Arabic source text

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

📘 علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني (عبد الوهاب خلاف - ت 1375 هـ)

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فاستقراء الأحكام الشرعية والعلل والحكم التشريعية في مختلف الأبواب والوقائع ينتج أن الشارع الإسلامي ما قصد من تشريعه الأحكام إلا حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم وتحسينياتهم، وهذه هي مصالحهم.
وقد أفاض الإمام أبو إسحاق الشاطبي في أول الجزء الثاني من كتاب "الموافقات"، فبإثبات هذا بما لا مزيد عليه. وبعد أن أتى بأمثلة عديد من أحكام الشريعة وحكم تشريعها تدل على أن كل حكم شرعي، إنما قصد بتشريعه حفظ واحد من هذه الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس، قال ما نصه: "إن الظواهر، والعمومات، والمطلقات، والمقيدات، والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة ووقائع مختلفة في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، يؤخذ منها أن التشريع دائر حول حفظ هذه الثلاث التي هي أسس مصالح الناس".
وقد اقتضت حكمة الشارع الإسلامي، وما أراده من حفظ هذه الأنواع الثلاثة على أتم وجه، أن شرع مع الأحكام التي تحفظ كل نوع منها أحكاما تعتبر مكملة لها في تحقيق هذه المقاصد.
ففي الضروريات لما شرع إيجاب الصلاة لحفظ الدين، شرع أداءها جماعة وإعلانها بالأذان، لتكون إقامة الدين وحفظه أتم بإطهار شعائره والاجتماع عليها.
ولما أوجب القصاص لحفظ النفوس، وشرع التماثل فيه ليؤدي إلى الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء؛ لأن قتل القاتل بصورة أفظع مما فعل قد تؤدي إلى سفك الدماء، وإلى نقيض المقصود من القصاص.
ولما حرم الزنا لحفظ العرض حرم الخلوة بالأجنبية سدا للذريعة. ولما حرم الخمبر حفظا للعقل حرم القليل منه ولو لم يسكر. وجعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجبا، ولك ما يؤدي إلى المحظورات محظورا. وحذر من كثير من المباحات، وقيد كثيرا من المطقات، وخصص كثيرا من العمومات سدا للذرائع. ولما قد شرع الزواج للتوالد والتناسل، اشترط الكفاءة بين الزوجين تكميلًا للوفاق وحسن المعاشرة. فالأحكام التي شرعها لحفظ الضروريات كملها بتشريع أحكام تحقق هذا المقصد على أكمل وجوهه.
وفي الحاجيات لما شرع أنواع المعاملات من بيوع، وإيجارات وشركات ومضاربات، كملها بالنهي عن الغرر والجهالة وبيع المعدوم، وبيان ما يصح اقتران

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)

العقد به من شروط وما لا يصح، وغير ذلك مما يقصد به أن تكون المعاملات فيها سد حاجة الناس من غير أن تثير الخصومات والأحقاد.
وفي التحسينيات لما شرط الطهارة ندب فيها عدة أشياء تكملها. ولما ندب إلى التطوع جعل الشروع فيه موجبا له، حتى لا يعتاد المكلف إبطال عمله الذي شرع فيه قبل أن يتمه. ولما ندب الإنفاق ندب أن يكون الإنفاق من طيب الكسب. فمن حقق النظر في أحكام الشريعة الإسلامية، يتبين أن المقصود من كل حكم شرع فيها حفظ ضروري للناس، أو حاجي لهم، أو تحسيني، أو مكمل لما حفظ واحدًا منها.
ترتيب الأحكام الشرعية بحسب المقصود منها:
مما قدمنا في بيان المراد من الضروري والحاجي، والتحسيني يتبين أن الضروريات أهم هذه المقاصد؛ لأنها يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة، وشيوع الفوضى بين الناس وضياع مصالحهم، وتليها الحاجيات؛ لأنه يترتب على فقدها وقوع الناس في الحرج والعسر، واحتمال المشقات التي قد تنوء بهم؛ وتليها التحسينيات؛ لأنه لا يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة ولا وقوع الناس في الحرج. ولكن يترتب على فقدها خروج الناس عن مقتضى الكمال الإنساني والمروءة، وما تستحسنه العقول السليمة.
فالأحكام الشرعية لحفظ الضروريات أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة. وتليها الأحكام التي شرعت لتوفير الحاجيات. ثم الأحكام التي شرعت للتحسين والتجميل، وتعتبر الأحكام التي شرعت للتحسينيات كالمكملة التي شرعت للحاجيات. وتعتبر الأحكام التي شرعت للحاجيات كالمكلمة التي شرعت لحفظ الضروريات.
فلا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري أو حاجي؛ لأن المكمل لا يراعى إذا كان في مراعاته إخلال بما هو مكمل له. ولذا أبيح كشف العورة إذا قتضى هذا علاج أو عملية جراحية؛ لأن ستر العورة تحسيني، والعلاج ضروري. وأبيح تناول النجس إذا كان دواء أو اضطر إليه؛ لأن الاحتراز عن النجاسات تحسيني؛ والمداواة، ودفع الضروريات ضروري. وكذلك

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)

أبيح بيع المعدوم في السلم والاستصناع، واغتفرت الجهالة في المزارعة والمساقاة وبيع الغائب؛ لأن حاجة الناس قضت بأن لا تراعى هذه التحسينيات.
ولا يراعى حكم حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري. ولهذا تجب الفرائض والواجبات على المكلفين الذين ليسوا في حال تبيح لهم الرخصة وإن شق عليهم ما كلفوا به، إذ كل تكليف فيه كلفة ومشقة. فلو روعي أن لا تنال المكلف أية مشقة لأهملت عدة من الأحكام الضرورية من عبادات وعقوبات وغيرها؛ لأن كل ما أمر به المكلف أو نهى عنه لحفظ الضروريات لا يخلو امتثاله من مشقة عليه، ولكن احتملت هذه المشقة في سبيل حفظ الضروريات للمكلفين.
وأما الأحكام الضرورية فتجب مراعاتها، ولا يجوز الإخلال بحكم منها إلا إذا كانت مراعاة ضروري تؤدي إلى الإخلال بضروري أهم منه. ولهذا وجب الجهاد حفاظًا للدين وإن كان فيه تضحية النفس؛ لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس. وأبيح شرب الخمر إذا أكره على شربها بإتلاف نفسه أو عضو منه أو اضطر إليها في ظمأ شديد؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل، وإذا أكره على إتلاف مال غيره، أبيح له أن يقي نفسه من الهلاك بإتلاف مال غيره. فبهذه الأحكام فيها إهمال حكم ضروري مراعاة لحكم ضروري أهم منه.
فقد ثبت بالبرهان أن مقاصد الشارع مما شرعه من الأحكام، لا تعدو حفظ واحد من هذه الثلاثة أو ما يكمله، وأن هذه المقاصد مرتبة في مراعاتها حسب أهميتها، وعلى ترتيبها رتبت الأحكام التي شرعت لتحقيقها.
وعلى هذه القاعدة الأصولية التشريعية الأولى، وضعت المبادئ الشرعية الخاصة بدفع الضرر، والمبادئ الشرعية الخاصة برفع الحرج، وعن كل مبدأ من هذه المبادئ تفرعت عدة فروع، واستنبطت جملة أحكام.
وهذا بيان المبادئ الخاصة بدفع الضرر، وأمثلة مما تفرع على كل مبدأ منها:
1- الضرر يزال شرعًا: من فروعه: ثبوت حق الشفعة للشريك أو الجار، وثبوت الخيار للمشتري في رد المبيع بالعيب وسائر أنواع الخيارات، والجبر على القسمة إذا امتنع الشريك. ووجوب الوقاية والتداوي من الأمراض. وقتل الضار من الحيوان. وتشريع العقوبات على الجرائم من حدود وتعازير وكفارات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)

2- الضرر لا يزال بالضرر: من فروعه: لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره. ولا يجوز للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر.
3- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: من فروعه: يقتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم. تقطع اليد لتأمين الناس على أموالهم. يهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام. يحجز على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس. يباع مال المدين جبرا عنه إذا امتنع عن بيعه وأداء دينه. تسعر أثمان الحاجيات إذا غلا أربابها في أثمانها. يباع الطعام جبرا على مالكه إذا احتكر واحتاج الناس إليه وامتنع من بيعه. يمنع اتخاذ حانوت حداد بين تجار الأقمشة.
4- يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما: من فروعه: يحبس الزوج إذا ماطل في القيام بنفقة زوجته. يحبس القريب إذا امتنع عن الإنفاق على قريبه. وتطلق الزوجة للضرر وللإعسار. إذا اضطر المريض إلى تناول الميتة أو مال الغير تناوله. إذا عجز مريض الصلاة عن التطهير، أو ستر العورة أو استقبال القبلة صلى كما قدر؛ لأن ترك هذه الشروط أخف من ترك الصلاة.
5- دفع المضر مقدم على جلب منافع: ولذا جاء في الحديث: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، ومن فروعه: يمنع أن يتصرف المالك في ملكه إذا كان تصرفه يضر بغيره. يكره للصائم أن يبالغ في المضمضة، أو الاشتنشاق.
6- الضرورات تبيح المحظورات: من فروعه: من اضطر في مخمصة إلى ميتة أو دم أو أي محرم فلا إثم عليه في تناوله. من لم يستطع الدفاع عن نفسه إلا بالإضرار بغيره فلا إثم عليه في الدفاع به. من امتنع من أداء دينه يؤخذ الدين من ماله بغير إذنه.
7- الضرورات تقدر بقدرها: من فروعه: ليس للمضطر أن يتناول من المحرم إلا قدر ما يسد الرمق. ولا يعفى من النجاسة إلا القدر الذي لا يمكن الاحتراز عنه، وأحكام الرخص تبطل إذا زالت أسبابها. فالتيمم يبطل إذا تيسر التطهر بالماء، والفطر يحرم في رمضان إذا أقام المسافر الصحيح، وكل ما جاز لعذر يبطل بزواله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)

وهذا بيان المبادئ الخاصة برفع الحرج وأمثلة مما تفرع عنها:
1- المشقة تجلب التيسر: من فروعه: جميع الرخص التي شرعها الله ترفيها وتخفيفا عن المكلف لسبب من الأسباب التي تقتضي هذا التخفيف.
وهذه الأسباب بالاستقراء سبعة:
السفر: ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، وسقوط الجمعة، والجماعة، والتيمم.
المرض: ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، والتيمم، والصلاة قاعدا، وتناول المحرم للعلاج.
الإكراه: ومن أجله أبيح للمكره التلفظ بكلمة الكفر، وترك الواجب وإتلاف مال الغير، وأكل الميتة، وشرب الخمر.
النسيان: ومن أجله رفع الإثم عمن ارتكب معصية ناسيا، ولم يبطل صوم من أكل في نهار رمضان أو شرب ناسيًا، ولم تحرم ذبيحة من ترك التسمية عليها عند ذبحها ناسيا.
الجهل: ومن أجله ساغ رد المبيع لمن اشتراه جاهلا بعيبه. وساغ فسخ الزواج بالعيب لمن تزوج جاهلا به، واغتفر التناقض في دعوى النسب للجهل. وكذلك اغتفر التناقض للوارث والوصي، وناظر الوقف للجهل.
عموم البلوى: ومن أجهله عفي عن رشاش النجاسات من طين الشوارع وغيره مما لا يمكن الاحتراز عنه. وعفي عن الغبن اليسير في المعاوضات.
النقص: ومن فرعه رفع التكليف عن فاقد الأهلية كالطفل والمجنون، ورفع بعض الواجبات عن الأرقاء وعن النساء؛ ولذا لا تجب عليهن الجمعة، ولا الجماعة ولا الجهاد.
2- الحرج شرعا مرفوع: من فروعه: قبول شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال من عيوب النساء وشئونهن، والاكتفاء بغلبة الظن دون التزام الجزم، والقطع في استقبال القبلة وطهارة المكان والماء والقضاء والشهادة، ومن فروعه ما قرروه من أنه إذا ضاق الأمر اتسع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)

3- الحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات: من فروعه: الترخيص في السلم، وبيع الوفاء، والاستصناع، وضمان الدرك، وجواز الاستقراض بالربح للمحتاج، وغير ذلك مما فيه العقد أو التصرف على مجهول أو معدوم، ولكن قضت به حاجه الناس.
ومما يتفرع على هذا المبدأ حكم كثير من عقود المعاملات، وضروب الشركات التي تحدث بين الناس وتقتضيها تجارتهم. فإنه إذا قام البرهان الصحيح، ودل الاستقراء التام على أن نوعًا من هذه العقود، أو التصرفات صار حاجيا للناس بحيث ينالهم الحرج والضيق إذا حرم عليهم هذا النوع من التعامل، أبيح لهم قدر ما يرفع الحرج منه، ولو كان محظورا لما فيه من الربا أو شبهته. بناء على أن الحاجات تبيح المحظورات كالضرورات، وتقدر بقدرها كالضرورات.
قال صاحب الأشباه والنظائر: "ومن ذلك الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى، وهكذا بمصر، وقد سموه بيع الأمانة.... وفي القنية والبغية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)

‌‌القاعدة الثانية: فيما هو حق الله. وما هو حق المكلف
"افعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية، إن كان المقصود بها مصلحة المجتمع عامة فحكمها حق خالص لله وليس للمكلف بها خيار، وتنفيذه لولي الأمر. وإن كان المقصود بها مصلحة المكلف خاصة، فحكمها حق خالص للمكلف وله في تنفيذه الخيار. وإن كان المقصود بها مصلحة المجتمع؛ والمكلف معًا؛ ومصلحة المجتمع فيها أظهر، فحق الله فيها الغالب، وحكمها كحكم ما هو حق خالص لله. وإن كانت مصلحة المكلف فيها أظهر، فحق المكلف فيها الغالب، وحكمها كحكم ما هو خالص للمكلف".
القاعدة التشريعية الأولى تضمنت أن أحكام الإسلام بوجه عام إنما قصد بها تحقيق مصالح الناس. وهذه القاعدة التشريعة الثانية تضمنت أن المصلحة التي قصد بتشريع الحكم تحقيقها قد تكون مصلحة عامة للمجتمع، وقد تكون مصلحة خاصة للفرد، وقد تكون مصلحة لهما معا.
المراد بما هو حق الله ما هو حق للمجتمع، وشرع حكمه للمصلحة العامة لا مصلحة فرد خاص. فلكونه من النظام العام، ولم يقصد به نفع فرد بخصوصه نسب إلى رب الناس جميعهم، وسمي حق الله.
المراد بما هو حق المكلف ما هو حق للفرد، وشرع حكمه لمصلحته خاصة، وقد ثبت بالاستقراء أن أفعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية. منها ما هو حق خالص لله، ومنها ما هو حق خالص للمكلف، ومنها ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب؛ ومنها ما اجتمع فيه الحقان، وحق المكلف الغالب.
فأما ما هو حق خالص لله، فهو منحصر بالاستقراء فيما يأتي:
1- العبادات المحضة كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما بنيت عليه هذه العبادات من الإيمان والإسلام، فإن العبادات وأسسها مقصود بها إقامة الدين وهو ضروري لنظام المجتمع، وحكمة تشريع كل عبادة منها على أنها لمصلحة عامة لا لمصلحة المكلف وحده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)

2- العبادات التي فيها معنى المئونة كصدقة الفطر، فإنها عبادة من جهة أنها تقرب إلى الله بالصدقة للفقراء والمساكين، ولكنها ليست عبادة محضة بل فيها معنى الضريبة على النفس، لبقائها وحفظها. وهذا مرادهم بأن فيها معنى المئونة، ولهذا لا تجب على الإنسان عن نفسه فقط، بل تجب عليه عن نفسه وعمن يعوله ممن هم في ولايته، كابنه الصغير وخادمه، ولو كانت العبادة محضة ما وجبت على الإنسان إلا عن نفسه، وكان ينبغي أن تعد الزكاة من هذا النوع لا من النوع الأول وهو العبادات المحضة؛ لأن الزكاة عبادة فيها معنى الضريبة على المال لبقائه وحفظه، ولهذا تجب على رأي جمهور المجتهدين في مال فاقد الأهلية كالصبي، والمجنون، ولو كانت عبادة محضة ما وجبت إلا على البالغ العاقل.
3- الضرائب التي فرضت على الأرض الزراعية، سواء كانت عشرية أم خراجية، وسواء كان المفروض على الأرض العشرية العشر أم نصف العشر، والمفروض على الخراجية خراج وظيفة أم خراج مقاسمة. فإن المقصود من هذه الضرائب صرفها في المصالح العامة التي يقتضيها بقاء الأرض في يد أربابها واستثمارها كإصلاح طرق الري والصرف، وإقامة الجسور، وتمهيد الطرق وحمايتها من العدوان عليها، ومعونة الفقراء، والمساكين، وغير ذلك مما تستوجبه المصلحة للعامة وللتأمين الاجتماعي.
4- الضرائب التي فرضت فيما يغنم بالجهاد، وفيما يوجد في باطن الأرض من الكنوز والمعادن. فإن الشارع جعل أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وخمسها لمصالح عامة بينها الله في القرآن بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وجعل أربعة أخماس ما يوجد من المعادن والكنوز للواجد، وخمسه لمصالح عامة بينها.
5- أنواع من العقوبات الكاملة وهي: حد الزنا، وحد السرقة، وحد البغاة الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، فهي لمصلحة المجتمع كله.
6- نوع من العقوبات القاصرة، وهو حرمان القاتل من الإرث فهو عقوبة قاصرة؛ لأنه عقوبة سلبية لم يلحق القاتل بها تعذيب بدني، أو غرم مالي. وهو حق الله؛ لأنه ليس فيه نفع للمقتول.
7- عقوبات فيها معنى العبادة، كالكفارة لمن حنث في يمينه، والكفارة لمن أفطر في رمضان عمدًا، والكفارة لمن قتل خطا أو ظاهر زوجته. فهي عقوبة؛ لأنها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

وجبت جزاء على معصية. ولهذا سميت كفارة، أي ستارة للإثم، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تؤدي بما هو عبادة من صوم، أو صدقة، أو تحرير رقبة.
فهذه الأنواع كلها حق خالص لله، وتشريعها لتحقيق مصالح الناس العامة، وليس للمكلف الخيرة فيها، وليس له إسقاطها؛ لأن المكلف لا يملك أن يسقط إلا حق نفسه. ولا أن يسقط صلاة أو صوما أو حجا أو زكاة، أو صدقة واجبة أو ضريبة مفروضة أو عقوبة من هذه العقوبات؛ لأنها ليست حقه.
وأما ما هو حق خالص للمكلف فمثاله: تضمين من أتلف المال بمثله أو قيمته هو حق خالص لصاحب المال إن شاء ضمن وإن شاء ترك. وحبس العين المرهونة حق خالص للمرتهن، واقتضاء الدين حق خالص للدائن. فالشارع أثبت هذه الحقوق لأربابها، وهم لهم الخيرة إن شاءوا استوفوا حقوقهم، وإن شاءوا أسقطوها، ونزلوا عنها؛ لأن لكل مكلف الحق في أن يتصرف في حق نفسه. وهذه ليست من المصالح العامة.
وأما ما اجتمع فيه الحقان وحق الله فيه غالب، فهو حد القذف؛ لأنه من جهة أنه صيانة لأعراض الناس، ومنع من التعادي والتقاتل يحقق مصلحة عامة، فيكون من حق الله؛ ومن جهة أنه دفع للعار عن المحصنة التي قذفت وإعلان لشرفها، وحصانتها يحقق مصلحة خاصة بها فيكون من حق الفرد. ولكن الجهة الأولى أظهر في هذه العقوبة، فلهذا كان حق الله غالبا فيها. فليس للمقذوفة أن تسقط الحد عن قاذفها؛ لأنها لا تملك إسقاط حد غلب حق الله فيه؛ وليس لها أن تقيم الحد بنفسها؛ لأن الحدود التي هي حق خالص لله أو يغلب فيها حق الله لا تقيمها إلا الحكومة. وليس للمجني عليه أن يقيمها بنفسه.
وأما ما اجتمع فيه الحقان، وحق المكلف فيه غالب فهو القصاص من القاتل العامد، فإن القصاص من جهة أن فيه حياة الناس بتأمينهم على أنفسهم يحقق مصلحة عامة، ومن جهة أن فيه شفاء صدور أولياء المقتول، وإطفاء نار غضبهم وحقدهم على القاتل يحقق مصلحة خاصة. ولكن الجهة الثانية غلبت، ولهذا كان حق المكلف غالبا معه، ولهذا جاز لولي المقتول أن يعفو فلا يقتص منه. ولا يقتص من القاتل إلا بناء على طلب ولي المقتول.
ومن هذا يؤخذ أن العقوبات المقدرة في القرآن، وهي الحدود الشرعية الخمسة؛ منها ما هو حق خالص لله، وهي حد الزنا، وحد السرقة، وحد السعي في الأرض فسادًا بالخروج على الجماعة، ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق الله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

غالب فيه، وهو حد قذف المحصنات، وفي هذين لا يملك المجني عليه العفو عن الجاني، ولا يملك أن يتولى عقابه بنفسه؛ لأن حق الله خالصا أو غالبا لا يملك المكلف إسقاطه، والمنوط باستيفائه الإمام العام "الحكومة". ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق المكلف غالب فيه، وهو القصاص، فللمجني عليه أن يعفو عن القاتل؛ وإذا حكم على القاتل بالقصاص كان له أن يتولى تنفيذ الحكم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} .
ومما تقدم يتبين أمران:
أولهما: أن كل حد من الحدود الشرعية فيه حق الله، أي للمجتمع؛ ولكن هذا الحق قد يكون خالصًا، وقد يكون معه حق للفرد، إما راجحا وإما مرجوحا.
وثانيهما: أن الشريعة الإسلامية تفترق والنظرية الجنائية في قوانيننا الوضعية في عقوبة القصاص من القاتل العامد، وفي عقوبة الزوجة التي ثبت زناها. ففي عقوبة القصاص من القاتل العامد؛ الشريعة الإسلامية جعلت هذه العقوبة فيها حق للمجني عليه وهو ولي المقتول، وفيها حق الله، أي المجتمع، وجعلت حق المجني عليه أرجح، ورتبت على أن فيها حقا راجحا للمجني عليه أنها جعلت الحق له في رفع الدعوى بطلب الحكم بالقصاص، وجعلت له الحق إذا حكم بالقصاص أن يعفو، وأن يتولى التنفيذ، ورتبت على أن فيها حقا لله أن للحكومة في حال عفو المجني عليه أن تعاقب الجاني بما تراه رادعا له ولغيره؛ لأن نزول أحد صاحبي الحق عن حقه لا يسقط حق الآخر. وأما القوانين الوضعية فقد جعلت هذه العقوبة حق خالصًا للمجتمع، وجعلت رفع الدعوى على القاتل من اختصاص النيابة العمومية؛ ولا يملك المجني عليه عفوا ولا مباشرة تنفيذ، وحق العفو ومباشرة التنفيذ هو لولي الأمر العام.
وفي عقوبة الزوجة التي ثبت زناها: الشريعة الإسلامية جعلت هذه العقوبة حقا خالصا لله أي للمجتمع. وجعلت رفع الدعوى على الزانية من اختصاص النيابة العمومية، وتنفيذ الحكم من اختصاص السلطة التنفيذية، ولا يملك زوجها ولا أي فرد غيره وقف إجراءات الدعوى عليها، ولا وقف تنفيذ الحكم عليها بعد صدوره. وأما في القوانين الوضعية، فلا ترفع الدعوى إلا بشكوى من زوجها وله أن يوقف إجراءات الدعوى عليها، وإذا حكم عليها، فله أن يوقف تنفيذ الحكم برضاه بمعاشرتها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

‌‌القاعدة الثالثة: فيما يسوغ الاجتهاد فيه
"لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نص صريح قطعي".
الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين:
هو بذل الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي من دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية.
فإن كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها، والواجب أن ينفذ فيها ما دل عليه النص؛ لأنه ما دام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن الله أو رسوله موضع بحث وبذل جهد. وما دام قطعي الدلالة، فليست دلالته على معناه واستفادة الحكم منه موضع بحث واجتهاد. وعلى هذا فآيات الأحكام المفسرة التي تدل على المراد منها دلالة واضحة، ولا تحتمل تأويلا يجب تطبيقها. ولا مجال للاجتهاد في الوقائع التي تطبق فيها. ففي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} لا مجال للاجتهاد في عدد الجلدات. وكذلك في كل عقوبة أو كفارة مقدرة. وفي قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، بعد أن فسرت السنة العملية المراد من الصلاة أو الزكاة، لا مجال للاجتهاد في تعرف المراد من أحدهما. فما دام النص صريحا مفسرا بصيغته أو بما ألحقه الشارع به من تفسير وبيان، فلا مساغ للاجتهاد فيما ورد فيه. ومثل هذه الآيات القرآنية المفسرة للسنن المتواترة والمفسرة، كحديث الأموال الواجبة فيها الزكاة ومقدار النصاب من كل مال منها، ومقدار الواجب فيه.
أما إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد ورد فيها نص ظني الورود والدلالة أو أحدهما ظني فقط ففيهما للاجتهاد مجال؛ لأن المجتهد عليه أن يبحث في الدليل الظني الورود من حيث سنده، وطريق وصوله إلينا عن الرسول ودرجة رواته من العدالة والضبط والثقة والصدق، وفي هذا يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فمنهم من يطمئن إلى روايته ويأخذ به، ومنهم من لا يطمئن إلى روايته ولا يأخذ به. وهذا باب من الأبواب التي اختلف من أجلها المجتهدون في كثير من الأحكام العملية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

فإذا أداه اجتهاده في سند الدليل إلى الاطمئنان لروايته، وصدق رواته، اجتهد في معرفة ما يدل عليه الدليل من الأحكام، وما يطبق فيه من الوقائع؛ لأن الدليل قد يدل ظاهره على معنى، ولكنه ليس هو المراد، وقد يكون عاما، وقد يكون مطلقا، وقد يكون على صيغة الأمر أو النهي، فالمجتهد يصل باجتهاده إلى معرفة أن الظاهر على ظاهره أو هو مؤول، وأن العام باق على عمومه أو هو مخصص، وكذلك المطلق على إطلاقه أو هو مقيد، والأمر للإيجاب أو لغيره، والنهي للتحريم أو لغيره، وهاديه في اجتهاده القواعد الأصولية اللغوية، ومقاصد الشارع ومبادئه العامة، وسائر نصوصه التي بينت أحكاما، وبهذا يصل إلى أن النص يطبق في هذه الواقعة أو لا يطبق.
وكذلك إذا كانت الواقعة لا نص على حكمها أصلا، ففيها مجال متسع للاجتهاد؛ لأن المجتهد يبحث ليصل إلى معرفة حكمها بواسطة القياس، أو الاستحسان أو الاستصحاب أو مراعاة العرف أو المصالح المرسلة. فالخلاصة أن مجال الاجتهاد أمران: ما لا نص فيه أصلا؛ وما فيه نص غير قطعي، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص قطعي.
وعلى هذا أصول التقنين الوضعي، فقد جاء في كتاب أصول القوانين: الأصل أنه ما دام القانون صريحًا فلا يجوز تأويله وتغيير نصوصه، بناء على أن روح القانون تدعو لذلك التغيير، حتى لو كان رأي القاضي الشخصي أن النص غير عادل؛ لأن مرجع ذلك أن المشرع نفسه، ومأمورية القاضي قاصرة على الحكم بمقتضى القانون لا الحكم على القانون.
وجاء في المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أنه: "إن لم يوجد نص صريح بالقانون يحكم بمقتضى قواعد العدل"، فما دام في القانون نص صريح، فهو وحده الذي يقضى به.
الأهلية للاجتهاد:
بعد أن بينا ما فيه مجال للاجتهاد، وما ليس فيه مجال نبين من يكون أهلا للاجتهاد.
يشترط لتحقيق الأهلية للاجتهاد شروط أربعة:
الأول: أن يكون الإنسان على علم باللغة العربية، وطرق دلالة عباراتها ومفرداتها، وله ذوق في فهم أساليب ونسبه من الحذق في علومها وفنونها، وسعة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

الاطلاع على آدابها وآثار فصاحتها من شعر ونثر وغيرهما؛ لأن أول وجهة للمجتهد هي النصوص في القرآن والسنة، وفهمها كما يفهمها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، وتطبيق القواعد الأصولية اللغوية في استفادة المعاني من العبارات والمفردات.
الثاني: أن يكون على علم بالقرآن، والمراد أن يكون عليما بالأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن، وبالآيات التي نصت على هذه الأحكام، وبطرق استثمار هذه الأحكام من آياتها، بحيث إذا عرضت له واقعة كان ميسورا له أن يستحضر كل ما ورد في موضوع هذه الواقعة من آيات الأحكام في القرآن، وما صح من أسباب نزول كل آية منها، وما ورد في تفسيرها وتأويلها من آثار، وعلى ضوء هذا يستنبط حكم الواقعة.
وآيات الأحكام في القرآن ليست كثيرة، وقد خصها بعض المفسرين بتفسير خاص. ومن الممكن أن تجمع الآيات المرتبطة بموضوع واحد بعضها مع بعض، بحيث يتيسر للإنسان أن يرجع في مجموعة واحدة إلى كل الآيات القرآنية التي تضمنت أحكامًا في الطلاق، وكل الآيات التي تضمنت أحكاما في الزواج، وفي الإرث، وفي العقوبات، وفي المعاملات، وفي غير ذلك من أنواع أحكام القرآن.
ومن الميسور أن يذكر مع كل آية ما ورد في الصحاح من سبب نزولها، وما ورد من الأحاديث التي فيها تبيين لمجملها، وما ورد من الآثار في تفسيرها؛ وبهذا تكون المجموعة القانونية في القرآن ميسورا الرجع إليها عند الحاجة، وميسورا مقارنة مواد الموضوع الواحد بعضها ببعض، وفهم كل مادة على ضوء سائر موضوعها؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ومن الخطأ أن تفهم آية منه على أنها وحدة مستقلة.
الثالث: أن يكون على علم بالسنة كذلك، بأن يكون عليما بالأحكام الشرعية التي وردت بها السنة النبوية بحيث يستطيع في كل باب من أبواب أعمال المكلفين أن يستحضر ما ورد في السنة من أحكام هذا الباب، ويعرف درجة سند هذه السنة من الصحة أو الضعف في الرواية، ولقد أدى العلماء للسنة النبوية خدمات جليلة، وعنوا بفحص أسانيدها ورواة كل حديث منها، حتى كفوا من جاء بعدهم مئونة البحث في الأسانيد، وصار معروفًا في كل حديث أنه متواتر، أو مشهور، أو صحيح، أو حسن، أو ضعيف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

وكذلك عني العلماء بجمع أحاديث الأحكام، وترتيبها حسب أبواب الفقه وأعمال المكلفين، بحيث يتيسر للإنسان أن يرجع إلى ما ورد في السنة الصحيحة من أحكام البيع، أو الطلاق أو الزواج أو العقوبات أو غيرها. ويستطيع أن يرجع إلى الآيات والأحاديث التي وردت في موضوع واحد من موضوعات الأحكام؛ وعلى ضوئها يفهم الحكم الشرعي، ومن خير الكتب التي يرجع إليها في هذا "كتاب نيل الأوطار" للإمام الشوكاني.
الرابع: أن يعرف وجوه القياس. وذلك بأن يعرف العلل والحكم التشريعية التي شرعت من أجلها الأحكام، ويعرف المسالك التي مهدها الشارع لمعرفة علل أحكامه، ويكون خبيرًا بوقائع أحوال الناس ومعاملاتهم، حتى يعرف ما تتحقق فيه علة الحكم من الوقائع التي لا نص فيها، ويكون خبيرًا أيضا بمصالح الناس وعرفهم؛ وما يكون ذريعة إلى الخير والشر فيهم، حتى إذا لم يجد في القياس سبيلا إلى معرفة حكم الواقعة، سلك سبيلا أخرى من السبل التي مهدتها الشريعة الإسلامية للوصول إلى استنباط الحكم فيما لا نص فيه.
ومما ينبغي التنبيه إليه أمور ثلاثة:
أحدها: أن الاجتهاد لا يتجزأ، أي أنه لا يتصور أن يكون العالم مجتهدا في أحكام الطلاق وغير مجتهد في أحكام البيع، أو مجتهدا في أحكام العقوبات، وغير مجتهد في أحكام العبادات؛ لأن الاجتهاد -كما يؤخذ مما قدمناه- أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص، واستثمار الأحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه. فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد وتكونت له هذه الملكة لا يتصور أن يقتدر بها في موضوع دون آخر، نعم يتصور أن يكون المرء عالمًا متخصصًا في المدنيات دون العقوبات أو في العقوبات دون المدنيات، ولكن لا يتصور أن يكون قادرًا على الاجتهاد في هذا الموضوع من الأحكام دون هذا؛ ولأن عماد المجتهد في اجتهاده فهم المبادئ العامة وروح التشريع التي بثها الشارع في مختلف أحكامه وبنى عليه تشريعه، وهذه الروح التشريعية والمبادئ العامة لا تخص بابا دون باب من أبواب الأحكام. وفهمها حق فهمها لا يتم إلا بأقصى ما يستطاع من استقراء الأحكام الشرعية وحكمها في مختلف الأبواب. وقد يكون هادي المجتهد في أحكام الزواج مبدأ، أو تعليلًا تقرر في أحكام البيع. فلا يكون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

مجتهدًا إلا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن، والسنة حتى يصل من مقارنة بعضها ببعض، ومن مبادئها العامة إلى الاستنباط الصحيح.
وثانيها: أن المجتهد مأجور؛ إن أصاب فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الصواب، وإن أخطأ فله أجر واحد في اجتهاده؛ لأننا قدمنا أن الله سبحانه ما ترك الناس سدى، بل شرع لكل فعل من أفعال المكلفين حكما، ونصب لكل حكم دليلا يدل عليه. وطلب من أهل النظر في هذه الأدلة أن ينظروا فيها ليهتدوا إلى حكمه. فمن توافرت فيه أهلية النظر فيها؛ واجتهد حتى وصل إلى الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، فهو مأجور على هذا الاجتهاد، وواجب عليه أن يعمل في قضائه، وإفتائه بما أداه إليه اجتهاده؛ لأنه حكم الله حسب ظنه الراجح. والظن الراجح كما قدمنا، كاف في وجوب العمل. ولا يجب على غيره أن يقلده في العمل بما وصل إليه اجتهاده؛ لأن قول أي إنسان بعد الرسول المعصوم ليس حجة واجبا اتباعه على أي مسلم، وإنما يجوز للعامة الذي ليست لهم ملكة الاجتهاد، واستثمار الأحكام من نصوصها، أن يتبعوا المجتهدين، ويقلدوهم مصداق قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .
وثالثها: إن الاجتهاد لا ينقض بمثله، فلو اجتهد في واقعة وحكم فيها بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده، ثم عرضت عليه صورة من هذه الواقعة فأداه اجتهاده إلى حكم آخر، فإنه لا يجوز له نقض حكمه السابق، كما لا يجوز لمجتهد آخر خالفه في اجتهاده أن ينقض حكمه؛ لأنه ليس الاجتهاد الثاني بأرجح من الأول، ولا اجتهاد أحد المجتهدين أحق أن يتبع من اجتهاد الآخر؛ ولأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يؤدي إلى ألا يستقر حكم وإلى ألا تكون للشيء المحكوم به قوة. وفي هذا مشقة وحرد، وقد ورد أن عمر بن الخطاب قضى في حادثة بقضاء؛ ثم تغير اجتهاده فلم ينقض ما قضى به أولا، بل قضى في مثل هذه الحادثة بالحكم الآخر الذي أداه إليه اجتهاده الثاني وقال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي. وقد قضى أبو بكر في مسائل وخالفه بعده عمر فيها، ولم ينقض حكمه. وعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم قول عمر بن الخطاب في عهده لأبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء: "لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

‌‌القاعدة الرابعة: في نسخ الحكم
"لا نسخ لحكم شرعي في القرآن أو السنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما في حياته، فقد اقتضت سنة التدرج بالتشريع، ومسايرته المصالح نسخ بعض الأحكام التي وردت فيها ببعض نصوصهما نسخا كليا، أو نسخا جزئيا".
النسخ في اصطلاح الأصوليين:
هو إبطال العمل بالحكم الشرعي بدليل متراخ عنه، يدل على إبطاله صراحة أو ضمنا، إبطالا كليا أو إبطالا جزئيا لمصلحة اقتضته، أو هو إظها دليل لاحق نسخ ضمنا العمل بدليل سابق.
حكمته:
وهذا النسخ وقع في التشريع الإلهي، ويقع في كل تشريع وضعي؛ لأن المقصود من كل تشريع سواء أكان إلهيا أو وضعيا تحقيق مصالح الناس، ومصالح الناس قد تتغير بتغير أحوالهم. والحكم قد يشرع لتحقيق مصالح اقتضتها أسباب، فإذا زالت هذه الأسباب فلا مصلحة في بقاء الحكم. كما ورد أن وفودا من المسلمين، وفدوا على المدينة في أيام عيد الأضحى، فأراد الرسول أن يقيموا بين إخوانهم في سعة، فنهى المسلمين عن إدخار لحوم الأضاحي حتى تجد الوفود فيها توسعة عليهم، فلما رحلوا أباح للمسلمين الإدخار. وقال عليه السلام: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة ألا فادخروا"؛ ولأن عدالة التشريع تقتضي التدرج وعدم مفاجأة من يشرع لهم بما يشق عليهم فعله، أو ما يشق عليهم تركه؛ وهذا التدرج يقتضي التعديل والتبديل كما وقع في حكم الخمر، فإن الله سبحانه وتعالى لم يشرع تحريمها في ابتداء التشريع، ولكن بين سبحانه أن فيه إثما كبيرا، ومنافع للناس، وأن إثمها أكبر من نفعها. وكان هذا تهيئة وتمهيدا إلى تحريمها؛ لأن الذي ضرره أكبر من نفعه يجدر بالعقل أن يجتنبه؛ ثم أمر المسلمين أن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، فكان هذا تمهيدا ثانيا لتحريمها واجتنابها؛ لأن أوقات الصلاة متعددة ومتفرقة، فلا يأمن المسلمون إذا شربوها أن يأتي عليهم وقت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

الصلاة وهم سكارى. ثم بعد ذلك جاء النص الصريح على أنها رجس من عمل الشيطان، والأمر باجتنابها. وكذلك نظام التوريث، بقي فترة في بدء الإسلام على ما كان عليه عند العرب في جاهليتهم، ثم أخذ الإسلام في تعديله بالتدريج، فنسخ أولًا الإرث بالتبني، ثم نسخ الإرث بالتحالف والتآخي، ثم شرعت للتوريث أحكام مفصلة، هدمت الأسس الجائرة التي كان عليها أهل الجاهلية في نظام توريثهم.
أنواعه:
قد يكون النسخ صريحا وقد يكون ضمنيا.
فالنسخ الصريح أن ينص الشارع صراحة في تشريعه اللاحق على إبطال تشريعه السابق، ومثال ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم الحياة الآخرة". وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة ألا فادخروا".
وهذا النسخ الصريح هو الكثير في التشريع الوضعي، فإن أكثر القوانين التي تصدر معدلة لقوانين سابقة، ينص فيها صراحة على النصوص الملغاة في تلك القوانين السابقة، أو على إلغاء كل حكم في قانون سابق مخالف ما نص عليه في هذا القانون، كما نص الأمر الملكي بدستور سنة 1930 صراحة على إلغاء دستور سنة 1923، وكما نص قانون التسجيل صراحة على إلغاء نصوص في القانون المدني.
وأما النسخ الضمني فهو ألا ينص الشارع صراحة في تشريعه اللاحق على إبطال تشريعه السابق. ولكن يشرع حكما معارضا حكمه السابق، ولا يمكن التوفيق بين الحكمين إلا بإلغاء أحدهما؛ فيعتبر اللاحق ناسخا ضمنا.
وهذا النسخ الضمني هو الكثير في التشريع الإلهي، فقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} يدل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

على ذلك أن المالك إذا حضرته الوفاة عليه أن يوصي لوالديه، وأقاربه من تركته بالمعروف. وقوله تعالى في آية التوريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ … } الآية، يدل على أن الله قسم تركة كل مالك بين ورثته حسبما اقتضت حكمته، ولم يعد التقسيم حقًّا للمورث نفسه، وهذا الحكم يعارض الأول، فهو ناسخ له على رأي الجمهور. ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما نزلت آية المواريث: "وإن الله أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث".
ومثاله في التشريع الوضعي الأمر الملكي الصادر بدستور سنة 1923، فإنه تضمن أحكامًا كثيرة تخالف الأحكام الدستورية السابقة عليه، ولم ينص صراحة على إلغائها فاعتبر ناسخا لها ضمنا؛ وقانون العقوبات الجديد لم ينص صراحة على إلغاء ما خالف أحكامه من قوانين العقوبات السابقة، فاعتبر ناسخا لها ضمنا. ويرى بعض رجال التشريع الاكتفاء بهذا النسخ الضمني، والاستغناء عن التصريح بالنسخ؛ لأنه تأكيد في مقام لا يقتضي التأكيد؛ فإن تشريع الشارع حكمًا معارضًا لحكم شرعه من قبل، ولا يمكن الجمع بينهما هو عدول من الشارع عن حكمه السابق، وإبطال له من غير حاجة إلى التصريح بأنه عدل عنه أو أبطله.
وقد يكون النسخ كليا وقد يكون جزئيا.
فالنسخ الكلي: أن يبطل الشارع حكما شرعه من قبل إبطالا كليا بالنسبة إلى كل فرد من أفراد المكلفين؛ كما أبطل إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بتشريع أحكام التوريث ومنع الوصية للوارث، وكما أبطل اعتداد المتوفى عنها زوجها حولًا باعتدادها أربعة أشهر وعشرا. فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} . ثم قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .
والنسخ الجزئي: أن يشرع الحكم عاما شاملا كل فرد من أفراد المكلفين، ثم يلغى هذا الحكم بالنسبة لبعض الأفراد، أو يشرع الحكم مطلقا، ثم يلغى بالنسبة لبعض الحالات. فالنص الناسخ لا يبطل العمل بالحكم الأول أصلا، ولكن يبطله بالنسبة لبعض الأفراد أو بعض الحالات.
مثال ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} يدل على أن قاذف المحصنة الذي لم يقم بينة على ما قذف به يجلد ثمانين جلدة، سواء كان زوجها أم غيره. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} الآية، يدل على أن القاذف إذا كان الزوج لا يجلد بل يتلاعن وزوجته. فالنص الثاني نسخ حكم جلد القذف بالنسبة إلى الأزواج فقط.
وإنما يكون هذا نسخا جزئيًّا إذا شرع أولا حكم العام على عمومه، أو المطلق على إطلاقه، ثم شرع بعد ذلك بفترة حكم لبعض أفراده، أو قيد بقيد. وأما إذا ورد العام في القانون وورد في القانون نفسه تخصيص بعض أفراده بحكم يكون هذا التخصيص بيانا للمراد من العام لا نسخًا، وكذلك يكون التقييد بيانا للمراد من الطلق لا نسخًا.
وهذا معنى قول الأصوليين إخراج بعض أفراد العام من حكمه، أو تقييد المطلق بقيد إذا كان بدليل مقارن تشريع حكم العام أو المطلق، يعتبر بيانا للمراد من العام، أو المطلق بمنزلة الاستثناء ولا يعتبر نسخًا.
والأحكام الشرعية وإن كانت شرعت تدريجا في مدى اثنتين وعشرين سنة وشهور، ولكن بعد وفاة الرسول واستقرار التشريع، صارت في حق المسلمين قانونا واحدا، فالخاص منه بيان للعام، والمقيد بيان للمطلق، من غير نظر إلى أن هذه الآية بعد هذه الآية في التلاوة، أو في سورة بعد السورة التي فيها الآية، إلا ما نص عليه من ناسخ ومنسوخ.
وقد يكون النسخ بتشريع حكم بدل حكم، كما نسخ إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بتقسيم الإرث، وكما نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس في الصلاة بالاتجاه إلى الكعبة، وكما نسخ اعتداد المتوفى عنها زوجها بالتربص حولا، باعتدادها بالتربص أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد يكون النسخ بمجرد إلغاء الحكم كنسخ زواج المتعة.
وكما يجوز أن يكون الحكم الذي شرع مساويا الحكم الذي نسخ، أو أخف منه على المكلفين، يجوز أن يكون أشق منه عليهم؛ لأن هذا الإلغاء والتبديل إنما قضت به مصالح المكلفين، وقد تقتضي مصلحتهم حكما أشق عليهم من المنسوخ، فتحريم الخمر والميسر أشق عليهم من إباحتهما، ولكن قصد به المصلحة، وقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} . المراد بالخير ما يكون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

أصلح للمكلفين، سواء كان أشق عليهم أم مساويا أم أخف، هذا إذا كان المراد آيات القرآن في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} .
ما يقبل النسخ وما لا يقبله:
ليس كل نص ورد في القرآن أو السنة يقبل في عهد الرسول أن ينسخه نص لاحق، بل من النصوص نصوص محكمات لا تقبل النسخ أصلا وهي:
أولا: النصوص التي تضمنت أحكاما أساسية لا تختلف باختلاف أحوال الناس، ولا تختلف حسنا وقبحا باختلاف التقدير، كالنصوص التي تضمنت إيجاب الإيمان بالله ورسله، وكتبه واليوم الآخر، وسائر أصول العقائد والعبادات، وكالنصوص التي قررت أمهات الفضائل من بر الوالدين، والصدق، والعدل وأداء الأمانات إلى أهلها، وغير ذلك مما لا يتصور أن يكون قبيحًا في آية حال وعلى أي تقدير؛ وكالنصوص التي دلت على أسس الرذائل من الشرك بالله، وقتل النفس بغير الحق، وعقوق الوالدين، والكذب والظلم، وغير ذلك مما لا يتصور أن يكون حسنا في أي حال. ومن أمثلة هذا النوع في القوانين الوضعية: المادتان 156 و158 من الدستور، فهما لا تقبلان النسخ.
وثانيا: النصوص التي تضمنت أحكاما، ودلت بصيغتها على تأبيدها؛ لأن تأبيدها يقتضي عدم نسخها. كقوله تعالى في بيان حد قاذفي المحصنات: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} ، فإن لفظ بدا يدل على أن هذا حكم دائم لا يزول، وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة"، فإن كونه ماضيا إلى يوم القيامة يدل على أنه باق ما بقيت الدنيا.
وثالثا: النصوص التي دلت على وقائع وقعت، وأخبرت عن حادثات كانت، كقوله تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} . وكقول الرسول: "نصرت بالرعب مسيرة شهر"؛ لأن نسخ النص الخبري تكذيب لمن أخبر به، والكذب محال على الشارع.
فهذه الأنواع الثلاثة من النصوص لا تقبل النسخ، وما عداها يقبله في بدء التشريع، أي في حياة الرسول لا فيما بعده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)