Arabic source text

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

📘 علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني (عبد الوهاب خلاف - ت 1375 هـ)

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
راو إلا إذا أيده شاهد، وعمر كان يطالب الراوي أن يأتي بالبينة على أنه روى، وعلي بن أبي طالب كان يستحلف الراوي، ولكن هذه الاحتياطات لم تحقق الغرض منها، وما قامت مقام التدوين، وقد كان لعدم تدوين السنة من فجر الإسلام أثران:
إحداهما: أنه اضطر علماء المسلمين إلى بذل جهود في بحث رواة الأحاديث ودرجات الثقة بهم، وانقسمت الأحاديث باعتبار رواتها إلى أحاديث قطعية الورود، وأحاديث ظنية الورود، والظنية إلى: صحيح، وحسن، وضعيف. ووضع فن الحديث رواية، وألفت فيه عدة مؤلفات.
وثانيهما: أن عدم التدوين لم يجمع المسلمين على مجموعة واحدة من السنة، كما جمعوا على القرآن وهذا أفسح في المجال للتحريف، والزيادة والنقص عمدا أو خطأ، مما أدى بعد إلى اختلاف في أن السنة حجة ومصدر تشريعي أو لا: وأدى إلى اختلاف من يحتجون بها في طريق الوثوق بما يحتجون به منها، وسيأتي بيان هذا.
وأما المصدر التشريعي الثالث، وهو اجتهاد بعض المفتين من الصحابة، فلم يدون أيضا من آثار، في هذا العهد شيء، وكان تقديرهم لفتاويهم أنها آراء فردية إن تكن صوابا فمن الله، وإن تكن خطأ فمن أنفسهم، وما كان واحد مهم يلزم الآخر أو يلزم أن مسلم بفتواه، وكثيرًا ما خالف عمر أبا بكر، وكثيرا ما تحاج زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، والوقائع التي اختلف الصحابة في أحكامها كثيرة، وأدلتهم تدل على مبلغ حريتهم في البحث، وتحريهم جلب المصالح ودرء المفاسد.
الخطة التشريعية في هذا العهد:
كانت الخطة التشريعية التي سار عليها رجال التشريع من الصحابة بالنسبة إلى المصادر التشريعية، أنهم إذا وجدوا نصا في القرآن أو السنة يدل على حكم الواقعة التي طرأت لهم وقفوا عند هذا النص وقصروا جهودهم التشريعية على فهمه، والوقوف على المراد منه ليصلوا إلى تطبيقه تطبيقا صحيحا على الوقائع، ولا تتجاوز سلطتهم التشريعية حدود هذا، وإذا لم يجدوا نصا في القرآن والسنة يدل على حكم ما عرض لهم من الوقائع لاستنباط حكمه، وكانوا في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)

اجتهادهم يعتمدون على ملكتهم التشريعية التي تكونت لهم من مشافهة الرسول ومشاهدتهم تشريعه واجتهاده، ووقوفهم على أسرار التشريع ومبادئه العامة، فتارة كانوا يقيسون ما لا نص فيه على ما فيه نص، وتارة كانوا يشرعون ما تقضي به المصلحة أو دفع المفسدة، ولم يتقيدوا بقيود في المصلحة الواجب مراعاتها، وبهذا كان اجتهادهم فيما لا نص فيه فسيحًا مجاله، وفيه متسع لحاجات الناس ومصالحهم، وقد دخلت في الإسلام شعوب مختلفة وبلاد متنائية، وكانت حرية هذا الاجتهاد كفيلة بالتقنين والتشريع لكل معاملتهم وحاجاتهم.
وكانوا في أول عهدهم -أي في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر- يتولون سلطتهم التشريعية فيما لا نص فيه في جمعية تشريعية مكونة من رءوسهم وما يصدر عنهم من الأحكام يعتبر حكم جماعتهم. يدل على ذلك ما رواه البغوي في مصابيح السنة قال: "كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يجد في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكان عمر يفعل ذلك؛ فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء؛ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رءوس المسلمين؛ فإن اجتمعوا على شيء قضى به".
وبهذا الاجتماع كان الاختلاف في الآراء نادرا؛ لأن كل واحد من رءوس التشريع المجتمعين يبدي للآخرين ما عنده من وجوه النظر، وما يستند إليه من أدلة، ووجهتهم الحق والصواب وأكثر الأحكام التي يقال فيها: إنها أجمع عليها الصحابة شرعت في هذه الفترة من هذا العهد.
أما بعد أن فتح الله للمسلمين كثيرا من البلاد وتفرق رءوس الصحابة في مختلف الأمصار، وصار غير ميسور للخليفة بالمدينة أن يجمع هؤلاء الرءوس من الكوفة والبصرة والشام ومصر وغيرها كلما عرضت واقعة ليس فيها نص في القرآن أو السنة، فقد أخذ رجال التشريع من الصحابة يتولون سلطتهم التشريعية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

أفرادا أو جماعات، وكان بكل مصر من أمصار المسلمين واحد أو أكثر تصدر عنهم الفتاوى فيما لا نص فيه، والتبيين والتفسير للنصوص، ومن النتائج الحتمية لهذا أن يقع اختلاف بينهم في أحكام كثيرة من الوقائع لعدة أسباب:
أولها: أن أكثر نصوص الأحكام في القرآن والسنة ليست قطعة الدلالة على الماد منها بل هي ظنية الدلالة، وكما تحتمل أن تدل على معنى تحتمل أن تدل على معنى آخر بسبب أن في النص لفظا مشتركا لغة بين معنيين أو أكثر أو أن فيه لفظا عاما يحتمل التخصيص أو لفظا مطلقا يحتمل التقييد، فكل مشرع يفهم منه حسب ما ترجح عنده من القرائن ووجهات النظر. والجزئيات التي اختلفوا فيها بناء على اختلافهم في فهم النص كثيرة جدًّا.
وثانيها: أن السنة لم تكن مدونة ولم تجتمع الكلمة على مجموعة منها وتنشر بين المسلمين لتكون مرجعا لهم على السواء بل كانت تتناقل بالرواية والحفظ، وربما علم منها المفتي في مصر ما لم يعلمه المفتي في دمشق، وكثيرًا ما كان يرجع بعض المفتين منهم عن فتواه إذا علم من الآخر سنة لم يكن يعلمها.
وثالثها: أن البيئات التي يعيشون فيها مختلفة والمصالح والحاجات التي يشرعون لها متفاوتة، فعبد الله بن عمر بالمدينة لا يطرأ له ما يطرأ لمعاوية بن أبي سفيان في الشام، ولا ما يطرأ لعبد الله بن مسعود بالكوفة، فبناء على اختلاف البيئات اختلفت الأنظار في تقدير المصالح والبواعث على تشريع الأحكام.
فلهذه الأسباب الثلاثة وجدت فتاوى مختلفة للصحابة في الواقعة الواحدة، ولكل واحد منهم دليل على ما أفتى به.
وقد كانت خطتهم في المبادئ التشريعية العامة التي راعوها في تشريعهم هي الخطة الإسلامية، وهي الاقتصار على تشريع ما تدعو إليه الحاجة فقط، وعدم سبق الحوادث بالتشريع، ومسايرة المصالح، ورعاية التيسير والتخفيف.
ما خلفه هذا العهد من الآثار التشريعية:
الآثار التشريعية التي خلفها هذا العهد ثلاثة:
الأول: شرح قانوني لنصوص الأحكام في القرآن والسنة، فإن مجتهدي الصحابة لما بحثوا في هذه النصوص لتطبيقها على الوقائع تكونت لهم آراء في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

فهمها وما يراد منها، وكانوا في تقدير آرائهم يستندون إلى ملكتهم اللسانية، وملكتهم التشريعية وما وقفوا عليه من حكم التشريع، وأسباب نزول القرآن، وورود السنة، فمن مجموعة هذه الآراء تكون شرح قانوني لنصوص الأحكام يعد أوثق مرجع لتفسيرها وبيان إجمالها، ووجوه تطبيقها، ويتجلى هذا في كتب تفسير القرآن بالمأثور مثل: التفسير المنسوب لابن عباس، وتفسير محمد بن جرير الطبري.
والثاني: عدة فتاوى اجتهادية صدرت من الصحابة في وقائع لا نص على حكمها؛ فإن المجتهدين منهم كانوا إذا لم يجدوا نصًّا في القرآن أو السنة على كم الواقعة المعروضة اجتهدوا لاستنباط حكمها بطريق من طرق الاستنباط؛ وبهذا الاستنباط شرعوا أحكاما كثيرة في وقائع عديدة في مختلف البلدان، وكان الفتاوى التي صدرت في أول عهدهم لها صبغة غير الصبغة التي للفتاوى الني صدرت منهم بعد ذلك؛ لأن الأولى في الغالب صدرت عن اجتهاد الجماعة، وأما الثانية فقد صدرت عن اجتهاد الأفراد.
وقد عنى بعض رجال الحديث في أول العهد بتدوين السنة بأن يدونوا فتاوى الصحابة في مختلف أبواب الأحكام مع السنة، وسيتبين في العهد التشريعي الثالث أن الاحتجاج بهذه الفتاوى كان موضع اختلاف الأئمة، فمنهم من لا يخرج عنها، ومنهم من يخالفها.
الثالث: انقسام حزبي ابتدأ سياسيا بشأن الخلافة والخليفة، وانقلب دينيا ذا أثر خطير في التشريع، وذلك أنه بعد أن قتل عثمان بن عفان وبويع بالخلافة علي بن أبي طالب، ونازعه عليها معاوية بن أبي سفيان، واشتعلت الحرب بين الفريقين، وانتهت إلى تحكيم الحكمين نتج عن هذا انقسام المسلمين إلى أحزاب ثلاثة: الخوارج، والشيعة، وأهل السنة والجماعة، وهم جمهور الأمة.
فالخوارج جماعة من المسلمين نقموا من عثمان سياسته في خلافته، ونقموا من علي قبوله التحكيم، ونقموا من معاوية توليه الخلافة بالقوة، فخرجوا عليهم جميعا، وكان مبدؤهم أن خليفة المسلمين يجب أن ينتخبه المسلمون بانتخاب حر ممن توافرت فيه الكفاءة للخلافة، سواء كان قرشيا أم غير قرشي، ولو كان عبدا حبشيا، وأنه لا تجب طاعته إلا إذا كان عمله في حدود القرآن والسنة، فإن جاوز حدودهما وجبت معصيته، وسلكوا في تأييد مبدئهم، والانتقام من خصومهم كل وسائل العنف والشدة في حربهم، وفي تأييد عقيدتهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

وأما الشيعة فهم جماعة من المسلمين أحبوا علي بن أبي طالب وذريته وأفرطوا في هذه المحبة، ورأوا أنه هو وذريته أحق بالخلافة من غيره؛ لأنه هو الوصي الذي أوصى إليه الرسول بالخلافة من بعده.
وانقسموا فيما بينهم فرقًا بشأن توارث هذه الخلافة إلى: كيسانية، وزيدية، وإسماعيلية، وجعفرية، كل فرقة تجعل الخلافة في فرع خاص من ذرية علي.
وأما جمهور المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، فهم الذين لم يذهبوا مذهب الخوارج ولا مذهب الشيعة، ولم يروا أن الخلافة وصية لأحد، ورأوا أن الخليفة ينتخب من أكفأ قريش إن وجد، لا يفاضلون بين الخلفاء ولا بين غيرهم من الصحابة ويؤولون ما كان بينهم من خصومات بأنها كانت اجتهادية في أمور سياسية لا ترتبط بكفر ولا إيمان.
هذا الانقسام السياسي بين الأحزاب الثلاثة كان له أثر تشريعي؛ لأن الخوارج كانوا لا يأخذون بالأحكام التي وردت في أحاديث رواها عثمان، أو علي أو معاوية أو رواها صحابي ممن ناصروا واحدا منهم، وردوا كل أحاديثهم وآرائهم وفتاويهم، ورجحوا كل ما روي عمن يرضونهم وآراء علمائهم وفتاويهم، وبهذا كان له فقة خاص، وكذلك الشيعة ردوا أحاديث كثيرة رواها عن الرسول جمهور الصحابة ولم يعولوا على آرائهم وفتاويهم، وعولت كل طائفة منهم على الأحاديث التي رواها أئمتهم من آل البيت والفتاوى التي صدرت عنهم، وبهذا كان لهم أيضا فقه خاص، وكتب فقههم المبطوعة لا تحصى، وأما جمهور المسلمين فكانوا يحتجون بكل حديث صحيح رواه الثقات العدول بلا تفريق بين صحابي وصحابي، ويأخذون بفتاوى الصحابة وآرائهم جميعا على التفصيل الذي سنبينه، وبهذا كان أحكامهم لا تتفق مع أحكام الخوارج والشيعة في عدة موضوعات، كالإرث والوصية وبعض عقود الزواج وغيرها.
وهذه نبذة في التعريف بأشخاص بعض رءوس التشريع من الصحابة وهم: زيد بن ثابت من رءوس التشريع بالمدينة، وعبد الله بن عباس رأس التشريع بمكة، وعبد الله بن مسعود رأس التشريع بالعراق، وعبد الله بن عمرو بن العاص رأس التشريع بمصر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

زيد بن ثابت:
هو أبو سعيد زيد بن ثابت الضحاك النجاري الأنصاري. قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يحفظ من القرآن وقتئذ ست عشرة سورة، شهد غزوة الخندق وما بعدها من المشاهد، وأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم راية بني النجار يوم تبوك وكانت مع عمارة بن حزم، فلما استفسر عن سبب أخذها منه قال: القرآن مقدم، وزيد أكثر أخذًا للقرآن منك. وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي والرسائل. روي عنه أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية"، فتعلمتها في سبعة عشر يوما، وتعلم العبرانية في خمسة عشر يوما. وكان يكتب لأبي بكر عمر في خلافتهما، وولي بيت المال لعثمان، وكان كل من عمر وعثمان يستخلفه على المدينة إذا حج، وهو الذي جمع القرآن بإشارة أبي بكر وعمر، وقال له أبو بكر: إنك شاب ثقة لا نتهمك. وكفى بهذا تعديلًا.
كان زيد رأسا في القضاء والفتوى والجراءة والفرائض، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: "أفرضكم زيد"، وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن. وعن ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وبالجملة فقد كان واسع الاطلاع، ضليعا في فهم تعاليم الإسلام، له القدرة الفائقة على استنباط الأحكام، إذا رأى فيما لم يرد فيه أثر. قال سليمان بن يسار: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء، والفتوى والفرائض والقراءة. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وتسعون حديثا اتفق الشيخان على خمسة منها. وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث توفي رضي الله عنه سنة 15هـ.
عبد الله بن عباس:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقال له: الحبر والبحر لكثرة علمه، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين حين كان بنو هاشم بالشعب، ولما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حنكه بريقه، وضمه إلى صدره،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وفي رواية: "علمه الحكمة". وقد انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير، وكان أكثر الصحابة إفتاء على الإطلاق، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد الستة المكثرين لرواية الحديث. فقد روي له ألف وستمائة وستون حديثا. اتفق الشيخان منها على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري منها بمائة وعشرين. ومسلم بتسعة وأربعين، وجل مروياته عن كبار الصحابة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولابن عباس ثلاث عشرة سنة، فكان يجتهد في تعرف ما عند الصحابة من حديث وعلم، وكان يقول: وجدت عامة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الأنصار، فإني كنت لآتي الرجل فأجده نائما لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ وأسأله عما أريد ثم أنصرف. ولسعة علمه وقوة حجته وصفاء ذهنه كان عمر يدنيه ويعظمه ويعتد به مع حداثة سنه، ولما قال له عبد الرحمن بن عوف: إن أبناءنا مثله. قال عمر: إنه من حيث تعلم "يريد: قدمه علمه".
وكان من الأدب بمكان، فإذا سأله عمر مع الصحابة يقول: لا أتكلم حتى يتكلموا، وكان عمر يقول له: إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأفهمهم في كتاب الله. وروى البخاري في تفسير سورة النصر عن ابن عباس أن عمر دعا ذات يوم شيوخ بدر ودعاني معهم، فقال: ما تقولون في قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم، فقال لي: أكذلك يا ابن عباس؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن له. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. وهذا يدل على قوة فهمه وجودة فكره. وبالجملة فقد ظهر النبوغ العربي في ابن عباس بأكمل معانيه علما وفصاحة وكمالا وألمعية، وكان واسع الاطلاع في نواح علمية مختلفة، يعرف الشعر، والأنساب، وأيام العرب، ويعلم ما ورد في القرآن، وأسباب نزوله، وحساب الفرائض، والمغازي، ويعرف شيئًا من الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل. قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وكان ابن عمر يقول: "ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد"، وقال عطاء: "ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس"، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع، وقال عبيد الله بن عبد الله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

ابن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلم من ابن عباس بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقضاء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولا أفقه منه، ولا أعلم بتفسير القرآن وبالعربية وبالشعر، والحساب والفرائض وكان يجلس يوما للفقه، ويما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب، وما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلا سأله إلا وجد عنده علما، كانت أكثر حياته علمية يتعلم ويعلم، لم يشغل بالإمارة إلا قليلا لما استعمله علي على البصرة وتوفي بالطائف سنة 68هـ عن أحد وسبعين عاما. وعلى ابن عباس يدور علم أهل مكة في التفسير والفقه.
عبد الله بن مسعود:
هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وينسب إلى أمه أحيانا فيقال: ابن أم عبد، أسلم قديما، قال: رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وهو أول من جهر بالقرآن وأسمعه قريشا: هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرا، واحدا، والمشاهد كلها. وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكان شديد الملازمة كثير الخدمة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب سواكه وطهوره ونعله، يلبسه إياه إذا قام ويخلعه، ثم يجعله في ذراعه إذا جلس، يمشي أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلج عليه داره بلا حجاب حتى لقد ظنه بعضهم من قرابته، ففي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينا لا نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزومه له. وقيل لحذيفة: أخبرنا برجل قريب للسمت والدل والهدى من رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ عنه، فقال: لا نعلم أحدا أقرب سمتا ودلا وهديا برسول الله من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة. وقال عقبة بن عامر: ما أدري أحدا أعلم بما نزل على محمد بن عبد الله. فقال أبو موسى: إن تقل ذلك فإنه يسمع حين لا نسمع؛ ويدخل حين لا ندخل؛ وصح عنه أنه قال: أخذت من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

سبعين سورة. وروى له ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربع وستين، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وكان من أنفذ الصحبة بصيرة في الفتيا، ومن ساداتهم في القرآن والفقه؛ لما سيره عمر إلى الكوفة كتب إلى أهلها: إني قد بعثت عمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وقد أقام في الكوفة يأخذ عنه أهله الحديث والفقه، وهو معلمهم، وقاضيهم ومؤسس طريقتهم، وقد كان من منحى عمر، وأظهر مناحيه الاعتداد بالرأي حيث لا نص، وتلقى عنه طريقته: علقمة بن قيس النخعي وأخذها إبراهيم النخعي عن علقمة وإبراهيم هو أستاذ حماد بن أبي سليمان، وحماد هو أستاذ أبي حنيفة. قدم ابن مسعود في آخر عمره من الكوفة إلى المدينة ومات بها سنة 32هـ.
عبد الله بن عمرو بن العاص:
أسلم عبد الله قبل أبيه عمرو، وكان أصغر منه باثنتي عشرة سنة، وكان عالما بالقرآن وبالكتب السماوية السابقة، وقد امتاز بأنه ما كان يكتفي بحفظ ما سمعه من رسول الله، بل كان يكتبه، وقد استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يكتب عنه فأذن له فقال: يا رسول الله؛ أكتب ما أسمع في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول إلا حقا. وقال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب، وقال مجاهد: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت مفروشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا؟ قال: هذه الصادقة، ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه، وكتاب الله، والوعظ فلا أبالي على ما كانت عليه الدنيا. وقد شهد مع أبيه فتح مصر، واختلط بها، وروى عنه أهلها أكثر من مائة حديث، وكان مرجعهم في شئونهم التشريعية يفتيهم ويعلمهم، وعنه أخذ مفتي مصر: يزيد بن حبيب، وتلاميذه، كالليث بن سعد، وأقرانه، فهو في مصر كعبد الله بن مسعود بالكوفة، وعبد الله بن عباس بمكة. وقد قال ابن سعد أنه توفي رحمه الله بمصر، ودفن بداره سنة سبع وسبعين هجرية، في خلافة عبد الملك بن مروان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

3-‌‌ عهد التدوين والأئمة المجتهدين:
هذا العهد ابتدأ من أول القرن الثاني الهجري، وانتهى في أواسط القرن الرابع الهجري، فهو بالتقريب 250 سنة، وسمى عهد التدوين والأئمة المجتهدين؛ لأن حركة الكتابة والتدوين نشطت فيه، فدونت السنة، وفتاوى المفتين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وموسوعات في تفسير القرآن، وفقه الأئمة المجتهدين، ورسائل في علم أصول الفقه؛ ولأن مواهب عدد كبير من رجال الاجتهاد والتشريع ظهرت فيه وسرت فيهم روح تشريعية كان لها أثر خالد في التقنين، واستنباط الأحكام لما وقع وما يحتمل وقوعه.
وهذا هو العهد الذهبي للتشريع الإسلامي، فقد نما فيه ونضج وأثمر ثورة تشريعية أغنت الدولة الإسلامية بالقوانين والأحكام على سعة أرجائها واختلاف شئونها وتعدد مصالحها.
والأسباب التي أدت إلى نمو الفقه الإسلامي ونشاط حركة الاجتهاد في هذا العهد كثيرة، ولكن أهمها ما يأتي:
أولا: أن الدولة الإسلامية في هذا العهد اتسعت رقعتها وتباعدت أطرافها وشملت برعايتها كثيرا من الشعوب المختلفة الأجناس، والعادات والمعاملات والمصالح؛ لأن حدود الدولة الإسلامية امتدت شرقا إلى الصين، وغربا إلى بلاد الأندلس. وهذه البلدان وشعوبها لا بد لها من قوانين يرجع إليها قضاتها، وولاتها وفتاوى يرجع إليها أفرادها، ولا مصدر لهذا التقنين والإفتاء إلا مصادر الشريعة. لهذا بذل العلماء جهودهم في الرجوع إلى هذه المصادر، واستمدوا من نصوص الشريعة وروحها، وما أقامه الشارع من دلائلها، أحكام ما طرأ للدولة من مصالح وحاجات، بل زاد نشاطهم فشرعوا أحكاما لحوادث فرضية، وبهذا النشاط لم يضق التشريع الإسلامي بحاجة، ولم يقصر عن مصلحة، والنشاط السياسي يبث روح النشاط في كل شئون الدولة.
وثانيًا: أن الذين تصدوا للتقنين والإفتاء في ذلك العهد وجدوا طرق التشريع ممهدة وصعابه ميسرة؛ لأنهم وجدوا المصادر التشريعية في متناولهم ووجدوا كثيرا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)

من الوقائع والمشاكل قد عالجها سلفهم من قبلهم، فالقرآن مدون ومنشور بين لخاصة المسلمين وعامتهم، والسنة مدون أكثرها من بدء القرن الثاني الهجري، وكذلك فتاوى الصحابة والتابعين، فاليسر الذي وجده مجتهدو ذلك العهد في رجوعهم إلى القرآن والسنة والنور الذي لمحوه من فتاوى سلفهم من الصحابة، وتابعيهم ومن آثارهم في تفسير النصوص كانا من عوامل نشاطهم، ووفرة إنتاجهم والخلف يستثمر عقله وعقل سلفه.
وثالثًا: أن المسلمين في ذلك العهد كانوا شديدي الحرص على أن تكون جميع أعمالهم من عبارات ومعاملات، وعقود وتصرفات على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، فلهذا كانوا في كلياتهم وجزئياتهم يرجعون إلى المفتين ورجال التشريع، فكان المجتهدون في ذلك العهد موردا لا ينقطع وارده من أفراد وولاة وقضاة. ومن هذا اتصلت جهودهم ونما إنتاجهم.
ورابعا: أن ذلك العهد نشأت فيه أعلام لهم مواهبهم واستعداداتهم، وساعدتهم البيئة التي عاشوا فيها على استثمار هذه المواهب والاستعدادات.
فتكونت الملكة التشريعية لكثير من أفذاذهم أمثال: أبي حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وغيرهم من معاصريهم من الأئمة والمجتهدين، واقتدوا بهذه الملكات على تنمية الفقه الإسلامي وسد الحاجة التشريعية للدولة. فالبيئة الإسلامية في ذلك العهد أنضجت عقول ذوي المذاهب من رجالها؛ لأن العقول الراجحة كالبذر الصالح إذا وجد التربة الطيبة والجو الملائم آتى ثمراته، ولا خير في صلاح البذر إذا خبثت التربة وفسد الجو، كما أنه لا خير في طيب التربة، وحسن الجو إذا فسد البذر.
من تولى سلطة التشريع في هذا العهد:
في أواخر القرن الأول لازم الصحابة الذين تصدوا للإفتاء والتشريع في مختلف الأمصار جماعة من التابعين أخذوا عنهم القرآن، ورووا عنه السنة: وحفظوا فتاويهم؛ وفهموا منهم أسرار التشريع وطرق الاستمداد للأحكام، وهؤلاء التابعون منهم من كان يستفتي، ويفتي في حياة الصحابة أنفسهم مثل: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعلقمة بن قيس. وسعيد بن جبير بالكوفة، حتى روي أن عبد الله بن عباس كان إذا حج أهل الكوفة واستفتوه قال لهم: أليس فيكم سعيد بن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)

جبير؟ وقد لازم هؤلاء التابعين في حياتهم جماعة من تابعي التابعين تلقوا عنهم ما تلقوه عن الصحابة؛ من القرآن والسنة، وأخذوا عنهم ما علموه من الفقه وأسرار التشريع، ولازم تابعي التابعين جماعة من طبقة الأئمة الأربعة المجتهدين ومعاصريهم من رجال التشريع.
فلما انقرض رجال التشريع من الصحابة خلفهم في تولي سلطة التشريع تلاميذهم من التابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من تابعي التابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من الأئمة الأربعة المجتهدين وأقرانهم.
فكان رجال التشريع في كل مصر من أمصار المسلمين طبقات؛ وكل طبقة يعد رجالها تلاميذ لسلفهم وأساتذة لخلفهم، ومن لازموا المشرعين في حياتهم، وأخذوا عنهم علمهم وفقههم تصدوا لإفتاء الناس من بعدهم، والقيام بما كان يقوم به أساتذتهم، وبهذا اتصلت حركة التشريع في الأمصار.
ففي المدينة أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب؛ وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأشهر تلاميذ هؤلاء:
سعيد بن المسيب؛ وعروة بن الزبير؛ وسائر فقهاء المدينة السبعة. وأشهر تلاميذ: هؤلاء محمد بن شهاب الزهري؛ ويحيى بن سعيد. وأشهر من خلف هؤلاء: مالك بن أنس وأقرانه.
وفي مكة أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عبد الله بن عباس. وأشهر تلاميذه: عكرمة، ومجاهد، وعطاء. وأشهر تلاميذهم: سفيان بن عيينة، ومفتي الحرم مسلم بن خالد، وأشهر من خلف هؤلاء: الشافعي في حياته الأولى.
وفي الكوفة أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عبد الله بن عباس، وأشهر تلاميذه: علقمة بن قيس، والقاضي شريح. وأشهر تلاميذهما: إبراهيم النخعي. وأشهر تلاميذه حماد بن أبي سليمان أستاذ أبي حنيفة وأصحابه.
وفي مصر أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص وأشهر تلاميذه: مفتي مصر يزيد بن حبيب. وأشهر تلاميذه: الليث بن سعد وأقرانه من بني عبد الحكم، وأشهر من خلف هؤلاء: الشافعي في حياته الأخيرة.
ولم يكتسب رجال التشريع من كل طبقة من هذه الطبقات سلطة التشريع من تعيين الخليفة، أو انتخاب الأمة وإنما وثق المسلمون بهم كما وثقوا بأساتذتهم من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

الصحابة واطمأنوا إلى عدالتهم، وضبطهم، وعلمهم، وفقههم، فرجعوا إليهم يسألهم الولاة والقضاة في الأقضية والخصومات، ويستفتيهم الأفراد في وقائعهم وما يطرأ لهم من الحاجات، وكانت كل طبقة ترث من سلفها العلم والثقة، واطمئنان المسلمين إلى بيانهم النصوص وفتاويهم فيما لا نص فيه.
وكان أكثر رجال التشريع في هذا العهد يقومون بتدريس العلوم الشرعية ورواية الحديث، ومنهم ولي القضاء مثل: شريح، والشعبي، وأبي يوسف. ومنهم من كان يتجر، كأبي حنيفة، فلم يكن الإفتاء وظيفة ينقطع لها المفتي وإنما كان واجبا يتصدى للقيام به من آنس في نفسه القدرة على أدائه مع اشتغاله بوظيفته أو تجارته أو دراسته.
مصادر التشريع في هذا العهد:
كانت مصادر التشريع في هذا العهد أربعة: القرآن، والسنة، والإجماع، والاجتهاد بالقياس أو بأي طريق من طرق الاستنباط. فكان المفتي إذا وجد نصا في القرآن أو السنة يدل على حكم ما استفتي فيه، وقف عند النص ولا يتعدى حكمه، وإذا لم يجد في الواقعة نصا ووجد سلفه من المجتهدين أجمعوا في هذه الواقعة على حكم، وقف عنده وأفتى به، وإذا لم يجد نصا على حكم الواقعة ولا إجماعا على حكم فيها، اجتهد واستنبط الحكم بالطرق التي أرشد إليها الشارع للاستنباط.
ما طرأ على مصادر التشريع:
وقد طرأ على المصدر التشريعي الأول، وهو القرآن، في هذا العهد طارئان لهما أثرهما في حفظه، وضبطه وصونه من أي تحريف.
الأول: عناية طائفة من المسلمين بحفظه، جميعه وتصديهم لتلقي الحفاظ عنهم، وأشهر هؤلاء القراء السبعة الذين اشتهروا بالحفظ والضبط والإتقان، وما انقرضوا في القرن الثاني الهجري إلا وقد خلفهم في الحفظ والضبط تلاميذهم، وخلف هؤلاء تلاميذهم واتصل سند الحفاظ الذين تنافسوا في الضبط وساعدوا على ازدياد حفظة القرآن والتنافس في حفظه. إن تلاوته عبادة وإنه يتلى كل صلاة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)

والطارئ الثاني: إدخال الإصلاح في رسم كتابته وشكل حروفه. وذلك أن المصحف الذي دون في عهد عثمان بن عفان ومنه نسخت عدة مصاحف ووزعت في الأمصار، كان مكتوبا بالخط الكوفي لا نقط ولا شكل، وكان الاعتماد في قراءته على التلقي من الحفظة، ولكن لما دخل في الإسلام كثير من الأمم غير العربية وخيف أن يقع بعض القارئين في الخطأ أو اللبس، وضع أبو الأسود الدؤلي بناء على طلب أمير العراق -زياد بن أبيه- علامات لشكل أواخر الكلمات. فجعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف. وعلامة الكسرة نقطة تحته، وعلامة الضمة نقطة إلى جانبه، وعلامة التنوين نقطتن.
ثم عدل الخليل بن أحمد هذه العلامات فجعل علامة التفحة ألفا مسطوحة فوق الحرف، وعلامة الكسرة ياء تحته، وعلامة الضمة واو فوقه، ولم يقتصر على شكل أواخر الكلمات بل زاد شكل الكلمات كلها، ووضع نصر بن عاصم بناء على طلب أمير العراق -الحجاج بن يوسف- النقط لما ينقط من الحروف بنقطة أو اثنتين. وبهذا التنافس في حفظ القرآن والتزايد في حفظته، وهذا الإصلاح والتهذيب في رسمه، وشكله، ونقطه، وتمييز كل حرف بما يعين على النطق به صحيحا تمت للمصدر التشريعي الأول وسائل التكميل والضبط والتيسير.
وأما المصدر التشريعي الثاني وهو السنة، فقد طرأ عليه أيضا في أول هذا العهد طارئ له أثر تشريعي عظيم، وذلك أن الخليفة عمر بن عبد العزيز كتب في عهد خلافته إلى والي المدينة أبي بكر محمد بن عمر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفت دروس العلم. وذهاب العلماء"، وكلف أيضا بهذا التدوين محمد بن شهاب الزهري، فقام كل منهما بتدوين ما استطاع تدوينه من السنة، وبهذا بدأ تدوين نصوص المصدر التشريعي الثاني بعد أن لبثت في القرن الهجري الأول كله يرجع إليها في صدور رواتها وحفاظها فقط، وتتابع على هذا التدوين كثير من العلماء. ففي سنة 140هـ دون الإمام مالك بن أنس كتابه: الموطأ في صحيح الحديث بناء على طلب الخليفة المنصور، وفي القرن الثاني الهجري دون أصحاب المسانيد في السنة مسانيدهم، والمسند هو: ما تجمع فيه الأحاديث حسب رواتها، فيجمع ما رواه عمر على حدة، وما رواه أبو بكر على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)

حدة بصرف النظر عن موضوع الحديث، وأقدم ما وصل إلينا منها مسند الإمام أحمد. وفي القرن الثالث الهجري دونت كتب صحاح السنة الستة وهي: صحيح البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. وإذا قيل في الحديث رواه الستة، أو متفق عليه فالمراد أنه رواه هؤلاء جميعهم، ودون كثيرون غير هؤلاء عدة مجاميع في السنة.
ولكن هذا التدوين الذي حفظ السنة من الضياع لم يؤد إلى جمع المسلمين على مجموعة واحدة من السنة تكون مرجعا لخاصتهم وعامتهم على السواء، كما جمعت كلمتهم على مجموعة واحدة من نصوص القرآن، ولهذا بقيت السنة بعد تدوينها فيها مجال للاختلاف وإليها منفذ للوضع والافتراء، وقد فكر الخليفة المنصور العباسي في أن يكون مجموعة من السنة وينشرها بين المسلمين يجمع كلمتهم عليها والرجوع إليها، فأمر إمام المدينة مالك بن أنس أن يكتب من السنن كتابا يتجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، فكتب الإمام مالك كتابه الموطأ، وأراد المنصور أن ينفذ فكرته ويحمل الناس على الرجوع إليه وحده فقال له مالك: لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ لأن الصحابة افترقوا بعد الرسول كل يتبع ما صح عنده. وكلهم على هدى وكلهم يريد الله، فعدل المنصور عما أراد.
الخطة التشريعية في هذا العهد:
في صدر هذا العهد حين كانت السلطة التشريعية في طبقة التابعين وكبار تابعيهم، كانت خطتهم التشريعية هي خطة أساتذتهم من الصحابة في رجوعهم إلى مصادر التشريع، وفي مبادئها العامة التي راعوها في تشريعهم، ولهذا كانت فتاويهم على قدر ما وقع من الحوادث والأقضية، ولم تتسع مسافات الخلاف بينهم ولم تتجاوز أسباب اختلافهم الأسباب الثلاثة التي من أجلها اختلفت فتاوى الصحابة، ولكن من ابتداء هذا العهد وقعت بين بعض رجال التشريع مناظرات واختلافات، وكانت تؤذن بظهور خطط تشريعية جديدة، فقد وقعت في المدينة بحوث تشريعية بين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن وبين محمد بن شهاب الزهري ونظرائه، أدت إلى أن كثيرين من فقهاء المدينة كانوا يفارقون مجلس ربيعة، وإلى أنهم لقبوه ربيعة الرأي، ووقع في الكوفة مثل هذا بين إبراهيم النخعي، وبين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)

الشعبي. فلما آلت السلطة التشريعية في أواسط القرن الهجري الثاني إلى طبقة الأئمة المجتهدين، أبي حنيفة، وأقرانه، وأصحابه، ومالك وأقرانه وأصحابه، كانت قد تكونت عدة آراء في خطة التشريع وطرأت جملة عوامل جعلت من رجال التشريع أحزابًا كل حزب له مذهب تشريعي يختلف عن مذاهب الآخرين في أحكامه، وفي طرق استنباطه وفي بعض مبادئه العامة، ومن هذا تعددت الخطط التشريعية لرجال التشريع، وتكونت المذاهب الفقهية.
أسباب اختلاف الأئمة المجتهدين وتكون المذاهب:
بينا أنه في عهد الرسول لم يقع اختلاف في حكم الواقعة؛ لأن المرجع التشريعي واحد، وأنه في عهد الصحابة لما تعدد رجال التشريع منهم وقع بينهم اختلاف في بعض الأحكام، وصدرت عنهم في الواقعة الواحدة فتاوى مختلفة، وأن هذا الاختلاف كان لا بد أن يقع بينهم؛ لأن المراد من النصوص يختلف باختلاف العقول ووجهات النظر؛ ولأن السنة لم يكن علمهم بها وحفظهم لها على السواء، وربما وقف بعضهم منها على ما لم يقف عليه الآخر؛ لأن المصالح التي تستنبط لأجلها الأحكام يختلف تقديرها باختلاف البيئات التي يعيش فيها رجال التشريع، فلهذه الأسباب اختلفت فتاويهم وأحكامهم في بعض الوقائع والأقضية مع اتفاقهم على مصادر التشريع، وترتيب رجوعهم إليها والمبادئ التشريعية العامة. أي أنهم اختلفوا في الفروع فقط. ولم يختلفوا في أصول التشريع، ولا في خطته، ولكن لما آلت السلطة التشريعية في القرن الثاني الهجري إلى طبقة الأئمة المجتهدين اتسعت مسافة الخلاف بين رجال التشريع، ولم تقف أسباب اختلافهم عند الأسباب الثلاثة التي بني عليها اختلاف الصحابة، بل جاوزتها إلى أسباب تتصل بمصادر التشريع وبالنزعة التشريعية وبالمبادئ اللغوية التي تطبق في فهم النصوص، وبهذا لم يكن اختلافهم في الفتاوى والفروع فقط، بل كان اختلافًا أيضا في اسس التشريع وخططه، وصار لكل فريق منهم مذهب خاص يتكون من أحكام فرعية استنبطت بخطة تشريعية خاصة.
ويرجع اختلاف الخطة التشريعية للأئمة المجتهدين إلى اختلافهم في أمور ثلاثة: الأول: في تقدير بعض المصادر التشريعية. والثاني: في النزعة التشريعية. والثالث: في بعض المبادئ اللغوية التي تطبق في فهم النصوص.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)

فأما اختلافهم في تقدير بعض مصادر التشريع فقد ظهر فيما يأتي:
أولًا: في طريق الوثوق بالسنة والميزان الذي ترجع به رواية عن رواية، وذلك أن الوثوق بالسنة مبني على الوثوق برواتها وكيفية روايتها، وقد اختلف الأئمة في طريق هذا الوثوق فمجتهدو العراق -أبو حنيفة وأصحابه- يحتجون بالسنة المتواترة والمشهورة، ويرجحون ما يروي الثقات من الفقهاء، ولهذا قال أبو يوسف: "وعليك بما عليه الجماعة من الحديث وما يعرفه الفقهاء"، ومجتهدو المدينة مالك وأصحابه يرجحون ما عليه أهل المدينة بدون اختلاف ويتركون ما خالفه من أخبار الآحاد، وباقي الأئمة يحتجون بما رواه العدول الثقات من الفقهاء وغير الفقهاء، وافق عمل أهل المدينة أو خالفه.
وترتب على هذا أن مجتهدي العراق جعلوا المشهور في حكم المتواتر وخصصوا به العام في القرآن وقيدوا به المطلق فيه، وغيرهم لم يجعلوا له هذه القوة، وترتب أيضا أن الحديث المرسل هو: ما رواه الصحابي بقوله: أمر رسول الله بكذا أو نهى عن كذا أو قضى بكذا، من غير أن يصرح بأنه سمع ذلك بنفسه أو شافهه أو شاهده، يحتج به بعض رجال التشريع ولا يحتج به بعضهم. فهذا الاختلاف في طريق الوثوق بالسنة أدى إلى أن بعضهم احتج بسنة لم يحتج بها الآخر، وبعضهم رجح سنة هي مرجوحة عند الآخر، وعن هذا نشأ اختلاف الأحكام.
وثانيا: في فتاوى الصحابة وتقديرها، فإن الأئمة اختلفوا في الفتاوى الاجتهادية التي صدرت عن أفراد الصحابة، فأبو حنيفة -ومن تابعه- خطته بالنسبة إليها: أن يأخذ بأية فتوى منها، ولا يتقيد بواحدة معينة ولا يخرج عنها جميعًا، والشافعي -ومن تابعه- خطته بالنسبة إليها أنها فتاوى اجتهادية فردية صادرة من غير معصومين فله أن يأخذ بأية فتوى منها، وله أن يفتي بخلافها كلها. وعن هذا نشأ أيضا اختلاف في الأحكام.
وثالثا: في القياس. فإن بعض المجتهدين من: الشيعة، والظاهرية أنكروا الاحتجاج بالقياس، ونفوا أن يكون مصدرا للتشريع ولهذا سموا: نفاة القياس.
وجمهور الأئمة احتجوا بالقياس، وعدوه المصدر التشريعي بعد القرآن والسنة والإجماع، ولكنهم مع اتفاقهم على أنه حجة اختلفوا فيما يصلح أن يكون علة للحكم ويبني عليه القياس، ونشأ عن هذا أيضا اختلاف في الأحكام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)

وأما اختلافهم في النزعة التشريعية؛ فقد ظهر في انقسامهم إلى فريق أهل الحديث، ومنهم أكثر مجتهدي الحجاز، وفريق أهل الرأي، ومنهم أكثر مجتهدي العراق، وليس معنى هذا الانقسام أن فقهاء العراق لا يصدرون في تشريعهم عن الحديث؛ وأن فقهاء الحجاز لا يصدرون في تشريعهم عن الاجتهاد بالرأي؛ لأنهم جميعا متفقون على أن الحديث حجة شرعية ملزمة، وأن الاجتهاد بالرأي، أي القياس، حجة شرعية فيما لا نص فيه.
وإنما معنى هذا الانقسام وسبب هذه التسمية أن فقهاء العراق أمعنوا النظر في مقاصد الشارع، وفي الأسس التي بنى عليها التشريع، فاقتنعوا بأن الأحكام الشرعية معقول معناها، ومقصود بها تحقيق مصالح الناس، وبأنها تعتمد على مبادئ واحدة، وترمي إلى غاية واحدة، وهي لهذا لا بد أن تكون متسقة ولا تعارض ولا تباين بين نصوصها وأحكامها، وعلى هذا الأساس يفهمون النصوص، ويرجحون نصا على نص ويستنبطون فيما لا نص فيه، ولو أدى استنباطهم على هذا الأساس إلى صرف نص عن ظاهره، أو ترجيح نص على آخر أقوى منه رواية، حسب الظاهر، وهم من أجل هذا لا يتحرجون من السعة في الاجتهاد بالرأي، ويجعلون له مجالا في أكثر بحوثهم التشريعية.
وأما فقهاء الحجاز فقد عنوا بحفظ الأحاديث وفتاوى الصحابة، واتجهوا في تشريعهم إلى فهم هذه الآثار حسبما تدل عليه عبارتها، وتطبيقها على ما يحدث من الحوادث غير باحثين في علل الأحكام ومبادئها؛ فإذا وجدوا ما فهموه من النص لا يتفق مع ما يقتضيه العقل لم يبالوا بهذا، وقالوا: هو النص. وكانوا من أجل هذا يتحرجون من الاجتهاد بالرأي، ولا يلجأون إليه إلا عند الضرورة القصوى.
مثلا: ورد في الحديث أن في كل أربعين شاة شاة، وأن صدقة الفطر صاع من تمر أو شعير، وأن من رد الشاة المصراة بعد احتلاب لبنها رد صاعا من تمر.
فقهاء العراق يفهمون هذه النصوص على ضوء معناها المعقول ومقصد الشارع من تشريعها؛ وهو أن المالك أربعين شاة يجب عليه أن ينفع الفقراء بواحدة أو ما يعادلها، وأن المتصدق بصدقة الفطر يجب عليه أن ينفعهم بصاع من تمر أو ما يعادله، واللبن المحتلب يضمن بمثله أو قيمته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)

وليس خصوص الشاة أو الصاع مقصودا للشارع، فمن زكى بقيمة الشاة أو تصدق بقيمة الصاع، أو ضمن لبن المصراة بقيمته أجزأه؛ لأن المقصود نفع الفقراء، وتعويض المال المتلف.
وأما فقهاء الحجاز فيفهمون هذه النصوص حسبما تدل عليه عبارتها الظاهرة، ولا يبحثون في علة التشريع، ولا يتجهون إلى التأويل بناء على مراعاة العلل المعقولة، وعلى هذا يوجبون الشاة بخصوصها، والصاع بخصوصه، ولا تجزئ في مذهبهم القيمة.
وأهم الأسباب التي أدت إلى اختلاف هاتين النزعتين هي:
1- أن الأحاديث وفتاوى الصحابة لم تكن كثيرة في العراق كثرتها في الحجاز، فالحجازيون وجدوا عندهم ثروة من الآثار اعتمدوا عليها في تشريعهم، وركنوا إليها، وأما فقهاء العراق فلم تكن لديهم هذه الثروة، فاعتمدوا على عقولهم، واجتهدوا في تفهم معقول النص وعلة التشريع لتتسع معاني النصوص لما لم تتسع له ألفاظها، وأسوتهم في هذا أستاذهم عبد الله بن مسعود.
2- إن العراق كانت فيها الفتن التي أدت إلى افتراء الأحاديث وتحريفها؛ لأنها كانت مهد الشيعة ومقر الخوارج، وقد شاهد فقهاء العراق من الجرأة على وضع الأحاديث والتحريف فيها ما لم يشاهده فقهاء الحجاز، فلهذا تشددوا في قبول الرواية والتزموا أن يكون الحديث مشهورا بين أهل الفقه، وإذا وجدوا حديثًا يفهم منه ما لا يتفق، وحكمة الشارع أولوه أو تركوه.
3- أن بيئة العراق غير بيئة الحجاز، والأقضية والحوادث في البلدين مختلفة؛ لأن دولة الفرس خلفت في العراق أنواعًا من المعاملات والعادات والنظم لا يعهد مثلها في بلاد الحجاز، فكان مجال الاجتهاد في العراق ذا سعة وأفق البحث ممتدا، ولهذا تكونت في فقهاء العراق ملكة البحث، والتفكير وبدت لهم وجوه عديدة من الرأي والنظر في التشريع، وأما فقهاء الحجاز فقلما حدث لهم ما لم يحدث لسلفهم من التابعين أو الصحابة؛ لأن البيئة واحدة، وقلما حدث لهم ما لم يحفظوا في حكمه حديثا أو فتوى صحابي، فلما لم يجدوا للاجتهاد المجال الذي وجده العراقيون اعتادوا فهم النصوص على ظواهرها، ولم تدعهم حاجة إلى البحث في عللها أو التعمق في مقاصدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)

وأما اختلافهم في بعض المبادئ الأصولية اللغوية: فقد نشأ من اختلاف وجهات النظر في استقراء الأساليب العربية. فمنهم من رأى أن النص حجة على ثبوت حكمه في منطوقه، وعلى ثبوت خلاف حكمه في مفهومه المخالف، ومنهم من لم ير هذا. ومنهم من رأى أن العام الذي لم يخصص قطعي في تناول جميع أفراده، ومنهم من رأى أنه ظني. ومنهم من رأى المطلق يحمل على المقيد عند اتحاد الحكم ولو اختلف السبب، ومنهم من رأى أنه لا يحمل عليه إلا عند اتحاد الحكم والسبب. ومنهم من رأى أن الأمر المطلق للإيجاب ولا يصرف عنه إلا بقرينة، ومنهم من رأى أنه مجرد أنه طلب الفعل. والقرينة هي التي تعين الإيجاب أو غيره، إلى غير ذلك من المبادئ الأصولية التي تفرع على اختلافهم فيها كثير من الأحكام.
فالخطة التشريعية لكل مجتهد في هذا العهد كانت قائمة على طريق ثقته بالسنة، وتقديره لفتاوى الصحابة، ومسلكه في القياس، ونزعته في فهم النصوص وتأويلها وتعليلها، ومبادئه التي سار عليها من استقرائه الأحكام الشرعية والأساليب العربية، وبنى عليها استنباطه.
ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية:
أهم ما خلفه هذا العهد من الآثار التشريعية ثلاثة:
الأول: صحاح السنة التي دونت فيه، فبعضها جمعت فيها الأحاديث على طريق المسانيد، وبعضها جمعت فيه الأحاديث حسب أبواب الفقه. وقد تنافس علماء الحديث في الجمع والضبط وتعرف الرواة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
الثاني: تدوين الفقه وأحكامه، وجمع المسائل المرتبطة بموضوع واحد بعضها مع بعض، وتعليل الأحكام والاستدلال عليها؛ لأن الدولة الإسلامية في هذا العهد لما استعت أرجاؤها وزادت حضارتها وجدت فيها أقضية، وحوادث ونظم كانت مجالا فسيحا للاجتهاد والمجتهدين، فاجتهدوا في فهم النصوص، وفي الاستنباط فيما لا نص فيه، وتنافسوا في هذا الاجتهاد، وتأثروا في طرق اجتهادهم وبحثهم بطرق البحث التي ظهرت في بحوث من دخلوا في الإسلام من الأمم غير العربية، وفيما نقل إلى المسلمين من علوم وفنون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)