Arabic source text

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

📘 علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني (عبد الوهاب خلاف - ت 1375 هـ)

📘 ইলমু উসূলিল ফিকহ ওয়া খুলাসাতু তারিখিত তাশরীয় তাবা আল-মাদানী (আবদুল ওয়াহাব খাল্লাফ - মৃত্যু 1375 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
4- المكروه:
تعريفه:
المكروه هو ما طلب الشارع من المكلف الكف عن فعله طلبا غير حتم، بأن تكون الصيغة نفسها دالة على ذلك؛ كما إذا ورد أن الله كره لكم كذا. أو كان منهيا عنه واقترن النهي بما يدل على أن النهي للكراهة لا للتحريم. مثل {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} أو كان مأمورا باجتنابه ودلت القرينة على ذلك، مثل: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} .
فالمطلوب الكف عن فعله؛ إن كانت صيغة طلبه نفسه تدل على أنه طلب حتم فهو المحرم، مثل: حرم عليكم كذا. وإن كانت الصيغة نفسها تدل على أنه طلب غير حتم فهو مكروه. مثل: كره لكم كذا. وإن كانت الصيغة نهيا مطلقًا، أو أمرًا بالاجتناب مطلقا، استدل بالقرائن على أنه طلب حتم أو غير حتم. ومن القرائن ترتيب العقوبة على الفعل وعدم ترتيبها، ولهذا عرف بعض الأصوليين المحرم بأنه ما استحق فاعله العقوبة، والمكروه بأنه ما لا يستحق فاعله العقوبة؛ وقد يستحق اللوم.
5- المباح:
تعريفه:
المباح هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه. فلم يطلب الشارع أن يفعل المكلف هذا الفعل، ولم يطلب أن يكف عنه.
وتارة تثبت إباحة الفعل بالنص الشرعي على إباحته، كما إذا نص الشارع على أنه لا إثم في الفعل، فيدل بهذا على إباحته كقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وقوله سبحانه: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} وكما أمر الشارع بفعل ودلت القرائن على أمر الإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وكقوله سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} ، وكقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} .
وتارة تثبت إباحة الفعل بالإباحة الأصلية. فإذا لم يرد الشارع النص على حكم العقد والتصرف أو أي فعل، ولم يقم دليل شرعي آخر على الحكم فيه؛ كان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

هذا العقد أو التصرف أو الفعل مباحا بالبراءة الأصلية؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
هذه هي أقسام الحكم التكليفي الخمسة على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين.
وأما علماء الحنفية فقد قسموه إلى سبعة أقسام لا خمسة، وذلك أنهم قالوا: "إن ما طلب الشارع فعله طلبا حتما إذا كان دليل طلبه قطعيا بأن كان آية قرآنية أو حديثا متواترا فهو الفرض، وإن كان دليل طلبه ظنيا بأن كن حديثا غير متواتر أو قياسا فهو الواجب.
فإقامة الصلاة فرض؛ لأنها طلبت طلبا حتميا بدليل قطعي هو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} . وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة؛ لأنها طلبت طلبا حتما، بدليل ظني هو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". وأما ما طلب فعله طلبا غير حتم فهو المندوب. وكذلك ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما إن كان دليله قطعيا كآية أو سنة متواترة فهو المحرم، وإن كان دليل ظنيا كسنة غير متواترة فهو المكروه تحريما. فالزنا محرم؛ لأنه طلب الكف عنه طلبا حتما بدليل قطعي هو قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} .
ولبس الرجال الحرير وتختمهم بالذهب مكروهان تحريما؛ لأنه طلب الكف عنهما طلبا حتما، بدليل ظني، هو قوله صلى الله عليه وسلم: "هذان حرام على رجال أمتي حلال لنسائهم". وأما ما طلب الكف عنه طلبا غير حتم فهو المكره تنزيها. فعند علماء الحنفية المطلوب فعله ثلاثة أقسام: الفرض، والواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عنه ثلاثة أقسام المحرمة، والمكروه تحريما، والمكروه تنزيها والقسم السابع المباح.
وقد قدمنا أن نصوص القرآن كلها قطعية الورود ولهذا يثبت بها عند الحنفية الفرض والتحريم والندب والكراهة، وأما السنة فما كان قطعي الورود منها هو المتواتر وفي حكمه المشهور، فيثبت به أيضا ما يثبت بالقرآن.
وما كان منها ظني الورود وهو خبر الآحاد فلا يثبت به فرض ولا تحريم، ويثبت به ما عداهما من أنواع الأحكام التكليفية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

والفعل الواحد قد تعتريه هذه الأحكام كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه، فمثلا: الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية، وتيقن من حال نفسه أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون واجبا إذا قدر على ما ذكر وخاف أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون مندوبا إذا كان قادرا على واجبات الزوجية، وكان في حال اعتدال لا يخاف أن يزني إذا لم يتزوج. ويكون محرما إذا تيقن أنه إذا تزوج يظلم زوجته ولا يقوم بحقوق الزوجية. ويكون مكروها تحريما إذا خاف ظلمها.
أقسام الحكم الوضعي:
ينقسم الحكم الوضعي إلى خمسة أقسام:
لأنه ثبت بالاستقراء أنه إما أن يقتضي جعل شيء سببا لشيء، أو شرطا، أو مانعا، أو مسوغا للرخصة بدل العزيمة، أو صحيحا أو غير صحيح.
1- السبب:
تعريفه:
السبب: هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه. فيلزم من وجود السبب وجود المسبب ومن عدمه عدمه. فهو ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على حكم شرعي هو مسببه، ويلزم من وجوده وجود المسبب، ومن عدمه عدمه.
وقد قدمنا في مبحث العلة في القياس أن كل علة للحكم تسمى سببه، وليس كل سبب للحكم يسمى علته. وبينا الفرق بينهما وأمثلتهما.
أنواعه:
قد يكون السبب سببًا لحكم تكليفي؛ كالوقت جعله الشارع سببا لإيجاب إقامة الصلاة لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، وكشهود رمضان جعله الشارع سببًا لإيجاب صومه بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وملك النصاب النامي من مالك الزكاة جعل سببا لإيجاب إيتاء الزكاة، والسرقة جعلت سببا لإيجاب قطع يد السارق. وشرك المشركة جعل سببا لتحريم زواج المسلم بها. والمرض جعل سببا لإباحة الفطر في رمضان، وأمثال ذلك. وقد يكون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

السبب سببا لإثبات ملك أو حل أو إزالتهما، كالبيع لإثبات الملك وإزالته، والعتق والوقف لإسقاطه، وعقد الزواج لإثبات الحل. والطلاق لإزالته، والقرابة والمصاهرة والولاء لاستحقاق الإرث، وإتلاف مال الغير لاستحقاق الضمان على المتلف، والشركة أو الملك لاستحقاق الشفعة.
وقد يكون السبب فعلًا للمكلف مقدورا له كقتله العمد سبب لوجوب القصاص منه، وعقده البيع أو الزواج أو الإجارة أو غيرها أسباب لأحكامها، وملكه مقدار النصاب لوجوب الزكاة عليه. وقد يكون أمرا غير مقدور للمكلف وليس من أفعاله، كدخول الوقت لإيجاب الصلاة والقرابة للإرث والولاية، والصغر لثبوت الولاية على الصغير.
وإذا وجد السبب سواء أكان من فعل المكلف أم لا، وتوافرت شروطه وانتفت موانعه، ترتب عليه مسببه حتما، سواء أكان مسببه حكما تكليفيا، أم إثبات ملك أو حل، أم إزالتهما؛ لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعا، سواء أقصد من باشر المسبب عليه أم لم يقصد، بل يترتب ولو قصد عدم ترتبه فمن سافر في رمضان أبيح له الفطر، سواء أقصد إلى الإباحة أم لم يقصد إليها. ومن طلق زوجته رجعيا ثبت له حق مراجعتها ولو قال: لا رجعة لي. ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة زوجته ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة؛ لأن الشارع إذا وضع العقد أو التصرف سببًا للحكم، ترتب الحكم على العقد بحكم الشرع، ولا يتوقف ترتبه على قصد المكلف. وليس للمكلف أن يحل هذا الارتباط الذي ربط به الشارع المسببات بأسبابها.
2- الشرط:
تعريفه:
الشرط: هو ما يتوقف وجود الحكم على وجوده ويلزم من عدمه عدم الحكم. والمراد وجوده الشرعي الذي يترتب عليه أثره. فالشرط خارج عن حقيقه المشروط يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده. فالزوجية شرط لإيقاع الطلاق، فإذا لم توجد زوجية لم يوجد طلاق ولا يلزم من وجود الزوجية وجود الطلاق. والوضوء شرط لصحة إقامة الصلاة، فإذا لم يوجد وضوء لا تصح إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء إقامة الصلاة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

ووجود الزواج الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على حضور الشاهدين وقت عقده، ووجود البيع الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على العلم بالبدلين، وهكذا كل ما شرط الشارع له شرطا لا يتحقق وجوده الشرعي إلا إذا وجدت الشروط، ويعتبر شرعا معدوما إذا فقدت شروطه، ولكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.
والشروط الشرعية هي التي تكمل السبب وتجعل أثره يترتب عليه. فالقتل سبب لإيجاب القصاص، ولكن بشرط أن يكون قتلًا عمدًا وعدوانًا. وعقد الزواج سبب لملك المتعة، ولكن بشرط أن يحضره شاهدان، وهكذا كل عقد أو تصرف لا يترتب عليه أثره إلا إذا توافرت شروطه.
والفرق بين الشيء وشروطه، مع أن كلا منها يتوقف وجود الحكم على وجوده، أن الركن جزء من حقيقة الشيء. وأما الشرط فهو أمر خارج عن حقيقته وليس من أجزائه. فالركوع ركن الصلاة؛ لأنه جزء من حقيقتها. والطهارة شرط الصلاة؛ لأنها أمر خارج عن حقيقتها، وصيغة العقد والعاقدان ومحل العقد أركان العقد؛ لأنها أجزاؤه. وحضور الشاهدين في الزواج وتعيين البدلين في البيع وتسليم الموهوب في الهبة شروط لا أركان؛ لأنها ليست من أجزاء العقد، ومن أجل هذا كان للوقف أركان وشروط، وكذا للبيع وسائر العقود والتصرفات، وإذا حصل خلل في ركن من الأركان كان خللًا في نفس العقد أو التصرف. وإذا حصل خلل في شرط من الشروط كان خللًا في وصفه أي في أمر خارج عن حقيقته.
وقد يكون اشتراط الشرط الشرط بحكم الشارع، ويسمى الشرط الشرعي.
وقد يكون اشتراط الشرط بتصرف المكلف ويسمى الشرط الجعلي. فمثال الأول: جميع الشروط التي اشترطها الشارع في الزواج والبيع والهبة والوصية، والتي اشترطها لإيجاب الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج، والتي اشتراطها لإقامة الحدود ولغير ذلك.
ومثال الثاني: الشروط التي يشترطها الزوج ليقع الطلاق على زوجته، والتي يشترطها المالك لعتق عبده. فإن تعليق الطلاق أو العتق على وجود شرط مقتضاه أنه يتوقف وجود الطلاق، أو العتق على وجود الشرط ويلزم من عدمه عدمه. فصيغة الطلاق سبب يترتب عليه الطلاق، ولكن إذا توافر الشرط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

وليس للمكلف أن يعلق أي عقد أو تصرف على أي شرط يريده، بل لا بد أن يكون الشرط غير مناف حكم العقد أو التصرف. وأما إذا كان الشرط منافيا حكم العقد فيبطل العقد؛ لأن الشرط مكمل للسبب فإذا نافى حكمه أبطل سببيته.
مثال ذلك: العقود التي تفيد الملك التام أو الحل التام، كعقد البيع. وعقد الزواج حكمهما الشرعي أن الأثر المترتب على كل واحد منهما لا يتراخى عن صيغته، فإذا عقد المكلف بيعا أو زواجا وعلق واحدا منهما على أن يوجد في المستقبل شرط شرطه، فإن مقتضى هذا الاشتراط أن لا يوجد أثر العقد إلا إذا وجد الشرط، وهذا يتنافى مع مقتضى العقد، وهو أن حكمه لا يتراخى عنه، ولهذا بطل البيع المعلق على شرط، وكذلك الزواج المعلق على شرط، فالشرط الجعلي إذا اعتبره الشارع صار كالشرط الشرعي.
3- المانع:
تعريفه:
المانع: هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، أو بطلان السبب، فقد يتحقق السبب الشرعي، وتتوافر جميع شروطه ولكن يوجد مانع يمنع ترتب الحكم عليه، كما إذا وجدت الزوجية الصحيحة أو القرابة، ولكن منع ترتب الإرث على أحدهما كاختلاف الوارث مع المورث دينا، أو قتل الوارث مورثه. وكما إذا وجد القتل العمد العدوان ولكن منع من إيجاب القصاص به أن القاتل أبو المقتول.
فالمانع في اصطلاح الأصوليين: هو أمر يوجد مع تحقق السبب وتوافر شروطه، ويمنع من ترتب المسبب على سببه، ففقد الشرط لا يسمى مانعا في اصطلاحهم، وإن كان يمنع من ترتب المسبب على السبب.
وقد يكون المانع مانعا من تحقق السبب الشرعي لا من ترتب حكمه عليه كالدين لمن ملك نصاب من أموال الزكاة، فإن دينه مانع من تحقق السبب لإيجاب الزكاة عليه؛ لأن مال المدين كأنه ليس مملوكا له ملكا تاما، نظرا لحقوق دائنيه؛ ولأن تخليص ذمته مما عليه من الدين أولى من مواساته الفقراء والمساكين بالزكاة، وهذا في الحقيقة مخل بما يشترط توافره في السبب الشرعي، فهو من باب عدم توافر الشرط، لا من قبيل وجود المانع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

4- الرخصة والعزيمة:
تعريفهما:
الرخصة هي ما شرع الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، أو هي ما شرع لعذر شاق في حالات خاصة، أو هي استباحة المحظور بدليل مع قيام دليل الحظر. وأما العزيمة فهي ما شرع الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال، ولا بمكلف دون مكلف.
أنواع الرخص:
من الرخص إباحة المحظورات عند الضرورات أو الحاجات. فمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر أبيح له ترفيها عنه أن يتلفظ بها وقلبه مطمئن بالإيمان: وكذا من أكره على أن يفطر في رمضان أو يتلف مال غيره، أبيح له المحظور الذي أكره عليه ترفيها عنه. ومن اضطره الجوع الشديد أو الظمأ الشديد إلى أكل الميتة أو شرب الخمر أبيح له أكلها وشربها. قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} . وقال سبحانه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ، وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} .
ومن الرخص: إباحة ترك الواجب إذا وجد عذر يجعل أداءه شاقا على المكلف. فمن كان في رمضان مريضا أو على سفر أبيح له أن يفطر، ومن سافر أبيح له قصر الصلاة الرباعية أي أداؤها ركعتين بدل أربع: قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} .
ومن الرخص: تصحيح بعض العقود الاستثنائية، التي لم تتوافر فيها الشروط العامة لانعقاد العقد وصحته، ولكن جرت بها معاملات الناس وصارت من حاجاتهم، كعقد السلم فإنه بيع معدوم وقت العقد، ولكن جرى به عرف الناس وصار من حاجاتهم. ولذا جاء في الحديث: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم". وكذلك الاستصناع والإجارة وعقد الوصية. فهذه كلها عقود إذا طبقت عليها الشروط العامة لانعقاد العقود وصحتها في العاقد، والمعقود عليه لا تصح ولكن الشارع رخص فيها وأجازها سدا لحاجة الناس ودفعا للحرج عنهم.
ومن الرخص: نسخ الأحكام التي رفعها الله عنا وكانت من التكاليف الشاقة على الأمم قبلنا، وهي المشار إليها بقوله سبحانه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} مثل التكليف بقرض موضع النجاسة من الثواب، وأداء ربع المال في الزكاة، وقتل النفس توبة من المعصية وعدم جواز الصلاة في غير المساجد -وتسمية هذه رخصًا فيها وتوسع- ومن هذه الأنواع يتبين أن ترخيص الشارع للتخفيف عن المكلفين تارة بإباحة المحرم للضرورة. أو بإباحة ترك الواجب للعذر، أو باستثناء بعض العقود من الأحكام الكلية للحاجة، كلها ترجع عند التحقيق إلى إباحة المحظور للضرورة أو الحاجة.
وعلماء الحنفية قسموا الرخصة إلى قسمين: رخصة ترفيه، ورخصة إسقاط. وفرقوا بينهما بأن رخصة الترفيه يكون حكم العزيمة معها باقيا ودليله قائما، ولكن رخص في تركه تخفيفا وترفيها عن المكلف. ومثلوا لهذا بمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر. أو على إتلاف مال غيره، أو على الفطر في رمضان. وقالوا: إن النص المرخص لم يسقط حرمة التلفظ بكلمة الكفر عمن أكره عليه، ولكن استثنى من أكره من غضب الله عليه واستحقاقه العذاب. قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [النحل: 106] . ولكن يلاحظ أن الله قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} فقد استثنى المضطر من الإثم كما استثنى المكره على التلفظ من الإثم واستحقاق العذاب.
بل إن قوله سبحانه: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يشعر بأنه محرم، ولكن الله لم يعاقبه عليه رحمة منه. وقالوا كذلك: لم يسقط الإكراه حرمة إتلاف مال الغير ولا حرمة الفطر في رمضان، بل الحرمة مع الإكراه ثابتة. وإنما المقصود بالإباحة الترفيه عن المكلف. ولبقاء هذه الحرمة قالوا: إن العمل بالعزيمة أولى وإن من تمسك بالعزيمة واحتمل ما أكره عليه حتى مات، مات شهيدًا.
وأما رخصة الإسقاط فلا يكون حكم العزيمة معها باقيًا، بل إن الحال التي استوجبت الترخيص أسقطت حكم العزيمة، وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة، مثلوا لهذا بإباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع والظمأ وقصر الصلاة في السفر. فالمضطر إلى أكل الميتة وشرب الخمر سقطت حرمتها عنه في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

حال اضطراره؛ لأن الله سبحانه بعد أن يبين هذه المحرمات قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا يقتضي رفع التحريم، ولو لم يأكل أو يشرب أثم. والمسافر سقطت عنه الأربع ولو صلى أربعا كانت الركعتان الأخيرتان نافلة وتطوعا لا من المفروض.
والحق أن النصوص التي شرعت الرخص لا يدل ظاهرها على هذا التفريق. فإن الله سبحانه قال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} . فكل محرم عند الضرورة يباح بلا تفريق بين محرم ومحرم. والقول بأنه عند الإكراه على إفطار رمضان يكون حكم العزيمة، وهو فرض الصيام باقيًا. وعند الاضطرار إلى أكل الميتة، أو شرب الخمر، لا يكون حكم العزيمة، وهو تحريمها باقيا. تفريق لا يظهر له وجه؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار؛ وفي الحالتين أبيح المحظور للضرورة، وكما قال سبحانه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ، قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وصريح قوله سبحانه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} . أن القصر مباح، ومقتضى أنه مباح أن الأخذ بالعزيمة هو إتمام الصلاة أربعا مباح أيضا، فكيف يقال: إن حكم العزيمة هنا غير قائم، وإن الرخصة في هذا رخصة إسقاط؟
فالذي يؤخذ من النصوص أن الرخص كلها شرعت للترفيه، والتخفيف عن المكلف بإباحة فعل المحرم، وأن حكم الحظر ودليله قائمان. ومعنى إباحة المحظور ترخيصا أنه لا إثم في فعله. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فللمكلف أن يتبع الرخصة تخفيفا عن نفسه، وله أن يتبع العزيمة محتملا ما فيها من مشقة، إلا إذا كانت المشقة يناله من احتمالها ضرر، فإنه يجب عليه اتقاء الضرر، واتباع الرخصة لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، والله سبحانه وتعالى يحب أن تتبع رخصه، كما يجب أن تؤتى عزائمه، لأنه سبحانه ما جعل على الناس في الدين من حرج.
ومما قدمناه في تعريف الرخصة وبيان أنواعها يظهر الوجه في عدها من أقسام الحكم الوضعي؛ لأن الحكم المشروع هو جعل الضرورة سببا في إباحة المحظور أو طروء العذر سببا في التخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس سببا في تصحيح بعض عقود المعاملات بينهم، فهو في الحقيقة وضع أسباب لمسببات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

5- الصحة والبطلان:
ما طلبه الشارع من المكلفين من أفعال، وما شرعه لهم من أسباب وشروط إذا باشرها المكلف قد يحكم الشارع بصحتها، وقد يحكم بعدم صحتها.
فإذا وجدت على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن تحققت أركانها وتوافرت شرائطها الشرعية، حكم الشارع بصحتها، وإن لم توجد على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن اختل ركن من أركانها أو شرط من شروطها، حكم الشارع بعدم صحتها.
ومعنى صحتها شرعًا: ترتب آثارها الشرعية عليها. فإن كان الذي باشره المكلف فعلا واجبا عليه، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وأداء المكلف مستكملًا أركانه وشروطه، سقط عنه الواجب، وبرئت ذمته منه، ولم يستحق تعزيرًا في الدنيا واستحق المثوبة في الآخرة.
وإن كان الذي باشره المكلف سببا شرعيا كالزواج والطلاق، والبيع والهبة وسائر العقود والتصرفات، واستوفى المكلف أركانه وشرائطه الشرعية، ترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبه الشارع عليه من إثبات الحل أو إزالته، تبادل ملك البدلين، أو الملك بغير عوض، أو غير ذلك من الآثار والحقوق التي تترتب على الأسباب الشرعية الصحيحة.
وإن كان الذي باشره شرطا كالطهارة للصلاة واستوفى المكلف شروطها وأركانها، أمكن تحقيق المشروط صحيحًا.
ومعنى عدم صحتها عدم ترتب آثارها الشرعية عليها، فإن كان الذي باشره واجبا لا يسقط عنه ولا تبرأ ذمته منه، وإن كان سببا شرعيا لا يترتب عليه حكمه، وإن كان شرطًا لا يوجد المشروط. وذلك لأن الشارع إنما رتب الآثار على أفعال وأسباب، وشروط تتحقق كما طلبها وشرعها، فإذا لم تكن كذلك فلا اعتبار لها شرعا.
ومن هذا البيان يؤخذ أن ما صدر عن المكلف من أفعال، أو أسباب أو شروط ولم يتفق وما طلبه الشارع أو ما شرعه يكون غير صحيح شرعا، ولا يترتب عليه أثره، سواء كان عدم صحته لاختلال ركن من أركانه أو لفقد شرط من شروطه، وسواء أكان عبادة أم عقدًا أم تصرفًا، وعلى هذا فلا فرق بين باطل وفاسد، لا في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

العبادات، ولا في المعاملات فالصلاة الباطلة كالصلاة الفاسدة لا تسقط الواجب عن المكلف ولا تبرئ ذمته، والزواج الباطل كالزواج الفائد لا يفيد ملك المتعة ولا يترتب عليه أثره، والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يفيد نقل الملك في البدلين ولا يترتب عليه حكم شرعي، وتكون القسمة ثنائية، أي أن الفعل أو العقد أو التصرف إما صحيح تترتب عليه آثاره، وإما غير صحيح لا يترتب عليه أثر شرعي، وهذا هو رأي الجمهور.
وقال علماء الحنفية: إن القسمة ثنائية في العبادات، فهي إما صحيحة وإما غير صحيحة، ولا فرق بين باطل الصيام مثلا وفاسده في أنه لا يترتب عليه أثره ولا يسقط الواجب، وعلى المكلف قضاؤه، وأما العقود والتصرفات فالقسمة ثلاثية؛ لأن العقد غير الصحيح ينقسم إلى باطل وفاسد؛ فإن كان الخلل في أصل العقد أي في ركن من أركانه بأن كان في الصيغة، أو العاقدين أو المعقود عليه، كان العقد باطلا لا يترتب عليه أثر شرعي، وإن كان الخلل في وصف من أوصاف العقد بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كان العقد فاسدا، وترتبت عليه بعض آثاره.
وعلى هذا قالوا: إن بيع المجنون أو غير المميز أو بيع المعدوم باطل، وأما البيع بثمن غير معلوم فهو فاسد، وإن زواج غير المميز أو زواج إحدى المحرمات مع العلم بالحرمة باطل. وأما الزواج بغير شهود فهو فاسد، ولم يرتبوا على الباطل أثرًا، ورتبوا على الفاسد بعض الآثار، ولهذا أوجبوا بالدخول في الزواج الفاسد المهر والعدة وأثبتوا النسب، وفي البيع الفاسد إذا رفع سبب الفساد في المجلس بأن عين الثمن، أو الأجل ترتبت على العقد آثاره، وهو يفيد الملك بالقبض.
ومما قدمنا بيانه من معنى الصحة ومعنى البطلان، يظهر الوجه على عدهما من الحكم الوضعي؛ لأن الصحة هي ترتب الآثار الشرعية على الأفعال والأسباب أو الشروط التي باشرها المكلف. والبطلان عدم ترتب شيء من تلك الآثار، فالحكم بصحة البيع حكم بسببيته شرعا لأحكامه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

2-‌‌ المحكوم فيه:
تعريفه:
المحكوم فيه: هو فعل المكلف الذي تعلق به حكم الشارع.
فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ، الإيجاب المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو: الإيفاء بالعقود فجعله واجبًا.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} الندب المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو كتابة الدين، فجعله مندوبًا.
وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} التحريم المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو قتل النفس، فجعله محرما.
وقوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} الكراهة المستفادة من هذا الخطاب تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو إنفاق المال الخبيث، فجعلته مكروهًا.
وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الخطاب تعلق بالمرض والسفر، فجعل كلا منهما مبيحا للفطر.
فكل حكم من أحكام الشارع فهو لا بد متعلق بفعل من أفعال المكلفين على جهة الطلب، أو التخيير، أو الوضع.
ومن المقرر أنه لا تكليف إلا بفعل، أي أن حكم الشارع التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف، فإذا حكم الشارع إيجابا أو ندبا فالأمر واضح؛ لأن متعلق الإيجاب فعل الواجب على سبيل الحتم. ومتعلق الندب فعل المندوب لا على سبيل الحتم والإلزام، فالتكليف في الحالين بفعل.
وإذا كان حكم الشارع تحريما أو كراهة، فالمكلف به في الحالين هو فعل أيضا؛ لأنه هو كف النفس عن فعل المحرم أو المكروه. فمعنى قولهم: "لا تكليف إلا بفعل" أن الفعل يشمل الكف؛ أي المنع للنفس عن فعل. وبهذا تكون جميع الأوامر والنواهي متعلقة بأفعال المكلفين، ففي الأوامر: المكلف به: فعل المأمور به، وفي النواهي: هو الكف عن المنهي عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

شرط صحة التكليف بالفعل:
يشترط في الفعل الذي يصح شرعا التكليف به ثلاثة شروط:
أولها: أن يكون معلوما للمكلف علما تام حتى يستطيع المكلف القيام به كما طلب منه.
وعلى هذا فنصوص القرآن المجملة؛ أي التي لم يبين المراد منها، لا يصح تكليف المكلف بها إلا بعد أن يلحق بها بيان الرسول عليه الصلاة والسلام. فقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} لم يبين النص القرآني أركان الصلاة، وشروطها وكيفية أدائها، فكيف يكلف بالصلاة من لا يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها؟ لذلك بين الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المجمل وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وكذلك الحج والصوم والزكاة، وكل فعل متعلق به خطاب من الشارع مجمل لا يعلم مراد الشارع به، لا يصح التكليف به، ولا مطالبة المكلفين بامتثاله إلا بعد بيانه، ولهذا أعطى الله رسوله سلطة التبيين بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وبين الرسول بسنته القولية والفعلية ما أجمل في القرآن. واتفق العلماء على أنه لا يسوغ تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
وثانيها: أن يكون معلوما أن التكليف به صادر ممن له سلطان التكليف. وممن يجب على المكلف اتباع أحكامه؛ لأنه بهذا العلم تتجه إرادته إلى امتثاله، وهذا هو السبب في أن أول بحث في أي دليل شرعي هو حجيته على المكلفين. أي أن الأحكام التي يدل عليها أحكام واجب على المكلف تنفيذها. وهو السبب أيضا في أن كل قانون وضعي يتوج بالديباجة الخاصة التي تدل على أن الحاكم أصدر القانون بناء على عرض مجلس الوزراء وموافقة البرلمان، ليعلم المكلفون أن القانون صادر ممن لهم سلطان التشريع، وممن يجب عليهم امتثال تكاليفهم، فيتجهوا للتنفيذ.
ويلاحظ أن المراد بعلم المكلف بما كلف به إمكان علمه به، لا علمه به فعلا، فمتى بلغ الإنسان عاقلا قادرا على أن يعرف الأحكام الشرعية بنفسه أو بسؤال أهل الذكر عنها، اعتبر عالما بما كلف به، ونفذت عليه الأحكام وألزم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

بآثارها ولا يقبل منه الاعتذار بجهلها، ولهذا قال الفقهاء: لا يقبل في دار الإسلام عذر الجهل بالحكم الشرعي؛ لأنه لو شرط لصحة التكليف علم المكلف فعلا بما كلف به ما استقام التكليف، واتسع المجال للاعتذار بجهل الأحكام.
وعلى هذا التقنين الوضعي، فالناس يعتبرون عالمين بالقانون بتيسير إمكان علمهم به، وذلك بنشره بالطريق القانوني بعد إصداره، ولا اعتبار؛ لأن كل فرد من المكلفين علم به فعلا أو لا، ولذا جاء في مادة 22 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية: "لا يقبل من أحد أن يدعى بجهله القانون". وكذلك المراد بعلم المكلف بأن تكليفه بما كلف به صادر ممن يجب عليه امتثال أحكامه، إمكان علمه بهذا لا علمه به فعلا.
فكل حكم شرعي يمكن للمكلف أن يعرف دليله، وأن يعرف أن دليله حجة شرعية، على المكلفين اتباع ما يستمد منه. سواء أكان هذا بنفسه أم بواسطة سؤال أهل الذكر عنه.
وثالثها: أن يكون الفعل المكلف به ممكنًا، أو أن يكون في قدرة المكلف أن يفعله أو أن يكلف عنه. ويتفرع عن هذا الشرط أمران:
أحدهما: أن لا يصح شرعا التكليف بالمستحيل، سواء أكان مستحيلا لذاته أم مستحيلا لغيره، فالمستحيل لذاته أي المستحيل عقلا هو ما لا يتصور العقل وجوده، كالجمع بين الضدين، مثل إيجاب الفعل وتحريمه في وقت واحد على شخص واحد أو الجمع بين النقيضين كالنوم واليقظة في وقت واحد والمستحيل لغيره، أو العادي، ما يتصور العقل وجوده، ولكن ما جرت سنن الكون ولا العادة المطردة بوجوده، كطير الإنسان في الهواء بغير طائرة ووجود زرع بغير بذرة؛ لأن ما لا يتصور وجوده عقلا أو عادة لا يمكن المكلف فعله، وهو ليس في وسعه، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو حكيم منزه عن العبث وعن التكليف بفعل ما لا سبيل إلى فعله، وعن هذا تفرع قول الأصوليين: "الشخص الواحد في الوقت الواحد بالشيء الواحد لا يؤمر وينهى"؛ لأن هذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهما فعل الشيء وتركه في وقت واحد من مكلف واحد.
وثانيهما: أنه لا يصح شرعا تكليف المكلف بأن يفعل غيره فعلا أو يكف غيره من فعل؛ لأن فعل غيره أو كف غيره ليس ممكنا له هو. وعلى هذا لا يكلف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

إنسان بأن يزكي أبوه أو يصلي أخوه أو يكف جاره عن السرقة. وكل ما يكلف به الإنسان مما يخص غيره هو النصح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا من فعله المقدور له.
وكذلك لا يصح شرعا أن يكلف الإنسان بأمر من الأمور الجبلية للإنسان التي هي مسببات لأسباب طبيعية ولا كسب للإنسان فيها، ولا اختيار، كالانفعال عند الغضب، والحمرة عند الخجل، والحب والبغض، والحزن والفرح، والخوف، حين وجود أسبابها، والهضم والتنفس، والطول والقصر، والسواد والبياض، وغير ذلك من الغرائز التي فطر عليها الناس، ووجودها وعدمها خاضع لقوانين خلقية، وليس خاضعًا لإرادة المكلف واختياره، فهي خارجة عن قدرته، وليست من الممكنات له.
وإذا ورد في بعض النصوص ما يدل ظاهره على أن فيه تكليفا بما ليس مقدورا للإنسان من هذه الأمور، فهو ليس على ظاهره، وبتحقيق النظر فيه يتبين أنه تكليف بما هو مقدور.
مثلًا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" ظاهره التكليف بالكف عن أمر طبيعي غير كسبي وهو الغضب عند وجود داعيته، ولكن حقيقته التكليف بالكف عما يعقب الغضب، ويلحق الغضوب من ثورة نفسه ومظاهر انتقامه، فالمراد: اضبط نفسك حين الغضب وكفها عن آثاره السيئة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل"، ظاهره التكليف بأن يقتله غيره، ولكن حقيقته التكليف بأن لا يظلم ولا يبدأ بعدوان، فالمراد: لا تظلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "أحبوا الله لما أسدى عليكم من نعمه". ظاهره التكليف بالحب. ولكن حقيقته التكليف بالنظر في النعم التي أسداها الله إليكم حتى تكونوا دائمًا ذاكرين شاكرين.
وقوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ظاهره تكليفهم الآن بأن يكونوا حين يموتون مسلمين، ولكن حقيقته تكليفهم الآن بأن يسيروا في طريق يثبت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

إيمانهم ويقوي عقائدهم حتى يؤدي بهم هذا إلى أن يموتوا على دينهم. وقوله تعالى: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} ظاهره التكليف بأن لا يحزن الإنسان على شيء فاته، ولا يفرح بشيء أتاه، وهذا غير مقدور له، لكن حقيقته التكليف بالكف عما يعقب الاسترسال في الحزن من السخط، وما يعقب الاسترسال في الفرح من البطر والزهو.
وهكذا كل ما ورد من أمثال هذه النصوص فهو مؤول بأن التكليف فيه إما ورد على ما يلحق الأمر الطبيعي ويترتب عليه من آثار، أو على ما يسبقه من بواعث ودوافع، وهذه اللواحق والسوابق أمور كسبية للإنسان وفي مقدوره.
ولا يتبادر إلى الذهن من اشتراط أن يكون الفعل مقدورا للمكلف لصحة التكليف به شرعا أن هذا يسلتزم أن لا تكون في الفعل أية مشقة على المكلف؛ لأنه لا منافاة بين كون الفعل مقدورا، وكونه شاقا. وكل ما يكلف به الإنسان لا يخلو من نوع مشقة؛ لأن التكليف هو الإلزام بما فيه كلفة ونوع مشقة.
غير أن المشقة نوعان -النوع الأول: مشقة جرت عادة الناس أن يحتملوها وهي في حدود طاقتهم، ولو داموا على احتمالها لا يلحقهم أذى ولا ضرر لا في نفس ولا في مال ولا في أي شأن من شئونهم، كالمشقات التي يحتملها الناس في المداومة على طرق السعي للرزق من زرع وحرث واتجار وغيرها، والمشقات التي يحتملها الموظفون في أداء واجباتهم، وكل عامل في أداء عمله.
والتكاليف الشرعية لا تخلو عن مشقات من هذا النوع فيها صعوبة، ولكنها محتملة، والمداومة عليها لا تلحق بمن داوم عليها ضررا ولا أذى. والشارع ما قص بالتكاليف هذه المشقات التي تلابسها وإنما قصد بها المصالح المترتبة عليها، وإلزام المكلف أن يحتمل مشقة في حدود طاقته في سبيل ما يترتب له من مصالح؛ كالطبيب الذي يلزم المريض أن يتناول الدواء المر لما يترتب على تناوله من شفائه فهو يحمله مرارته في سبيل السلامة من أمراضه، فالصلاة والزكاة والصيام، ومسائر ما أمر به المكلف وما نهى عنه: في القيام بها نوع مشقة وصعوبة على نفس المكلف ولكنها صعوبة محتملة وفي حدود الطاقة، وهي وسيلة إلى غاية ومصالح لا بد للإنسان منها لاستقامة حياته: والشارع ما أراد إيلام المكلف وتحميله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

المشقات، وإنما أراد إصلاح حاله. كما أن الطبيب ما أراد إيلام المريض بمرارة الدواء وإنما أراد شفاءه.
النوع الثاني: مشقة خارجة عن معتاد الناس، ولا يمكن أن يداوموا على احتمالها؛ لأنهم إذا داوموا عليها انبتوا وانقطعوا، ونالهم الضرر والأذى في أنفسهم أو أموالهم، وأي شأن من شئونهم؛ كالمشقة في صوم الوصال، والمثابرة على قيام الليل، والترهب، والصيام قائمًا في الشمس، والحج ماشيًا، والتزام العزيمة في حال الترخيص بتركها مهما لحق من ضرر، فهذه المشقة لا يكلف الشارع بتكاليف تلابسها، ولا يلزم المكلف باحتمالها؛ لأن المقصد الأول من التشريع رفع الضرر عن الناس، وفي التكاليف بما فيه من هذا النوع من المشقة إضرار بالناس، وتكليفهم بما ليس في وسعهم، وقد شرع الله أحكام الرخص عند طروء الأعذار دفعا لهذا النوع من المشقة، فما أباح الفطر في رمضان لمن كان مريضا أو على سفر، وما أباح التيمم عند عدم الماء أو حال المرض، وما أباح المحظورات عند الضرورات أو الحاجات، إلا لدفع هذه المشقات، فلا يصح أن يكلف المكلف بأحكام فيها مشقات قد قصد الشارع دفعها.
فالمشقة التي من هذا النوع إذا كان يجلبها نفس العمل المكلف به، فقد دفعها الله بتشريع الرخص، وإذا كان يجلبها المكلف على نفسه بإرادته، فقد نهاه الله عن ذلك وحرمه عليه، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن صوم الوصال، وعن قيام الليل كله، وعن الترهب، وقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقال لمن نذر أن يصوم قائما في الشمس: "أتم صومك ولا تقم في الشمس". وقال: "خذوا من الأعمال ما تطيقون"، "والقصد القصد تبلغوا"، "هلك المتنطعون"، "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى". وحكم بإثم من ترك الرخص واستمسك بالعزيمة محتملا ما فيها من ضرر، وقال: "ليس من البر الصيام في السفر". وقال: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

4-‌‌ المحكوم عليه:
المحكوم عليه: هو المكلف الذي تعلق حكم الشارع بفعله.
ويشترط في المكلف لصحة تكليفه شرعا شرطان:
أحدهما: أن يكون قادرًا على فهم دليل التكليف، بأن يكون في استطاعته أن يفهم النصوص القانونية التي يكلف بها من القرآن والسنة بنفسه أو بالواسطة؛ لأن من لم يستطع فهم دليل التكليف لا يمكنه أن يتمثل ما كلف به، ولا يتجه قصده إليه، والقدرة على فهم أدلة التكليف إنما تتحقق بالعقل وبكون النصوص التي يكلف بها العقلاء في متناول عقولهم فهمها؛ لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه توجه الإرادة إلى الامتثال، ولما كان العقل أمرًا خفيًّا لا يدرك بالحس الظاهر، ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر يدرك بالحس هو مظنة للعقل وهو البلوغ، فمن بلغ الحلم من غير أن تظهر أعراض خلل بقواه العقلية فقد توافرت فيه القدرة على أن يكلف. وعلى هذا لا يكلف المجنون، ولا الصبي لعدم وجود العقل الذي هو وسيلة فهم دليل التكليف، ولا يكلف الغافل والنائم والسكران؛ لأنهم في حالة الغفلة والنوم أو السكر ليس في استطاعتهم الفهم. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل". وقال عليه الصلاة والسلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها".
وأما إيجاب الزكاة والنفقة والضمان على الصبي والمجنون فليس تكليفا لهما، وإنما هو تكليف الولي عليهما بأداء الحق المالي المستحق في مالهما، كأداة ضريبة أطيانهما وأملاكهما.
وأما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ، فليس تكليفا للسكارى حين سكرهم أن لا يقربوا الصلاة، وإنما هو تكليف للمسلمين في حال صحوهم أن لا يشربوا الخمر، إذا دنا وقت الصلاة حتى لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، فكأنه سبحانه قال: إذا دنا وقت الصلاة فلا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

تشربوا الخمر، وأما إيقاع طلاق السكران على مذهب الحنفية فهو عقاب له على سكره، ولهذا شرطوا أن يكون جانيًا بسكره بأن شرب محرما طائعا.
وأما من لا يعرفون اللغة العربية، ولا يستطيعون فهم أدلة التكليف الشرعية من القرآن والسنة، كاليابانيين والهنود والجاويين وغيرهم، فهؤلاء لا يصح تكليفهم شرعا إلا إذا تعلموا اللغة العربية واستطاعوا أن يفهموا نصوصها، أو ترجمت أدلة التكليف الشرعية إلى لغتهم، بحيث يستطيعون أن يجدوا كتابا دينيا بلغتهم يبين لهم ما يكلفهم به الإسلامي، أو قامت طائفة بتعلم لغات هذه الأمم التي لا تعرف اللغة العربية، ونشرت بينهم تعاليم الإسلام، وأدلته التكليفية مخاطبة لهم بلغتهم، وهذا الطريق الثالث هو الطريق القويم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم حجة الوداع أشهد الله أنه بلغ رسالته، وأمر المسلمين أن يبلغ منهم الشاهد الغائب، والشاهد يشمل كل من اهتدى إلى الإسلام وعرف أحكامه. والغائب يشمل كل من لم يعرف لغة القرآن ولم يستطع فهم آياته. فأما إذا ترك هذا الغائب على حاله لا يعرف لغة القرآن، ولا يستطيع أن يفهم دلائله، ولا ترجمت آياته إلى لغته، ولا قام أحد يعرف لغة القرآن بتعليمه ما يكلف به باللغة التي يفهمها؛ فهو شرعًا غير مكلف؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. ولهذا قال الله تعالى في سورة إبراهيم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} .
وثانيهما: أن يكون أهلًا لما كلف به.
والأهلية معناها في اللغة: الصلاحية. يقال: فلان أهل للنظر على الوقف أي صالح له.
وأما في اصطلاح الأصوليين فالأهلية تنقسم إلى قسمين: أهلية وجوب، وأهلية أداء، فأهلية الوجوب هي صلاحية الإنسان، لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وأساسها الخاص التي خلق الله عليها الإنسان، واختصه بها من بين أنواع الحيوان، وبها صلح لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات. وهذه الخاصة هي التي سماها الفقهاء الذمة. فالذمة هي الصفة الفطرية الإنسانية التي بها ثبتت للإنسان حقوق قبل غيره، ووجبت عليه واجبات لغيره.
وهذه الأهلية أي أهلية الوجوب ثابتة لكل إنسان بوصف أنه إنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى، وسواء أكان جنينا أم طفلا أم مميزا أم بالغا، أم رشيدا أم سفيهًا،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

عاقلا أو مجنونا، صحيحا أو مريضا؛ لأنها مبنية على خاصة فطرية في الإنسان. فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب ولا يوجد إنسان عديم أهلية الوجوب؛ لأن أهليته للوجوب هي إنسانيته.
وأما أهلية الأداء: فهي صلاحية المكلف، لأن تعتبر شرعا أقواله وأفعاله. بحيث إذا صدر منه عقد أو تصرف كان معتبرا شرعا وترتبت عليه أحكامه، وإذا صلى أو صام أو حج أو فعل أي واجب كان معتبرا شرعا ومسقطا عنه الواجب، وإذا جنى على غيره، في نفس أو مال أو عرض أخذ بجنايته وعوقب عليها بدنيا وماليا، فأهلية الأداء هي المسئولية وأساسها في الإنسان التمييز بالعقل.
حالات الإنسان بالنسبة لأهلية الوجوب:
الإنسان بالنسبة لأهلية الوجوب به حالتان اثنتان فقط:
فقد تكون له أهلية وجوب ناقصة إذا صلح؛ لأن تثبت له حقوق، لا لأن تجب عليه واجبات، أو العكس، ومثلوا للأول بالجنين في بطن أمه فإنه تثبت له حقوق؛ لأنه يرث ويوصى له ويستحق في ربع الوقف، ولكن لا تجب عليه لغيره واجبات، فأهلية الوجوب الثابتة له ناقصة، ومثلوا للثاني بالميت، إذا مات مدينا فإنه تبقى عليه حقوق دائنيه، بل إن بعض الفقهاء اعتبر للميت بعد موته أهلية وجوب كاملة، إذا مات دائنا ومدينا فتكون له حقوق على مدينيه، وعليه حقوق لدائنيه، وهذا كلام لا وجه له. والحق أن الموت قضى على خاصة الإنسان، فليست له ذمة ولا أهلية وجوب كاملة ولا ناقصة، وأما مطالبة مدينيه بما عليهم من الديون؛ فلأنها صارت حقا للورثة، والورثة خلفوا مورثهم فيما كان له وفيما كان عليه في حدود ما تركه، وبعبارة أخرى ورثوا ما له من ديون على غيره، وآلت إليهم تركته مشغولة بديون لغيره.
وقد تكون له أهلية وجوب كاملة إذا صلح، لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وهذه تثبت لكل إنسان من حين ولادته، فهو في طفولته وفي سن تمييزه، وبعد بلوغه، على أية حال كان في أي طور من أطوار حياته له أهلية وجوب كاملة. وكما قدمنا لا يوجد إنسان عديم أهلية الوجوب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)