وفي التوحيد لابن بابويه أنّ أبا عبد الله قال: "إنّ لله عز وجل خلقًا من رحمته، خلقهم من نوره.. فهم عين الله النّاظرة وأذنه السّامعة، ولسانه النّاطق في خلقه بإذنه.. بهم يمحو السّيّئات، وبهم يدفع الضّيم، وبهم يُنزّل الرّحمة، وبهم يحيي ميتًا، وبهم يميت حيًّا، وبهم يبتلي خلقه، وبهم يقضي في خلقه قضيّته" (1) .
وقد ذكر المجلسي ستًا وثلاثين رواية تقول إن الأئمة هم وجه الله ويد الله (2) . وفي رجال الكشّي وغيره قال علي - كما يفترون -: "أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأوّل، وأنا الآخر، وأنا الظّاهر، وأنا الباطن.." (3) .
وجاءت عندهم روايات عديدة في كثير من مصادرهم المعتمدة تفسر قوله سبحانه: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} (4) . وقوله سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} (5) . بما رووه عن جعفر أنّه قال: "نحن وجه الله" (6) "نحن الوجه الذي يؤتى الله منه" (7) ، "نحن وجه الله الذي لا يهلك" (8) ، وروايات أخرى بهذا المعنى (9) .
وجاء في تفسير العياشي، رواية طويلة تقشعر منها أبدان المؤمنين تصف--------------------------------------------
(1) التّوحيد: ص167
(2) بحار الأنوار: 24/191-203
(3) رجال الكشّي ص221 رقم (374) ، وانظر: بحار الأنوار: 94/180، بصائر الدّرجات ص151
(4) الرحمن، آية: 27
(5) القصص، آية: 88
(6) مضى تخريج هذا النّص من كتبهم ص 172-173
(7) مضى تخريجه من كتبهم ص 172-173
(8) ابن بابويه/ التّوحيد ص150، بحار الأنوار: 24/201، تفسير الصّافي: 4/108، البرهان: 3/241
(9) انظر: ابن بابويه/ التوحيد، باب تفسير {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} ص 149-153، وبحار الأنوار: 24/191 وما بعدها، وفي تفسير البرهان ثلاث عشرة رواية بهذا المعنى نقلها من مختلف كتبهم المعتمدة عندهم (انظر: البرهان 30/240-242)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 558)
ما يجري في يوم القيامة، وتقول نهاية الرواية - على لسان الأئمة -: "ثم يؤتى بنا فنجلس على عرش ربّنا.." (1) .
هذا ونصوصهم التي تفسر أسماء الله عز وجل وصفاته بالإمام والأئمة كثيرة.
كما أنهم أضفوا على الأئمة أيضًا بعض صفات الرب سبحانه كالعلم بالغيب، وعقد لذلك صاحب الكافي بابًا بعنوان "باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء" (2) . وضمنه طائفة من رواياتهم. وعقد بابًا آخر بعنوان "باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا" (3) . وذكر فيه جملة من أحاديثهم، ومن روايات هذه الأبواب:
قال أبو عبد الله - كما يفترون -: "إنّي لأعلم ما في السّماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النّار، وأعلم ما كان وما يكون.." (4) . "وعن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبد الله رضي الله عنه جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين. فقال: وربّ الكعبة وربّ البنية - ثلاث مرّات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان ولم يُعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم السّاعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة" (5) .
وبعد، فهذه كلمات لا تحتاج إلى تعليق، وأقول هي "زبالة" المذاهب--------------------------------------------
(1) تفسير العيّاشي: 2/312، البحراني/ البرهان: 2/439، المجلسي/ بحار الأنوار: 3/302 (ط: كمباني)
(2) انظر: أصول الكافي: 1/260-262
(3) أصول الكافي: 1/258
(4) أصول الكافي: 1/261
(5) أصول الكافي: 1/260-261
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 559)
الباطنية، التي كان لها وجود في تاريخ المسلمين، والتي تذهب إلى تأليه عليّ والأئمة. قد استوعبتها الاثنا عشرية في بنية مذهبها.
وهم يلصقون هذه المفتريات بأهل البيت ليتخذوا منهم "عكازة" يعتمدون عليها لنشر مذهبهم. وإلا فمن يقول: "أنا الأول والآخر والظاهر والباطن" (1) .؛ هل يختلف عن فرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى"؟! وكيف يتجرأ أساطين المذهب كالكشي والطوسي على نقل هذا الإلحاد، وكيف يعدون الكليني ثقة إسلامهم وهو ينقل هو وأضرابه هذا الكفر البواح؟!
وهل ثمة عذر لمعتذر؟
وقد حاول شيخهم المجلسي اللجوء إلى المجاز لتفسير بعض نصوصهم الواردة في هذا الباب حيث قال: "إن تلك المجازات شائعة في كلام العرب، فيقال: لفلان وجه عند الناس، ولفلان يد على فلان وأمثال ذلك، والوجه يطلق على الجهة، فالأئمة الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، ولا يتوجه إليه تعالى إلا بالتوجه إليهم، وكل شيء هالك باطل مضمحل إلا دينهم وطريقتهم وطاعتهم، وهم عين الله أي شاهده على عباده، فكما أن الرجل ينظر بعينه ليطلع على الأمور فكذلك خلقهم الله ليكونوا شهداء من الله عليهم ناظرين في أمورهم.
وإطلاق اليد على النعمة والرحمة والقدرة شائع، فهم نعمة الله التامة، ورحمته المبسوطة، ومظاهر قدرته الكاملة. والجنب: الجانب والناحية وهم الجانب الذي أمر الخلق بالتوجه إليهم.. ويحتمل أن يكون كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم، كما أن قرب الملك يكون بجنبه" اه (2) .
إن هذا الاعتذار دليل على رضا شيوخهم بهذا الكفر البين، وإلا فكيف يلتمس لهذا الإلحاد الظاهر مخرجًا؟! لم لا يضرب به الجدار، وينقي "ثوب التشيع"--------------------------------------------
(1) انظر: ص (558)
(2) بحار الأنوار: 24/202
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 560)
من أدران رؤوس الملاحدة، وزبانية الكفر؟ وهل يصح تأويل المجلسي إلا إذا صح تأويل قول فرعون "أنا ربكم الأعلى" إلا إذا كان هذا التأويل لمجرد التستر على الباطل، والدفاع بالهوى عن مقالات الملاحدة.
إن التعلق بالمجاز - على فرض القول (1) . به - لا مكان له هنا؛ لأن المجاز في اللغة يلاحظ فيه وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي (2) . والأصل في الكلام الحقيقة "ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل الكلام على حقيقته" (3) .
ولذلك فإن فرقًا كثيرة في الاثني عشرية وغيرها عدت ذلك الكلام حقيقة، واعتقدت في الأئمة الألوهية بمقتضى هذا الكفر الذي ينقله لهم شيوخ الاثني عشرية، وكان حق هذه المقالة الرفض والتكذيب؛ لأنه لا معنى لدعوى المجاز، فهل توجد علاقة وقرينة لجعل معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا للأئمة؟! فأين العلاقة في قولهم بأن أسماء الله "الأول والآخر والظاهر والباطن" هي أوصاف للأئمة؟!! وقوله سبحانه: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} أين القرينة الصارفة لهذه الآية عن معناها الأصلي وهو أسماء الله سبحانه؟! لا يوجد شيء من ذلك إلا إن كانت هي زعمهم أن في الأئمة جزءاً إلهيًا، فقد أخرج صاحب الكافي عن الأئمة أنهم قالوا: "إنّ الله خلطنا بنفسه" (4) .
فإذا كانت هذه هي القرينة فهي تؤكد مبدأ الغلو ولا تنفيه، وتعطي الأئمة جزءاً من صفات الله سبحانه. وأنت تلاحظ في كلمات المجلسي مظاهر الغلو في الأئمة وتكاد تكون مجرد صدى لتلك الروايات.
فهل يمكن أن يقارن قول العرب: لفلان وجه عند الناس بقول إمامهم ---------------------------------------------
(1) انظر في مسألة المجاز: ابن تيمية/ مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 7/87-119، مختصر الصواعق المرسلة ص242 وما بعدها
(2) راجع: كتب البلاغة العربية: انظر - مثلاً -: المراغي/ علوم البلاغة ص296، حفني ناصف وزملاؤه/ البلاغة ص341 (ضمن قواعد اللغة)
(3) أبو شامة/ ضوء الساري ص106
(4) أصول الكافي: 1/146
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 561)
كما يفترون -: "أنا وجه الله"؟! وهل يقبل أن تجعل قرينة ذلك أن عليًا والأئمة هم الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها.. هل عندهم من برهان بهذا فيخرجوه لنا؟
لا يتوجه الناس بعبادتهم ودعائهم إلا إلى الله وحده، ولا يستقبل المسلمون في صلواتهم إلا إلى بيت الله، ولا واسطة بين الله وخلقه إلا في تبليغ وحيه سبحانه، ولا واسطة في التبليغ إلا رسل الهدى عليهم السلام، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال بعد هذا: إن الأئمة هم الجهة التي يتوجه الناس إليها؟!
أما دعوى "أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء" فهذه صفة للحق جل شأنه لا يشاركه فيها أحد سبحانه. قال تعالى: {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} (1) . {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ} (2) . {إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء} (3) .
والله سبحانه أمر أفضل الخلق رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أن يقول: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} (4) ، {قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} (5) . فأمره سبحانه أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم بغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ … } (6) .
وقد ذكر علماء الإسلام أن من ادعى شيئًا من علم الغيب فقد كفر،--------------------------------------------
(1) النمل، آية: 65
(2) الأنعام، آية: 59
(3) آل عمران، آية: 5
(4) الأعراف، آية: 188
(5) الأنعام، آية: 50
(6) الجن، آية: 26، 27، والنص عن تفسير ابن كثير: 2/293
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 562)
فقد أضاف الله سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه، فلا يظهر على غيبه إلا من اصطفى من رسله (1) ، وهذا هو الغيب المطلق المحجوب عن جميع الخلق (2) .
وقد عثرت وسط هذا الركام من هذه الدعاوى الغبية الملحدة حول الأئمة على بعض النصوص التي روتها كتب الشيعة والتي تجرد الأئمة من هذه الصفات التي خلعوها عليهم، وهي لا تنبغي إلا للحق جل شأنه.
قال أبو عبد الله - كما يروي صاحب الكافي -: "يا عجبًا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي.." (3) .
ولو كان أبو عبد الله - كما يزعم الكليني في أبوابه التي عقدها بعد ذكره لهذا النص - لو كان يعلم ما يكون ولا يخفى عليه الشيء، وإذا شاء أن يعلم - علم لم يخف عليه موضع الجارية.
وكان الأئمة من قديم يشكون من مزاعم هؤلاء الذين جمع أقوالهم صاحب--------------------------------------------
(1) انظر هذا المعنى في تفسير القرطبي: 7/2، 3
(2) ذكر أهل العلم أن الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب "مطلق" أو حقيقي وهو ما يعلمه وحده سبحانه دون ما سواه، وهو المقصود عند الإطلاق، وفيه يقول الله عز وجل: {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} . وغيب "إضافي" أو مقيد وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض؛ كالذي يعلمه الملائكة عن أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلاً. وأما ما يعلمه البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله؛ لأنه غيب عمن غاب عنه من المخلوقين، ليس هو غيبًا عمن شهده. والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبًا مقيدًا ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين قاطبة.
(انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 16/110، تفسير المنار: 7/422)
(3) أصول الكافي: 1/257
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 563)
الكافي وأسندها للأئمة، ولهذا جاء في حديث لهم ذكره صاحب البحار وصاحب الاحتجاج عن بعض أئمتهم قال: "تعالى الله عز وجل عما يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاء في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تبارك وتعالى: {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} (1) أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنا نعلم الغيب أو نشارك الله في ملكه، أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا".
وروايات الشيعة تكشف نفسها بنفسها وتتناقض نصوصها.
وقول الأئمة: إنهم مصدر الرزق وإنزال الغيث.. إلخ والذي يرويه شيوخ الاثني عشرية هو من مخلفات غلاة الشيعة والذين أنكر الأئمة مذهبهم.
فقد جاء في أخبارهم أن أبا عبد الله قال حينما قيل له: إن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق العباد. فقال: "والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري وأبلغت إليّ الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم؛ فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه» (2) .
ولكن هذه الروايات هي كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وفي التقية متسع لكل نص تضيق به نفوس شيوخ الشيعة، وإذا أردت مثالاً على ذلك فاسمع ما يقوله شارح الكافي تعقيبًا على قول أبي عبد الله الذي نقلناه آنفًا (والذي يتعجب فيه أبو عبد الله من قوم نسبوا له العلم بالغيب، ويذكر للرد عليهم بأن جاريته قد اختفت في داره فلم يدر أين هي فكيف يقال عنه إنه يعلم ما كان وما يكون) . قال شارح الكافي.. ".. الغرض من هذا التعجب وإظهاره هو ألا يتخذه الجهال--------------------------------------------
(1) قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه، وأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدًا
(2) بحار الأنوار: 25/301، رجال الكشي ص323، وانظر رواية في هذا المعنى في بحار الأنوار: 25/32، ورجال الكشي ص324-325، وأخرى أيضًا في البحار: 25/316، ورجال الكشي ص518-519
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 564)
إلهًا، أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظًا لنفسه، وإلا فهو رضي الله عنه كان عالمًا بما كان وما يكون، فكيف يخفى عليه مكان الجارية؟ فإن قلت: إخباره بذلك على هذا يوجب الكذب، قلت: إنما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية وقد قصدها، فإن المعنى ما علمت علمًا غير مستفاد منه تعالى بأنها في أي بيوت الدار" (1) .
انظر التكلف العجيب في رد هذه الرواية لإثبات أن الإمام يعلم ما كان وما يكون حتى ارتكب في سبيل ذلك نسبة الإمام إلى الكذب، وهدم أصلاً من أصولهم وهو العصمة.
وإذا كان الإمام أراد بهذا القول ألا يتخذه الجهال إلهًا فهل أنت بإثباتك لضد قوله تريد أن تدعو إلى تأليه الإمام، وأين الدليل على وجود بعض الحاضرين الذين يخشى من وجودهم الإمام وسلسلة السند كلهم شيعة؟! وعلى أي وجه من وجوه اللغة يعتبر هذا من قبيل التورية؟!
أما شيخهم الآخر الشعراني المعلق على الشرح فلم يعجبه هذا التكليف في تأويل الرواية، ورام ردها بأقصر طريق وهو الحكم بأن الرواية كذب (2) .
وهكذا يشيع الزنادقة عن علماء أهل البيت مثل هذه الإشاعات الكاذبة، فإذا أنكروا على هؤلاء الزنادقة فريتهم، وفضحوا باطلهم أمام الملأ حمل شيوخ الشيعة هذا التكذيب والإنكار على التقية.. فصارت التقية حيلة بيد غلاة الشيعة لإبقاء التشيع في دائرة الغلو، ورد الحق، والإساءة لأهل البيت.
وقد ادعى زارة بن أعين أن جعفر بن محمد يعلم أهل الجنة وأهل النار، فأنكر ذلك جعفر لما بلغه ذلك، وكفّر من قاله، ولكن زرارة حينما نقل له موقف جعفر قال لمحدثه: "لقد عمل معك بالتقية" (3) .--------------------------------------------
(1) المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) : 6/30-31
(2) تعاليق علمية (على الكافي وشرحه) : 6/31
(3) انظر قصة ذلك في ميزان الاعتدال، ترجمة زرارة بن أعين: 2/69-70
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 565)
المبحث الرابع
دعوى التحريف لتأييد مذهبهم في التعطيل
وهو مسلك لم يسلكه أحد غيرهم، وشذوذ اختصوا به عن سواهم؛ حيث راموا التخلص من آيات الإثبات للأسماء والصفات في كتاب الله سبحانه بدعوى خطيرة، سبق أعرضنا لها مفصلة، ولذلك سنشير إليها هنا باقتضاب ونقتصر على ما يتصل منها بباب الأسماء والصفات، هذه الدعوى هي تحريفهم للآية عما أنزل الله، فمثلاً روى ابن بابويه عن الرضا علي بن موسى في قول الله سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} (1) . قال الرضا: "إنها هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت" (2) . قال الرضا: "إنها هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت" (3) .
وهدف الشيعة من هذا التحريف واضح، فهم يحاولون بذلك نفي الإتيان عن الله سبحانه كقول المعتزلة.
وفي الاحتجاج للطبرسي عن أمير المؤمنين علي قال يخاطب أحد الزنادقة لإقناعه بالإسلام!!: "وأما قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه؛ لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه، هو أجل وأعظم من ذلك" (4) .
وواضح أن واضع هذه الأسطورة أعجمي جاهل لا يفقه من أمر العربية شيئًا، وزنديق حاقد في افترائه على كتاب الله، وتعطيله لصفات الله، ونسبة هذا الكفر لأمير المؤمنين علي. ومن كبير مكره وحقده زعمه أن هذه إجابة أمير--------------------------------------------
(1) البقرة، آية: 210
(2) التوحيد لابن بابويه: ص 163، بحار الأنوار: 3/319، البرهان: 1/208
(3) الاحتجاج: ص 253
(4) الاحتجاج: ص 253
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 566)
المؤمنين لإقناع أحد الزنادقة.
إن هذا المنهج في التعطيل يدل على أن هذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات لا ترعى في سبيل الدفاع عن مبادئها أية حرمة، ولا تقف عند حد.
وإذا كانت فرق العطلة من المعتزلة وغيرها لم تحاول أن تمس لفظ كتاب الله سبحانه، ورامت البحث عن تأويل للمعنى، فإن هذه الفئة قد تخطت الحدود وتجاوزت المبادئ فرامت إثبات مبدئها، يما يخرجها عن الإسلام أصلاً، فدل على أن هناك فئات من أهل التعطيل تريد الكيد للأمة بمحاربة أصل دينها وهو كتاب الله العظيم. ولقد انكشف بهذه الوسيلة أمرها وافتضح شأنها. والله من ورائهم محيط.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 567)
الفصل الرابع: اعتقادهم في الإيمان وأركانه
وفي هذا الفصل عرض لمبحثين الأول: قولهم في الإيمان والوعد والوعيد، والثاني: قولهم في أركان الإيمان.
وفي المبحث الأول خمس مسائل:
المسألة الأولى: مفهوم الإيمان عندهم.
المسألة الثانية: قولهم بشهادة ثالثة مع الشهادتين.
المسألة الثالثة: القول بالإرجاء.
المسألة الرابعة: بيان قولهم بالوعد.
المسألة الخامسة: بيان قولهم بالوعيد.
وفي المبحث الثاني: بيان لقولهم في أركان الإيمان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 571)
المبحث الأول: قولهم في الإيمان والوعد والوعيد
المسألة الأولى: مفهوم الإيمان عندهم:
لقد أدخل الاثنا عشرية الإيمان بالأئمة الاثني عشر في مسمى الإيمان (1) ، بل جعلوه هو الإيمان بعينه.
جاء في أصول الكافي: "الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله" ثم ذكر بقية أركان الإسلام، ثم قال: "الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلمًا وكان ضالاً" (2) .
ويقولون بأن الثواب في الآخرة ليس على الإسلام، إنما هو على الإيمان. وعقد لذلك صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإسلام يحقن به الدم وأن الثواب على الإيمان" (3) .
ويفسرون قوله سبحانه: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ … } (4) - بما يرونه عن أبي جعفر قال: "إنما عني بذلك عليًا، والحسن، والحسين، وفاطمة. وجرت بعدهم في الأئمة. قال: ثم يرجع القول من الله في الناس فقال:--------------------------------------------
(1) وقد نسب الأشعري هذا المذهب إلى جمهور الرافضة، انظر: مقالات الإسلاميين: 1/125
(2) أصول الكافي: 2/24
(3) أصول الكافي: 2/24
(4) البقرة، آية: 136، 137.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 572)
{فَإِنْ آمَنُواْ} يعني الناس {بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ} يعني عليًا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم، {فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} " (1) .
ولهذا قال ابن المطهر الحلي: "إن مسألة الإمامة (إمامة الاثني عشر) هي أحد أركان الإيمان المستحق بسببه الخلود في الجنان والتخلص من غضب الرحمن" (2) .
وقال محمد جواد العاملي: "الإيمان عندنا إنما يتحقق بالاعتراف بإمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، إلا من مات في عهد أحدهم فلا يشترط في إيمانه إلا معرفة إمام زمانه ومن قبله" (3) .
وقال أمير محمد القزويني (من شيوخهم المعاصرين) : "إن من يكفر بولاية علي وإمامته رضي الله عنه فقد أسقط الإيمان من حسابه وأحبط بذلك علمه" (4) .
المسألة الثانية: الشهادة الثالثة
وبمقتضى هذا الإيمان الذي لا يعرفه سوى الاثني عشرية، فإنهم اخترعوا "شهادة ثالثة" هي شعار هذا الإيمان الجديد، هي قولهم: "أشهد أن عليًا ولي الله" يرددونها في أذانهم وبعد صلاتهم، ويلقنونها موتاهم.
فالإقرار بالأئمة مع الشهادتين يقال بعد كل صلاة، وعقد الحر العاملي بابًا في هذا المعنى (5) .
وجاء في أخبارهم عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: "لو أدركت--------------------------------------------
(1) تفسير العياشي: 1/62، تفسير الصافي: 1/92، البرهان: 1/157
(2) منهاج الكرامة في معرفة الإمامة: ص 1
(3) مفتاح الكرامة: 2/80
(4) الشيعة في عقائدهم وأحكامهم: ص 24
(5) انظر: وسائل الشيعة: باب استحباب الشهادتين والإقرار بالأئمة بعد كل صلاة: 4/1038
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 573)
عكرمة (1) . عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبد الله عليه السلام: بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقنه ما أنتم عليه" (2) ، وعن أبي بصير عن أبي جعفر قال: لقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله والولاية" " (3) .
ويلقن هذه الشهادة عند إدخاله للقبر (4) ، وكذلك عند انصراف الناس عنه، وبوَّب لذلك المجلسي فقال: "باب استحباب تلقين الولي الميت الشهادتين والإقرار بالأئمة عليهم السلام بأسمائهم بعد انصراف الناس" (5) ، وساق في ذلك جملة من رواياتهم.
وهذه الشهادة الجديدة هي إقرار بمسألة الإمامة التي يرى ابن المطهر أنها "أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين" (6) .
وبعد، فإن الاعتقاد بأن الإيمان بالاثني عشر هو ركن الإيمان، أو هو الإيمان نفسه وهو أهم مطالب الدين … إن هذا "الاعتقاد" إحدى الدلائل البينة، والأمارات الواضحة على بطلان مذهبهم، وأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. فلا جاء في القرآن ولا ثبت في السنة شيء من ذلك (7) ، ولهذا رأى شيخ الإسلام أن قولهم بأن الإمامة - فضلاً عن القول بإمامة الاثني عشر التي لا يوافقهم أحد من المسلمين عليها إلا من ارتضى مذهبهم من الروافض - أهم مطالب الدين هو--------------------------------------------
(1) يعني عكرمة مولى ابن عباس العلامة الحافظ المفسر (انظر: سير أعلام النبلاء: 5/12) . هذا قدره عند هؤلاء (انظر: رجال الكشي: ص216 حيث قال بأن هذا يدل على ذمه)
(2) فروع الكافي: 1/34، من لا يحضره الفقيه: 1/41، تهذيب الأحكام: 1/82، ورجال الكشي: ص216، وسائل الشيعة: 2/665
(3) فروع الكافي: 1/34، تهذيب الأحكام: 1/82، وسائل الشيعة: 2/665 …
(4) انظر أخبارهم في ذلك في: فروع الكافي: 1/53، تهذيب الأحكام: 1/91، وسائل الشيعة: 2/843
(5) وسائل الشيعة: 2/862
(6) منهاج الكرامة: ص 1
(7) انظر ما ساقه ابن تيمية من ذلك في منهاج السنة: 1/20 وما بعدها، وقد مضى في هذه الرسالة شيء من ذلك، وسيأتي تفصيل في فصل الإمامة …
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 574)
كفر، لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة (1) .
وإذا كانت الإمامة بهذه المثابة التي يزعمون، فأبعد الناس عنها الرافضة الذين يرون أن كل راية ترفع قبل قيام "المعدوم" والذي يسمونه المنتظر هي راية جاهلية (2) ، ويكفرون بما وراءه من الخلفاء ما عدا خلافة علي والحسن.
كما أن مجرد المعرفة للأئمة لا يحصل بها نيل درجة الكرامة، لأن هذا لا يحصل بمجرد معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يطع أمره ويتبع قوله (3) .
المسألة الثالثة: القول بالإرجاء
هذا وإذا كان الإيمان عندهم هو الإقرار بالأئمة الاثني عشر، فقد أصبح معرفة الأئمة عندهم كافية في الإيمان ودخول الجنان، فأخذوا بمذهب المرجئة (4) . رأسًا. ولهذا عقد صاحب الكافي بابًا بعنوان: "باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة" (5) ، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد الله: "الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل" (6) . والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو معرفتهم.--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة: 1/20
(2) انظر: الغيبة للنعماني، باب في أن كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت، ص7
(3) انظر: منهاج السنة: 1/31
(4) المرجئة: هم الذي يؤخرون العمل عن الإيمان، ويجعلون الإيمان هو مجرد المعرفة بالله سبحانه، ومنهم من يقول: إنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة مهما ارتكب من المعاصي.
انظر عن المرجئة: مقالات الإسلاميين: 1/213-234، الملل والنحل: 1/139-146، الفرق بين الفرق ص202-207، التنبيه والرد ص43، التبصير في الدين ص59، البدء والتاريخ: 5/144، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص107، الخطط للمقريزي: 2/349-350
(5) أصول الكافي: 2/463
(6) أصول الكافي: 2/464
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 575)
وحين قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن أكثر الشيعة يعتقدون أن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة" (1) .
رد عليه بعض شيوخهم وآياتهم في هذا العصر فقال: "ما نسبه إلى كثير من الشيعة من القول بأن حب علي حسنة ليس يضر معه سيئة، فإنه بهتان منه، فإنهم جميعًا متفقون على ذلك، فتخصيصه الكثير منهم بهذه العقيدة ليس له وجه سوى الكذب" (2) .
قال شيخ الإسلام: "وإذا كانت السيئات لا تضر مع حب علي، فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هو لطف في التكليف، فإنه إذا لم يوجد إنما توجد سيئات ومعاص، فإذا كان حب علي كافيًا فسواء وجد الإمام أو لم يوجد" (3) . فصارت مسألة إمامة المعصوم المبنية على قاعدة اللطف منقوضة بمسألة المحبة المجردة، وكل قول عندهم لابد أن يهدم قولاً آخر وهكذا الشأن في كل دين ليس من عند الله سبحانه.
ولعلهم يفارقون المرجئة من حيث إن المرجئة تقول: الإيمان هو المعرفة بالله، وهم يقولون: الإيمان معرفة الإمام أو حبه.
وأخبارهم في هذا الباب كثيرة في عشرات من الأحاديث، فقد جاء عندهم "وهل الدين إلا الحب" (4) . وذكر المجلسي (154) رواية في باب بعنوان: "باب ثواب حبهم وولايتهم وأنهم أمان من النار" (5) ، كما جاء في عنوان آخر: "أن ولايته (يعني عليًا) عليه السلام حصن من عذاب الجبار، وأنه لو اجتمع الناس على حبه ما خلق الله النار" (6) ، وجاء في أحاديثهم "لا يدخل الجنة إلا من أحبه--------------------------------------------
(1) منهاج السنة: 1/31
(2) محمد مهدي الكاظمي/ منهاج الشريعة في الرد على ابن تيمية: 1/98
(3) منهاج السنة: 1/31
(4) تفسير العياشي: 1/167، بحار الأنوار: 27/95
(5) بحار الأنوار: 27/73-144
(6) بحار الأنوار: 39/32
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 576)
من الأولين والآخرين، ولا يدخل النار إلا من أبغضه من الأولين والآخرين" (1) .
وعلى هذا التقدير سقط الإيمان بالله ورسوله، وجميع العقائد الدينية، وجميع التكليفات والأحكام الشرعية، ولم يبق في شريعة الإسلام غير حب علي، وهذه المفتريات قد أضلت كثيرًا ممن يحب الإباحة ويتبع الشهوات (2) .
وهذه الروايات يلزم منها أن القرآن لم ينزل لهداية الخلق، بل لضلالتهم؛ إذ لم يذكر فيه حب علي وبغضه مع أنه هو أصل دخول الجنة أو دخول النار.
قال السويدي: "وإذا كان حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم غير كاف في النجاة والخلاص من العذاب بلا إيمان وعمل صالح فكيف يكون حب علي كافيًا، وهذا مخالف لقوله سبحانه: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (3) . وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (4) .؟ بل مخالف لأصولهم ورواياتهم، أما المخالفة للأصول، فلأنه إذا ارتكب رافضي الكبائر ولم يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله تعالى عندهم.
وأما المخالفة للروايات فلأن عليًا والسجاد والأئمة الآخرين قد روي عنهم في أدعيتهم الواردة عندهم بطرق صحيحة البكاء والاستعاذة من عذاب الله تعالى، وإذا كان مثل هؤلاء الأئمة الكرام خاشعين خائفين من عذاب الله فكيف يصح لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكل عليهم في ترك العمل (5) .؟ ". وانظر في قولهم: "إنه لا يدخل النار إلا من أبغضه من الأولين والآخرين" تجد أنه يدل صراحة على أنه لا يدخل النار مثل فرعون وهامان وقارون وسائر رؤساء الكفر وأتباعهم من الأمم الماضية لأنهم لم يبغضوا عليًا، بل لم يعرفوه، فانظر كيف أدى بهم الغلو.
ولا شك أن هذه مقالة لا يتكلف في ردها، لأنه معلوم بطلانها من الإسلام--------------------------------------------
(1) علل الشرائع: ص162
(2) نقض عقائد الشيعة للسويدي، الورقة: 34 (مخطوط)
(3) النساء، آية: 123
(4) الزلزلة، آية: 8
(5) نقض عقائد الشيعة، الورقة: 34، 35
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 577)
بالضرورة، ولو كان الأمر كما يزعمون لما أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وشرعت الشرائع.
لكن هذه العقيدة بقيت آثارها في المجتمعات الشيعية من الاستهانة بشرائع الله، والجرأة على حدود الله.
المسألة الرابعة: قولهم في الوعد
قال ابن بابويه: "اعتقادنا في الوعد أن من وعد الله على عمل ثوابًا فهو منجزه" (1) .
وقد توسعوا في مفهوم الوعد فاخترعوا روايات وأخبارًا ونسبوها لجعفر الصادق وغيره تثبت الوعد بالثواب على أعمال ما أنزل الله بها من سلطان. بل إن الدليل والبرهان قام على منعها وتحريمها أو اعتبارها ضربًا من الشرك أو الإلحاد كلعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلوه من أفضل القربات (2) . ولطم الخدود وشق الجيوب، وتعذيب النفس، وضربها بالسكاكين والسيوف باسم عزاء الحسين وهو عندهم من عظيم الطاعات (3) .
والحج إلى الأضرحة والطواف بها ودعائها والاستغاثة بها من أجل العبادات عندهم (4) . واستحداثهم لعبادات ما نزل بها من عند الله نص، وترتيب عظيم الثواب عليها (5) .--------------------------------------------
(1) الاعتقادات: ص94، وانظر: أوائل المقالات ص57، الاعتقادات للمجلسي ص100
(2) انظر: بحار الأنوار: 27/218، وراجع ص730 من هذه الرسالة
(3) انظر: عقائد الإمامية للزنجاني: 1/289 وما بعدها، مبحث (المواكب الحسينية) ، وانظر: الآيات البينات/ لمحمد حسين آل كاشف الغطاء ص4 وما بعدها، فصل (المواكب الحسينية) ، ودائرة المعارف (الشيعية) : 21/706
(4) انظر: فصل عقيدتهم في توحيد الألوهية
(5) انظر - مثلاً -: بحار الأنوار، باب أعمال يوم الغدير وليلته وأدعيتهما: 98/298-323، وباب عمل يوم النيروز وما يتعلق بذلك: 98/419 وغيرها، وانظر: وسائل الشيعة، باب استحباب صوم يوم النيروز والغسل فيه، ولبس أنظف الثياب والطيب: 7/346، وباب استحباب صوم يوم التاسع والعشرين من ذي القعدة، وقال بأنه كفارة سبعين سنة: 7/333، وأبواب صلاة =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 578)
وجاءت أخبارهم تقول بأن الأئمة يملكون الضمان لشيعتهم بدخول الجنة، وقد شهدوا بذلك لبعض أتباعهم على وجه التعيين، فهم يعدون بالثواب ويحققونه!!.
ومن نصوصهم في هذا ما جاء في رجال الكشي: ".. عن زياد القندي عن علي بن يقطين، أن أبا الحسن قد ضمن له الجنة" (1) ، وفي رواية أخرى "عن عبد الرحمن الحجاج، قال: قلت لأبي الحسن رضي الله عنه: إن علي بن يقطين أرسلني إليك برسالة أسألك الدعاء له، فقال: في أمر الآخرة (2) .؟ قلت: نعم، قال: فوضع يده على صدره ثم قال: ضمنت لعلي بن يقطين ألا تمسه النار" (3) .
فانظر إلى هذا "التألي" على الله، وكأن لديهم خزائن رحمة الله، وبيدهم مقاليد كل شيء، فهم يضمنون ولا يستثنون، ويوزعون صكوك الغفران والحرمان، فهل لهم مع الله تدبير؟ أو هم رسل يوحى إليهم، أو اطلعوا على الغيب، أو اتخذوا عند الرحمن عهدًا؟! إن مثل هذه المزاعم تبين أن واضعي هذه الأساطير هم فئة من الزنادقة الذين لا يؤمنون بقرآن ولا سنة، وهدفهم إفساد هذا الدين، فلم يجدوا مكانًا لتحقيق ذلك إلا في محيط التشيع.
وعلي بن يقطين الذي ضمن له هؤلاء الزنادقة "جنتهم" قد يكون شريكًا لهم في المذهب، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة 169هـبأنه قتل على الزندقة (4) .
وأخبار ضمان الأئمة لأتباعهم الجنة مستفيضة أخبارها في كتب الاثني--------------------------------------------
= جعفر: 5/194، 197، وصلاة فاطمة: 5/243، وصلاة يوم المباهلة، وتعدل مائة ألف حجة - على حد زعمهم -: 5/287
(1) رجال الكشي: ص430
(2) لاحظ أن الإمام المزعوم يستفهم عن المقصود بالدعاء وهو الذي يعلم المصير ويضمنه، وهذا من كذب المغفلين، أو أن الله سبحانه أراد لأمرهم أن يفتضح بهذا الاختلاف والتناقض الشائع في الكثير من أخبارهم
(3) رجال الكشي: ص431، وأورد الكشي عدة روايات مشابهة لما ذكر: ص431-432
(4) تاريخ الطبري: 8/190
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 579)
عشرية (1) .
المسألة الخامسة: قولهم في الوعيد
قال المفيد: "اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة" (2) ، وأنهم بارتكاب الكبيرة لا يخرجون عن الإسلام، وإن كانوا يفسقون بما فعلوه من الكبائر والآثام (3) .
وهذا القول في ظاهره موافق لمذهب أهل السنة، لكنهم خرجوا عن تحقيق هذا المذهب من طريق آخر، حيث توسعوا في مفهوم الكفر والمكفرات، ولذلك "اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار" (4) .
واتفقت على القول بكفر من حارب أمير المؤمنين عليًا وأنهم "كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين وأنهم بذلك في النار مخلدون" (5) .
وهكذا حكمهم في كل من خالفهم، ولذلك قال ابن بابويه: "واعتقادنا فيمن خالفنا في شيء واحد من أمور الدين كاعتقادنا فيمن خالفنا في جميع أمور الدين" (6) .--------------------------------------------
(1) انظر مثل ذلك في: أصول الكافي: 1/474، 475، رجال الكشي: ص447-448، 484، ورجال الحلي: ص98، 185، وكل هذه الصفحات المشار إليها تحمل ضمان الأئمة لبعض أتباعهم الجنة، وهذا "الضمان" يعدونه توثيقًا للرجل، ولذلك تكثر أخباره في كتب الرجال عندهم، كما أن الشهادة بالنار يعتبرونها من علامات القدح، ولذلك يتداولون أخبارها في كتب رجالهم أيضًا
(2) أوائل المقالات: ص14
(3) أوائل المقالات: ص15
(4) أوائل المقالات: ص16
(5) أوائل المقالات: ص10
(6) الاعتقادات: ص116، وانظر: الاعتقادات للمجلسي: ص100
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 580)