(2) شرح حديث زيد: "لبيك اللهمّ لبّيك" ورقة (7).
(3) لطائف المعارف (ص 308).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)
الموت؛ كما قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)}(1).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "فيه دليل على جواز تمنّي الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدّقونها في خبرها وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا}، أي قبل هذا الحال {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}، أي لم أخلق ولم أك شيئًا"(2).
وقال أيضًا رحمه الله في موضع آخر: "وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت؛ كما قال الله تعالى أخبارًا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهدّدهم بالقتل، قالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}(3)، وقالت مريم لما جاءها المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}(4)، لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة، لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت"(5).
وقال القرطبي في التذكرة -باب جواز تمنّي الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين- قال الله عز وجل مخبرًا عن يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}(6)، وعن مريم عليها السلام في قولها: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} (4).--------------------------------------------
(1) سورة مريم، آية (23).
(2) تفسير ابن كثير (3/ 116، 117).
(3) سورة الأعراف، آية (126).
(4) سورة مريم، آية (23).
(5) تفسير ابن كثير (2/ 492).
(6) سورة يوسف، آية (101).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه"(1).
قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبيّنه. أمّا يوسف عليه السلام، فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد نبيّ ولا غيره إلّا يوسف عليه السلام حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربّه عز وجل، فقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي}(2)، فاشتاق إلى لقاء ربّه عز وجل، وقيل: إن يوسف عليه السلام لم يتمنّ الموت وإنّما تمنّى الموافاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفّني مسلمًا، وهذا القول هو المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، والله أعلم.
وأمّا مريم عليها السلام، فإنما تمنّت الموت لوجهين:
أحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك.
الثاني: لئلّا يقع قوم بسببها في البهتان والزور والنسبة إلى الزّنا، وذلك مهلك لهم. . . فعلى هذا الحد الذي ذكرناه. . . يكون تمنّي الموت في حقها جائزًا، والله أعلم.
وأمّا الحديث، فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك من ذهاب ماله مما يحطّ به عنه خطاياه(3).
كما دلّ على جواز تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب الفتن (8/ 100)، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4/ 2231).
(2) سورة يوسف، آية (101).
(3) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص 12، 13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 630)
منها: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الطويل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا أردت فتنة في قوم فتوفّني غير مفتون"(1).
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهمّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرًا لي. . ."(2).
بهذا يتبيّن أن تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين جائز.
وعلاقة هذه المسألة بمبحث القضاء والقدر أن تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين ليس فيه تسخط وتضجّر مما قضاه الله سبحانه وتعالى وقدّره، وإنما هو طلب خير الأمرين. وأمّا تمنّي الموت خوف الضرر ونزول المكروه، فهذا فيه تسخط وتضجّر من قضاء الله وقدره الذي سبق به الكتاب، ولأجل هذا جاء النهي عن ذلك.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "ووجه كراهيته في هذه الحال -أي تمنّي الموت- أن المتمنّي للموت لضرّ نزل به إنما يتمنّاه تعجيلًا للإستراحة من ضرّه، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعلّه يصير إلى أعظم من ضرّه، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "إنما يستريح من غفر له"(3)، فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلّا أن يشترط أن يكون خيرًا له عند الله عز وجل، فكذلك كل ما لا يعلم العبد فيه الخيرة له، كالغنى والفقر وغيرهما كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يسأل الله عز وجل الجزم والقطع مما يعلم أنه خير محض"(4).--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 190).
(2) تقدم تخريجه (ص 344).
(3) أخرجه أحمد (6/ 69)، والبزار كما في كشف الأستار (2/ 374)، وقال الهيثمي في المجمع (2/ 330)، رواه البزار ورجاله ثقات.
(4) لطائف المعارف (ص 308).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 631)
المبحث السابع القضاء والقدر وفعل الأسباب
الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من مباشرة الأسباب، لأن مباشرة الأسباب والأخذ بها مأمور به، وهي من قدر الله ولأن الله سبحانه وتعالى جعل مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم والثواب والعقاب والحل والحرمة وغير ذلك مرتبطة بالأسباب قائمة عليها، فالله سبحانه وتعالى قدر أن يكون الحرث سببًا في وجود الزرع، والنكاح سببًا في وجود الولد، وشرب الماء سببًا في الري، والدواء سببًا في الشفاء، والعمل الصالح سببًا في دخول الجنة، والعمل السيىء سببًا في دخول النار، مع الإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار، والأسباب والمسببات جميعها من أقدار الله تعالى، فلابد لنا من مباشرتها للحصول على ما ربط بها من نتائج ومسببات.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ببذل الأسباب فقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)}(1) وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأسباب المشروعة هي من القدر كما جاء في حديث أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من--------------------------------------------
(1) سورة الملك آية (15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 632)
قدر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله"(1).
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه"(2).
ولذا فإن دعوى أن الإيمان بقضاء الله وقدره مدعاة إلى الخمول والكسل والاتكالية كما يدعي ذلك الجهلة من أهل التصوف وغيرهم دعوى باطلة لأن قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره لا يتخذ سبيلًا إلى التواكل، ولا ذريعة إلى المعاصي، وإنما يتخذ سبيلًا إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال، ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر سر عظمة المسلمين الأولين لأنهم أخذوا بالأسباب وبذلوا جهدهم إنفاذًا لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد بيّن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأعدوا العدة للحرب والقتال، وفكروا ودبروا وخططوا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم استعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى التي كلف بها عليه الصلاة والسلام فقام بها خير قيام فقاوم الجهل بالعلم، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وقاوم الفقر بالعمل، وقاوم المرض بالدواء، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل.
وما غزواته المظفرة صلى الله عليه وسلم إلا دليل على أخذه بالأسباب عليه الصلاة والسلام.
وهكذا أصحابه رضي الله عنهم حيث أنهم لما سمعوا أحاديث القدر اجتهدوا في العمل أشد مما كانوا عليه ولذا كان يقول أحدهم: ما كنت--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 348).
(2) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب الاستعفاف.
ومسلم: كتاب الزكاة، باب كراهية مسألة الناس (2/ 721).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 633)
بأشد اجتهادًا مني الآن(1) ولهذا لما خرج عمر رضي الله عنه إلى الشام لقيه أمراء الأمصار وأخبروه بانتشار الوباء فيها فاستشار المهاجرين والأنصار، ثم مهاجرة الفتح من مشايخ قريش، فاجتمع المهاجرة على الرجوع بعدًا عن الوباء فأمر عمر بذلك، فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبًا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف"(2).
فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادًا في فعلها والقيام بها، وأعظم من قيامه في أسباب معاشه ومصالح دنياه.
وبهذا يتبين أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح مع ملاحظة أن مباشرة الأسباب لا يعني تعلق القلب بها أو الاعتقاد بأنها مفضية إلى نتائجها قطعًا بل يجب أن يكون الاعتماد في حصول النتيجة على الله وحده لا على مباشرة السبب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ". . . فالالتفات إلى--------------------------------------------
(1) انظر: شفاء العليل (ص 26).
(2) تقدم تخريجه (ص 348).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 634)
الأسباب، واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها، فهو عاجز مفرط مذموم(1).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال مبينًا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب والمسببات: "والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره"(2).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ". . . لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون نعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. . .
{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)}(3). . .(4).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أنواع الأسباب فقال: "والأسباب--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (8/ 528، 529).
(2) لطائف المعارف (ص 83).
(3) سورة الليل آية (5 - 10).
(4) لطائف المعارف (ص 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 635)
نوعان: أحدهما: أسباب الخير فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}(1).
ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة، وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها، وقل من فعل ذلك إلا وكل إليها وخذل، فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}(2)، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}(3).
ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها ومقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم الليلة، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب"(4).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"(5) وهذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه،--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران (126).
(2) سورة النساء آية (79).
(3) سورة النحل آية (53).
(4) تقدم تخريجه (ص 486).
(5) تقدم تخريجه (ص 481).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 636)