رابعا: دليل العقل
وكما أن علو الله ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف، فهو - أيضا- ثابت بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح.
والأدلة العقلية على إثبات العلو كثيرة، وسنورد ههنا ثلاثة منها:
الأول: قول الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله- تعالى-. حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان.
فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟
فسيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه، أم خارجا عن نفسه؟
فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل:
واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا- أيضا- كفرا حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.
وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه. لم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع"1.
الثاني: قول ابن القيم: "إن كل من أقر بوجود رب للعالم، مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه، وعلوه عليهم".--------------------------------------------
1 "الرد على الزنادقة والجهمية": "ص (95- 96) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
فمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا،
فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربا لا ذات له، ولا ماهية له، هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذا" مخصوصة وماهية، فيما أن يقر بتعينها أو يقول: إنها غير معينة،
فإن قال: إنها غير معينة كانت خيالا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين، فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته - سبحا نه- واجب.
وإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم - قطعا- مباينة أحد المتعينين للآخر، فاز" إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.
فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلا فيه، ولا خارجا عنه.
قيل: هذا- والله- حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له، ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرا عدميا محضا، ونفيا صرفا، وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض. وأيضا، فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء، وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم- قطعا- من إثبات ذاته تعيين تلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها، لما تقدم من تقريره"1.
الثالث: إنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف لي العلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلا عن السفول.
والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة، وعلو القهر، ؤعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذيا له ولا سافلا عنه.
ولما كان العلو صفة كمال، كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليا عليه، لا يكون- قط غير عال عليه2
وبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه، وكذلك مدى--------------------------------------------
1 "مختصر الصواعق": (1/ 279- 280) .
2 "درء تعارض العقل والنقل": (7/ 5- 6) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول، وصحيح المنقول.
خامسا: دليل الفطرة
من المعلوم أن الفطرة السليمة قد جبلت على الاعتراف بعلو الله- سبحانه وتعالى، ويظهر هذا الأمر حينما يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى أن يقصد جهة العلو ولو بالقلب حين الدعاء، وهذا الأمر لا يستطيع الإنسان دفعه عن نفسه، فضلا عن أن يرد على قائله وينكر هذا الأمر عليه.
ومن أجل ذلك لم يجد الجويني- إمام الحرمين- جوابا حين سأله الهمداني محتجا عليه بها، فقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبا المعالي الجويني المعروف بـ"إمام الحرمين"، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: "كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان"، فقال الشيخ أبو جعفر: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش- يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع- أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا ألله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة عق قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني1.--------------------------------------------
1 "مجموع الفتاوى": (4/ 44، 61) ، "شرح العقيدة الطحاوية": ص 325، 326.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارا بذلك، وتصديقا من غير أن يتواطئوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.
وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى دعائه وسؤاله هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها، وخلو القلوب عن قصد جهة من الجهات، بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.
فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك"1.--------------------------------------------
1 انظر: "درء تعارض العقل والنقل": (7/5) ، بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
الفصل الثاني: الاستواء والأقوال فيه
المبحث الأول: أقوال نفاة الاستواء
…
سبق أن ذكرنا في الفصل الأول من هذا الباب أن المعطلة من الفلاسفة والجهمية ومتأخري الأشاعرة على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجا مستقلا في مسألة الصفات إلا أنهم يتفقون جميعا على إنكار الصفات الخبرية، بما فيها صفتا العلو والاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة، التي يزعمون أن فيها تنزيها لله عن مشابهة المخلوقين.
وإن سبب ذلك التأويل الباطل، هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفسه الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر- وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى- بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف، وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات، وهي في الحقيقة شبهات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال- منها:
القول الأول:
من هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} على الاستيلاء، والقهر، والغلبة.
وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية1، والمعتزلة2، والحرورية3، وكثير من متأخري الأشاعرة4، كسيف الدين الآمدي5، وأبي حامد الغزالي6، والبغدادي7، وغيرهم.
وقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن هذا التأويل الذي هو تأويل الاستواء بالاستيلاء هو أمر مشهور في لغة العرب، ومن ذلك قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق--------------------------------------------
1 انظر: "مجموع الفتاوى": (5/ 96) ، و"مختصر الصواعق": (2/ 144) .
2 "متشابه القرآن" للقاضي عبد الجبار: (11/ 73، 351) .
3 انظر: "مجموع الفتاوى": (5/ 96) ، "مختصر الصواعق": (2/ 144) .
4 انظر: "تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد": ص 54.
5 انظر: "غاية المرام": ص 141.
6 انظر: "الاقتصاد في الاعتقاد": ص 104.
7 "شرح الأصول الخمسة": ص 221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
وقال الآخر:
هما استويا بفضلهما جميعا … على عرش الملوك بغير زور
وقال الآخر:
فلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر
وقد ذكر عمر بن عبد البر- رحمه الله تعالى- أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس- رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان1.
ومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات، وأرفعها، وأوسعها، فخصص بالذكر تنبيها على ما دونه.
ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى: الملك2، ويزعم--------------------------------------------
1 "التمهيد": (7/ 231) . وقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: "إن هذا الحديث منكر على ابن عباس- رضي الله عنهما، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله ابن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا" اهـ.
2 انظر: "شرح الأصول الخمسة": ص 226، "تفسير الرازي": (14/ 15) ، 9 "أصول الدين" للبغدادي: ص 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
أن معنى الآية أنه استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول: إن الله قد عبر بالعرش كناية عن نفس الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك لأن العرش- في كلامهم- هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك، ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْر} فقالوا: إن قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْر} جرى مجرى التفسير لقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} "1.
الرد عليهم:
لقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل، ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد الذي لم يذهب إليه صاحب، ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذي يحكون قول السلف.
ولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:
أولا: إنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه--------------------------------------------
1 "تفسير الرازي": (14/ 115) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
استولى- كما يزعم هؤلاء- لكان استعماله في أكثر موارده، كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.
أما أن يأتي إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأتي ذلك1.
ثانيا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد "ثم" التي حقيقتها الترتيب والمهملة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في "صحيح مسلم" عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء" 2.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} .--------------------------------------------
1 انظر: "مختصر الصواعق المرسلة": (2/ 128، 129) .
2 تقدم تخريجه ص 60. يأتي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وفي "صحيح البخاري" عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض" 1.
فالآية والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستول على العرش إلى أن خلق السموات والأرض2.
ثالثا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى: القدرة، أو القهر، أو نحو ذلك، عام في المخلوقات كالربوبية.
والعرش وإن كان أعظم المخلوقات، ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ، فلو كان استوى بمعنى: استولى كما هو عام في المخلوقات كلها، لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء، وعلى الهواء، وعلى البحار، والأرض، وعليها، ودونها، ونحوها، إذ هو مستو على العرش، فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش، وليس عاما كعموم الأشياء3.--------------------------------------------
1 سيأتي تخريجه في قسم التحقيق تحت رقم 1.
2 "مجموع الفتاوى": (5/ 145) .
3 "مجموع الفتاوى": (5/ 144) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
رابعا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله- تعالى- أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض، ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراد بقوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} : أي: اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه1.
خامسا: أن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم أن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.
فهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، فقال: "هو كما أخبر عز وجل، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادا فإذا غلب أحدهما قيل استولى أما سمعت النابغة:
إلا لمثلك أن من أنت سابقه … سبق الجواد إذا استولى على الأمد"2
وقد سئل الخليل بن أحمد هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟--------------------------------------------
1 "مختصر الصواعق": (2/ 140- 141) .
2 "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي: (2/ 399) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
فقال: "هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في لغتها، والخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله- فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل"1.
وكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلا في حق من كان عاجزا ثم ظهر، والله - سبحانه- لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.
وقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: "استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجا، {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} 2: أقبل، و {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها، واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب"3.
فبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة، وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.
وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات- كقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق--------------------------------------------
1 "مجموع الفتاوى": (5/ 144، 159) .
2 سورة البقرة، الآية: 29.
3 "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي: (1/ 399-400) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
وقول الآخر:
هما استويا بفضلهما جميعا … على عرش الملوك بغير زور
فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة قد أنكرهما.
قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما"1.
فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله عام لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده، وقد طعن فيه أئمة اللغة.
قال عمر بن عبد البر: "وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله- عز وجل أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {اسْتَوَى} قال: علا.--------------------------------------------
1 "زاد المسير" لابن الجوزي: (3/ 212) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى، أي: انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد"1. وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس- رضي الله عنهما فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس، ورواته مجهولون وضعفاء، كما تقدم ذكره.
القول الثاني:
أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش، وعمد إلى خلقه، كقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} 2 أي:. عمد إلى خلق السماء. وهذا هو قول بعض الجهمية3، وإليه ذهب الفراء4، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي5.
الرد عليهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض.
وكذلك ثبت في "صحيح البخاري" عن عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه--------------------------------------------
1 "التمهيد": (7/ 131) .
2 سورة فصلت، الآية: 11.
3 "مختصر الصواعق": (1/ 126) .
4 الفراء: هو يحى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، مولى بن أسد، المعروف بالفراء، ولد سنة 144 هـ، وتوفي سنة 207 هـ، انظر ترجمته: "وفيات الأعيان": (5/ 225- 230) ، "الأعلام": (9/ 178- 179) .
5 انظر: "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي: (2/ 8- 9) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء … " فإذا كان العرش مخلوقا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!
لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازا، ولا في نظم ولا في نثر.
ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة- أيضا- ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل المفسرون من السلف، قولهم بخلاف ذلك"1.
وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى..: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجب من جهله، بل من إقدامه على- حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم"2.--------------------------------------------
1 "مجموع الفتاوى": (1/ 520، 521) .
2 "مختصر الصواعق المرسلة": (2/ 143) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
القول الثالث:
أن استوى بمعنى: علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، إنما المراد علو المكانة والقهر. وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكم بن فورك1، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.
الرد عليهم:
إن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة2.--------------------------------------------
1 "كتاب مشكل الحديث" لابن فورك: ص 193، و"الأسماء والصفات" للبيهقي: ص 518.
2 "المعتمد في أصول الدين" للقاضي أبي يعلى: ص 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
المبحث الثاني: أقوال مثبتة الاستواء
القول الأول:
وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش، وليس على أساس أنه صفة الله- تعالى-.
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش، بمعنى أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم به- أي بالله- فعل اختياري.
وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري1 وأئمة أصحابه المتقدمين، كالباقلاني وغيره، وهو- أيضا- قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وابن عقيل في كثير من أقواله2.
والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله- تعالى- هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته- سبحانه وتعالى--------------------------------------------
1 هذا القول لأبي الحسن الأشعري، قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.
2 "مجموع الفتاوى": (5/ 386، 437، 466) ، (16/ 393) ، "الأسماء والصفات": ص 517، "اجتماع الجيوش الإسلامية": ص 64، 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته - كالنزول والاستواء - كأفعاله المتعدية- كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.
وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضا، إذ هي قديمة ولا تزول"1.
وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله- تعالى- أنهم يقولون:
"إن كل ما صح قيامه بالبارئ- تعالى- فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون، فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.
وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف البارئ بها، لأن إجماع الأمة على أن صفات البارئ بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر-غير جائز"2.
الرد عليهم:
لقد اعتمد أصحاب هذا القول فر، منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى- على حجة منع قيام الحوادث بذاته- تعالى-، وهي حجة واهية، وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن--------------------------------------------
1 "مجموع الفتاوى": (6/ 36) .
2 انظر كتاب: "ابن تيمية السلفي": ص 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنها في الأزل لا يكون خلوا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.
ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي، ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع، فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.
وقولهم باجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعا، فإن أهل الكلام يقولون: إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص، والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفا.
ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم، فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاما وفعلا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور، ولا مراد، أو يكون بائنا عنه، لكانت العقول تقتضي بأن الأول أكمل من الثاني.
وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين، أو مطلقا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء، والتصرف بنفسه، والآخر لا يمكنه ذلك، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)