ما يكون به النسخ:
الأصل العام أن النص لا ينسخه إلا نص في قوته أو أقوى منه.
وعلى هذا فنصوص القرآن قد ينسخ بعضها بعضًا، وقد تنسخ بالسنة المتواترة؛ لأنها كلها قطعية وفي قوة واحدة.
ونصوص السنة غير المتواترة قد ينسخ بعضها بعضا؛ لأنها في قوة واحدة، وقد تنسخ بنصوص القرآن والسنة المتواترة؛ لأنها أقوى منها.
فالنص القرآني الذي دل على اعتداد المتوفى عنها زوجها بحول، نسخ بالنص القرآني الذي دل على اعتدادها بأربعة أشهر وعشرة أيام.
والنص القرآني الذي دل على تحريم كل ميتة، خصص بالسنة العملية المتواترة التي دلت على إباحة ميتة البحر، والتي أكدها الرسول بقوله: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
والنص القرآني الذي دل على وجوب تنفيذ أية وصية قيد بالسنة العملية التي منعت نفاذ الوصية بأكثر من الثلث وأكدها الرسول بقوله في حديث معاذ: "الثلث والثلث كثير".
وفي السنة النهي عن زيارة القبور ثم إباحتها، والنهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحته، وغير ذلك.
وعلى هذا لا ينسخ نص قرآني أو سنة متواترة بسنة غير متواترة أو بقياس؛ لأن الأقوى لا ينسخ بما هو أقل منه قوة، ومن أجل هذا تقرر أنه لا نسخ لحكم شرعي في القرآن أو السنة بعد وفاة الرسول؛ لأنه بعد وفاة الرسول انقطع ورود النصوص واستقرت الأحكام، فلا يمكن أن ينسخ النص بقياس أو اجتهاد.
وما يكون به النسخ في القوانين الوضعية هو على هذا الأصل، فلا ينسخ النص القانوني إلا نص قانوني في قوته أو أقوى منه.
فنصوص القانون الدستوري لا ينسخها إلا نصوص قانون دستوري.
ونصوص القوانين التشريعية الرئيسية تنسخها قوانين السلطة التشريعية الرئيسية؛ لأنها في قوتها، وتنسخها نصوص القانون الدستوري؛ لأنها أقوى منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
ونصوص القوانين التشريعية الفرعية تنسخها قوانين السلطات التشريعية الرئيسية، ونصوص القانون الدستوري.
ويؤخذ مما قدمناه أن النص لا ينسخه إلا نص، وأن النص لا يتصور أن ينسخه الإجماع؛ لأن النص إذا كان قطعيا لا يمكن أن ينعقد إجماع على خلافه أصلًا، وإن كان ظنيًّا لا يمكن أن ينعقد إجماع على خلافه إلا مستندًا إلى نص، فيكون النص الذي استند إليه الإجماع هو الناسخ.
والحكم الثابت بالقياس لا ينسخ بمثله؛ لأن المجتهد إذا استنبط حكما في واقعة بطريق القياس، ثم استنبط بالقياس هو أو مجتهد آخر في مثل هذه الواقعة حكمًا يخالف الأول، فهذا ليس نسخا للحكم الأول، وإنما هو إظهار لبطلان الدليل الأول أي لخطأ القياس السابق، والقياس لا ينسخ حكما شرعيا ثابتا بالنص أو الإجماع؛ لأنه ليس في مرتبتهما، فالقياس لا ينسخ حكمه ولا ينسخ حكما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
القاعدة الخامسة: في التعارض والترجيح
"إذا تعارض النصان ظاهرا وجب البحث والاجتهاد في الجمع والتوفيق بينهما بطريق صحيح من طرق الجمع والتوفيق، فإن لم يمكن وجب البحث والاجتهاد في ترجيح أحدهما بطريق الترجيح، فإن لم يمكن هذا ولا ذاك وعلم تاريخ ورودهما كان اللاحق منهما ناسخا للسابق، وإن لم يعلم تاريخ ورودهما توقف عن العمل بهما.
وإذا تعارض قياسان أو دليلان من غير النصوص، ولم يمكن ترجيح أحدهما عدل عن الاستدلال بهما".
التعارض بين الأمرين معناه في اللغة العربية اعتراض كل واحد منها الآخر. والتعارض بين الدليلين الشرعيين معناه في اصطلاح الأصوليين اقتضاء كل واحد منهما في وقت واحد حكما في الواقعة يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها.
مثلا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، هذا النص يقتضي بعمومه أن كل من توفي عنها زوجها تنقضي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، سواء أكانت حاملًا أم غير حامل.
وقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} هذا النص يقتضي بعمومه أن كل حامل تنقضي عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها زوجها أم مطلقة.
فمن توفي عنها زوجها وهي حامل، واقعة يقتضي النص الأول أن تنقضي عدتها بتربص أربعة أشهر وعشرة أيام، ويقتضي النص الثاني أن تنقضي عدتها بوضع حملها، فالنصان متعارضان في هذه الواقعة.
ولا يتحقق التعارض بين دليلين شرعيين إلا إذا كانا في قوة واحدة، أما إذا كان أحد الدليلين أقوى من الآخر، فإنه يتبع الحكم الذي يقتضيه الدليل الأقوى، ولا يلتفت لخلافه الذي يقتضيه الدليل الآخر. وعلى هذا لا يتحقق التعارض بين نص قطعي وبين نص ظني، ولايتحقق التعارض بين نص وبين إجماع أو قياس، ولا بين إجماع وبين قياس، ويمكن التعارض بين آيتين أو حديثين متواترين أو بين آية، وحديث متواتر أو حديثين غير متواترين، أو بين قياسين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ومما ينبغي التنبه له أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيتين، أو بين حديثين صحيحين أو بين آية وحديث صحيح؛ وإذا بدا تعارض بين نصين من هذه النصوص إنما هو تعارض ظاهري فقط بحسب ما يبدو لعقولنا، وليس بتعارض حقيقي؛ لأن الشارع الواحد الحكيم لا يمكن أن يصدر عنه دليل يقتضي حكما في واقعة، ويصدر عنه نفسه دليل آخر يقتضي في الواقعة نفسها حكما خلافه في الوقت الواحد.
فإن وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهًا للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه. فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما، جميع بينهما وعمل بهما، وكان هذا بيانا؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما.
مثال1- قوله تعالى في سورة البقرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} .
وقوله تعالى في سورة النساء: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} إلى آخر آية المواريث. الآية الأولى توجب على المورث إذا قارب الموت أن يوصي من تركته لوالديه وأقاربه بالمعروف. والآية الثانية توجب لكل واحد من الوالدين والأولاد والأقربين حقا من التركة بوصية الله لا بوصية المورث. فهما متعارضتان ظاهرًا، ويمكن التوفيق بينهما بأن يراد في آية سورة البقرة الوالدان، والأقربون الذين منع من إرثهم مانع كاختلاف الدين.
مثال2- قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .
وقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
ويمكن التوفيق بينهما بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، فإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الوفاة، تربصت حتى تتم أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن مضت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع حملها تربصت حتى تضع حملها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
ومن طرق الجمع والتوفيق تأويل أحد النصين أي صرفه عن ظاهره، وبهذا لا يعارض النص الآخر. ومن طرق الجمع والتوفيق، اعتبار أحد النصين مخصصا لعموم الآخر، أو مقيدا لإطلاقه، فيعمل بالخاص في موضعه وبالعام فيما عداه، وبعمل بالمقيد في موضعه وبالمطلق فيما عداه.
وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين المتعارضين، نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بطريق من طرق الترجيح، فإذا اظهر البحث رجحان أحدهما على الآخر عمل بما اقتضاه الدليل الأرجح، وكان هذا تبيينا؛ لأن النصين غير متساويين في المرتبة. وقد يكون الترجيح من جهة طريق الدلالة فيرجح المدلول عليه بعبارة النص على المدلول عليه بإشارة النص، ويرجح المفسر على الظاهر أو النص، وتقدمت عدة أمثلة لهذا التعارض والترجيح. وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بطريق من طرق الترجيح، نظر في تاريخ صدروهما عن الشارع، فإذا علم أن أحدهما سابق كان المتأخر منهما ناسخًا للسابق فيعمل به، ويعمل هذا من الرجوع إلى أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث، وجميع الأمثلة التي قدمناها في نسخ بعض الآيات لأحكام بعض آيات أخرى، ثابت فيها أن الناسخ لاحق في وروده للمنسوخ، وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين، ولا ترجيح أحدهما على الآخر، ولم يعلم تاريخ ورودهما، توقف عن الاستدلال بهما، ونظر في الاستدلال على حكم الواقعة التي فيها التعارض بدليل غيرهما كأنها واقعة لا نص فيها، وهذه صورة فرضية لا وجود لها.
وإن كان التعارض بين دليلين شرعيين ليسا نصين، كالتعارض بين قياسين، فهذا قد يكون تعارضا حقيقيا؛ لأنه قد يكون أحد القياسين خطأ، فإن أمكن ترجيح أحد القياسين على الآخر عمل به، ومن طرق ترجيح أحد القياسين على الآخر أن تكون علة أحدهما منصوصا عليها، وعلة الآخر مستنبطة، أو تكون علة أحدهما مستنبطة بطريق إشارة النص، وعلة الآخر مستنبطة بطريق المناسبة.
ومجال الأصوليين في طرق التوفيق أو الترجيح بين النصوص، والأقيسة المتعارضة ذو سعة، ومن طرق الترجيح طرق موضوعية قرروا فيها مبادئ ترجيحية عامة، مثل قولهم: إذا تعارض المحرم والمبيح، رجح المحرم. وقولهم: إذا تعارض المانع والمقتضي، قدم المانع.
والله يوفق من يريد الحق، ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
الكتاب الثاني: خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي
مدخل
الحمد لله على نعمة التوفيق، والصلاة والسلام على رسول الله الهادي إلى أقوم طريق، وعلى آله وصحبه ومن صار على نهجه واهتدى بهداه.
أما بعد: فإن التشريع الإسلامي قد مر بأطوار ثلاثة في عهود متقاربة، فقد نشأ وتكون، ثم نما ونضج، ثم وقف وجمد. وقد عنيت بدراسة هذا التشريع في أطواره الثلاثة، والوقوف على أسراره، وتطوره، وأسباب اختلاف الأئمة المجتهدين، وتكون مذاهبهم، والعوامل التي أوقفت هذه الحركة، وحالت دون نماء هذه الثروة، وما يلوح في عصرنا الحاضر من بوادر النهوض والنشاط. وها هي ذي خلاصة دراستي، أسأل الله أن يحقق بها ما أرجوه من نفع وخير.
تمهيد في بيان المراد من التشريع:
التشريع في الاصطلاح الشرعي والقانوني هو: سن القوانين التي تعرف منها الأحكام لأعمال المكلفين وما يحدث لهم من الأقضية والحوادث، فإن كان مصدر هذا التشريع هو الله سبحانه بواسطة رسله وكتبه فهو التشريع الإلهي، وإن كان مصدره الناس سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات، فهو التشريع الوضعي، والقوانين الإسلامية نوعان: قوانين سنها الله سبحانه بآيات قرآنية، وألهمها رسوله وأقره عليها، وهذه تشريع إلهي محض، وقوانين سنها مجتهدو المسلمين من الصحابة وتابعيهم والأئمة المجتهدين استنباطا من نصوص التشريع الإلهي وروحها ومعقولها ومما أرشدت إليه من مصادر، وهذه تعتبر تشريعا إلهيا باعتبار مرجعها ومصدرها، وتعتبر تشريعا وضعيا باعتبار جهود المجتهدين في استمدادها واستنباطها.
ومرادنا بالتشريع الإسلامي سن هذه القوانين نوعيها، ولهذا قسمنا العهود التشريعية الإسلامية أربعة أقسام:
الأول عهد الرسول: وهو عهد الإنشاء والتكوين، ومدته "22"سنة وأشهر من بعثته سنة 610 إلى وفاته سنة 632م.
الثاني عهد الصحابة: وهو عهد التفسير والتكميل، ومدته 90 سنة بالتقريب من وفاة الرسول سنة 11 هجرية إلى أواخر القرن الهجري الأول.
الثالث عهد التدوين: والأئمة المجتهدين، وعهد النمو والنضج التشريعي، ومدته 250 سنة من سنة 100 إلى سنة 350 هجرية.
الرابع عهد التقليد: وهو عهد الجمود والوقوف، وقد ابتدأ من أواسط القرن الهجري الرابع ولا يعلم نهايته إلا الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
1- عهد الرسول:
هذا العهد كانت سنواته قليلة؛ لأنها لم تزد عن "22" سنة وبضعة أشهر، ولكن كانت آثاره جليلة؛ لأنه خلف نصوص الأحكام في القرآن والسنة، وخلف عدة أصول تشريعية كلية، وأرشد إلى عدة مصادر ودلائل يتعرف بها حكم ما لا نص على حكمه، وبهذا خلف أسس التشريع الكامل.
وقد كان هذا العهد فترتين متمايزتين:
الفترة الأولى: مدة وجود الرسول بمكة: وهي "12" سنة وبضعة أشهر من بعثته إلى حين هجرته، في هذه الفترة كان المسلمون أفرادا قلائل مستضعفين لم تتكون منهم أمة ولم تكن لهم شئون دولة، وكان هم الرسول فيها موجها إلى بث الدعوة إلى توحيد الله وتحويل وجوه الناس عن الأوثان، والأصنام واتقاء أذى الذين وقفوا في سبيل دعوته وأمعنوا في كيده وكيد من آمن به، لم يوجد في هذه الفترة مجال، ولا داع إلى التشريع العملي وسن القوانين المدنية والتجارية ونحوها، ولهذا لم توجد في السور المكية بالقرآن مثل: يونس، والرعد، والفرقان، ويس، والحديد آية من آيات الأحكام العملية، وأكثر آياتها خاص بالعقيدة، والخلق والعبر من سير الماضين.
والفترة الثانية: مدة وجود الرسول بالمدينة، وهي عشر سنوات بالتقريب من تاريخ هجرته إلى تاريخ وفاته، في هذه الفترة عز الإسلام وكثر عدد المسلمين وتكونت منهم أمة وصارت لهم شئون دولة، وذللت العقبات في سبيل الدعوة، ودعت الحاجة إلى التشريع وسن القوانين لتنظيم علاقة أفراد الأمة الناشئة بعضهم ببعض، وتنظيم علاقاتهم بغيرهم في حالتي السلم والحرب، ولهذا شرعت بالمدينة أحكام الزواج والطلاق، والإرث والمداينة والحدود، وغيرها، والسور المدنية بالقرآن مثل: البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب هي التي اشتلمت على آية الأحكام مع ما اشتملت عليه من آيات العقائد والأخلاق والقصص.
من تولى السلطة التشريعية في هذا العهد؟
كانت السلطة التشريعية في هذا العهد لرسول الله وحده، وما كان لأحد غيره من المسلمين أن يستقل بتشريع حكم في واقعة لنفسه أو لغيره؛ لأنه مع وجود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
الرسول بينهم وتيسر رجوعهم إليه فيما يعرض لهم، لم يسوغ واحد منهم لنفسه أن يفتي باجتهاده في حادثه، أو يقضي باجتهاده في خصومة، بل كانوا إذا عرضت الحادثة أو شجر الخلاف أو خطر السؤال أو الاستفتاء رجعوا إلى الرسول هو يفتيهم ويفصل في خصوماتهم، ويجيب عن أسئلتهم تارة بآية أو آيات قرانية يوحي إليه بها ربه، وتارة باجتهاده الذي يعتمد فيه على إلهام الله له، أو على ما يهديه إليه عقلة وبحثه وتقديره، وكل ما صدر عنه من هذه الأحكام هو تشريع للمسلمين، وقانون واجب عليهم أن يتبعوه سواء أكانت من وحي الله أم من اجتهاده نفسه.
وقد ورد أن بعض الصحابة اجتهد في عهد الرسول، وقضى باجتهاده في بعض الخصومات، أو استنبط باجتهاده حكمًا في بعض الوقائع مثل: علي بن أبي طالب، الذي بعثه الرسول إلى اليمن قاضيًا وقال له: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، ومثل معاذ بن جبل الذي بعثه الرسول إلى اليمن وقال له: "بم تقضي إذا عرض لك قضاء ولم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما تقضي به"؟ فقال معاذ: أجتهد رأيي. فقال الرسول: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لم يرضي الله ورسوله".
ومثل حذيفة بن اليمان الذي أرسله الرسول للقضاء بين جارين اختصما في جدار بينهما، وادعى كل منهما أنه له، وعمرو بن العاص الذي قال له الرسول يوما: "احكم في هذه القضية"، فقال عمرو: أجتهد وأنت حاضر، قال: "نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر"، والصحابيين اللذين خرجا في سفر وحضرتهما الصلاة، ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فأداه اجتهاده إلى أن يتوضأ، ويعيد الصلاة وأما الثاني فأداه اجتهاده إلى أن صلاته الأولى أجزأته، ولا إعادة عليه ولم يعدها.
ولكن هذه الجزئيات وأمثالها لا تدل على أن أحدًا غير الرسول كانت له سلطة التشريع في عهد الرسول؛ لأن هذه الجزئيات منها ما صدر في حالات خاصة تعذر فيها الرجوع إلى الرسول لبعد المسافة أو خوف فوات الفرصة، ومنها ما كان القضاء أو الإفتاء فيه تطبيقًا لا تشريعًا وكل ما صدر فيها من أي صحابي عن اجتهاده في أي قضاء أو أية واقعة لم يكن تشريعا للمسلمين، وقانونًا ملزمًا لهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
إلا بإقرار الرسول، فالرسول في حياته كانت في يده وحدة السلطة التشريعية، وما صدر عن غيره لم يكن تشريعا إلا بإقراره، ولهذا لم يوجد في عهد الرسول رأيان في واقعة ولم يعرف أحد من الصحابة في عهده بالفتيا أو الاجتهاد.
مصادر للتشريع في هذا العهد:
كان للتشريع في عهد الرسول مصدران: الوحي الإلهي، واجتهاد الرسول نفسه، فإذا طرأ ما يقتضي تشريعا من خصومة أو واقعة أو سؤال أو استفتاء أوحى الله إلى رسوله بآية أو آيات فيها حكم ما أري معرفة حكمه، وبلغ الرسول المسلمين ما أوحي إليه وكان قانونا واجبا اتباعه، وإذا طرأ ما يقتضي تشريعا، ولم يوح الله إلى الرسول بآيات تبين الحكم اجتهد الرسول في تعرفه الحكم، وما أداه إليه اجتهاده قضى به أو أفتى أو أجاب عن السؤال أو الاستفتاء، وكان ما صدر عن اجتهاده قانونا واجبا اتباعه مع قانون الوحي الإلهي، ومن تتبع آيات الأحكام التي وردت في القرآن، وما رواه المفسرون من سبب نزول كل آية منها يتبين أن كل حكم قرآني إنما شرع لحادث اقتضى تشريعه، ويتجلى ذلك في مثل قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ، وفي مثل الخصومة التي وقعت في بعض التركات ومن أجلها شرعت أحكام الإرث، والحيرة التي أصابت بعض الأزواج لما شرع حد القذف، ومن أجلها شرع حكم اللعان بين الزوجين وفي غير ذلك من أسباب النزول.
ومن تتبع أحاديث الأحكام وما رواه المحدثون من أسباب ورودها يتبين أيضا أن كل حكم للرسول باجتهاده كان قضاء في خصومة أي فتوى في واقعة أو جوابا عن سؤال، مثل ما روي أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، وليس معنا من الماء العذب ما يكفي للوضوء أفنتوضأ بماء البحر؟ قال الرسول: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وغير ذلك من وقائع الأحاديث.
فكل ما شرع من الأحكام في عهد الرسول كان مصدره الوحي الإلهي أو الاجتهاد النبوي، وكان صدوره بناء على طروء حاجة تشريعية اقتضته.
وكانت وظيفة الرسول بالنسبة لما شرع بالمصدر الأول تبليغه، وتبيينه تنفيذًا لقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ولقوله عز شأنه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وكان ما صدر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
عن المصدر الثاني وهو الاجتهاد النبوي تارة تعبيرًا عن إلهام إلهي، أي أن الرسول إذا أخذ في الإجهاد ألهمه الله حكم ما أراد معرفة حكمه، وتارة استنباطًا واستمدادا للحكم بما تهدي إليه المصلحة وروح التشريع، والأحكام الاجتهادية التي يلهم الله بها الرسول هي أحكام إلهية ليس للرسول فيها إلا التعبير عنها بقوله أو فعله، والأحكام الاجتهادية التي لم يلهم الله بها الرسول بل صدرت عن بحثه، ونظره هي أحكام نبوية بمعانيها وعباراتها، وهذه لا يقره الله عليها إلا إذا كانت صوابا، وأما إذا لم يوفق الرسول فيها إلى الصواب فإن الله يرده إلى الصواب، ومثال ذلك حادث افتداء أسرى بدر، فإن المسلمين في غزوة بدر وقع في أيديهم سبعون أسيرًا من المشركين، ولم يكن قد شرع حكم الأسرى فاجتهد الرسول فيما يفعل بهم واستشار بعض الصحابة، فأشار أبو بكر بأخذ الفدية ممن يفتدي منهم وبين وجهة نظره بقوله للرسول: "قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي أصحابك". وأشار عمر بأن لا يقبل منهم فدية وأن يقتلوا. وبين وجهة نظره بقوله للرسول: "كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم هؤلاء أئمة الكفر والله أغناك عن الفداء". وقد أدى اجتهاد الرسول إلى قبول الفداء فبين الله له الصواب بقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ومثاله أيضا حادث إذن الرسول لمن اعتذروا وتخلفوا عن عزوة تبوك، فإن الله سبحانه بين له الصواب بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} .
فمن هذا ينتج أن التشريع في عهد الرسول كان إلهيًّا كله؛ لأن مصدره إما وحي الله في القرآن، وإما اجتهاد الرسول الذي هو تعبير عن إلهام إلهي، وإما اجتهاد الرسول ببحثه ونظره ولكنه ملحوظ برعاية الله له، فإن جاء صوابا أقره الله عليه، وإن جاء غير صواب رد الله رسوله إلى الصواب فيه.
ولا سبيل إلى التمييز بين حكم اجتهادي نبوي لم يصدر عن إلهام إلهي، وحكم اجتهادي نبوي صدر عن إلهام إلهي إلا أن ما رد الله رسوله فيه إلى الصواب يعلم أنه ما كان عن إلهام، وما بين الرسول به مجملا في القرآن يعلم أنه من الله بينه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
الخطة التشريعية في هذا العهد:
المراد من الخطة التشريعية الطريق التي يتبعها رجال التشريع في الرجوع إلى مصادر التشريع والمبادئ العامة التي يراعونها فيه، ولما كان هذا العهد هو عهد التكوين؛ ووضع الأسس التشريعية كانت الخطة التشريعية فيه هي الخطة الأساسية للتشريع الإسلامي.
فأما الطريق التي اتبعها الرسول في الرجوع إلى مصادر التشريع، فهي أنه كان إذا طرأت حاجة إلى تشريع ينتظر وحي الله بآية أو آيات فيها حكمه، فإن لم يوح إليه علم أن الله وكل التشريع في هذه الواقعة إلى اجتهاده، فاجتهد مهتديًا في اجتهاده بالقانون الإلهي، وروح التشريع وتقديره المصلحة ومشورة أصحابه.
وأما المبادئ العامة التي بنى عليها التشريع الإسلامي في عهد تكوينه فأظهرها أربعة:
الأول: التدرج في التشريع، وهذا التدرج كان في زمن التشريع وكان في أنواع الأحكام التي شرعت، فالتدرج الزمني ظاهر من أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع دفعة واحدة في قانون واحد، وإنما شرعت متفرقة في مدى اثنتين وعشرين سنة، وبضعة أشهر حسب ما اقتضاها من الأقضية والحوادث وكان لكل حكم تاريخ لصدوره وسبب خاص لتشريعه، والحكمة في هذا التدرج الزمني أنه ييسر معرفة القانون بالتدرج مادة فمادة، وييسر فهم أحكامه على أكمل وجه بالوقوف على الحادثة، والظروف التي اقتضت تشريعها.
والتدرج في أنواع ما شرع من الأحكام ظاهر من أن المسلمين لم يكلفوا في أول عهدهم بالإسلام بما يشق عليهم فعله، أو ما يشق عليهم تركه بل سلك بهم سبيل التدرج، وأخذوا بالرفق حتى تكون استعدادهم واستأهلوا للتكليف.
ففي أول أمرهم لم تفرض عليهم الصلاة خمس فرائض في اليوم والليلة ركعات محددة في كل فريضة، بل طلبت منهم صلاة مطلقة بالغداة والعشي، ولم تفرض عليهم الزكاة والصيام إلا بعد الهجرة بسنة، وكان التكليف قبل ذلك بما استطاعوا من صدقة وصوم ولم يحرم عليهم الخمر والميسر، وكثير من عقود الزواج والربا والمعاملات التي كانوا يتعاملون بها في جاهليتهم إلا بالمدينة، والحكمة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
هذا التدرج في أنواع الأحكام أنه: هو العلاج لإصلاح النفوس الجامحة، والوسيلة لتقبل التكاليف وامتثالها من غير ضجر ولا عنت، وهو من الحكمة في الدعوة.
والثاني: التقليل من التقنين، وهذا يتجلى في أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع إلا على قدر الحاجات التي دعت إليها والأقضية، والحوادث الي اقتضتها ولم تشرع منها أحكام لحل مسائل فرضية أو للفصل في خصومات محتملة. ويتجلى أيضا مما ورد في القرآن والسنة من النهي عن الإكثار من الأسئلة التي تقتضي تشريعا فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} ، ونهى رسول الله عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وقال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته"، وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
والحكمة في هذا التشريع إنما هو دفع حاجات الناس، وتحقيق مصالحهم فينبغي أن يقتصر في كل عصر على تشريع ما اقتضته حاجاته، ومصالحه حتى لا يجد اللاحقون من تشريع السابقين عقبات تحول دون تشريع ما يدفع حاجتهم ويحقق مصالحهم.
ومن المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الأشياء الإباحة فكل حيوان، أو جماد أو عقد أو تصرف لم يشرع له حكم بأي دليل شرعي، فحكمه الإباحة وعلى هذا لا حرج من تقليل التقنين؛ لأن كل ما لا قانون فيه فهو على الإباحة الأصلية.
والثالث: التيسير والتخفيف وهذا أجلى ظاهرة في التشريع الإسلامي، ففي كثير من الأحكام تصريح بأن الحكمة في تشريعها التيسير والتخفيف قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال عز شأنه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وورد في صحيح السنة: أن الرسول ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وأنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي كل الحالات الخاصة التي يكون فيها حكم العزيمة شاقًّا شرعت الرخصة، فأبيحت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
المحظورات عند الضرورات، وأبيح ترك الفرض والواجب إذا كان في أداء أحدهما حرج، واعتبر الإكراه، والمرض، والسفر، والخطأ، والنسيان، والجهل من الأعذار التي تقتضي التخفيف.
والرابع: مسايرة التشريع مصالح الناس: وبرهان هذا أن الشارع علل كثيرا من أحكامه بمصالح الناس، ودل بشواهد عدة على أن المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصالح الناس، وقرر أن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، ولهذا شرع الله بعض الأحكام ثم أبطلها ونسخها لما اقتضت المصلحة تعديلها، فقد فرض الاتجاه في الصلاة إلى بيت القدس، ثم نسخه، وفرض الاتجاه في الصلاة إلى الكعبة، وفرض عدة المتوفى عنها زوجها حولًا، ثم نسخها، وفرضها أربعة أشهر وعشرة أيام. والرسول نهى عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الوفود التي كانت بالمدينة أيام العيد، وأباح ادخارها لما رحلت تلك الوفود، ونهى عن زيارة القبور ثم أباحها، فهذا النسخ، والتبديل والتعديل في وقت التشريع برهان على أن التشريع الإسلامي ساير مصالح الناس، ولهذه المسايرة نفسها راعى الشارع عرف الناس وقت التشريع ما دام لا يهدم أصلا من أصول الدين، فراعى الكفاءة في الزواج وراعى العصبية في الإرث والولاية، وفرض الدية على العاقلة؛ لأن من مصالح الناس أن تراعى عاداتهم وما جرى به عرفهم ما دام لا يعارض أصلا دينيا ولا يجلب ضررا.
ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية:
المصدر التشريعي الأول وهو الوحي الإلهي صدرت عنه آيات الأحكام في القرآن، والمصدر التشريعي الثاني وهو اجتهاد الرسول صدرت عنه أحاديث الأحكام، ومجموعة نصوص هذه الآيات والأحاديث هي ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية، وهي القانون الأساسي للمسلمين، وهي أساس التشريع ومرجع كل مجتهد إسلامي في أي عصر من العصور، فإذا وقعت واقعة ودل على حكمها نص قاطع من نصوص هذه المجموعة، فلا مجال فيها لاجتهاد أي مجتهد في أي عصر، وإذا لم يدل على حكمها نص قاطع من نصوصها كانت مجالا للاجتهاد، ولكن على أن يسير المجتهد في اجتهاده على ضوء هذه المجموعة بأن يقيس على ما ورد فيها، أو يهتدي بروحها ومعقولها ومبادئها العامة، وليس له أن يخالف باجتهاده نصا من نصوصها، أو يخرج عن مبدإ من مبادئها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
مقدار النصوص في هذه المجموعة:
مواد هذه المجموعة من النصوص ليست كثيرة، فعدد آيات الأحكام المتعلقة بالعبادات وما يلحق بها من الجهاد نحو 140 آية، وعدد الآيات المتعلقة بالمعاملات، والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء والشهادة نحو 200 آية، وعدد أحاديث الأحكام في أنواعها المختلفة نحو 4500 حديث كما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين، وأكثرها تبيين لما أجمل من أحكام القرآن، أو تقرير وتوكيد، وباقيها تشريع أحكام سكت عنها القرآن.
وآيات الأحكام في القرآن مفرقة في جملة سور، وليست الآيات الخاصة بفرع قانوني واحد مجموعة في سورة واحدة، فآيات العقوبات وهي نحو عشر آيات مفرقة في سورة البقرة، والمائدة، والنور، وآيات المجموعة المدنية وهي نحو سبعين آية مفرقة أيضا في جملة سور، وهكذا سائر آيات الأحكام.
وأما أحاديث الأحكام فقد جمعها رواة الأحاديث حسب أبواب الفقه، فأحاديث البيع مجموعة في باب البيع وأحاديث الرهن والشركة، والحدود وغيرها كذلك.
ومن اليسير أن تجمع في كل فرع قانوني آيات الأحكام الخاصة به، وأمهات أحاديث الأحكام الخاصة به، وبعض آثار الصحابة والتابعين التي فيها تفسير لنص من هذه النصوص، وتكون هذه المجموعة هي الأحكام الأساسية التي وردت في القرآن، والسنة خاصة بهذا الفرع من القوانين.
أسلوب النصوص في هذه المجموعة:
لم تلتزم آيات الأحكام وأحاديث الأحكام أسلوبا واحدًا في بيان ما شرع بها بل تنوعت أساليبها وتعددت صيغها في التعبير عن الأحكام، فالنصوص التي دلت على التحريم تارة عبرت بالنهي عما حرم، وتارة دلت على تحريمه بالوعيد على فعله وتارة صرحت بأنه لا يحل أو حرم، والنصوص التي دلت على الإيجاب تارة عبرت بالأمر بما وجب، وتارة دلت على إيجابه بالوعيد على تركه وتارة صرحت بأنه وجب أو فرض أو كتب، والسبب في تنوع هذه الأساليب أن النصوص كما قدمنا شرعت في أوقات مختلفة حسب الحوادث والمناسبات، ولكل مناسبة أسلوب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
يناسبها، فقد تقتضي المناسبة الدلالة على تحريم الشيء بالوعيد على فعله، وقد تقتضي التصريح بتحريمه، فالمناسبة التي اقتضت تشريع الحكم الخاص اقتضت أسلوبًا خاصًّا في بيانه.
وسبب آخر لتنوع هذه الأساليب: أن القرآن لم يقصد منه بيان ما تضمنه من عقائد وأخلاق وتشريع فحسب، وإنما قصد منه مع هذا إعجاز الناس عن أن يأتوا بمثله ليكون برهانًا على صدق الرسول، ومن وجوه الإعجاز تنوع أساليب البيان.
وكما تنوعت أساليب النصوص من ناحية صيغها وعباراتها، تنوعت من ناحية أخرى وهي أن بعض النصوص تتبع بيان الحكم ببيان علته وحكمة تشريعه، وبعضها تقرر الحكم مجردا عن بيان علته، والحكمة في هذا أن الشارع ببيانه علة التشريع، وحكمته في بعض الأحكام يلفت العقول إلى أن الأحكام التشريعية ليست تعبدية وإنما هي معللة بمصالح الناس، ويفتح باب الاجتهاد في تشريع كل ما يحقق مصلحة أو يدفع مفسدة.
أنواع الأحكام التي اشتملت عليها هذه النصوص:
الأحكام على وجه عام تنقسم ثلاثة أقسام، القسم الأول: أحكام اعتقادية تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقسم الثاني: أحكام خلقية تتعلق بالفضائل التي يجب على الإنسان أن يتحلى بها، والرذائل التي يجب على الإنسان أن يتخلى عنها، والقسم الثالث: أحكام عملية تتعلق بأعمال المكلفين من عبادات ومعاملات، وجنايات، وخصومات، وعقود وتصرفات.
فأما النوع الأول فهو: أساس الدين، أما النوع الثاني: فهو مكمل هذا الأساس ومتممه وقد أفاض القرآن، وأسهبت السنة في بيانهما وإقامة براهينهما.
وقد ابتدأ أمر الإسلام بهما فكان المسلمون في مكة لا يخاطبون إلا بعقائد وأخلاق؛ لأن تكوين العقيدة وتقويم الخلق هما الأساس الذي يبنى عليها كل تشريع وتقنين.
وأما النوع الثالث وهو الأحكام العملية، فهذا هو الفقه وهو المراد من الأحكام عند الإطلاق، ومن تتبع فقه القرآن والسنة وجد أن كل فرع من فروع القوانين له في القرآن مواد تخصه وتبين أحكامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
ففي العبادات بأنواعها نحو "140" آية.
وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق، وإرث ووصية وحجر وغيرهما نحو سبعين آية.
وفي المجموعة المدنية من بيع، وإجارة، ورهن، وشركة، وتجارة، ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
وفي القضاء والشهادة وما يتعلق بها نحو عشرين آية.
وفي كل باب من هذه الأبواب كثير من الأحاديث بعضها يبين حكما أجمله القرآن، وبعضها يشرح حكما سكت عنه، وقد كملت عنه هذه الأحكام الجزئية، بعدة أصول تشريعية كلية، وبهذا خلف عهد الرسول تشريعا كاملا وافيا بحاجة المسلمين في كل بيئة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
2- عهد الصحابة:
هذا العهد ابتدأ بوفاة رسول الله في سنة: 11 للهجرة، وانتهى في أواخر القرن الأول الهجري، وأطلقنا عليه عهد الصحابة؛ لأن السلطة التشريعية فيه تولاها رءوس أصحاب الرسول، ومنهم من عاش إلى العقد العاشر الهجري مثل أنس بن مالك الذي توفي سنة 93هـ.
وهذا العهد هو عهد التفسير التشريعي، وفتح أبواب الاستنباط فيما لا نص فيه من الوقائع، فإن رءوس الصحابة صدرت عنهم آراء كثيرة في تفسير نصوص الأحكام في القرآن والسنة تعد مرجعا تشريعيا لتفسيرها وتبيينها.
وصدرت عنهم فتاوى كثيرة بأحكام في وقائع لا نص فيها تعتبر أساسا للاجتهاد والاستنباط.
من تولوا سلطة التشريع في هذا العهد:
العهد التشريعي الأول -وهو عهد الرسول- خلف للمسلمين قانونا مكونا من نصوص الأحكام في القرآن والسنة، ومواد هذا القانون الأساسي ليس كل واحد من المسلمين أهلا لأن يرجع إليها بنفسه، ويفهم ما تدل عليه من الأحكام؛ لأن فيهم العامة الذين لا يتوصلون إلى فهم النصوص إلا بواسطة من يفهمهم إياها، ومن جهة ثانية: مواد هذا القانون لم تكن نشرت بين المسلمين نشرا عاما يجعلها في متناول كل واحد منهم؛ لأن نصوص القرآن كانت في أول هذا العهد مدونة في صحف خاصة محفوظة في بيت الرسول وبيوت بعض أصحابه، والسنة لم تكن مدونة أصلًا، ومن جهة ثالثة: مواد القانون شرعت أحكاما لحوادث وأقضية وقعت حين تشريعها، ولم تشرع أحكاما لحوادث فرضية يحتمل وقوعها، وقد طرأت للمسلمين حاجات وحوادث وأقضية لم تطرأ في عهد الرسول، ولا يوجد فيما خلفه من النصوص ما يدل على حكمها.
لهذه الأسباب الثلاثة رأى العلماء من الصحابة والرءوس فيهم أن عليهم واجبا تشريعيا لا بد أن يقوموا به، وهذا الواجب هو أن يبينوا للمسلمين ما يحتاج إلى التبيين، والتفسير من نصوص الأحكام في القرآن والسنة، وأن ينشروا بين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
المسلمين ما حفظوا من آيات القرآن وأحاديث الرسول، وأن يفتوا الناس فيما يطرأ لهم من الوقائع، والأقضية التي لا نص فيها.
هؤلاء العلماء من الصحابة الذين قاموا بهذا الواجب التشريعي من بيان النصوص ونشرها، والإفتاء فيما لا نص فيه هم رجال السلطة التشريعية في هذا العهد، وهم الذين خلفوا الرسول في رجوع المسلمين إليهم، ولم يكتسبوا هذا الحق التشريعي من تعيين الخليفة أو انتخاب الأمة، وإنما كسبوه بمميزاتهم الشخصية التي امتازوا بها، فقد طالت صحبتم للرسول وحفظوا عنه القرآن والسنة، وشاهدوا أسباب نزول الآيات وورود السنن، وكثير منهم كانوا مستشاري الرسول في اجتهاده؛ فلهذه المزايا كانوا أهلا لأن يبينوا النصوص، ويجتهدوا فيما لا نص فيه، وأهلا لأن يرجع المسلمون إليهم ويثقوا بما يصدر عنهم من بيان أو إفتاء، ومن أشهر هؤلاء المفتين من الصحابة بالمدينة: الخلفاء الأربعة الراشدون، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وبمكة: عبد الله بن عباس، وبالكوفة: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وبالبصرة: أنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وبالشام: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وبمصر عبد الله بن عمرو بن العاص، وعدد من عرفوا من الصحابة بالإفتاء، وحفظت عنهم: مائة ونيف وثلاثون ما بين رجل وامرأة، ولكن أشهرهم من ذكرنا.
وقد كان هؤلاء المفتون في أول هذا العهد أكثريتهم العظمى بالمدينة، وبعد أن امتدت الفتوح الإسلامية تفرقوا بالأمصار، ولهذا كان التشريع في أول هذا العهد باجتهاد الجماعة؛ ثم بعد ذلك صار باجتهاد الأفراد.
مصادر التشريع في هذا العهد:
كانت مصادر التشريع في هذا العهد ثلاثة: القرآن، والسنة، واجتهاد الصحابة، فكانت إذا عرضت حادثة أو وقعت خصومة نظر أهل الفتيا من الصحابة في كتاب الله، فإن وجدوا فيه نصا يدل على حكمها أمضوه، وإن لم يجدوا في كتاب الله نصا وعلموا من السنة ما يدل على حكمها أمضوه، وإن لم يجدوا ما يدل على حكمها في القرآن، أو السنة اجتهدوا في معرفة حكمها واستنبطوه بالقياس على ما ورد فيه النص، أو بما تقتضيه روح التشريع ومصالح الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
وحجتهم في الرجوع إلى القرآن والسنة ما ورد في آيات كثيرة من الأمر بطاعة الله والرسول، ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول، والتسليم لما قضى به الله والرسول.
وحجتهم في الرجوع إلى اجتهادهم ما شاهدوه من الرسول حين كان يرجع إلى اجتهاده إذا لم ينزل عليه بالتشريع وحي إلهي، ما ورد من أن رسول الله لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "بم تقضي"؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أقضي بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأيي؛ فأقره الرسول وحمد الله على توفيقه. وما فهموه من تعليل بعض الأحكام في نصوص القرآن والسنة، فإنهم فهموا من هذا أن المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصالح الناس، وأنه كلما دعت المصالحة إلى التشريع وجب على المسلمين أن يشرعوا ما يحققها.
لهذه البراهين اتفقت كلمة المفتين من الصحابة على الرجوع إلى هذه المصادر التشريعية الثلاثة، وعلى ترتيب الرجوع إليها كما ذكرنا.
ما طرأ على مصادر التشريع:
وقد طرأ في هذا العهد على المصدر الأول، وهو آيات الأحكام في القرآن، طارئ له أثر تشريعي خالد، وهذا الطارئ هو تدوين هذه الآيات في ضمن تدوين القرآن، ونشرها على المسلمين كافة بطريق قانوني رسمي بحيث صار ميسورًا لكافة المسلمين أينما كانوا حفظها، والعلم بنصوصها من غير اختلاف في مفرد أو جملة، وذلك أن رسول الله في حياته اتخذ كتابا لتدوين ما يوحى إليه من القرآن، فكان إذا أوحي إليه بآية أو آيات من القرآن قرأها على المسلمين، فيكتبها من حضر من كتاب وحيه، ويكتبها من حرص على أن يكتب لنفسه من صحابته، ويحفظها منهم عدد كثير، وقد توفي الرسول وكل آيات القرآن مدونة، وكثير من أصحابه يحفظونه كله أو بعضه، ولكن هذا التدوين في حياة الرسول تارة كان على الورق، وتارة كان على بعض الأحجار الرقيقة البيضاء وتارة كان على سعف النخل، وكان كل كاتب من كتاب الوحي، عنده مجموعة مما كتب، وكذلك عند بعض الصحابة وفي بيت الرسول، ولم تكن من هذه المدونات مجموعة واحدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
فلما نشبت حروب الردة في خلافة أبي بكر الصديق، وأصبح كثير من الصحابة عرضة، لأن يموتوا في هذا القتال، خشي ولاة الأمر أن تضيع صحيفة من القرآن محفوظة عند واحد منهم فأشاروا على أبي بكر أن يجمع كل ما دون فيه من القرآن ويضم بعضه إلى بعض، ويكون من متفرقه مجموعة واحدة، فعهد أبو بكر بهذا إلى زيد بن ثابت -من أشهر كتاب الوحي، ومن أحفظ الصحابة للقرآن- فأخذ زيد في جمع هذه المدونات المفرقة مع مقابلة ما دونه كتاب الوحي بما دونه من دون لنفسه من الصحابة، والمقابلة بين ما دون في السطور وما حفظ في الصدور وأتم جمع ما دون فيه القرآن، وضم بعضه إلى بعض مرتبًا مضبوطا على ملأ من المهاجرين والأنصار، وبقيت هذه المجموعة عند أبي بكر، ثم خلفه في حفظها عمر، ثم خلفته في حفظها أم المؤمنين حفصة بنت عمر.
وفي سنة "20هـ" أخذ الخليفة عثمان بن عفان هذه المجموعة من أم المؤمنين حفصة، وعهد إلى زيد بن ثابت وبعض الصحابة أن يكتبوا منها عدة نسخ لتنشر في أمصار المسلمين حتى يتيسر لكل مسلم الرجوع إلى القرآن، وحتى لا يقع اختلاف بسبب اختلاف لهجات الأداء، وقد كتبوا ست نسخ احتفظ الخليفة عثمان لنفسه بواحدة ووزع الباقيات بالمدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، ودمشق، ووضعت بالمساجد العامة وصارت مرجع المسلمين يحفظون منها، وينقلون عنها بلا تغيير ولا تبديل، والأثر التشريعي الخالد لهذا التدوين أن آيات الأحكام في القرآن بهذا التدوين تواتر نقلها كتابة ومشافهة، وصارت كلها قطعية الورود، وكفى المسلمون عناء الجهود في روايتها وأسانيد رواتها، ولم يطرأ من هذه الناحية أي اختلاف.
وأما المصدر التشريعي الثاني -وهو نصوص الأحكام في السنة- فلم يدون في هذا العهد، كما أن السنة كلها لم تدون فيه؛ لأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فكر في تدوينها، ولكنه بعد التروي والتشاور خشي أن يؤدي تدوينها إلى أن تلتبس الستة بالقرآن؛ فلم ينفذ ما فكر فيه، انقضى القرن الأول الهجري من غير أن تدون السنة ما عدا ما روي من أن عبد الله بن عمرو بن العاص، كانت له صحيفة اسمها الصادقة دون فيها الأحاديث التي سمعها من رسول الله نفسه.
ولكنهم مع عدم تدوينهم السنة اتخذوا بعض احتياطات رأوا فيها ما يكفل الوثوق من روايتها، وتحرى الرواة في نقلها، فقد كان أبو بكر لا يقبل الحديث من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)