فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به، والتي يفعل بها المفعولات المباينة له- صفات كمال"1.
وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائدا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى"2.
القول الثاني: القول بالتفويض
ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون أن إن الاستواء ثابت في القرآن، حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة، وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز، وهو استواء لا نعلمه3.
وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه "الاعتقاد"4، وهو--------------------------------------------
1 "الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل": (2/73-175) ، ط. دار الكتب.
2 انظر: "اجتماع الجيوش الإسلامية": ص 64- 65.
3 "الاعتقاد" للبيهقي: ص 115.
4 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
أحد قولي الرازي1.
وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف2. ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف، ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله- تعالى ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته- جل وعلا-".
وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".
والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: "إن طريقة السلف أسلم"، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ} 3.
الرد عليهم:
معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هو محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين--------------------------------------------
1 "تلخيص المحصل": ص 114.
2 "الاعتقاد" للبيهقي: ص 117، "الإتقان في علوم القرآن": (2/ 6) ، "مناهل العرفان": (2/ 182، 183) ، "تحفة المريد": ص 91، 92، "شرح الخريدة البهية": ص 75، "الأسماء والصفات": ص 517.
3 سورة البقرة، الآية: 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحدة منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل إن الوارد عنهم جميعا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو: العلو والارتفاع على العرش، ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعا مثل أن الله فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك"1.
وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات، فبين معانيها آية آية، وحديثا حديثا، ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله، مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبا لأهل السنة، وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها، بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها، وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف، ولا يلحد فيها"2.--------------------------------------------
1 "الفتوى الحموية": ص 64.
2 "مجموع الفتاوى": (17/ 414) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
ويقول ابن القيم- رحمه الله تعالى-: "تنازع الناس في كثير من الأحكام، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى، لا فهم الكنه والكيفية"1.
وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء، ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال: "الكيف مجهول"، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى2. والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما، بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية لأنه أثبت الصفة، وأراد بقوله: الاستواء معلوم، أي: أنه معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن، فعلى هذا يكون معلوما في القرآن.
ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر- كان مع ذلك--------------------------------------------
1 "مختصر الصواعق": (1/ 15) .
2 "الفتوى الحموية": ص 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
لابد للنصوص من معنى- فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي، والرازي.، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقا، بل غالبا ما يخالفونه، كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.
القول الثالث: قول المشبهة، والمقصود بها الهشامية1 من الروافض، والكرامية2 وغيرهم.
وهؤلاء يثبتون استواء الله، وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.
فالهشامية مثلا يقولون إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه3
وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:
فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.--------------------------------------------
1 هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا من الإمامية المشبهة. انظر: "المقالات": (1/ 31- 34) ، "الملل والنحل": (1/ 144- 147) .
2 هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية. انظر: "الملل والنحل": (1/ 144- 147) .
3 "الملل والنحل": (1/ 21) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
ومنهم من يقول: إن العرش مكان له، وأن العرش امتلأ به.
ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانا له، لأنه أكبر منها كلها.
ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به1.
وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.
فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض، له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء".
ونقل عنهم أنهم قالوا: إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأن له مكانا مخصوصا، وجهة مخصوصة، وأنه يتحرك، وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان، وهو متناه بالذات، غير متناه بالقدرة، وأنه مماس لعرشه، ولا يفضل منه شيء من العرش، ولا يفضل عن العرش شيء منه2.
وأما الكرامية فيقول عنهم ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقرارا، وإنه بجهة فوق ذاتا، وإنه أحدي الذات، أحدي الجوهر، وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا".
ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على--------------------------------------------
1 "الملل والنحل": (1/ 144- 147) .
2 "الملل والنحل": (2/ 22) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
جميع أجزاء العرش، والعرش تحته وهو فوقه كله، على الوجه الذي هو فوق جزء منه".
وقال بعضهم: إنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقي جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم.
وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.
وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش1.
الرد عليهم:
هذا القول للمشبهة يتضمن حقا وباطلا.
فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله، واستوائه على عرشه، وأنه بائن عن خلقه، والخلق بائنون عنه.
وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله، والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم، فالله- سبحانه وتعالى لم يطلعنا على كيفية ذاته، فأنى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ} 2.--------------------------------------------
1 انظر كتاب: "التجسيم عند المسلمين": ص 205.
2 سورة البقرة، الآية: 255.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استوائه، فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا أنهم يفترون على الله الكذب، قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} 1.
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟
والجواب معروف، وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.
ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله، أو كيفية استوائه، أو غيرها من الصفات، هو أمر غير جائز عند السلف، ويحرم الخوض فيه، بل ويبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء البارئ- عز وجل، حيث قال له: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء"، وأمر به أن يخرج. وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص، وهو الذي سار عليه السلف جميعا.
القول الرابع: مذهب السلف في الاستواء.
والمقصود بالسلف: هم الصحابة، والتابعون، ومن سار على نهجهم.--------------------------------------------
1 سورة النساء، الآية: 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ولقد كان قولهم في الاستواء كقولهم في سائر صفات الله، فهم وسط بين طائفتين هم المعطلة والمشبهة.
فهم لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا ذاته بذوات خلقه، كما يفعل المشبهة.
وكذلك لا ينفون عن الله ما وصف، به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فيعطلون أسماءه وصفاته، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسمائه وآياته. بل كان مذهبهم في سائر الصفات- بما في ذلك الاستواء- أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نفيا وإثباتا.
وطريقتهم في الإثبات أنهم يثبتون ما أثبته الله من الصفات من غير تكييف لها، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل.
وطريقتهم في النفي أنهم ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات، فطريقة السلف هي إثبات أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلة المخلوقين، فإثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} 1، ففي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} رد للإلحاد والتعطيل2.--------------------------------------------
1 سورة الشورى، الآية: 11.
2 انظر: "الرسالة التدمرية": ص 4- 7، ط. المطبعة السلفية، "الفتوى الحموية الكبرى": ص 16- 17، ط. المطبعة السلفية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
ولقد كانت هذه طريقة السلف في جميع الصفات دون تفريق بين صفة وصفة، وفي ذلك يقول الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا نتجاوز القرآن والسنة"1.
وبناء على هذه القاعدة كان مذهب السلف في صفة الاستواء أنهم يثبتون استواء الله على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، ويناسب كبرياءه، وهو بائن من خلقه، وخلقه بائنون به.
فالاستواء صفة ثابتة في القرآن والسنة، وقد أجمع سلف الأمة على إثباتها، فذكر صفة الاستواء جاء في سبعة مواضع من القرآن الكريم، وقد تقدم ذكرها، كما أن السنة مليئة بالأحاديث الثابتة الصحيحة الدالة على علو الله، واستوائه على عرشه.
والسلف يقولون: إن معنى هذا الاستواء الوارد في الكتاب والسنة معلوم في اللغة العربية، كما قال ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" فقولهم: "الاستواء معلوم"، أي: أن معنى الاستواء معلوم في اللغة، وهو ههنا بمعنى العلو والارتفاع.
قال ابن القيم- رحمه الله: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.--------------------------------------------
1 "مجموع الفتاوى": (5/ 26) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} 1، وهذا معناه: كمل وتم، يقال: استوى النبات، واستوى الطعام.
وأما المقيد فثلاث أضرب:
أحدهما: مقيد بـ"إلى" كقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ، واستوى فلان إلى السطح، وإلى الغرفة، وقد ذكر الله- سبحانه وتعالى المعدى بـ"إلى" في موضعين من كتابه، الأول: في سورة البقرة في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ، والثاني في سورة فصلت: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} 2، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
الثاني: المقيد بـ"على" كقوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} 3، وقوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ} 4، وقوله: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} 5، وهذا - أيضا- معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون بواو "مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه،--------------------------------------------
1 سورة القصص، الآية: 14.
2 سورة فصلت، الآية: 11.
3 سورة الزخرف، 1 لآية: 13.
4 سورة هود، الآية: 44.
5 سورة الفتح، الآية: 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
نحو استوى الماء والخشبة بمعنى: ساواها، وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم1.
ومما يؤكد- أيضا- أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: "والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو: العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه".
قال أبو عبيدة في قوله واستوى قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى، أي: انتهى شبابه، واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله عز وجل وقال: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} ، وقال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ} ، وقال: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} 2.
وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى، لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل- وكان ثقة، مأمونا، جليلا في علم الديانة واللغة- قال: "حدثني الخليل- وحسبك بالخليل- قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟--------------------------------------------
1 انظر: "مختصر الصواعق المرسلة": (2/ 126- 127) .
2 سروة المؤمنون، الآية: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} فصعدنا إليه1.
وقال ابن القيم: "إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع، كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول"2.
ولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: علا على العرش3، وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع4.
وقد روى عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله"5.
وقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: "سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: إ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، قال: على العرش استوى: ارتفع6.
وفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم--------------------------------------------
1 "التمهيد": (7/ 131- 132) .
2 انظر: "مختصر الصواعق": (2/ 145) .
3 انظر: "فتح الباري": (13/ 403) .
4 "مجموع الفتاوى": (5/ 519) .
5 "مجموع الفتاوى": (5/ 519) .
6 "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة": (3/ 397) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من أقوال نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.
ومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء، واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله- عز وجل لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه، وفي ذلك يقول القرطبي: "ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم "- يعني في اللغة- والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة"1.
وقال ابن القيم: "إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفياتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف "بلا كيف"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم"2.--------------------------------------------
1 "تفسير القرطبي".
2 "مدارج السالكين": (3/ 359) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
الباب الرابع: التعريف بالمؤلف
الفصل الأول: عصر المؤلف
…
أولا: الحالة السياسية:
عاش محمد بن عثمان بن أبي شيبة في القرن الثالث الهجري، فقد كان مولده في العشر الأول من هذا القرن، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين للهجرة، وقد شهد في هذه الفترة من حياته دولة الخلافة العباسية في مختلف مراحلها وعاصر عددا من خلفائها فقد أدرك بعضا من عصر المأمون (198- 211) ، وأدرك عصر المعتصم (18 2- 221) ، والواثق (127- 231) ، والمتوكل (132- 47 1) ، والمنتصر (147- 241) ، والمستعين (148- 251) ، والمعتز (152- 251) ، والمهتدي (155- 251) ، والمعتمد (156- 271) ، والمعتضد (179- 281) ، والمكتفي (189- 291) ، وبعض عصر المقتدر (195- 321) .
والذي يعنينا هنا هو تصور الجو السياسي في تلك الحقبة من الزمن، فقد كانت مشحونة بالفتن والاضطرابات والصراعات التي كانت تنتاب الدولة العباسية من حين إلى حين- وقد كانت هذه الصراعات في مجملها ذات أهداف شخصية لا تمت إلى الإسلام بصلة، وكان الهدف الرئيسي منها هو السيطرة على زمام الدولة العباسية، أو الاستئثار بحكم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
إقليم معين، أو منصب، أو وزارة في الدولة، فابتداء من عصر المأمون والحرب التي دارت بينه وبين أخيه الأمين، والتي هي في حقيقتها ليست إلا لونا مقنعا من الحرب بين العرب والفرس، فكان العرب وراء الأمين، والفرس وراء المأمون، وما ثورة "نصر بن شبث" ضد المأمون الأخير دليل ونموذج على ذلك1.
ثم إن الفرس أنفسهم حاربوا المأمون وجها لوجه مثلما كان من "حرب البابكية"2 بزعامة قائدهم "بابك الخرمي"، الذي خرج على المأمون وانتصر عليه في بعض المواقع، ومات المأمون ولم يستطع القضاء على هذه الثورة بل خلفها لأخيه المعتصم.
هذا بالإضافة إلى الثورات والتمردات والفتن الأخرى مثل: "حركة الزط"3، و "ثورة المصريين"4، و "فتنة خلق القرآن" التي كانت أعظم هذه الفتن، والتي لم يسلم من تيارها المحدثون والفقهاء.
ففي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد إلى ابن الحسين إسحاق بن إبراهيم ببغداد في امتحان--------------------------------------------
1 انظر التفصيل في: "تاريخ الطبري": (8/ 577، وما يليها) من الحوادث سنة 205 إلى سنة 210 هـ، و"تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم: (2/ 179، وما بعدها) .
2 انظر: "مروج الذهب" للمسعودي: (4/ 29) .
3 "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم: (2/ 69- 70) .
4 "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم: (2/ 69- 70) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
القضاة والمحدثين بخلق القرآن، فمن أقر أنه مخلوق خلي سبيلا ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن1.
وهكذا استمرت هذه المحنة التي شغلت المأمون أكثر مما شغلت المعتزلة، وعنى بها المأمون نفسه كما عنى بها المسلمون، ووقف المأمون يناصب العداء كل من خالفه في هذه المسألة، وسومه سوء العذاب2.
ثم يأتي المعتصم من بعد أخيه المأمون، ولم يكن عصره أحسن حالا من عصر أخيه، فقد ورث الخلافة وورث معها الثورات والفتن والاضطرابات التي لم يستطع المأمون القضاء عليها أو التخلص منها، فتورط المعتصم فيما تورط فيه المأمون من القول بخلق القرآن، واستمرت المحنة في عصره، وكذلك واجهته الكثير من المصاعب في القضاء على "فتنة الزط"3، الذين عاثوا في طريق البصرة فسادا، فقطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، وكذلك في القضاء على ثورة "بابك الخرمي"4، التي خلفها له المأمون وقد أنهاها المعتصم بعد جهد كبير.--------------------------------------------
1 انظر التفصيل في: "تاريخ الطبري": (8/ 631، 645) ، و"البداية والنهاية": (10/ 272، وما بعدها) ، و "تاريخ بغداد": (14/ 15) .
2 "تاريخ الأمم الإسلامية"، ص. 210- 215.
3 "تاريخ الطبري": (9/ 8- 11) ، "البداية والنهاية": (10/ 282) ، و"العصر العباسي الثاني" لشوقي ضيف: ص.10- 11.
4 "تاريخ الطبري": (9/ 11، وما بعدها) ، و"البداية والنهاية": (10/ 282، وما بعدها) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
وبالإضافة إلى ذلك فقد ضعفت ثقة المعتصم ومن جاء بعده من الخلفاء بالعرب1.
فذهب المعتصم يشتري الأتراك ويجمعهم، حتى اجتمع له منهم عدد كبير، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة2، ثم إنه اعتمد عليهم في تسيير أمور الدولة فأسند إليهم الولايات ومناصب الدولة، وأدر عليهم الهبات والأرزاق، وآثرهم على العرب والفرس في كل شيء3.
وقد كان لهذا التصرف من قبل المعتصم أثره السيء على دولة الخلافة، فقد بلغ من نفوذ هؤلاء الأتراك في العصر العباسي الثاني أنهم استولوا على زمام الأمور في بغداد والعراق، واستبدوا بالسلطة من دون الخلفاء إلى درجة أنهم كانوا هم الذين يعينون الخلفاء وهم الذين يعزلونهم، وكانوا أحيانا لا يتورعون عن قتل الخلفاء فقتلوا مثلا المتوكل، والمهتدي بالله، والمقتدر، والراضي4.
وقد تولى الخلافة من بعد المعتصم ابنه الواثق الذي استمر فيما كان عليه أبوه المعتصم وعمه المأمون فيما يتعلق بالقول بخلق القرآن واستمرت هذه المحنة في عهده حتى ملها وود لو وجد لنفسه منها--------------------------------------------
1 "ظهر الإسلام" لأحمد أمين: (1/ 3- 4) .
2 "مروج الذ هب": (4/ 53) .
3 "تاريخ الإسلام السياسي": (2/ 193) .
4 "ظهر الإسلام": (1/ 11- 25) ، و"العصر العباسي الثاني": ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
مخرجا1، واستمرت الاضطرابات في زمانه وقوي نفوذ الأتراك، وولي الخلافة من بعده المتوكل فناصر السنة وأبطل ما كان عليه من قبله من القول بخلق القرآن، وأمر بمناصرة مذهب السلف والرد على مقالة المعتزلة والجهمية، وحاول القضاء على نفوذ الأتراك واستبدادهم بأمور الدولة، ولكنهم سبقوه إلى ذلك فقتلوه في عام (248هـ) ، ومنذ ذلك الحين بدأ الضعف في دولة الخلافة، فزالت هيبتها، وضعف سلطانها وأصبح الأمر كله بيد الأتراك يصرفون الأمور، فيولون من شاءوا من الخلفاء، ويعزلونهم متى أرادوا، فأخذ الانحلال يدب في كيان الدولة، ولم يزل هذا شأنها حتى قضى عليها تماما في منتصف القرن السابع (156 هـ) على أيدي التتار.
من هذا الاستعراض الموجز والسريع للحالة السياسية في عهد المؤلف، يتضح لنا أن الأحوال السياسية في ذلك الوقت كانت على وجه العموم غير مستقرة، ومشحونة بالفتن والاضطرابات.
ثانيا: الحالة الاجتماعية:
اصطبغت الحياة الاجتماعية في معظم حواشيها بالصبغة الأجنبية بما فيها من ترف وزينة ومباهج، فكانت قصور الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة مضرب المثل في حسن رونقها وبهائها، كما امتازت بفخامة بنائها واتساعها وما يكتنفها من حدائق غناء وأشجار متكانفة، كما ازدانت بالمناضد الثمينة، بالزهريات المزخرفة، والتربيعات المرصعة--------------------------------------------
1 "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي: ص 432.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
المذهبة1.
وكان الشعب يتألف في هذا العصر من أربعة عناصر رئيسية هي: العرب، والفرس، والأتراك، والمغاربة2، وكان الرقيق يكونون طبقة كبيرة من طبقات المجتمع آنذاك، فقد كان اتخاذ الرقيق منتشرا انتشارا كبيرا، ولم ينظر الخلفاء العباسيون إلى الرقيق نظرة امتهان وازدراء إذ أن كثيرين منهم كانت أمهاتهم من الرقيق3.
وقد كان من ضمن طبقات الشعب في ذلك العصر أهل الذمة- اليهود والنصارى- وكانوا يتمتعون بكثير من ضروب التسامح، حيث كانوا يقيمون شعائرهم الدينية في أديارهم وبيعهم خارج مدينة بغداد في أمن ودعة، مما يدل على أن الخلفاء العباسيين كانوا على جانب عظيم من التسامح الديني معهم4.
وأما من حيث الزواج والمصاهرة فقد تغيرت تقاليدها عن ذي قبل، وذابت تلك العادة العربية المتمثلة في التحفظ عن مصاهرة غير العرب، فقد حطم العصر العباسي تلك الحواجز، وامتزج الدم العربي بالدم الفارسي وغيره من العناصر الأخرى5.--------------------------------------------
1 "تاريخ الإسلام السياسي ": (2/ 402، 403) .
2 "تاريخ الإسلام السياسي": (2/ 398) .
3 "العصر العباسي الأول" لشوقي ضيف: ص 57- 58.
4 "تاريخ الإسلام": (2/ 397) .
5 "العصر العباسي الأول": ص 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)