فأنت ترى أن هذا النفي المحض الذي استقاه من ركام الفلاسفة وغثاء الملاحدة يتضمن نفي الوجود الحق {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (1) .
وليس هذا بجديد، فهو سبيل من زاغ وحاد عن منهج الرسل عليهم السلام "من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة (2) . والمتفلسفة والجهمية (3) . والباطنية (4) . ونحوهم. فإنهم يصفونه سبحانه بالصفات--------------------------------------------
(1) الصافات، آية: 180-182
(2) ذهب جملة من الصابئة إلى وصف الله سبحانه بالسلوب، ولذلك قال البيروني عن صابئة حران: إنهم يصفون الله سبحانه بالسلب لا بالإيجاب كقولهم: لا يحد ولا يرى ولا يظلم ولا يجور، ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازًا إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه (الآثار الباقية عن القرون الخالية ص205) .
وطائفة الصابئة عمومًا اختلف في أمرها فقد أخرج الطبري بسنده عن مجاهد وغيره أنهم قالوا: "الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين". (انظر: تفسير الطبري: 2/146 من تحقيق أحمد ومحمود شاكر) . وهذا ما رجحه ابن كثير (انظر: تفسير ابن كثير: 1/107) ، واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب في زمان إبراهيم (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص143) ويذكر الشهرستاني أن الفرق في زمان إبراهيم يرجعون إلى صنفين: صابئة وحنفاء (الملل والنحل: 1/230) . وأنهم بحكم ميلهم عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم الصابئة، لأن صبأ في اللغة بمعنى مال وزاغ (المصدر السابق: 2/5) وانظر عن الصابئة (بالإضافة لما أشي إليه من مصادر) : التبصير في الدين للإسفراييني ص59، الرد على المنطقيين لابن تيمية ص287-289، 454-457، الخطط للمقريزي: 2/344
(3) الجهمية: أتباع الجهم بن سفوان. من ضلالاته القول بنفي الصفات وبدع أخرى كالقول بالإرجاء، والجبر، وفناء الجنة والنار. (انظر عن الجهم والجهمية: الرد على الجهمية للإمام أحمد ص64 وما بعدها، خلق أفعال العباد للبخاري ص118 وما بعدها، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/214 وما بعدها، التنبيه والرد/ للملطي ص218، التبصير في الدين/ للإسفراييني ص63، والبدء والتاريخ/ للمقدسي: 5/146، تاريخ الجهمية والمعتزلة للقاسمي وغيرها) . ومصطلح الجهمية لم يعد مختصًا بالجهمية المحضة أتباع جهم بن صفوان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال: إن القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة - جهميًا" (مجموع الفتاوى: 12/119) ، وقال في موضع آخر: "ومن الجهمية: المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق.." (المصدر السابق: 12/524)
(4) الباطنية: من ألقاب الإسماعيلية ومر التعريف بها ص: (97)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 538)
السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وهو نفي الوجود الحق؛ لأنهم يعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات.
كما يستلزم غاية التمثيل حيث يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات (1) .
وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات (2) .
والله سبحانه بعث رسله في صفاته بإثبات مفصل، ونفي مجمل (3) .
ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، والنفي مجملاً (4) .
قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (5) . فالنفي جاء مجملاً {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وهذه طريقة القرآن في النفي غالبًا. قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (6) . أي نظيرًا يستحق مثل اسمه، ويقال: مساميًا يساميه (7) .
وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: هل تعلم له مثلاً أو شبيهًا (8) .
وقال سبحانه: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (9) .
أما في الإثبات فيأتي التفصيل {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وكآخر سورة الحشر:--------------------------------------------
(1) انظر: التدمرية لابن تيمية: ص16
(2) انظر: التدمرية لابن تيمية: ص19
(3) التدمرية لابن تيمية: ص8
(4) شرح الطحاوية: ص49
(5) الشورى، آية:11
(6) مريم، آية: 65
(7) التدمرية ص8، وانظر: لسان العرب، مادة "سما"
(8) تفسير الطبري: 16/106
(9) الإخلاص، آية:4
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 539)
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (1) .
وشواهد هذا كثيرة (2) .
فطريقة هؤلاء في النفي المحض لا تتفق مع طريقة القرآن، كما لا تتفق مع الفطر السليمة والعقول الصريحة، بل هي منكرة في مدح البشر للبشر فكيف يوصف بها رب العالمين (3) .؟!
والشيعة تروي عن أئمتها "أن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه" ولكنها تعرض عن ذلك كما أعرضت عن كتاب الله سبحانه، وعن مقتضى العقل والفطرة، وتؤثر في ذلك التقليد المحض، والأخذ من "نفايا" الفلسفات البائدة وإلا فكيف يتجرأ عاقل على الاعتماد في أمر غيبي لا سبيل للوصول إلى المعرفة فيه على سبيل التفصيل إلا بخبر السماء على العقل القاصر والفكر العاثر، وتحكيم خيالات البشر المتناقضة، وتصوراتهم المتعارضة؟!
وهؤلاء المعطلة قد رد عليهم أئمة الإسلام وبينوا باطلهم، ولن نكرر القول ونبدئ فيه ونعيد.. ولكن الذي يمكن أن يضاف في هذا المجال بعد ظهور الكتاب الشيعي وانتشاره هو تصوير هذه المسألة من كتب الشيعة ومن خلال روايات--------------------------------------------
(1) الحشر، آية:22-24
(2) وقد استعرض أكثرها شيخ الإسلام في الإسلام التدمرية ص8 وما بعدها
(3) قال شارح الطحاوية: "وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا حجام ولا حائك! لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا، وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي، فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي، أجملت في الأدب" (علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية/ 50)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 540)
الشيعة عن أئمتها، وكلام شيوخهم المبني على مجاراة أهل التعطيل، ليتبين مدى تناقضهم، وانفصالهم عن أئمتهم، ومدى تدخل الأيدي السبئية لتحوير مذهب الأئمة، ووضع روايات تحاكي مذهب التعطيل، وتصدق مذهبهم في التقليد، وسأختار ثلاثة مسائل في ذلك:
الأولى: مسألة خلق القرآن.
الثاني: مسألة الرؤية.
الثالثة: مسألة النزول الإلهي.
ثم أبين بعد ذلك من خلال نصوص الشيعة نفسها أن مذهب الأئمة كان وسطًا بين غلو الممثلة، وجفاء المعطلة. وهو ما يتفق مع مذهب أهل السنة، وهو الموافق للنقل الصحيح والعقل الصريح.
1- المسألة الأولى: قولهم بأن القرآن مخلوق:
القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وعلى هذا دل الكتاب والسنة وإجماع السلف (1) ، والاثنا عشرية حذت حذو الجهمية في القول بخلق القرآن، فقد عقد شيخ الشيعة في زمنه المجلسي في البحار في كتاب القرآن بابًا بعنوان: "باب أنّ القرآن مخلوق" (2) أورد فيه إحدى عشرة رواية، ومعظم هذه الروايات تخالف ما ذهب إليه، ولكن لشيوخ الشيعة مسلكًا في تأويلها سنذكره بعد قليل.
ويقول آية الشيعة محسن الأمين: "قالت الشّيعة والمعتزلة: القرآن مخلوق" (3) .--------------------------------------------
(1) انظر في تقرير مذهب السلف في ذلك والرد على المخالفين: الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، كتاب خلق أفعال العباد للبخاري، والرد على الجهمية للدارمي، وكتاب رد عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، والاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة لابن قتيبة، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد، والرد على الجهمية لابن منده وغيرها
(2) بحار الأنوار: 92/ 117-121
(3) أعيان الشّيعة: 1/461
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 541)
وهذا بناءً على إنكارهم لصفة الكلام لله وزعمهم أن الله سبحانه "يوجد الكلام في بعض مخلوقاته كالشجرة حين كلم موسى، وكجبرائيل حين أنزل بالقرآن" (1) .
هذا بعض ما يقوله شيوخهم في هذا الأمر (2) .
وإذا رجعت إلى الروايات التي ينقلونها عن (آل البيت) وجدتها تخالف في أكثرها ما يذهب إليه هؤلاء، فمن ذلك:
ما جاء في تفسير العياشي: "عن الرضا أنه سئل عن القرآن فقال: … إنه كلام الله غير مخلوق.." (3) .
وفي رجال الكشي: " … إن الكلام ليس بمخلوق.." (4) .
وفي "التوحيد" لابن بابويه القمي قيل لأبي الحسن موسى رضي الله عنه: "يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن؛ فقد اختلف فيه من قبلنا فقال قوم: إنه مخلوق، وقال قوم: إنه غير مخلوق؟ فقال رضي الله عنه: أما إني لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكني أقول: إنه كلام الله عز وجل" (5) .--------------------------------------------
(1) أعيان الشيعة: 1/453
(2) وقد سئل شيخ الإسلام عمن قال ذلك فأتى بكفره وأنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقال بأنه يكفر ولو قال: أنا لا أُكذِّب قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء، آية:164) بل أٌقر بأن هذا اللفظ حق، ولكن أنفي معناه وحقيقته، وقال بأن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة، (انظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية: 1/474، أو مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/502، وقال في موضع آخر: إن سلف الأمة وأئمتها كَفَّروا الجهمية الذين قالوا: إن الله خلق كلامًا في بعض الأجسام سمعه موسى وفسر التكليم بذلك. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/533) .
(3) تفسير العياشي: 1/8
(4) رجال الكشي: ص490
(5) ابن بابويه/ التوحيد ص224
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 542)
وفي هذا المعنى روايات كثيرة عندهم (1) .
ولكن يلاحظ أن شيخ الشيعة في زمنه ابن بابويه القمي قد ذهب في تأويل هذه النصوص إلى اتجاه آخر فأثبت أن قول الأئمة: القرآن غير مخلوق يعني "أنه غير مخلوق أي غير مكذوب لا يعني به أنه غير محدث" (2) . وقال: "وإنما امتنعنا من إطلاق المخلوق عليه لأن المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبًا، ويقال: كلام مخلوق أي مكذوب" (3) .
ولا شك أن هذا التأويل لا يسلم له لأنه من الواضح أن النصوص السابقة ترد على ما ذهب إليه أهل الاعتزال من القول بأن القرآن مخلوق، فقال السلف ردًا عليهم: إنه غير مخلوق ولم يريدوا بذلك أنه غير مكذوب كما يزعم ابن بابويه وغيره، فإن أحدًا من المسلمين لم يقل: إنه مكذوب، بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما قالوا: إنه مخلوق خلقه في غيره فرد السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنف في ذلك مصنفات متعددة (4) .
وفي كتاب تفسير الصراط المستقيم لآيتهم البروجردي نقل نصًا عن ابن بابويه - أيضًا - يحيل فيه النصوص التي فيها المعنى السابق على التقية فقال: "ولعلّ المنع من إطلاق الخلق على القرآن إمّا للتّقية مماشاة مع العامّة، أو لكونه موهمًا لمعنى آخر أطلق الكفّار عليه بهذا المعنى في قولهم: إن هذا إلا اختلاق" (5) .
فلم يجد هؤلاء الشيوخ ما يلوذون به إلا القول "بالتقية" أو ما ماثلها.. وهذا المنهج يثبت أنهم ليسوا على شيء، وأن احتمال التقية في كل نص قد أفسد عليهم أمرهم وأضاع حقيقة المذهب، فأصبح دينهم دين المجلسي، أو الكليني، أو--------------------------------------------
(1) انظر في ذلك: البحار: 92/117-121، التوحيد: ص223-229
(2) انظر: التوحيد ص225، البحار: 92/119
(3) التوحيد ص225، البحار: 92/119
(4) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/301
(5) تفسير الصّراط المستقيم: 1/304
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 543)
ابن بابويه القمي لا روايات الأئمة (1) .
وتسنى لكل شيخ، أو زنديق أو مفتر يلبس ثوب المشيخة، ويتظاهر بالعلم أن يأخذ ما شاءت له زندقته أو جهله وهواه وتعصبه واحدًا من هذه الأقوال المتعارضة المتضاربة ويعرض عن الأقوال الأخرى ولو كانت حقًا، ويجد ما يبرر هذا التصرف من الاحتجاج بالتقية، أو دعوى أن في ذلك مخالفة للعامة - أي أهل السنة - ففي خلافهم الرشاد - كما يفترون -، وهكذا يضيع العلم والحق والدين بهذه الطريقة الماركة، ويكتب على الأمة الفرقة والخلاف بهذه الأساليب التي هي من وحي الشيطان ومكره … ولو أحسن محسن للشيعة وأراد بها الخير من شيوخها لسلك بها طريق الجماعة وأخذ من رواياتهم ما يتفق وكتاب الله، وما عليه أهل السنة والجماعة، وتخلص من مكر القمي والكليني والمجلسي، ولا سيما، والأئمة تشتكي من كثرة الكذابين عليها حتى قالوا: "بأن الناس أولعوا بالكذب علينا" (2) .
ولو أردت أن تطبيق هذه النظرية - أعني ما تتفق فيه روايات أهل السنة مع روايات الشيعة عن أهل البيت في هذه المسألة - لوجدت أن كتب الشيعة روت - كما سبق - روايات عن أهل البيت بأن كلام الله منزل غير مخلوق، وكتب أهل السنة روت مثل هذا؛ فقد أخرج البخاري في كتاب أفعال العباد (3) . وابن--------------------------------------------
(1) راجع كتاب "درة نجفية" لشيخهم هاشم البحراني ص60 وما بعدها، فقد عرض لاختلاف الروايات عندهم من أجل التقية، وكشف عن حيرتهم بأي الأقوال يؤخذ هل يؤخذ بالأول أو بالأخير أو يتوقف أو يخير في الأخذ بأيهما شاء أو ماذا يفعل بهذه الأقوال المتعارضة المتناقضة؟! فقد جعلت التقية كما يقول هذا البحراني: "مناط كلام لا تخلو من شوب وريب وتردد لكثرة الاختلافات في تعارض الأدلة وتدافع الأمارات" (درة نجفية: ص61، وانظر: فصل "التقية" في هذه الرسالة)
(2) رجال الكشي: ص135-136، وللاطلاع على المزيد من الشواهد ارجع إلى فصل "عقيدتهم في السنة" ص: (362)
(3) خلق أفعال العباد ص36 (تحقيق البدر) ، وص 135 (ضمن مجموعة عقائد السلف تحقيق النشار وعمار الطالبي)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 544)
أبي حاتم (1) ، وأبو سعيد الدارمي (2) ، والآجري في الشريعة (3) ، والبيهقي في الاعتقاد (4) ، والأسماء والصفات (5) ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (6) ، وابو داود في مسائل الإمام أحمد (7) . عن جعفر الصادق أنه قال حينما سئل عن القرآن قال: "ليس بخالق ولا مخلوق". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه قد استفاض ذلك عن جعفر (8) .
فلماذا لا يؤخذ بالمعنى المتفق عليه ويترك الباطل الذي لا يسنده إلا أقوال شيوخ يبغون في الأمة الفرقة والخلاف، وينشدون الشذوذ والعزلة ليتسنى لهم تحصيل الأموال الطائلة باسم الخمس، وتتحقق لهم الوجاهة الاجتماعية، والمنزلة (المقدسة) باسم النيابة عن الإمام الغائب؟ ولهذا ما برحوا يؤكدون على القول: إن ما خالف العامة ففيه الرشاد.
"والعامة" أو أهل السنة بالمعنى العام يدخل فيه المعتزلة (9) ، وهم قلدوا المعتزلة في هذا، ذلك أن مسألة خلق القرآن من عقائد أهل الاعتزال، قال عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: "وأما مذهبنا في ذلك (أي في القرآن) فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وهو مخلوق محدث" (10) .--------------------------------------------
(1) كما في منهاج السنة لابن تيمية: 2/187-188 تحقيق د/ محمد رشاد سالم
(2) الرد على الجهمية ص 101
(3) الشريعة: ص 77
(4) الاعتقاد: ص 36، وقال البيهقي بعد ذكره: "فهو عن جعفر صحيح مشهور، وقد روي ذلك عن جعفر بن محمد عن أبيه علي بن الحسين، وروي عن الزهري عن علي بن الحسين، ورويناه من أوجه عن مالك بن أنس وهو مذهب كافة أهل العلم قديمًا وحديثًا" (المصدر السابق: ص39)
(5) الأسماء والصفات: ص 247
(6) شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 2/238، 241-242
(7) مسائل الإمام أحمد: ص 265 ط: بيروت، أو ص106-107 (ضمن مجموعة عقائد السلف)
(8) منهاج السنة: 1/278
(9) انظر: منهاج السنة: 2/163 تحقيق د/ محمد رشاد سالم
(10) شرح الأصول الخمسة: ص 528، وانظر: المحيط بالتكليف ص 331
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 545)
وقد تلقته الشيعة فيما تلقته من آراء المعتزلة.. فهي بضاعة اعتزالية، فلم يتحقق لهم مخالفة العامة.
وأول من قال بهذه المقالة هو الجعد بن درهم (1) .
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم (2) . فهو أول من قال بمبدأ التعطيل في هذه الأمة، ثم تلقى ذلك عنه الجهم بن صفوان" (3) .
ويشير البعض إلى أن هذه المقالة ترتد في أصولها إلى مؤثرات أجنبية، فقد ذكر ابن الأثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما أن الجعد أخذ ذلك - أي القول بخلق القرآن - عن أبان بن سمعان، وأخذه هذا من طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول بخلق التوراة، وكان طالوت زنديقًا، وهو أول من صنف لهم في ذلك ثم أظهره الجعد بن درهم (4) ، كما يذكر الخطيب البغدادي أن والد بشر المريسي وهو أحد كبار القائلين بخلق القرآن من المعتزلة كان يهوديًا (5) .
ومن هنا يظهر الأثر اليهودي في ظهور هذه المقالة.--------------------------------------------
(1) قال ابن حجر: "الجعد بن درهم عداده في التابعين، مبتدع ضال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر، وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة" (لسان الميزان 2/105، ميزان الاعتدال: 1/399، ابن نباتة/ سرح العيون: ص 293-294)
(2) اللالكائي/ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص382. ويلاحظ أن النص المذكور له تتمة هي "وقاله (أي خلق القرآن) في سنة نيف وعشرين ومائة" ولم يتعقب المحقق هذا النص بشيء زعم أن الجعد قتل نحو سنة 118هـ
(3) انظر: ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: 1/127، مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/20، وانظر: درء تعارض العقل والنقل 5/244، ابن نباتة، سرح العيون: ص293
(4) انظر: ابن الأثير/ الكامل: 5/294، ابن تيمية/ الحموية (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/20/21) ، ابن نباتة/ سرح العيون: ص293، السفاريني/ لوامع الأنوار: 1/23
(5) تاريخ بغداد: 7/61
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 546)
ويشير شيخ الإسلام رحمه الله إلى مؤثرات أخرى حيث يذكر أن الجعد بن درهم كان من أهل حران، وكان فيهم من بقايا الصابئين والفلاسفة خصوم إبراهيم عليه السلام؛ لهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم موافقة لفرعون والنمرود بناء على أصل هؤلاء النفاة وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه (1) .
وتلك الروايات الواردة في كتب الشيعة والتي تنص على أن القرآن منزل غير مخلوق قد تمثل مذهب قدماء الشيعة الذين كانوا على هذا الاعتقاد كما أشار إلى ذلك أهل العلم (2) .؛ لأن القول بأن القرآن مخلوق هو من إحداث متأخري الشيعة (3) .
كما أن الاعتقاد بأن القرآن منزل غير مخلوق، هو الثابت عن أهل البيت، إذ ليس من أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من يقول بخلق القرآن، ولكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم (4) .
أما قولهم بأن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ فهو مخالف لصريح قوله سبحانه: {وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِمًا} (5) . فالتأكيد بالمصدر "تكليمًا" ينفي التأويل الذي يشيرون إليه، ولذا قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز (6) .
ولو كان الأمر على ما يدعون لم يكن في ذلك مزية لموسى عليه السلام، وفضيلة اختص بها، ونوه الله سبحانه بذكرها فإن "من سمع كلام الله من مالك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل: 7/175-176
(2) انظر: منهاج السنة: 1/296
(3) انظر: الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/114
(4) منهاج السنة: 1/296
(5) النساء، آية: 164
(6) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/515
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 547)
من نبي، وموسى سمعه من شجرة.. ويلزمهم أن تكون الشجرة هي التي قالت: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) وهذا ظاهر الفساد" (1) .
والرد على الجهمية القائلين بنفي الصفات كثير في كلام التابعين وتابعيهم، والأئمة المشاهير، وفي مسألة القرآن آثار كثيرة جدًا (2) ، وهي مذكورة في الكتب المتخصصة في ذلك (3) . ولكن الذي يمكن أن يضاف فيما يتصل بنقد المذهب الشيعي في ذلك بعد ظهور كتبهم وانتشارها أنهم وهم ينفون هذه الفضيلة لموسى عليه السلام، وينكرون مناجاة الله له ومناداته، ويزعمون أن الشجرة هي التي كلمت موسى عليه السلام لم يأخذوا بهذا المنهج فيما يتصل بالإمام، ونسوا هذه القضية في حديثهم عن فضائل الأئمة.. لقد جاء في كتابهم المعتمد عندهم "بحار الأنوار" باب بعنوان "باب أنّ الله تعالى ناجاه صلوات الله عليه.." (4) . وساق فيه مجموعة من رواياتهم في هذا المعنى عزاها - كعادته - إلى طائفة من كتبهم المعتمدة.
تقول إحدى هذه الروايات: "لمّا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر وأنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرّة، وتبعث من لم أناجه؟ (5) فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ براءة منه ودفعها إلى علي رضي الله عنه فقال له علي: أوصني يا رسول الله، فقال له: إنّ الله يُوصيك ويناجيك، قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر" (6) .
وتقول رواية أخرى: ".. إنّ الله ناجاه (يعني عليًّا) يوم الطّائف ويوم عقبة--------------------------------------------
(1) البيهقي/ الاعتقاد ص33
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/418
(3) انظر: ص (541) هامش (1)
(4) بحار الأنوار: 39/151
(5) لاحظ هنا أنّ الله - بزعمهم - عاتب رسول الله، وبيّن خطأه.. وهذا يناقض دعوى العصمة المطلقة التي يصفون بها الرّسول والأئمّة.. والتّناقض سمة عامّة وظاهرة مطردة في نصوصهم
(6) بحار الأنوار: 39/155
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 548)
تبوك، ويوم حنين" (1) .
وفي بصائر الدرجات، والاختصاص وبحار الأنوار، رواية تقول: "عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلاً كنفسي يفتح الله به الخيبر، سوطه سيفه"، ثم تذكر الرواية اختيار علي لهذه المهمة، وأن الرسول لحق به ولما وصلها كان علي على رأس الجبل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثبت، فثبت، فسمعنا مثل صرير الزجل (2) . فقيل: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: إنّ الله يناجي عليًّا رضي الله عنه" (3) .
وبغض النظر عما في هذه الرواية من أخطاء تاريخية في خلطها بين فتح خيبر والطائف، فلعل القارئ يلاحظ هذا التشبيه لكلام الحق جل شأنه … فعنصر التجسيم والتمثيل واضح في قوله: "مثل صرير الزجل" ولا تشير الرواية إلى أن هذا قد سمعه علي من شجرة ونحوها، فما بالهم يذهبون تارة إلى التعطيل المحض، وتارة إلى التجسيم، هل هذه الروايات تمثل الأدوار التي مرت بها مراحل التشيع حينما كان الشيعة مجسمة، ثم تحولوا إلى مرحلة التعطيل في المائة الثالثة حينما هبت عليهم أعاصير الاعتزال؟!
أم أن وضّاع هذه الروايات يمثلون على نحلة وكل يضع ما تمليه عليه عقيدته؟!
والتشيع يحتضن الجميع بلا تفريق؛ فحب علي حسنة لا تضر معها سيئة كما يقولون.
ولا يجدون ما يلجؤون إليه في تعليله سوى القول بالتقية، ولا يكاد يجزم--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار: 39/154، الاختصاص: ص328
(2) قالوا: معناه "صوت الرّعد"، انظر: بحار الأنوار: 39/156، الاختصاص: ص200 (الهامش)
(3) المفيد/ الاختصاص: ص 200-201، بحار الأنوار: 39/ 155-156، الصّفّار/ بصائر الدّرجات (انظر الموضع نفسه من المصدر السّابق)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 549)
شيخ من مشايخهم بمعرفة أي القولين تقية إلا بالقول بأن ما خالف العامة (يعني أهل السنة) فيه الرشاد. وليتهم قالوا: ما وافق القرآن هو الحق وما سواه تقية.
وبعد، أليس يكفي في بيان فساد مذهبهم أنه عنصر غريب على الأمة، وأنه خلاف ما عليه أهل البيت، وخلاف ما اتفقت فيه روايات لهم مع ما جاء عند أهل السنة، وأن رواياتهم كلها متعارضة متناقضة؟!
2- مسألة الرؤية:
الرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (1) . وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسن (2) .
وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة (3) .
وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية (4) . وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وإجماع السلف (5) .--------------------------------------------
(1) القيامة، آية: 22، 23، والنص عن الطحاوية (انظر: شرح الطحاوية ص146)
(2) علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص151
(3) علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص146
(4) علي بن أبي العز/ شرح الطحاوية ص146
(5) انظر: الرد على الزنادقة والجهمية للإمم أحمد ص85، رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على المريسي العنيد ص 413، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: 3/454، وانظر التصديق بالظر إلى الله في الآخرة للآجري، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة، والتبصرة للشيرازي ص229، شرح الطحاوية ص146، مختصر الصواعق المرسلة ص179
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 550)
وأذكر فيما يلي قول الشيعة من مصادرها:
لقد ذهبت الشيعة الإمامية بحكم مجاراتهم للمعتزلة إلى نفي الرؤية، وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمين لربهم في الآخرة، فتفتري - مثلاً - على أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل "عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.. إن الأبصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية" (1) .
ويظهر أن الحجة التي احتج بها هؤلاء الذين وضعوا هذه الرواية على جعفر تتضمن نفي الوجود الحق، لأن ما لا كيفية له مطلقًا لا وجود له. ولهذا قال بعض السلف حينما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول (2) . ولم يقل: لا كيفية له.
فالمنفي هنا علم البشر بالكيفية لا ذات الكيفية، كما أن هذا يناقض ما رواه صاحب الكافي عن أبي عبد الله أنه قال: ".. ولكن لابد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره" (3) .
وقال شيخهم وآيتهم جعفر النّجفي صاحب كشف الغطا: "ولو نسب--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار: 4/31، وعزاه إلى أمالي الصدوق
(2) جاء هذا الأثر - بهذا المعنى - عن أم سلمة، فأخرجه اللالكائي بسنده عن أم سلمة موقوفًا (شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/297) ، وذكره ابن حجر (فتح الباري: 13/406) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «روي هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها: موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه» (الفتاوى: 5/365) ، كما ثبت مثل هذا الجواب عن ربيعة شيخ مالك، وروي من غير وجه عن مالك (المصدر السابق) فأخرجه اللالكائي عنهما (شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 3/398) . والبيهقي (الأسماء والصفات ص408-409) ، وذكره البغوي (شرح السنة: 1/171) والسيوطي (الدر المنثور: 3/91)
(3) أصول الكافي: 1/85
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 551)
إلى الله بعض الصّفات.. كالرّؤية حكم بارتداده" (1) . وجعل الحرّ العاملي نفي الرؤية من أصول الأئمة، وعقد لذلك بابًا بعنوان "باب أنّ الله سبحانه لا تراه عين ولا يدركه بصر في الدّنيا ولا في الآخرة" (2) .
فنفيهم لرؤية المؤمنين لربهم في الآخرة خروج عن مقتضى النصوص الشرعية، وهو أيضًا خروج عن مذهب أهل البيت، وقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك، فقد روى ابن بابويه القمّي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم (3) .
3- ومثل مسألة "الرؤية" مسألة أخرى هي "نزول الرب جل شأنه":
والذي استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تسديق ذلك وتلقيه بالقبول (4) . وإثباته على ما يليق بجلاله سبحانه ويختص بعظمته.
وقد جاءت عند الاثني عشرية روايات نسبوها لأهل البيت تنكر ذلك (5) . في حين يوجد روايات أخرى تثبت النزول الإلهي وهي التي تتفق مع نقل أهل السنة عنهم. جاء في كتب الشيعة "قال سائل لأبي عبد الله: تقول إنّه ينزل إلى السّماء الدّنيا؟ قال أبو عبد الله: نقول بذلك، لأنّ الرّوايات قد صحّت به--------------------------------------------
(1) كشف الغطا: ص 417
(2) الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: ص 12
(3) ابن بابويه/ التّوحيد ص117، بحار الأنوار: 4/44، وانظر: رجال الكشّي ص450 (رقم848)
(4) ابن تيمية/ شرح حديث النزول: ص6، وانظر: الرد على الجهمية للإمام أبي سعيد الدارمي: ص284، ورد الإمام عثمان بن سعيد على المريسي العنيد ص377، السنة/ لابن أبي عاصم: 1/216، شرح أصول اعتقاد أهل السنة/ اللالكائي: 3/434
(5) انظر رواياته في أصول الكافي: 1/125-127، وانظر: بحار الأنوار: 3/311، 314
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 552)
والأخبار" (1) . ومثل هذا المعنى جاء في تفسير القمي أصل أصول التفاسير عندهم كما أثبت ذلك صاحب البحار (2) ، وإن كان ناشر الكتاب والمعلق عليه أضاف إليه ما يغير معناه (3) . ولم يتفطن أن بقية النص تكشف ما زاده فيه (4) .
واختلاف رواياتهم بهذه الصورة يدل على أن جانبًا منها باطل بلا ريب، ولا شك بأن الروايات التي تتفق مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف هي الصواب، وإن أعرض عنه شيوخ الشيعة مجاراة لأهل الاعتزال.
ثم إن اختلاف شيوخ الإمامية المتقدمين عن متأخريهم في هذا الباب يلزم منه أن أحدهما على ضلال، وعليه "لزم ضرورة أن شيوخ الإمامية ضلوا في التوحيد إما متقدموهم وإما متأخروهم" (5) . وقد جاءت روايات تدل على أن الأئمة - باعتراف كتب الشيعة - قد أخذوا بالمنهج الوسط بين غلو متقدمي الشيعة في الإثبات، وبين غلو متأخريهم في التعطيل.
وعقد صاحب الكافي بابًا بعنوان "باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى" وذكر فيه اثنتي عشرة رواية عن الأئمة (6) . افتتح الباب برواية "عبد الرحيم بن عتيك القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار: 3/331. وقد عزاه المجلسي إلى كتاب التّوحيد لابن بابويه، وقد رجعت إلى كتاب التّوحيد فوجدت الرّواية إلا أنّ النّصّ الذي يدلّ على النّزول قد حذف، لكن محقّق الكتاب أشار في الحاشية إلى وجود هذا النّصّ في بعض النّسخ الخطّيّة للكتاب، ولكنّه لم يثبته في الصّلب لعدم موافقته لمشربه (انظر: التّوحيد لابن بابويه ص248)
(2) بحار الأنوار: 3/315
(3) قال: "ينزل أمره" انظر: تفسير القمي: 2/204
(4) حيث جاء النص: "إن الرب تبارك وتعالى ينزل كله ليلة … فإذا طلع الفجر عاد الرب إلى عرشه". (انظر: بحار الأنوار: 3/315، تفسير القمي: 2/204) ولا يخفى ما فيه من الغلو في الإثبات في قوله: "ثم عاد الرب إلى عرشه".
(5) منهاج السنة: 1/275
(6) انظر: أصول الكافي: 1/100-104
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 553)
أبي عبد الله عليه السلام: "إن قومًا بالعراق يصفون الله بالصورة وبالتخطيط فكتب إليّ: سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وتعالى عما يصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله، فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله جل وعز، فانف عن الله تعالى البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه (1) . لا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان" (2) . وعن المفضل قال: سألت أبا الحسن عن شيء من الصفة فقال: "لا تجاوز ما في القرآن" (3) .
لاحظ أن هذا النص الذي ورد في أصح كتبهم الأربعة يأمرهم باتباع ما نزل به القرآن من صفات الله سبحانه. فمن قلد أهل الاعتزال، أو حكم العقل وأعرض عن كتاب الله، لم يتبع كتاب الله، ولم يأخذ بوصية إمامه.
قال الرضا: "للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه؛ فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيء والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه" (4) .
فأوائل الشيعة أخذوا بالتشبيه وأواخرهم أخذوا بالنفي، وأعرضوا عن المذهب الوسط، وهو مذهب الأئمة كما تقر به "نقولهم" فدل على أنهم ليسوا على--------------------------------------------
(1) مذهب السلف بين مذهبين، وهدي بين ضلالتين: هو إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رد على أهل التشبيه، والتمثيل. وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} رد على أهل النفي والتعطيل (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/196) لكن لفظ التشبيه صار في كلام الناس لفظًا مجملاً يراد به المعنى الصحيح وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل من أن صفات الرب لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، ويراد به معنى باطل وهو أن لا يثبت لله شيء من الصفات (انظر: شرح الطحاوية ص40)
(2) أصول الكافي: 1/100
(3) السابق: 1/102
(4) بحار الأنوار: 3/263
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 554)
شيء في هذا الباب فلم يأخذوا بمنهج القرآن والسنة ولم يأخذوا بطريقة الأئمة الذين يزعمون أنهم قدوتهم، بل ساروا مع أهل التمثيل أولاً، وخالفوا قول الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ثم أخذوا بمسلك أهل التعطيل وأعرضوا عن نصوص الصفات الواردة عن الله ورسوله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 555)
المبحث الثالث
وصفهم الأئمة بأسماء الله وصفاته
وهو ما انفردت به الشيعة، وشذت به عن الأمة … فإذا كان شيوخ الشيعة المتقدمون قد شبهوا الخالق سبحانه بصفات المخلوقين، ثم واجه هذه الموجة الغالية في التجسيم موقف آخر قد يمثل ردة فعل له، وهو موقف التعطيل..
فشبهوا الله سبحانه بالمعدومات والجمادات والممتنعات، وعطلوا نصوص الأسماء والصفات.
فهم لم يصفوا الله سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا في مذهبهم الأول ولا في مذهبهم الأخير.. إذا كان الأمر كذلك فإنهم لم يكتفوا بذلك، بل تطور الأمر إلى أن الأسماء والصفات الواجبة لله سبحانه وصفوا بها بعض البشر (الأئمة) فخرجوا بمذهب ثالث وهو تشبيه المخلوق بالخالق، فشابهوا النصارى في ذلك كما شابهوا اليهود في المذهب الأول (التجسيم) .
لقد خرجوا ببدعة ثالثة أحدثوها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث زعموا أن الأئمة هم أسماء الله، فأسماء الله سبحانه التي ذكرها في كتابه هي - على حد زعمهم - عبارة عن الأئمة الاثني عشر، وهذا يتضمن تعطيل الله من أسمائه الحسنى، وإعطاءها بعض البشر، ويزعمون أن النص من "المعصوم" قد ورد بذلك، وهذا إفك عظيم افتروه؛ فويل لهم مما يفترون.
روى الكليني في أصل الكافي عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (1) . قال: "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا" (2) .--------------------------------------------
(1) الأعراف، آية: 180
(2) أصول الكافي: 1/143-144
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 556)
وهذا المعنى تناقله أساطين المذهب في روايات عديدة منسوبة لجعفر الصادق وغيره (1) .
الله سبحانه يقول: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} وهؤلاء يقولون: نحن الأسماء الحسنى، فأي محاداة لله وكتابه أعظم من هذا! إن من معين هذه النصوص المظلمة تستقي طوائف الباطنية الملحدة والتي تذهب لتأليه الأئمة.. ومن مائها الآسن ترتوي.
وتفصل روايات أخرى لهم ما أجملته الرواية السابقة فيروون عن أبي جعفر أنه قال: "نحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا" (2) .
وعن أبي عبد الله: "إن الله خلقنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله ولولانا ما عُبد الله" (3) .
وزعموا أن أمير المؤمنين عليًا قال: "أنا عين الله وأنا يد الله وأنا حبيب الله وأنا باب الله" (4) . وقال - كما يفترون -: "أنا علم الله، وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله النّاطق، وعين الله النّاظرة، وأنا جنب الله وأنا يد الله" (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير العياشي: 2/42، المفيد/ الاختصاص: ص252، المجلسي/ بحار الأنوار: 94/22، النوري الطبرسي/ مستدرك الوسائل: 1/371، البرهان: 2/52، تفسير الصافي 2/254-255
(2) أصول الكافي: 1/143، البرهان: 3/240
(3) أصول الكافي: 1/144، ابن بابويه/ التوحيد ص151-152، بحار الأنوار 24/197، البرهان: 3/240-241
(4) أصول الكافي: 1/145، بحار الأنوار: 24/194
(5) ابن بابويه/ التّوحيد ص164، بحار الأنوار: 24/198
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 557)