ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته - سبحانه- وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث، ولا مشقة، ولا تعب"1.
وأما الأحاديث والآثار الواردة في الكرسي فهي كثيرة جدا، وقد أورد ابن أبي شيبة بعضا منها، فنكتفي بما أورده2.
وقد تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. والأقوال في الكرسي هي:
القول الأول:
أن المراد بالكرسي: العلم.
وهذا القول هو قول الجهمية3، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم، كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فرارا منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه، وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} قال: كرسيه علمه4.--------------------------------------------
1 انظر: "مختصر الصواعق": (1/ 288) .
2 انظر الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب تحت رقم 45، 46، 58، 59، 61، 88.
3 انظر: "التنبيه والرد": ص 104، و"الكشاف": (1/ 385، 386) ، "مجموع الفتاوى": (5/ 60) ، و"الرد على بشر المريسي": ص 71، و"تفسير روح المعاني": (3/ 10) .
4 أخرجه الطبري في "تفسيره": (3/ 9) ، وعبد الله بن الإمام أحمد في "كتاب السنة": (2/ 167) ، وابن منده في "الرد على الجهمية": ص 45، والبيهقي في "الأسماء والصفات": ص 497.
وأورده ابن كثير في "تفسيره": (1/ 309) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم. وجميعهم من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وهو حديث غير صحيح. وقال الدارمي: "هو من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذ قد خالفه الرواة المتقنون".
وقال ابن منده: "لم يتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وهدا القول قد رجحه الطبري بقوله:"وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه أنه قال: هو علمه"1.
القول الثاني:
أن المراد بالكرسي هو: العرش نفسه.
وهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: "الكرسي هو العرش"، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول2، واعتمد في ذاك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم--------------------------------------------
1 "تفسير الطبري": (3/ 11) .
2 في كلام ابن جرير في هذه المسألة تناقض، فقد ذكر أولا أن هذا القول هو أولى بتأويل الآية، ثم نقض كلامه فقال: "أما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه"، وقد تكلم محمود شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" على هذا التناقض، وبين عدم أرجحية كلا القولين. انظر: "تفسير الطبري ": (1/ 401) ، طبعة دار المعارف المصرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الرب - تعالى ذكره -، ثم قال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإنه ليقعد عليه، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال باصابعه فجمعها: وإن له أطيطا كأطيط الرحل التجديد إذا ركب من ثقله "1.
القول الثالث:
أن المراد بالكرسي: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض2،--------------------------------------------
1 أخرجه ابن جرير في "تفسيره": (1/ 111) ، والدارمي في "الرد على بشر المريسي": ص 47، وأحمد في "السنة": ص 17. كلهم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة مرسلا بنحوه.
وقد روى الحديث مرفوعا وموقوفا، وقد. طعن في هذا الحديث لاضطراب في السند والمتن، قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية": (1/ 5، 6) : "هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده مضطرب جدا"، ثم قال: "وتارة يرويه ابن خليفة عن عمر عن رسول الله، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة، وتارة يأتي "فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع"، وتارة يأتي "فما يفضل منه مقدار أربع أصابع"، وكل هذا تخليط من الرواة فلا يعول عليه.
وقال ابن كثير: "ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفا، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها". "تفسير ابن كثير": (1/ 310) .
وهذا بالإضافة إلى أن عبد الله بن خليفة الذي عليه مدار الحديث لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال فيه الذهبي: لا يكاد يعرف. وقال فيه ابن كثير: ليس بذاك المشهور، وفي سماعه عن عمر نظر. انظر: "ميزان الاعتدال": (1/ 414) .
2 انظر: "تفسير القرطبي": (1/ 276) ، "تهذيب اللغة": (10/ 53) ، "أقاويل الثقات في تأويل آيات الأسماء والصفات": (ق 14/أ) ، "لسان العرب": (6/194) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي: اجعل له ما يعمده ويمسكه1.
القول الرابع:
أن الكرسي هو: الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت2.
وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين، في علم الهيئة من فلاسفة المسلمين، كابن سينا وغيره، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن العرش هو: الفلك التاسع.
القول الخامس:
أن الكرسي جسم عظيم، مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ- عز وجل 3.
وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، ومن سار على نهجهم، واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن، والسنة، والإجماع، ولغة العرب التي نزل القرآن بها.--------------------------------------------
1 "تفسير القرطبي": (3/ 276) ، "غرائب القرآن وركائب الفرقان": (3/ 18) .
2 "كتاب الكليات": (4/ 122) ، "البداية والنهاية": (1/ 14) ، "تفسير ابن كثير": (1/310) .
3 "الفتاوى": (5/ 54) ، "تفسير ابن كثير": (1/ 309) ، "أقاويل الثقات": (ق 24/ ب) ، "الأسماء والصفات": ص 510، "شرح العقيدة الطحاوية": ص 213.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
فالأحاديث والآثار الثابتة دلت على هذا وبينته بيانا واضحا لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:
حديث أبي ذر الغفاري- رضي الله عنه قال: دخلت المسجد الحرام، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أفضل، قال: "آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" 1.
وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم 109) - بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث-: "وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ} ، وهو صريح في أن الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جرم قائم بنفسه، وليس شيئا معنويا، وفيه رد على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان".
وأيضا ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ} ، قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد"2.
وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين، منهم ابن--------------------------------------------
1 حديث صحيح. انظر تخريجه في قسم التحقيق تحت رقم 58.
2 انظر تخريجه في قسم التحقيق تحت رقم 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
مسعود1، وأبو موسى الأشعري2، ومجاهد3 وغيرهم.
ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع جمهور السلف"4، قال شارح "العقيدة الطحاوية": "وإنما هو: الكرسي- كما قال غير واحد من السلف- بين يدي العرش كالمرقاة إليه"5.
وقال محمد بن عبد الله زمنين: "ومن قول أهل السنة: أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين"6.
وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"7.
كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى للكرسي غير هذا المعنى. قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد--------------------------------------------
1 تقدم تخريج الأثر الوارد عنه في ص 88.
2 انظر تخريج الأثر الوارد عنه في قسم التحقيق تحت رقم 60.
3 انظر تخريج الأثر الوارد عنه في قسم التحقيق تحت رقم 45، 59.
4 "الفتاوى": (1/ 584) .
5 "شرح العقيدة الطحاوية": ص 313.
6 "أصول السنة": ص 292.
7 "تفسير القرطبي": (3/ 276) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم، دونه السموات والأرض"1.
وقال ثعلب: "الكرسي: ما تعرفه العرب من كراسي الملوك"2.
ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول، وموافقته للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة، ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.
وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس فهو غير صحيح، كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين … "، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.
وأما القول الثاني أن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جويبر وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جدا".
وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جويبر، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره"3.--------------------------------------------
1 "تهذيب اللغة": (10/53) .
2 "تهذيب اللغة": (10/35) .
3 "البداية والنهاية": (1/ 13) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"1.
ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم.
وأما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو- أيضا- تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.
وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول- كما ذكره ابن كثير- وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا، كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.--------------------------------------------
1 "الأسماء والصفات": ص 493.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
الباب الثالث: الكلام على صفتي العلو والاستواء
الفصل الأول: الأقوال في صفة العلو
المبحث الأول: أقوال المخالفين
…
القول الأول:
قول المعطلة من الفلاسفة1، والجهمية2، والمعتزلة3، ومتأخري الأشاعرة4، والقرامطة الباطنية5.
وهؤلاء جميعا ينفون علو الله وارتفاعه فوق خلقه، وكل ذلك تحت دعوى التوحيد، والتنزيه، ونفي التشبيه، فهم يزعمون أن إثبات العلو لله - تعالى- فيه إثبات للجهة، والمحايثة، والحد، والحركة، والانتقال، وهذه الأمور- على زعمهم- تستلزم الجسمية، والأجسام حادثة والله منزه عن الحوادث، فمن أجل ذلك نفوا العلو، وأولوا النصوص الثابتة--------------------------------------------
1 "النجاة" لابن سينا: ص 37.
2 "مجموع الفتاوى": (1/ 297- 298) ، (5/ 122) .
3 "مجموع الفتاوى": (1/ 297- 298) ، (5/ 122) .
4 "تأويل مشكل الحديث" لابن فورك: ص 63، "الاقتصاد في الاعتقاد" للغزالي: ص 29، 34.
5 "درء تعارض العقل والنقل": (5/ 178) ، والقرامطة: من الباطنية، وهم ينتسبون إلى حمدان بن الأشعث الذي كان يلقب بقرمط، لقرمطة في خطه أو خطوه، انظر: "الفرق بين الفرق": ص 281، 293، "المنتظم" لابن الجوزي: (5/ 110، 119) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
فيه بان المراد بها علو القهر والغلبة.
وقد انقسم الجهمية المعطلة النافون لعلو الله إلى فريقين في هذه المسألة:
الفريق الأول: وهم الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا هو كل مباين له ولا محايث له.
وهذا القول هو ما يذهب إليها النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة1، وهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما، وبالغوا في نفي التشبيه، حتى أدى بهم ذلك إلى نفي وجوده بالكلية، وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هربا منهم- على حد زعمهم - من إثبات الجهة، والمكان، والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيما، وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات، فنحن نسد الباب بالكلية.
وقد استند أصحاب هذا القول في قولهم هذا على حجج، زعموا أنها عقلية، أسسوها وابتدعوها وجعلوها مقدمة على كل نص، وليس لهؤلاء أي دليل من القرآن أو السنة على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: "وجميع أهل البدع قد--------------------------------------------
1 "الرسالة الأضحوية"، نقلا عن "مختصر الصواعق": (1/ 237) ، "الاقتصاد في الاعتقاد": ص 34، "تأويل مشكل الحديث": ص 63، 64، "مجموع الفتاوى": (2/ 297، 298) ، (5/ 122- 124) ، "نقض التأسيس": (1/6،7) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
يتمسكون بنصوص، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم، إلا الجهمية، فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه في النفي"1. وسنأتي بعد ذكر القول الثاني إلى ذكر بعض تلك الحجج التي زعمها هؤلاء.
الفريق الثاني: وهم الذين يقولون بان الله بذاته في كل مكان.
وهذا القول هو ما يذهب إليه النجارية2، وكثير من الجهمية وبخاصة عبادهم، وصوفيتهم، وعوامهم، وأهل المعرفة والتحقيق منهم3.
ويحتج هؤلاء ببعض الحجج العقلية المزعومة بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على المعية والقرب.
وقد يجمع كثير من هؤلاء المعطلة بين القولين، فهو في حالة نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما، فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه.--------------------------------------------
1 "مجموع الفتاوى": (5/ 122) .
2 هم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله بن النجار، وقد كان أكثر معتزلة الري ومن حولها على مذهبه، وقد نقل الشهرستاني في "الملل والنحل": (1/131، 114) عن الكعبي قوله: "إن النجار كان يقول: إن البارئ بكل مكان وجودا، لا على معنى العلم والقدرة".
وانظر: "مقالات الإسلاميين": (1/ 135- 137، 283- 285) ، و"الفرق بين الفرق": ص 126، 127، و"أصول الدين" للبغدادي: ص 334، و"التبصير في الدين": ص 101، 102، 103.
3 انظر: "نقض التأسيس": (1/ 7) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وفي حالة تعبده وتألهه يقول: بأنه في كل مكان، ولا يخلو منه شيء1.
أولا: شبه المعطلة العقلية:
إن جل ما اعتمد عليه هؤلاء المعطلة من أدلة على نفي صفة العلو وغيرها من الصفات إنما هو عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة، بناها هؤلاء المعطلة على أصول فلسفية كانوا قد تاثروا بها، وليس لهؤلاء المعطلة في نفيهم هذا أساس من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد جعل هؤلاء المعطلة لتلك الحجج حكم الأمر المحكم، الذي يجب اتباعه واعتقاد موجبه والتسليم به، وقد بلغ من تقديسهم لها أنهم جعلوها مقدمة على الكتاب والسنة، فإذا ورد النص من الكتاب أو السنة عرضوه على تلك الأسس العقلية، فإن وافقها احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا، وإن خالفها فهم يحرفون العلم عن مواضعه، فيؤولون نصوص القرآن، ويطعنون في نصوص السنة، وكل ذلك تحت دعوى التنزيه، والتوحيد، ونفي التشبيه.
وقد أفرط هؤلاء المعطلة في هذا الجانب- أي جانب نفي التشبيه- فجعلوا من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} 2 جنة يتترسون بها لنفي علو الله- سبحانه- فوق عرشه، وتكليمه لرسله، وإثبات صفات كماله، وغير ذلك مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم عنه،--------------------------------------------
1 "نقض التأسيس": (1/ 7) .
2 سورة الشورى، الآية: 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
حتى أنه قد آل ببعضه هؤلاء المعطلة إلى نفي ذاته خشية التشبيه، فقالوا: هو وجود محض لا ماهية له، ونفى آخرون وجوده بالكلية، خشية التشبيه- على حد زعمهم- حيث قالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات والكلام والعلو، فنحن نسد الباب بالكلية1.
وسوف نتعرض في هذا المبحث لبعض أسس تلك الشبه العقلية المزعومة، التي جعلها هؤلاء المعطلة مستندا لهم في نفي صفة العلو وغيرها من الصفات، ونبين ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مع بيان ما في تلك الأسس من تناقض، وبخاصة من الناحية العقلية.
ونظرا لتعدد مذاهب المعطلة واختلاف بعضها عن بعض في القول والرأي، فسوف نعرض شبهة كل فرقة من الفرق السابقة الذكر على حدة فنبدأ:
أولا: شبهة الفلاسفة2:
الفلاسفة ينفون صفة العلو، وباقي صفات البارئ- عز وجل كما سبق وأن ذكرنا، تحت دعوى التوحيد، والتنزيه عن مشابهة المخلوقين، فابن سينا يقول: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، فهو ليس بجسم، ولا صورة جسم، ولا مادة معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمة في--------------------------------------------
1 "مختصر الصواعق": (1/ 285) .
2 أقصد بهم فلاسفة المسلمين كابن سينا، والفارابي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
الكلام، ولا في المبادئ المقومة له، ولا في قول الشارح، ولا غير ذلك مما ينافي وحدة واجب الوجود وبساطته المطلقة"1.
والمتامل لهذه العبارات التي أوردها ابن سينا يعرف أنها إنما هي مجرد اصطلاحات اصطلحها هو وأمثاله من الفلاسفة، الذين تأثروا بفلسفة اليونان، فجعلوا من تلك العبارات المبتدعة ما أسموه بالتوحيد، وادعوا أن ما تضمنته هو التنزيه، مع أننا في الحقيقة متضمنة لنفي جميع الصفات، بما فيها العلو والاستواء لقوله: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه" يعني به: أنه ليس لله تعالى صفة ولا قدر، لأن ذلك على رأيه يستلزم التجسيم، والتجزئة، والتركيب، فيلزم نفيه. لأنه يلزم من ذلك الحدوث، والافتقار، وذلك ينافي واجب الوجود.
فابن سينا وأمثاله من الفلاسفة يعودون في نفي الصفات على حجة التركيب، والتي هي: "أنه لو كان له صفة لكان مركبا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزءاه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه" وهم بهذا الكلام تجدهم قد نفوا صفات البارئ جميعها.
ولو توقفنا عند العبارة السابقة وهي قوله: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط … " من أجل بيان أن ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل وحتى مخالفتها للعقل الذي يقدمه هؤلاء على كل شيء--------------------------------------------
1 "النجاة" لابن سينا: ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
لوجدنا أن هذه العبارة هي تفسير للواحد بما لا أصل له في الكتاب أو السنة، بل هو تفسير باطل شرعا، وعقلا، ولغة.
أما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن هذا القول ليس هو معنى الواحد في اللغة، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيرا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسما، إذ المخلوقات إما أجسام وإما أعراض- عند من يجعله غيرها أو زائدة عليها.
وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدا، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم، إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، ولا يوجد في اللغة اسم الواحد إلا على ذي صفة ومقدار، لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} 1، ومعلوم أن النفس الواحدة المراد بها هنا آدم عليه السلام، وحواء خلقت من ضلع آدم، فمن جسده خلقت، ولم تخلق من روحه، حتى لا يقول القائل: الواحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها، وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام التي سماها الله نفسا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة، وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} 2، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف--------------------------------------------
1 سورة النساء، الآية: 1.
2 سورة المدثر، الآية: 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد من باب أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام.
وأما في العقل: فإن الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة أنه أمر لا ينقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، فليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات، ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن يرى ولا يدرك ولا يحاط به، وإن سماه المسمى جسما.
وأما في الشرع: فنقول: إن مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم، تعرف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد لما في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات، وسلب إدراكه بالحواس، ولا نفي الحد والقدر، ونحو ذلك من المعاني التي ابتدعها هؤلاء1.
وأما حجة التركيب التي اعتمد عليها هؤلاء الفلاسفة في نفي الصفات وهي قولهم: "إنه لو كان صفة لكان مركبا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزءاه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه"، فهي تتكون من ألفاظ مجملة، بمعنى أن كل لفظة منها تحتمل عدة معان، فلابد من توضيح المراد من كل لفظ- أولا- حتى يتكلم فيه.--------------------------------------------
1 انظر: "نقض التأسيس": (1/ 482، 484، 488) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
فلفظ المركب- مثلا-: قد يراد به ما ركبه غيره، أو ما كان متفرقا فاجتمع، أو ما يقبل التفريق، والله منزه عن هذه المعاني باتفاق.
وأما الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها فإذا سميتم هذا تركيبا كان ذلك اصطلاحا لكم، وليس هو المفهوم من لفظ المركب، ولن تستطيعوا- أيها الفلاسفة- إقامة الدليل على نفيه.
وأما قولهم "لكان مركبا": فإن أرادوا لكان غيره ركبه، أو لكان مجتمعا بعد افتراقه، أو لكان قابلا للتفريق، فاللازم باطل. فإن الكلام إنما هو في الصفات اللازمة للموصوف الذي يمتنع وجوده بدونها.
وإن أرادوا بالمركب الموصوف، أو ما يشبه ذلك، قيما قالوا إن ذلك يمتنع، وأما قولهم: "والمركب مفتقر إلى غيره"، فالجواب عنه: أما المركب بالتفسير الأول فهو مفتقر إلى ما يباينه، وهذا ممتنع على الله - تعالى-.
وأما الموصوف بصفات الكمال اللازمة لذاته، الذي سميتموه أنتم مركبا، فليس في اتصافه هذا ما يوجب كونه مفتقرا إلى مباين له. وإن قالوا: هو غيره، وهو لا يوجد إلا بها، وهذا افتقار إليها، قيل لهم: إن أرادوا بقولهم هي غيره أنها مباينة له فذلك باطل.
وإن أرادوا أنها ليست إياه، قيل لهم: إذا لم تكن الصفة هي الموصوف فأي محذور في هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
واذا قالوا هو مفتقر إليها، قيل: أتريدون بالافتقار أنه مفتقر إلى فاعل يفعله، أو محل يقبله، أم تريدون أنه مستلزم لها فلا يكون موجودا ألا وهو متصف بها.
أما الثاني فأي محذور فيه، وأما الأول فباطل إذ الصفة اللازمة للموصوف لا يكون فاعلا لها1.
وأما قولهم: "إنه لو كان صفة لاإ ن مركبا، والمركب مفتقر إلى جزأيه"، فهذا القول لا يتم إلا عند من يثبت الجوهر الفرد، وأما نفاته فعندهم أن الجسم في نفسه واحد بسيط ليس مركبا من الجواهر المنفردة، وهذه المسألة خلافية، قد "توقف فيها أذكى المتأخرين من الأشعرية، وإمامهم أبو المعالي الجويني2، وكذلك أذكى متأخري المعتزلة أبو الحسين البصري3، وكذلك الرازي4، فهي مقدمة--------------------------------------------
1 انظر: "منهاج السنة": (1/ 188- 191) بتصرف.
2 هو إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، ولد بنيسابور سنة 419هـ، وتوفي بها سنة 478 هـ، من أعظم أئمة الأشاعرة، تتلمذ عليه الغزالي.
انظر ترجمته في: "تبيين كذب المفتري": ص 278، "طبقات الشافعية": (4/249 - 282) .
3 هو أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري، من متأخري المعتزلة، ومن أئمتهم، توفي سنة 436 هـ.
انظر: "الملل والنحل": (1/ 130- 131) ، لسان الميزان: (5/ 598) .
4 هو أبو عبد الله فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري الرازي، ويعرف بابن الخطيب، وبابن خطيب الري، ولد سنة 544 هـ، وتوفي سنة 606 هـ، من أئمة الأشاعرة الذين مزجوا المذهب الأشعري بالفلسفة والاعتزال.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان": (1/ 381- 385) ، "شذرات الذهب": (5/ 21) ، "طبقات الشافعية": (5/ 33- 41)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ممنوعة، لا تصلح دليلا لوجود، والنزاع فيها حتى بين الفلاسفة أنفسهم1.
ثانيا: شبهة المعتزلة:
وأما شبهة المعتزلة التي اعتمدوا عليها في نفي صفات البارئ- عز وجل بما فيها صفة العلو، فهي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: أنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره2، ولكان جسما، إذ إن ثبوت الصفات--------------------------------------------
1 "نقض التأسيس": (1/ 495، 496) .
2 بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم- أيضا- يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: "إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة، فقد أثبت الإلهين"، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.
انظر: "الملل للشهرستاني": (1/ 44- 46) ، "مقالات الإسلاميين": (1/245) ، "منهاج السنة،: (2/169) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
تقتضي كثرة، وتعددا في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد.
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال-، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على- حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون- أيضا- أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين، فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون- أيضا- أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا مخلوقا، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب، والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها1.
والمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسما وإمكان المعاد.
الرد عليهم:
مما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن--------------------------------------------
1 انظر: "مختصر الصواعق": (1/ 254) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)