Arabic source text

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

📘 علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني (عبد الوهاب خلاف - ت 1375 هـ)

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
تشريع الحكم والغاية المقصودة منه هو حكمته؛ ولو كانت الحكمة في جميع الأحكام ظاهرة مضبوطة لكانت هي علل الأحكام؛ لأنها هي الباعثة على تشريعها، ولكن لعدم ظهورها في بعض الأحكام وعدم انضباطها في بعضها، أقيمت مقامها أوصاف ظاهرة مضبوطة ملائمة ومناسبة لها، وما ساغ اعتبار هذه الأوصاف عللًا للأحكام ولا أقيمت مقام حكمها إلا أنها مظنة لهذا الحكم، فإذا لم تكن مناسبة ولا ملائمة لم تصلح علة للحكم، فالإسكار مناسب لتحريم الخمر؛ لأن في بناء التحريم عليه حفظ العقول، والقتل العمد العدوان مناسب لإيجاب القصاص؛ لأن في بناء القصاص عليه حفظ حياة الناس، والسرقة مناسبة لإيجاب قطع يد السارق والسارقة؛ لأن في بناء القطع عليها حفظ أموال الناس.
لهذا لا يصح التعليل بالأوصاف غير المناسبة، وتسمى بالأوصاف الطردية أو الاتفاقية التي لا تعقل علاقة لها بالحكم، ولا بحكمته كلون الخمر أو كون القاتل عمدًا عدوانا مصري الجنس أو كون السارق أسمر اللون، أو كون المفطر عمدا في رمضان أعرابيا، ولا يصح التعليل بأوصاف مناسبة بأصلها إذا طرأ عليها في بعض الجزئيات ما ذهب بمناسبتها وجعلها قطعا غير مظنة لحكمة التشريع، فصيغة البيع من المكره لا تصلح علة لنقل الملكية، وزوجية من ثبت عدم تلاقيها من حين العقد لا تصلح علة لثبوت النسب، وبلوغ من بلغ مجنونًا لا يصلح علة لزوال الولاية النفسية عنه؛ لأن البيع والزواج والبلوغ في هذه الجزئيات ليست مظنة ولا مناسبة.
رابعها: أن لا تكون وصفا قاصرا على الأصل، ومعنى هذا أن تكون وصفا يمكن أن يتحقق في عدة أفراد ويوجد في غير الأصل؛ لأن الغرض المقصود من تعليل حكم الأصل تعديته إلى الفرع، فلو علل بعلة لا توجد في غير الأصل لا يمكن أن تكون أساسًا للقياس، ولهذا لما علمت الأحكام التي هي من خصائص الرسول، بأنها لذات الرسول لم يصلح فيها القياس، فلا يصح تعليل تحريم الخمر بأنها نبيذ العنب تخمر، ولا تعليل تحريم الربا في الأموال الربوية الستة بأنها ذهب أو فضة.
وبعض الأصوليين خالف في اشتراط هذا الشرط في العلة، وينبغي أن لا يكون في اشتراط هذا الشرط خلاف، ما دام المقصود هو شروط العلة التي هي ركن القياس وأساسه؛ لأنه لا تكون له العلة أساسا للقياس إلا إذا كانت متعدية، أي أمرا غير خاص بالأصل، ويمكن وجوده في غيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

أقسام العلة:
تقسيم العلة من ناحية اعتبار الشارع إياها وعدمه:
قدمنا في بحث "شروط العلة" أنه ليس كل وصف في الأصل يصلح أن يكون علة لحكمه، وأنه لا يصح التعليل بوصف إلا إذا كان ظاهرا منضبطا لحكمته، بحيث يكون بناء الحكم عليه وربطه به من شأنه أن يحقق المصلحة التي شرع الحكم من أجلها، ونقرر هنا أنه للاحتياط يشترط أن يكون الوصف المناسب مع ظهوره وانضباطه قد اعتبره الشارع علة بأي نوع من أنواع الاعتبار.
ومن ناحية اعتبار الشاعر للمناسب وعدم اعتباره إياه، قسم الأصوليون الوصف المناسب إلى أقسام أربعة: المناسب المؤثر، والمناسب الملائم، والمناسب المرسل، والمناسب الملغي، وبنوا الحصر في هذه الأقسام على أن الوصف المناسب إذا اعتبره الشارع بعينة علة لحكم بعينه فهو المناسب المؤثر، وإذا اعتبره الشارع علة بنوع أخر من أنواع الاعتبار الثلاثة التي سيأتي بيانها فهو المناسب الملائم، وإذا لم يعتبره الشارع بأي نوع من أنواع الاعتبار ولم يلغ اعتباره ولم يرتب حكما على وفقه، فهو المناسب المرسل، وإذا ألغى الشارع اعتباره فهو المناسب الملغي، وقد اتفقوا على صحة التعليل بالمناسب المؤثر وبالمناسب الملائم، وعلى عدم صحة التعليل بالمناسب الملغي، واختلفوا في صحة التعليل بالمناسب المرسل، وهذا بيان الأقسام الأربعة وأمثلتها.
1- المناسب المؤثر: وهو الوصف المناسب الذي رتب الشارع حكما على وفقه وثبت بالنص أو الإجماع اعتباره بعينه علة للحكم، الذي رتب على وفقه ومثاله قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} الحكم الثابت بهذا النص هو إيجاب اعتزال النساء في المحيض، وقد رتب على أنه أذى، وصوغ النص صريح في أن علة هذا الحكم هو الأذى، فالأذى لإيجاب اعتزال النساء في المحيض وصف مناسب مؤثر، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث القاتل" الحكم الثابت بهذا النص هو منع القاتل من إرث مورثه، وقد رتب على أنه قاتل، وصوغ النص يومئ إلى أن علة هذا المنع هو القتل؛ لأن تعليق الحكم بمشتق يؤذن بأن مصدر الاشتقاق هو العلة، فالقتل للمنع من الإرث وصف مناسب مؤثر، وقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} الحكم الثابت بهذا النص: أن من لم يبلغ الحلم من اليتامى تثبت الولاية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

على ماله لوليه، وقد ثبت بالإجماع أن على ثبوت الولاية المالية على الصغير صغره، فالصغر لثبوت الولاية المالية وصف مناسب مؤثر، فكل حكم شرعي رتب على وصف مناسب في محله، ودل نص أو إجماع على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم، فهذا الوصف مناسب مؤثر، وهذا أعلى درجات اعتبار الوصف المناسب.
2- المناسب الملائم: هو الوصف المناسب الذي رتب الشارع حكمًا على وفقه، ولم يثبت بالنص أو الإجماع اعتباره بعينه علة لنفس الحكم الذي رتب على وفقه، ولكن ثبت بالنص أو الإجماع اعتباره بعينه علة لحكم من جنس الحكم الذي رتب على وفقه، أو اعتبار وصف من جنسه علة لهذا الحكم بعينه، أو اعتبار وصف من جنسه علة لحكم من جنس هذا الحكم، فمتى كان الوصف المناسب معتبرًا بنوع من هذه الأنواع الثلاثة للاعتبار كان التعليل به موافقًا تصرفات الشارع في تشريعه وتعليله ولهذا سمى المناسب الملائم أي الموافق تصرفات الشارع في تشريعه وتعليله ولهذا يسمى المناسب الملائم، أي الموافق تصرفات الشارع في تشريعه وتعليله، ولهذا يسمى المناسب الملائم، أي الموافق تصرفات الشارع، وقد اتفق على صحة التعليل به وبناء القياس عليه.
مثال الوصف المناسب الذي اعتبره الشارع بعينه علة لحكم من جنس الحكم الذي رتب على وفقه: الصغر لثبوت الولاية للأب في تزويج الصغيرة، وذلك أنه ثبت بالنص ثبوت الولاية للأب في تزويج بنته البكر الصغيرة، فالحكم وهو ثبوت الولاية رتب على وفق البكارة، والصغر ولم يدل نص أو إجماع على أن العلة لثبوت هذا الولاية البكارة أو الصغر، لكن ثبت بالإجماع اعتبار الصغر علة للولاية على مال الصغيرة، والولاية على النفس هي وولاية التزويج من جنس واحد، وهو الولاية، فكأن الشارع لما اعتبر الصغر علة للولاية على مال الصغيرة اعتبر الصغر علة الولاية عليها بأنواعها، ومن أنواع الولاية: الولاية على تزويجها. فعلة ثبوت الولاية للأب على تزويج البكر الصغيرة الصغر، وبما أن الصغر يتحقق في الثيب الصغيرة، فتقاس على البكر الصغيرة وتثبت عليها ولاية التزويج، وتقاس عليها أيضًا من في حكم الصغيرة وهي المجنونة المعتوهة.
ومثال الوصف المناسب الذي اعتبر الشارع وصفا من جنسه علة للحكم الذي رتب على وفقه: المطر لإباحة الجمع بين الصلاتين في وقت واحد، وذلك

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

أنه ثبت بالنص إباحة الجمع بين الصلاتين حال المطر، فالحكم وهو إباحة الجمع بين الصلاتين رتب على وفق حال المطر، ولم يدل نص ولا إجماع على أن المطر هو علة هذا الحكم، لكن دل نص آخر على إباحة الجمع بين الصلاتين في وقت واحد حال السفر، وثبت بالإجماع أن علة إباحة الجمع السفر، والسفر والمطر نوعان من جنس واحد؛ لأن كلا منهما عاض مظنة الحرج والمشقة، فكأن الشارع لما اعتبر السفر علة لإباحة الجمع بين الصلاتين اعتبر كل ما هو من جنسه علة لهذه الإباحة، فعلة إباحة الجمع بين الصلاتين حال المطر: المطر، ويقاس عليه حال الثلج والبرد.
ومثال الوصف المناسب الذي اعتبر الشارع وصفا من جنسه علة لحكم من جنس الحكم الذي رتب على وفقه: تكرار أوقات الصلوات في الليل والنهار لسقوط قضاء الصلاة عن الحائض، وذلك أنه قد ثبت بالنصب أن الحائض في أثناء حيضها لا تصوم ولا تصلي وأن عليها إذا طهرت أن تقضي الصوم دون الصلاة، فالحكم وهو سقوط قضاء الصلوات عنها لم يدل على علته ولكن رئي أن تكرار أوقات الصلوات ليلًا ونهارًا مظنة الحرج والمشقة في أدائها، والشارع اعتبر أشياء كثيرة هي مظان الحرج عللًا لأحكام كثيرة هي رخص وتخفيف عن المكلف، كالمرض والسفر لإباحة الفطر في رمضان، والسفر لقصر الصلاة الرباعية، وعدم الماء للتيمم، ودفع الحاجة للسلم والعرايا، فكأن الشارع اعتبر كل نوع من أنواع مظان الحرج علة لكل نوع من أنواع الأحكام التي فيها تخفيف. وتكرار أوقات الصلوات من أنواع مظان الحرج، وسقوط قضائها عن الحائض من أنواع الأحكام التي فيها تخفيف.
وهذا النوع من أنواع الاعتبار يفسح المجال للتعديل بالأوصاف المناسبة؛ لأن كل وصف مناسب رتب الشارع الحكم على وفقه، لا يخلو من أن يكون أي وصف من جنسه اعتبره الشارع علة لحكم من جنس حكمه، وصحة التعليل بالمناسب بناء على اعتبار جنسه في جنس الحكم تفتح أبواب القياس بسعة؛ لأن مآل هذا: أن الشارع إذا اعتبر وصفا هو مظنة الحرج علة لحكم فيه تخفيف، صح اعتبار أي وصف آخر من مظان الحرج علة لأي حكم آخر فيه تخفيف.
ولا يتصور أن يوجد وصف مناسب رتب الشارع حكمًا على وفقه، ولم يعتبره بأي نوع من أنواع الاعتبار السابقة، بل لا بد أن الشارع اعتبره ولو باعتبار

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

جنسه علة لجنس حكمه، وعلى هذا فكل وصف مناسب رتب الشارع حكمًا على وفقه، فهو إما مؤثر وإما ملائم، وأما ما سماه بعض الأصوليين بالمناسب الغريب فلا يتصور وجوده؛ لأنهم عرفوه بالوصف المناسب الذي رتب الشارع حكما على وفقه ولم يثبت اعتباره بأي نوع من أنواع الاعتبار، وقد بينا أنه مع السعة في اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم لا يوجد مناسب غريب، ولهذا لم يذكر صاحب جمع الجوامع المناسب الغريب، واقتصر على تقسيم المناسب إلى مؤثر وملائم ومرسل، وهذا الذي اخترناه.
3- المناسب المرسل: هو الوصف الذي لم يرتب الشارع حكما على وفقه ولم يدل دليل شرعي على اعتباره بأي نوع من أنواع الاعتبار، ولا على إلغاء اعتباره فهو مناسب أن يحقق مصلحة؛ ولكنه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار ودليل إلغاء، وهذا هو الذي يسمى في اصطلاح الأصوليين "المصلحة المرسلة" ومثاله: المصالح التي بنى عليها الصحابة تشريع وضع الخراج على الأرض الزراعية، وضرب النقود وتدوين القرآن ونشره وغير هذا من المصالح التي شرعوا الأحكام بناء عليها، ولم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغاء اعتبارها.
وهذا المناسب المرسل اختلف العلماء في تشريع الأحكام بناء عليه، فمنهم من نظر إلى ناحية أن الشارع لم يعتبره فقال: لا يبنى عليه تشريع، ومنهم من نظر إلى أن الشارع لم يلغ اعتباره فقال: يبني عليه التشريع وسيأتي بحثه مفصلًا.
4- المناسب الملغي: وهو الوصف الذي يظهر أن في بناء الحكم عليه تحقيق مصلحة، ولم يرتب الشارع حكما على وفقه، ودل الشارع بأي دليل على إلغاء اعتباره، مثل تساوي الابن والبنت في القرابة لتساويها في الإرث.
ومثل إلزام المفطر عمدا في رمضان بعقوبة خاصة لردعه.
وهذا لا يصح بناء تشريع عليه، وسيأتي بحثه مفصلا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

مسالك العلة:
المراد بمسالك العلة: الطرق التي يتوصل بها إلى معرفتها، وأشهر هذه المسالك ثلاثة:
أولا- النص:
إذا دل نص في القرآن أو السنة على أن علة الحكم هي هذا الوصف كان هذا الوصف علة بالنص، ويسمى العلة المنصوص عليها وكان القياس بناء عليه هو الحقيقة تطبيق للنص، ودلالة النص على أن الوصف علة قد تكون صراحة وقد تكون إيماء أي إشارة وتلويحا لا تصريحا.
فالدلالة صراحة هي: دلالة لفظ في النص على العلية بوضعه اللغوي مثل ما إذا ورد في النص لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجل كذا، وإذا كان اللفظ الدال على العلية في النص، لا يحتمل غير الدلالة على العلية، فدلالة النص على علية الوصف صريحة قطعية كقوله تعالى في تعليله بعثة الرسل: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وقوله في إيجاب أخذ خمس الفيء للفقراء والمساكين {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} .
وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما نهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة فكلوا وادخروا"، وإذا كان اللفظ الدال على العلية في النص يحتمل الدلالة على غير العلية، فدلالة النص على علية الوصف صريحة ظنية، مثل قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، وقوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ، وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} وقول الرسول في طهارة سؤر الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، وإنما كانت دلالة النص على العلية ظنية في هذه الأمثلة؛ لأن الألفاظ الدالة عليها فيها -وهي اللام، والباء، والفاء، وإن- كما تستعمل في التعليل تستعمل في غيره، وإن كان التعليل هو الظاهر من معانيها في هذه النصوص.
وأما دلالة النص على العلية إيماء أي إشارة وتنبيها؛ فهي مثل الدلالة المستفادة من ترتيب الحكم من الوصف واقترانه به، بحيث يتبادر من هذا الاقتران فهم علية الوصف للحكم وإلا لم يكن للاقتران وجه، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

"يقضي القاضي وهو غضبان"، وقوله: "لا يرث القاتل"، وقوله: "للراجل سهم وللفارس سهمان"، وقوله للأعرابي لما قال له: "واقعت أهلي في نهار رمضان عمدا"، "كفِّر" وكون الدلالة صراحة أو إيماء، قطعية أو ظنية، مدارها على وضع اللغة وسياق النص.
ثانيا- الإجماع:
إذا اتفق المجتهدون في عصر من العصور على علية وصف حكم شرعي ثبتت علية هذا الوصف للحكم بالإجماع، ومثال هذا إجماعهم على أن علة الولاية المالية على الصغيرة الصغر، وفي عد هذا مسلكا نظر؛ لأن نفاة القياس لا يقيسون ولا يعللون فكيف ينعقد بدون إجماع؟.
ثالثا- السبر والتقسيم:
السبر: معناه الاختبار، ومنه المسبار، والتقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون علة في الأصل، وترديد العلة بينها بأن يقال: العلة إما هذا الوصف أو هذا الوصف فإذا ورد نص بحكم شرعي في واقعة ولم يدل نص ولا إجماع على علة هذا الحكم، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة علة هذا الحكم مسلك السبر والتقسيم، بأن يحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم، وتصلح لأن تكون العلة وصفًا منها، ويختبرها وصفًا وصفًا على ضوء الشروط الواجب توافرها في العلة، وأنواع الاعتبار الذي تعتبر به، بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف التي لا تصلح أن تكون علة، ويستبقي ما يصلح أن يكون علة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحم بأن هذا الوصف علة، مثلا: ورد النصل بتحريم ربا الفضل والنسيئة في مبادلة الشعير بالشعير، ولم يدل نص ولا إجماع على علة هذا الحكم فالمجتهد يسلك لمعرفة علة هذا الحكم مسلك السبر التقسيم بأن يقول: علة هذا الحكم إما كون الشعير مما يضبط قدره؛ لأنه يضبط بالكيل، وإما كونه طعاما، وإما كونه مما يقتات به ويدخر؛ لكن كونه طعاما لا يصلح علة؛ لأن التحريم ثابت في الذهب بالذهب وليس الذهب طعاما، وكونه قوتا لا يصلح أيضا؛ لأن التحريم ثابت في الملح بالملح، وليس قوتا، فيتعين أن تكو العلة كونه مقدرًا، وبناء على هذا يقاس على ما ورد في النص كل المقدرات بالكيل أو الوزن، ففي مبادلتها بجنسها يحرم ربا الفضل والنسيئة، وكذا ورد النص بتزويج الأب بنته البكر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

الصغيرة، ولم يدل نص ولا إجماع على علة ثبوت هذه الولاية فالمجتهد يردد العلية بين كونها بكرا وكونها صغيرة، ويستبعد البكارة؛ لأن الشارع ما اعتبرها للتعليل بنوع من أنواع الاعتبار، ويستبقي الصغر؛ لأن الشارع اعتبره علة للولاية على المال، وهي والولاية على التزويج من جنس واحد، فيحكم بأن العلة الصغر ويقيس على البكر الصغيرة الثيب الصغيرة بجامع الصغر، وكذا ورد النص بتحريم شرب الخمر ولم يدل نص على علة الحكم، فالمجتهد يردد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلًا أو كونه مسكرا، ويستبعد الوصف الأول؛ لأنه قاصر والثاني؛ لأنه طردي غير مناسب ويستبقى الثالث فيحكم بأنه علة.
وخلاصة هذا المسلك؛ أن المجتهد عليه أن يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل، ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علة منها، ويستبقى ما هو علة حسب رجحان ظنه، وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقق شروط العلة، بحيث لا يستبقى إلا وصفا ظاهرا منضبطا متعديا مناسبا معتبرا بنوع من أنواع الاعتبار، وفي هذا تتافوت عقول المجتهدين؛ لأن منهم من يرى المناسب هذا الوصف، ومنهم من يرى المناسب وصفًا آخر، فالحنفية رأوا المناسب في تعليل التحريم في الأموال الربوية القدر مع اتحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتحاد الجنس، والمالكية رأوه القوت والادخار مع اتحاد الجنس، والحنفية رأوا المناسب في تعليل ثبوت الولاية على البكر الصغيرة الصغر، والشافعية رأوه البكارة.
وبعض علماء الأصول عد من مسالك العلة تنقيح المناط، والمراد بتنقيح المناط، هو تهذيب ما نيط به الحكم وبني عليه وهو علته، والحق أن تنقيح المناط إنما يكون حيث دال النص على العلية من غير تعين وصف بعينه علة، فهو ليس مسلكا للتوصل به إلى تعليل الحكم؛ لأن تعليل الحكم مستفاد من النص، وإنما هو مسلك لتهذيب وتخليص علة الحكم مما اقترن بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية، ومثال هذا ما ورد في السنة أن أعرابيا جاء إلى رسول الله وقال له: هلكت، فقال له الرسول: "ما صنعت"؟ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عمدًا، فقال له الرسول: "كفر............... " الحديث. فهذا النص دل بالإيماء على أن علة إيجاب التكفير على الأعرابي ما وقع منه ولكن هذا الذي وقع منه فيه ما لا مدخل له في العلية لإيجاب التكفير مثل كونه أعرابيا، وكونه واقع خصوص زوجته، وكونه واقع في نهار رمضان من تلك السنة بعينها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

فالمجتهد يستبعد هذه الأوصاف؛ لأنها لا مدخل لها في العلية، ويستخلص علة الوقاع عمدًا في نهار رمضان، وعلى هذا تجب الكفارة على من أفطر عامدا في نهار رمضان بالجماع خاصة، وهذا مذهب الشافعي، وأما الحنفية فقالوا: إن مثل الجماع كل مفطر، وهذه المماثلة تفهم بالتبادر فتجب الكفارة على كل من أفطر عمدا في نهار رمضان بجماع، أو بأكل أو بشرب أو غيرها، فيكون المناط لإيجاب الكفارة عندهم بعد تهذيبه المفسد للصوم عمدًا، فتهذيب العلة مما اقترن بها ومما لا مدخل له في العلية هو تنقيح المناط.
ومن هذا يتبين أن تنقيح المناط غير السبر والتقسيم؛ لأن تنقيح المناط يكون حيث دل نص على مناط الحكم، ولكنه غير مهذب ولا خالص من اقتران ما لا مدخل له في العلية به، وأما السبر والتقسيم فيكونان حيث لا يوجد نص أصلا على مناط الحكم، ويراد التوصل بهما إلى معرفة العلة لا إلى تهذيبها من غيرها، وأما النظر في استخراج العلة غير المنصوص عليها، ولا المجمع عليها بواسطة السبر والتقسيم، أو بأي مسلك من مسالك العلة فيسمى تخريج المناط، فهو استنباط علة لحكم شرعي ورد به النص، ولم يرد نص بعلته ولم نعقد إجماع على علته، وأما تحقيق المناط فهو النظر في تحقيق العلة التي ثبتت بالنص، أو بالإجماع أو بأي مسلك في جزئية أو واقعة غير التي ورد فيها النص، كما إذا ورد النص بأن علة اعتزال النساء في المحيض هي الأذى فينظر في تحقيق الأذى في النفاس.
وكما إذا ثبت أن علة تحريم شرب الخمر الإسكار فينظر في تحقيق الإسكار في نبيذ آخر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

‌‌الدليل الخامس: الاستحسان
1- تعريفه.
2- أنواعه.
3- حجيته.
4- شبه من لا يحتجون به.
1- تعريفه:
الاستحسان في اللغة: عد الشيء حسنا، وفي اصطلاح الأصوليين: هو عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي لدليل انقدح في عقله رجح لديه هذا العدول. فإذا عرضت واقعة ولم يرد نص بحكمها، وللنظر فيها وجهتان مختلفتان إحدهما ظاهرة تقتضي حكمًا والأخرى خفية تقتضي حكمًا آخر، وقام بنفس المجتهد دليل رجح وجهة النظر الخفية، فعدل عن وجهة النظر الظاهرة فهذا يسمى شرعا: الاستحسان، وكذلك إذا كان الحكم كليا، قام بنفس المجتهد دليل يقتضي استثناء جزئية من هذا الحكم الكلي والحكم عليها بحكم آخر، فهذا أيضا يسمى شرعا الاستحسان.
2- أنواعه:
من تعريف الاستحسان شرعًا يتبين أنه نوعان: أحدهما ترجيح قياس خفي على قياس جلي بدليل. وثانيهما استثناء جزئية من حكم كلي بدليل.
من أمثلة النوع الأول:
1- نص فقهاء الحنفية على أن الواقف إذ وقف أرضًا زراعية يدخل حق المسيل، وحق الشرب حق المرور في الوقف تبعًا بدون ذكرها استحسانًا. والقياس أنها لا تدخل إلا بالنص عليها كالبيع، ووجه الاستحسان: أن المقصود من الوقف انتفاع الموقوف عليهم، ولا يكون الانتفاع بالأرض الزراعية إلا بالشرب والمسيل والطريق، فتدخل في الوقف بدون ذكرها؛ لأن المقصود لا يتحقق إلا بها كالإجارة.
فالقياس الظاهر إلحاق الوقف في هذا بالبيع؛ لأن كلا منهما إخراج ملك من مالكه. والقياس الخفي إلحاق الوقف في هذا بالإجارة؛ لأن كلا منهما مقصود به

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

الانتفاع، فكما يدخل المسيل والشرب والطريق في إجارة الأطيان بدون ذكرها تدخل في وقف الأطيان بدون ذكرها.
2- نص فقهاء الحنفية على أنه إذا اختلفت البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل قبض المبيع، فادعى البائع أن الثمن مائة جنيه، وادعى المشتري أنه تسعون يتحالفان استحسانًا، والقياس أن لا يحلف البائع؛ لأن البائع يدعي الزيادة "وهي عشرة" والمشتري ينكرها، والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر فلا يمين على البائع، ووجه الاستحسان: أن البائع مدع ظاهرا بالنسبة إلى الزيادة ومنكر حق المشتري في تسلم المبيع بعد دفع التسعين، والمشتري منكر ظاهرًا الزيادة التي ادعاها البائع، وهي العشرة ومدع حق تسلمه المبيع بعد دفع التسعين، فكل واحد منهما مدع من جهة ومنكر من جهة أخرى فيتحالفان.
فالقياس الظاهر: إلحاق هذه الواقعة بكل واقعة بين مدع ومنكر، فالبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.
والقياس الخفي: إلحاق الواقعة بكل واقعة بين متداعيين، كل واحد منهما يعتبر في آن واحد مدعيا ومنكرا فيتحالفان.
3- نص فقهاء الحنفية على أن سؤر سباع الطير كالنسر والغراب والصقر والبازي، والحدأة والعقاب طاهر استحسانا نجس قياسا.
وجه القياس: أنه سؤر حيوان محرم لحمه كسؤر سباع البهائم كالفهد والنمر والسبع والذئب، وحكم سؤر الحيوان تابع لحكم لحمه.
وجه الاستحسان: أن سبع الطير وإن كان محرما لحمها إلا أن لعابها المتولد من لحمها لا يختلط بسؤرها؛ لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم طاهر، وأما سباع البهائم، فتشرب بلسانها المختلط بلعابها فلهذا ينجس سؤرها.
ففي كل مثال من هذه الأمثلة، تعارض في الواقعة قياسان أحدهما جلي متبادر فهمه، والآخر خفي دقيق فهمه، وقام للمجتهد دليل رجح القياس الخفي فعدل عن القياس الجلي فهذا العدول هو "الاستحسان"، والدليل الذي بني عليه هو وجه الاستحسان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

ومن أمثلة النوع الثاني:
نهى الشارع عن بيع المعدوم والتعاقد على المعدوم، ورخص استحسانا في السلم والإجارة والمزارعة، والمساقاة والاستصناع وهي كلها عقود؛ المعقود عليه فيها معدوم وقت التعاقد، ووجه الاستحسان حاجة الناس وتعارفهم.
ونص الفقهاء على أن الأمين يضمن بموته مجهلا؛ لأن التجهيل نوع من التعدي. واستثنى استحسانا موت الأب أو الجد أو الوصي مجهلًا، ووجه الاستحسان أن الأب والجد والوصي لكل منهم أن ينفق على الصغير ويصرف ما يحتاج إليه فلعل ما جهله كان قد صرفه في وجهه.
ونصوا على أن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، واستثنى استحسانًا الأجير المشترك، فإن يضمن إلا إذا كان هلاك ما عنده بقوة قاهرة، ووجه الاستحسان تأمين المستأجرين، ونصوا على أن المحجور عليه للسفه لا تصح تبرعاته، واستثنى استحسانا وقفه على نفسه مدة حياته، ووجه الاستحسان أن وقفه على نفسه فيه تأمين عقاراته من الضياع، وهذا يتفق والغرض من الحجر عليه.
ففي كل مثال من هذه الأمثلة استثنيت جزئية من حكم كلي بدليل، وهذا هو الذي يسمى اصطلاحًا الاستحسان.
3- حجيته:
من تعريف الاستحسان وبيان نوعه يتبين أنه في الحقيقة ليس مصدرًا تشريعيا مستقلا؛ لأن أحكام النوع الأول من نوعية دليلها هو القياس الخفي الذي ترجح على القياس الجلي، بما اطمأن له قلب المجتهد من المرجحات، وهو وجه الاستحسان، وأحكام النوع الثاني من نوعه دليلها هو المصلحة التي اقتضت استثناء الجزئية من الحكم الكلي، وهي التي يعبر عنها بوجه الاستحسان.
فمن احتجوا بالاستحسان وهم أكثر الحنفية ودليلهم على حجيته: أن الاستدلال بالاستحسان إنما هو استدلال بقياس خفي، ترجح على قياس جلي، أو هو ترجيح قياس على قياس يعارضه، بدليل يقتضي هذا الترجيح، أو استدلال بالمصلحة المرسلة على استثناء جزئي من حكم كلي، وكل هذا استدلال صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

4- شبه من لا يحتجون به:
أنكر فريق من المجتهدين الاستحسان واعتبروه استنباطا للأحكام الشرعية بالهوى والتلذذ، وعلى رأس هذا الفريق الإمام الشافعي فقد نقل عنه أنه قال: "من استحسن فقد شرع"، أي ابتدأ من عنده شرعا، وقرر في رسالته الأصولية أن "مثل من استحسن حكما مثل من اتجه في الصلاة إلى جهة استحسن أنها الكعبة، من غير أن يقوم له دليل من الأدلة التي أقامها الشارع لتعيين الاتجاه إلى الكعبة" وقرر فيها أيضا أن "الاستحسان تلذذ، ولو جاز الأخذ بالاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا".
والظاهر لي أن الفريقين المختلفين في الاستحسان لم يتفقا في تحديد معناه. المحتجون به يريدون منه معنى غير الذي يريده من لا يحتجون به، ولو اتفقوا على تحديد معناه ما اختلفوا في الاحتجاج به؛ لأن الاستحسان هو عند التحقيق عدول عن دليل ظاهر أو عن حكم كلي لدليل اقتضى هذا العدول، وليس مجرد تشريع بالهوى، وكل قاض قد تنقدح في عقله في كثير من الوقائع مصلحة حقيقية، تقتضي العدول في هذه الجزئية عما يقضي به ظاهر القانون، وما هذا إلا نوع من الاستحسان.
ولهذا قال الإمام الشاطبي في الموافقات: "من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشباه المعروضة، كالمسائل التي يقتضي فيها القياس أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى تفويت مصلحة من جهة، أو جلب مفسدة كذلك".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

‌‌الدليل السادس: المصلحة المرسلة
1- تعريفها.
2- أدلة من يحتجون بها.
3- شروط الاحتجاج بها.
4- أظهر شبه من لا يحتجون بها.
1- تعريفها:
المصلحة المرسلة أي المطلقة، في اصطلاح الأصوليين: المصلحة التي لم يشرع الشارع حكما لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها، وسميت مطلقة؛ لأنها لم تقيد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء، ومثالها المصلحة التي شرع لأجلها الصحابة اتخاذ السجون، أو ضرب النقود، أو إبقاء الأرض الزراعية التي فتحوها في أيدي أهليها ووضع الخراج عليها، أو غير هذا من المصالح التي اقتضتها الضرورات، أو الحاجات أو التحسينات ولم تشرع أحكام لها، ولم يشهد شاهد شرعي باعتبارها أو إلغائها.
وتوضيح هذا التعريف أن تشريع الأحكام ما قصد به إلا تحقيق مصالح الناس، أي جلب نفع لهم أو دفع ضرر أو رفع حرج عنهم، وإن مصالح الناس لا تنحصر جزئياتها، ولا تتناهى أفرادها وأنها تتجدد بتجدد أحوال الناس، وتتطور باختلاف البيئات، وتشريع الحكم قد يجلب نفعا في زمن وضررا في آخر، وفي الزمن الواحد قد يجلب الحكم نفعا في بيئة ويجلب ضررا في بيئة أخرى.
فالمصالح التي شرع الشارع أحكاما لتحقيقها، ودل على اعتبارها عللا لما شرعه، تيسمى في اصطلاح الأصوليين: المصالح المعتبرة من الشارع، مثل حفظ حياة الناس، شرع الشارع له إيجاب القصاص من القاتل العامد، وحفظ ما لهم الذي شرع له حد السارق والسارقة. وحفظ عرضهم الذي شرع له حد القاذف والزاني والزانية، فكل من القتل العمد، والسرقة، والقذف، والزنا، وصف مناسب، أي أن تشريع الحكم بناء عليه يحقق مصلحة، وهو معتبر من الشارع؛ لأن الشارع بنى الحكم عليه، وهذا المناسب المعتبر من الشارع إما مناسب مؤثر، وإما مناسب ملائم، على حسب نوع اعتبار الشارع له، ولا خلاف في التشريع بناء عليه كما قدمنا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

وأما المصالح التي اقتضتها البيئات والطوارئ بعد انقطاع الوحي، ولم يشرع الشارع أحكاما لتحقيقها، ولم يقم دليل منه على اعتبارها أو إلغائا، فهذه تسمى المناسب المرسل أو بعبارة أخرى المصلحة المرسلة، مثل المصلحة التي اقتضت أن الزواج الذي لا يثبت بوثيقة رسمية لا تسمع الدعوى به عند الإنكار، ومثل المصلحة التي اقتضت أن عقد البيع الذي لا يسجل لا ينقل الملكية، فهذه كلها مصالح لم يشرع الشارع أحكاما لها، ولم يدل دليل منه على اعتبارها أو إلغائها، فهي مصالح مرسلة.
2- أدلة من يحتجون بها:
ذهب جمهور علماء المسلمين إلى أن المصلحة المرسلة حجة شرعية يبنى عليها تشريع الأحكام، وأن الواقعة التي لا حكم فيها بنص أو إجماع، وقياس أو استحسان، يشرع فيها الحكم الذي تقتضيه المصلحة المطلقة، ولا يتوقف تشريع الحكم بناء على هذه المصلحة على وجود شاهد من الشرع باعتبارها.
ودليلهم على هذا أمران:
أولهما: أن مصالح الناس تتجدد ولا تتناهى، فلو لم تشرع الأحكام لما يتجدد من مصالح الناس، ولما يقتضيه تطورهم، واقتصر التشريع على المصالح التي اعتبرها الشارع فقط، لعطلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس ومصالحهم، وهذا لا يتفق وما قصد بالتشريع من تحقيق مصالح الناس.
وثانيهما: أن من استقرأ تشريع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين؛ يتبين أنهم شرعوا أحكاما كثيرة لتحقيق مطلق المصلحة، لا لقيام شاهد باعتبارها. فأبو بكر جمع الصحف المفرقة التي كانت مدونا فيها القرآن، وحارب مانعي الزكاة، واستخلف عمر بن الخطاب، وعمر أمضى الطلاق ثلاثًا بكلمة واحدة، ومنع سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات، ووضع الخراج ودون الدواوين، واتخذ السجون، ووقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، وعثمان جمع المسلمين على مصحف واحد ونشره وحرق ما عداه، وورث زوجة من طلق زوجته للفرار من إرثها، وعلى حرق الغلاة من الشيعة الروافض، والحنفية حجروا على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس، والمالكية أباحوا حبس المتهم وتعزيره توصلا إلى إقراره، والشافعية أوجبوا القصاص من الجماعة إذا قتلوا الواحد، وجميع هذه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

المصالح التي قصدوها بما شرعوه من الأحكام هي مصالح مرسلة، وقد شرعوا بناء عليها؛ لأنه مصلحة؛ ولأنها لا دليل من الشارع على إلغائها، وما وقفوا عن التشريع لمصلحة حتى يشهد شاهد شرعي باعتبارها، ولهذا قال القرافي: "إن الصحبة عملوا أمورا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار" وقال ابن عقيل: "السياسة كل فعل تكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي، ومن قال: "لا سياسة إلا بما نطق به الشرع فقد غلط وغلط الصحابة في شريعتهم".
3- شروط الاحتجاج بها:
من يحتجون بالمصلحة المرسلة احتاطوا للاحتجاج بها حتى لا تكون بابا للتشريع بالهوى والتشهي، ولهذا اشترطوا في المصلحة المرسلة التي يبني عليها التشريع شروطا ثلاثة:
أولها: أن تكون مصلحة حقيقية وليست مصلحة وهمية، والمراد بهذا أن يتحقق من أن تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعا أو يدفع ضررًا، وأما مجرد توهم أن التشريع يجلب نفعًا، من غير موازنة بين ما يجلبه من ضرر، فهذا بناء على مصلحة وهمية. ومثال هذه المصلحة التي تتوهم في سلب الزوج حق تطليق زوجته، وجعل حق التطليق للقاضي فقط في جميع الحالات.
ثانيها: أن تكون مصلحة عامة وليست مصلحة شخصية. والمراد بهذا أن يتحقق من أن تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعا لأكبر عدد من الناس، أو يدفع ضررا عنهم وليس لمصلحة فرد أو أفراد قلائل منهم. فلا يشرع الحكم؛ لأنه يحقق مصلحة خاصة بأمير أو عظيم، بصرف النظر عن جمهور الناس ومصالحهم. فلا بد أن تكون لمنفعة جمهور الناس.
ثالثها: أن لا يعارض التشريع لهذه المصلحة حكما، أو مبدأ ثبت بالنص أو الإجماع لا يصح اعتبار المصلحة التي تقتضي مساواة الابن والبنت في الإرث؛ لأن هذه مصلحة ملغاة لمعارضتها نص القرآن، ولهذا كانت فتوى يحيى بن يحيى الليثي المالكي فقيه الأندلس، وتلميذ الإمام مالك بن أنس خاطئة؛ وذلك أن أحد ملوك الأندلس أفطر عمدا في رمضان، فأفتاه الإمام يحيى بأنه لا كفارة لإفطاره إلا أن يصوم شهرين متتابعين، وبنى فتواه على أن المصلحة تقتضي هذا، إذ أن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

المقصود من الكفارة زجر المذنب وردعه حتى لا يعود إلى مثل ذنبه، ولا يردع هذا الملك إلا هذا، فأما إعتاقه رقبة فهذا يسير عليه ولا ردع فيه. فهذه الفتوى بنيت على مصلحة ولكنها تعارض نصا؛ لأن النص صريح في أن كفارة من أفطر في رمضان عمدا إعتاق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، بلا تفريق بين ملك يفطر وفقير يفطر، فالمصلحة التي اعتبرها المفتي لإلزام الملك بالتكفير بصيام شهرين خاصة مصلحة ليست مرسلة بل هي ملغاة.
ومن هذا يتبين أن المصلحة، وبعبارة أخرى الوصف المناسب إذا دل شاهد شرعي على اعتباره بنوع من أنواع الاعتبار، فهو المناسب المعتبر من الشارع، وهو إما المناسب المؤثر أو المناسب الملائم، وإذا دل شاهد شرعي على إلغاء اعتباره فهو المناسب الملغي، وإذا لم يدل شاهد شرعي على اعتباره، ولا على إلغائه فهو المناسب المرسل، وبعبارة أخرى المصلحة المرسلة.
أظهر شبه من لا يحتجون بها:
ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن المصلحة المرسلة التي لم يشهد شاهد شرعي باعتبارها، ولا بإلغائها لا يبنى عليها تشريع.
ودليلهم أمران:
الأول: أن الشريعة راعت كل مصالح الناس نصوصها، وبما أرشدت إليه من القياس، والشارع لم يترك النالس سدى، ولم يهمل أية مصلحة من غير إرشاد إلى التشريع لها، فلا مصلحة إلا ولها شاهد من الشارع باعتبارها، والمصلحة التي لا شاهد من الشارع باعتبارها ليست في الحقيقة مصلحة، وما هي إلا مصلحة وهمية ولا يصح بناء التشريع عليها.
والثاني: أن التشريع بناء على مطلق المصلحة فيه فتح باب لأهواء ذوي الأهواء، من الولاة والأمراء ورجال الإفتاء، فبعض هؤلاء قد يغلب عليهم الهوى والغرض فيتخيلون المفاسد مصالح، والمصالح أمور تقديرية تختلف باختلاف الآراء والبيئات، ففتح باب التشريع لمطلق المصلحة فتح باب الشر.
والظاهر لي: هو ترجيح بناء التشريع على المصلحة المرسلة؛ لأنه إذا لم يفتح

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

هذا الباب جمد التشريع الإسلامي، ووقف عن مسايرة الأزمان والبيئات. ومن قال: إن كل جزئية من جزئيات مصالح الناس، في أي زمن وفي أي بيئة قد راعاها الشارع، وشرع بنصوصه ومبادئه العامة ما يشهد لها ويلائمها، فقوله: لا يؤيده الواقع؛ فإنه مما لا ريب فيه أن بعض المصالح التي تجد لا يظهر شاهد شرعي على اعتبارها ذاتها.
ومن خاف من العبث والظلم واتباع الهوى باسم المصلحة المطلقة،؟؟؟ خوفه بأن المصلحة المطلقة لا يبنى عليها تشريع إلا إذا توافرت فيها الشروط الثلاثة التي بيناها، وهي أن تكون مصلحة عامة حقيقية لا تخالف نصا شرعيا ولا مبدأ شرعيا.
قال ابن القيم: "من المسلمين من فرطوا في رعاية المصلحة المرسلة، فجعلوا الشريعة قاصرة، لا تقوم بمصلح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق الحق والعدل، ومنهم من أفرطوا فسوغوا ما ينافي شرع الله، وأحدثوا شرا طويلا وفسادا عريضا".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

‌‌الدليل السابع: العرف
1- تعريفه.
2- أنواعه.
3- حكمه.
1- تعريفه:
العرف: هو ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول، أو فعل، أو ترك ويسمى العادة. وفي لسان الشرعيين: "لا فرق بين العرف والعادة، فالعرف العملي: مثل تعارف الناس البيع بالتعاطي من غير صيغة لفظية، والعرف القولي: مثل تعارفهم إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى، وتعارفهم على أن لا يطلقوا لفظ اللحم على السمك. والعرف يتكون من تعارف الناس على اختلاف طبقاتهم عامتهم، وخاصتهم بخلاف الإجماع فإنه يتكون من اتفاق المجتهدين خاصة، ولا دخل للعامة في تكوينه.
2- أنواعه:
العرف نوعان: عرف صحيح وعرف فاسد:
فالعرف الصحيح هو ما تعارفه الناس، ولا يخالف دليلا شرعيا ولا يحل محرما ولا يبطل واجبا، كتعارف الناس عقد الاستصناع، وتعارفهم تقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر، وتعارفهم أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا إذا قبضت جزءا من مهرها، وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من حلي، وثياب هو هدية لا من المهر.
وأما العرف الفاسد فهو ما تعارفه الناس، ولكنه يخالف الشرع أو يحل المحرم أو يبطل الواجب، مثل تعارف الناس كثيرا من المنكرات في الموالد والمآتم، وتعارفهم أكل الربا وعقود المقامرة.
3- حكمه:
ما العرف الصحيح فيجب مراعاته في التشريع وفي القضاء، وعلى المجتهد مراعاته في تشريعه، وعلى القاضي مراعاته في قضائه؛ لأن ما تعارفه الناس وما ساروا عليه صار من حاجاتهم ومتفقا ومصالحهم، فما دام لا يخالف الشرع وجبت مراعاته، والشارع راعى الصحيح من عرف العرب في التشريع، ففرض الدية على العاقلة، وشرط الكفاءة في الزواج، واعتبر العصبية في الولاية والإرث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

ولهذا قال العلماء: العادة شريعة محكمة، والعرف في الشرع له اعتبار، والإمام مالك بنى كثيرا من أحكامه على عمل أهل المدينة، وأبو حنيفة وأصحابه اختلفوا في أحكام بناء على اختلاف أعرافهم، والشافعي لما هبط إلى مصر غير بعض الأحكام التي كان قد ذهب إليها وهو في بغداد، لتغير العرف، ولهذا له مذهبان قديم وجديد، وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف، منها إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما فالقول لمن يشهد له العرف، وإذا لم يتفق الزوجان على المقدم والمؤخر من المهر فالحكم هو العرف، ومن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث بناء على العرف، والمنقول يصح وقفه إذا جرى به العرف. والشرط في العقد يكون صحيحا إذا ورد به الشرع أو اقتضاه العقد أو جرى به العرف، وقد ألف العلامة المرحوم ابن عابدين رسالة سماها: "نشر العرف فيما بني من الأحكام على العرف" ومن العبارات المشهورة: "المعروف عرفا كالمشروط شرطا، والثابت بالعرف كالثابت بالنص".
وأما العرف الفاسد فلا تجب مراعاته؛ لأن في مراعاته معارضة دليل شرعي أو إبطال حكم شرعي فإذا تعارف الناس عقدا من العقود الفاسدة كقعد ربوي أو عقد فيه غرر وخطر، فلا يكون لهذا العرف أثر في إباحة هذا العقد، ولهذا لا يعتبر في القوانين الوضعية عرف يخالف الدستور أو النظام العام، وإنما ينظر في مثل هذا العقد من جهة أخرى، وهي أن هذا العقد هل يعد من ضرورات الناس أو حاجياتهم، بحيث إذا أبطل يختل نظام حياتهم أو ينالهم حرج أو ضيق أو لا؟ فإن كان من ضرورياتهم أو حاجياتهم يباح؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والحاجات تنزل منزلتها في هذا، وإن لم يكن من ضرورياتهم ولا من حاجياتهم يحكم ببطلانه، ولا عبرة لجريان العرف به.
والأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره زمانا ومكانا؛ لأن الفرع يتغير بتغير أصله، ولهذا يقول الفقهاء، في مثل هذا الاختلاف: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان.
والعرف عند التحقيق ليس دليلا شرعيا مستقلا، وهو في الغالب من مراعاة المصلحة المرسلة، وهو كما يراعى في تشريع الأحكام يراعى في تفسير النصوص، فيخصص به العام، ويقيد به المطلق. وقد يترك القياس بالعرف ولهذا صح عقد الاستصناع، لجريان العرف به، وإن كان قياسا لا يصح؛ لأنه عقد على معدوم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)